Nouvelle page 1

متسول - قصة قصيرة - للكاتب الروسي أنطون تشيكوف

ترجمها عن اللغة الإسبانية: عبد الجبار العلمي

 

ـ سيدي .. كن طيبا، وأحسن إلى رجل فقير بائس جائع. أمضيت ثلاثة أيام دون أن أسد رمقي بلقمة، وليس معي ولو خمس كوبيكات لأقضي الليلة في أي مكان. أقسم بالله على ما قلت، لقد كنت معلماً في مدرسة طيلة ثماني سنوات بإحدى القرى  لكن  أخذوا يكيدون لي حتى جعلوني أفقد منصبي، كنت ضحية وشاية. ومضت الآن سنة وأنا دون عمل .

  حدق " سكوبورزوب" المحامي بنظرته في معطف المتسول الأسود المهلهل، وفي عينيه القلقتين كعيني سكران، وفي الصفائح الحمراء فوق وجنتيه، وظهر له أنه رأى هذا الرجل فيما قبل في ناحية ما .

 ـ يقدمون لي عملا في ناحية " كاولكا "، أضاف المتسول، لكنني ليس لدي إمكانيات تعينني على السفر. ساعدني من فضلك . قدم لي هذا الجميل . إنني أخجل من مد يدي مستعطياً، لكن الحاجة ترغمني .

             لمح "سكوبورزوب" حذاء الرجل المطاطي، و لكنه حين رأى فجأة أن إحدى فردتيه ليست من المطاط، وإنما هي حذاء من جلد، تذكر وناداه :

  ـ يا أنت، أظن أننا منذ حوالي ثلاثة أيام، تقابلنا معاً في شارع "سادوبيا"، لكنك لم تقل لي وقتئذ إنك كنت معلماً، وإنما طالباً جامعياً مفصولا. هل تذكر ؟

 ـ لا، هذا غير ممكن. تمتم المتسول في ذعر، إنني معلم قرية، وإذا شئت أريتك أوراقي .

 ـ يكفي كذباً، لقد قلتَ لي بأنك كنت طالباً، وقد حكيت لي حتى السبب الذي طردت من أجله، ألا تذكر؟. اِحمر وجه" سكوبورزوب"، وتجنب المتسول الرث الثياب، وخاطبه بلهجة فيها اشمئزاز رافعاً صوته  مضيفا :

 ـ إنه لعمل دنيء يا سيدي، إنه نهب، سأعطي أمراً للشرطة لتبحث عنك .

يا للشياطين ! أن تكون فقيراً جائعاً لا يخول لك الكذب بكل هذه الوقاحة والبرودة . وضع المهلهل الثياب يده فوق قارعة باب الخروج، وأجال نظرة زائغة تشبه نظرة لص واقع في شرك وتمتم :

 ـ لا.. إنني لا أكذب.. أستطيع أن أريك وثائقي . تابع" سكوبورزوب" يقول غاضبا :

 ـ من سيصدقك ؟ إن استغلال عطف الناس على الأساتذة والطلبة عملية بائسة، دنيئة وساقطة، ممقوت !

ألهب " سكوبورزوب " بسوطِ لسانِه المسكينَ بدون رحمة.  لقد أيقظ فيه ذلك الممزق الثياب بكذبته الوقحة شعور اشمئزاز، وأخذ يلعن تلك الخلال التي من أجلها أحب حباً جماً، وقدر تقديرا كبيراً : الطيبوبة  ورقة القلب والرحمة بالأشقياء. إن ذلك الشخص باعتدائه على الإحسان لطخ روح الصدقة التي كان يحب أن يهبها للفقراء بنفس راضية كل الرضا.  دافع الممزق الثياب عن نفسه أول الأمر، وأقسم ليقولن الحق، لكنه بعد ذلك ركن إلى الصمت، وحنى الرأس في خجل.

            قال واضعاً إحدى يديه فوق صدره. لقد كذبت فعلا، لست طالبا، ولا معلما، كل ذلك كان اختلاقاً. كنت أغني في جوقة طردت منها لإدماني على الخمر، لكن الآن ماذا أعمل ؟

            صدق أنني لو لم أكذب لما استطعت أن  أعيش، عندما أقول الحق، لا يعطيني أحد، بقول الحق يموت المرء جوعاً وبرداً. أنت محق يا سيدي، وكلامك صحيح . وأنا أفهمك. لكن ماذا سأفعل ؟

            ـ كيف ؟ ماذا ستفعل ؟ تسألني ماذا يمكن أن تفعل ؟ .

صرخ " سكوبورزوب" مقتربا منه : العملَ. العملَ. هذا ما يجب أن  تفعل.  أن تشتغل.

ـ أشتغل.  نعم أشتغل. إنني  أدرك أنه يجب علي أن أشتغل،  لكن أين يمكنني أن  أجد عملاً ؟

ـ كلام فارغ. إنك بصحة جيدة. . فتى قوي، وفي  إمكانك أن تجد عملاً إذا  ما كانت  لديك  الرغبة  في ذلك، بيد أنك لست  إلا  رجلاً كسولاً ، مدللاً، سكيراً، وما ينبعث منك من رائحة الفودكا هومقدارما ينبعث من حانة بأكملها. وفضلا عن ذلك، فقد تعودت كثيراً على الكذب. لقد ذُلَّت نفسك بشكل فظيع، ولم تعد تصلح إلا للتسول والكذب. لو كنت شريف النفس، تميل نفسك إلى العمل، لابتغيت عملا إداريا بدل العمل في جوقة روسية. ذلك العمل الذي يؤدى عنه من أجل لا شيء. لماذا لاتعمل سيادتك في عمل عضلي. أن تشتغل حارساً أو عاملا في مصنع .. قال المتسول وهو يبتسم بمرارة:  ـ  أرى أنك تحدثني بطريقة غريبة. أين يمكن لي أن أجد هذا العمل العضلي ؟ لقد تجاوزت سن العمل كمستخدم في متجر، لأن التجارة يجب أن يكتسبها الإنسان منذ نعومة أظافره. أما الحراسة فلن يأخذني أحد لها... وأما المعمل فلن يقبلني كذلك نظراً لأن دخوله يقتضي الإلمام بحرفة من الحرف، وأنالا إلمام لي بأي حرفة.

ـ كلام فارغ . إنك تعرف دائما كيف تجد الأعذار. فَـلْنَـرَ، أيعجبك أن تعمل في قطع الحطب ؟ .

ـ لا أرفض ذلك .. لكن حاليا، حتى قاطعوا الحطب الذين يتقنون مهنتهم هم بدون عمل.

ـ هكذا دائما يبرر كل الخاملين كسلهم. أنا على يقين أنك سترفض أي عمل يقدم إليك. هل تقبل سيادتك أن تقطع الحطب في منزلي ؟

ـ نعم، أقبل.

                                ـ عظيم  !إذن فلنر، عظيم، سنرى ذلك. سارع" سكوبورزوب" ، وهو يفرك يديه مناديا الطباخة وقال لها في غيرقليل من الخبث :

                               ـ اسمعي يا أولكَا، خذي هذا السيد إلى العنبر ودعيه يقطع الحطب.

 هز المتسول المهلهل الثياب كتفيه، وسار وراء الطباخة حائراً متردداً بعض الشيء، وقد دلت خطواته على أنه إذا كان قد وافق على قطع الحطب، فليس لأنه كان جائعا وأنه أراد ربح المال، بل ببساطة من أجل المحبة الخالصة، والخجل من الشخص الذي يحادثه،  فالإدمان على الفودكا كان قد أوهن قواه وأسقمه وأفقده الرغبة في العمل. عاد" سكوبورزوب" مسرعاً إلى غرفة الطعام، حيث يمكنه من خلال النوافذ التي تشرف على الفناء أن يراقب العنبر وما يحدث في الفناء. وهكذا كان في استطاعة سكوبورزوب وهو جالس بحذاء النافذة أن يرى الطباخة والرجل يخرجان من باب السلم الداخلي إلى الفناء ويتجهان إلى العنبر سائرين فوق الجليد القذر.  صوبت أولكا إلى مرافقها نظرة شزراء، فتحت باب العنبر بضربة من كوعها ثم أغلقته بعنف غاضبة.

" لا شك أن المرأة كانت  تحتسي قهوتها، وأننا أزعجناها. يا لها من مخلوقة خسيسة"

بعد ذلك رأى سكوبورزوب " التلميذ " الأستاذ جالساً وقد وضع وجنتيه الحمراوين بين كفيه، واستغرق في التفكير. ألقت المرأة بين قدميه فأساً، وبصقت بغضب ظاهر، ولكي تعرب عن غضبها بحركات شفتيها أخذت تعنفه. أمسك المتسول بتثاقل قطعة حطب، ووضعها بين قدميه، وصوب إليها ضربة خفيفة، فتداعت القطعة، وسقطت على الأرض، عاد إلى أخذها، نفخ في يديه الباردتين، وضرب ضربة جديدة، ولكن بكثير من الحذر لأنه كان يخشى أن يصيب حذاءه أو يقطع أصابع قدميه. سقط الحطب مرة أخرى. كان غضب " سكوبورزوب " قد تلاشى، وهو الآن يعتوره شيء من الخجل لكونه أرغم على العمل ـ لغرضه الخاص، وتحت الزمهريرـ  شخصاً مدللاً، سكيراً بل ويمكن حتى مريضاً.

 ـ لا يهم سوف لا يلحقه أي سوء، إنني أفعل هذا من أجل مصلحته. فكر عندما توجه من غرفة الطعام إلى مكتبه.

   قال سكوبورزوب : أعطيه خمسيـن كوبيكات، ويمكنه إذا شاء أن يأتي في أول كل شهر ليقطع الحطب، إن العمل يوجد دائما ! ...

  حضر الرجل المهلهل الثياب إلى هناك في أول أيام الشهر مرة أخرى، وتقاضى مرة أخرى الخمسين كوبيكات، رغم أن قدميه لم تكونا تقويان على حمله، وابتداء من ذلك الوقت كان يحضر  ناعم البال إلى  الفناء حيث لم يكن يعوزه العمل، سواء كان لتنظيف الأرض من الجليد أو ترتيب العنبر أو نفض الغبار العالق بالطنافس والأغطية. وعلى كل واحد من هذه الأعمال كانوا يؤدون له عشرين أو أربعين كوبيكات، بل قد أهدوا له في مناسبة ما سراويل قديمة، وعندما انتقل سكوبورزوب إلى منزل آخر، استخدمه في المساعدة على حزم الأثاث ونقله.

            يومئذ لم يأت الممزق الثياب  سكران، بل أتى حزينا صامتا برأس مطرقة، وبدون حتى أن يضع يده في الأثاث، اجتهد في  أن يتظاهر بالنشاط، بيد أنه كان يرتعش من البرد، وقد ارتبك حين أخذ الحوذيون يضحكون من كسله ومن عجزه  ومن معطفه الليلي المهلهل.

    وعندما انتهت عملية نقل المتاع ناداه " سكوبورزوب " وقال له :

ـ أرى  أن كلماتي كان  لها تأثير عليك، خذ مقابل عملك، وأعطاه روبلا كاملا.

ـ ما اسمك ؟

ـ " لوسشكوب ".

ـ  إذن، اِسمع يا " لوسشكوب "، يمكنني أن أقدم لك عملا أكثر يسراً.  تعرف سيادتك الكتابة جيداً.

ـ نعم  أعرف.

ـ حسناً، إذن في هذه الحالة، اِذهب غداً مصحوبا بهذه الرسالة عند صديق  لي حيث سيستخدمك عنده ناسخاً . اشتغل، ولا سكر، وتذكر كل ما قلته لك، وداعاً.

            ربت " سكوبورزوب " على كتف " لوسشكوب " بحنو وهو جذلان لكونه استطاع أن يهدي إنسانا إلى  طريق الخير، وودعه ماداً له يده. أخذ" لوسشكوب " الرسالة، وانصرف ولم يعد قط للعمل في الفناء.

            تصرمت سنتان، وذات يوم، و بينما  كان  " سكوبورزوب " بصدد أداء ثمن تذكرته أمام شباك تذاكر أحد المسارح،  رأى رجلا ملتحفا معطفاً ذا ياقة من فرو استرخان ولابسا قبعة من فرو كلب الماء.

  طلب الرجل بخجل تذكرة مدرج " الفردوس" بعد أن دفع ثمنها قطعا نحاسية من فئة خمس كوبيكات.

ـ" لوسشكوب ".. ! أممكن أن تكون  أنت ؟ سأل" سكوبورزوب " متعرفاً في الرجل على قاطع حطبه القديم.

ـ  كيف حالك ؟ ماذا تفعل الآن ؟ هل تكافح جيدا في الحياة.

ـ  إنني على  أحسن ما  يرام، أعمل في محل كاتب عمومي، وأتقاضى خمسا وثلاثين روبلا .

ـ حمداً لله،  رائع ! إنني في منتهى السعادة من  أجلك يا صديقي " لوسشكوب".  على أي حال إنك ابني بالتبني . أنا الذي هديتك إلى الطريق السوي . هل تذكر كيف كنت استحثك ؟ اِه ؟ كنت قاب قوسين أو أدنى من القبر، على كل، أشكرك على أنك لم تنس كلماتي.

قال" لوسشكوب " :

ـ أقدم إليك أنا كذلك  تشكراتي، أجل، لو لم أذهب  إلى  بيتك، ربما كنت لازلت مستمراً في ادعائي بأنني كنت معلماً أو  تلميذاً...

أجل، لقد كانت نجاتي في بيتك، ومنه استطعت النجاة من السقوط في  الهاوية.

قال " سكوبورزوب " :

ـ إنني  مسرور بالغ السرورـ  أشكرلك كلماتك الطيبة،  كما أشكر لك المعاملة التي شملتني بها، لقد اعتدتم الحديث بشكل رائع، إنني كما  أتوجه بشكري الجزيل إليك، أتوجه به إلى طباختك، فليرع الله صحة تلك السيدة الطيبة، لقد كنت تتحدث آنذاك بنوع من الفصاحة... سأظل شاكراً لك إلى آخرأيام حياتي، لكن والحق يقال إن التي كان لها فضل إنقاذي هي طباختك " أولكا ".

ـ أنقذتك ؟ كيف ؟

ـ  على هذا النحو،  عندما كنت أذهب إلى بيتك لقطع الحطب كانت تأخذ في مخاطبتي: " إنك رجل سكير. رجل ضائع، لامنجاة  لك ثم تجلس أمامي، وتنظر إلى وجهي بحزن شديد، وتجهش بالبكاء :" مسكين  أنت ! لاسعادة لك في هذا العالم، ولا في العالم الآخر!وبما أنك سكير، فستصلي في نار الجحيم، لهفي عليك !  

            وهكذا، وبهذه الطريقة ما أكثر ما أحجبت دمعها، وما أغزر الدموع التي ذرفتها من أجلي. لم أستطع أن أخبرك بذلك، لكن الأهم هو : أنها هي التي كانت تقطع الحطب.. ! يجب أن أعترف لك يا سيدي بأنني لم أقطع قط ولو قطعة حطب واحدة.

            قامت هي بكل شيء .. لماذا أنقذتني ؟ لماذا حقق تفكيري فيها هذا التغيير في نفسي، فانقطعت عن الشراب، لا  أستطيع أن أشرح لك ذلك، فقط أعرف أن التغيير أحدثته كلماتها وأعمالها النبيلة.. هي التي ساعدتني في ذلك العمل، وأنا لن أنسى لها ذلك  أبداً.. لكن يظهر لي أن أوان العرض قد حل، لقد دق الجرس. واتجه" لوشكوب " بعد إلقاء التحية، إلى مقاعد الفردوس داخل المسرح.             

 ترجمة : عبدالجبار العلمي

عن  كتاب :           

por E.Podursky  y                               :traduccion del duso  ’ LA RUSIA  OLVIDADA

A.Aguilar . Coleccion  Novelas  y cuentos . Edicion  EDITORIAL . Magisterio Espanol .S.A.1967.