Nouvelle page 1

إنهم يرحلـــون...

رئيس التحرير

 

إنهم يــــرحلون فردا ففردا

فأعد الزاد الجــــميل أعدا

 لا تكن سطوة الـثرى لك قيدا

فنعيم الــــجنان خير مردا

 يرحلون تباعا، يرشدون إلى الطريق.

في فترة هي أقصر من ومضة برق، أو رفة جفن.

يجعلونك تنشد مع الماضين:

ذهب الذين يعاش في أكنافهم.

فيا ليت شعري، هل من بعدهم خـلَـفٌ أم خـلْـف؟

ضياء الحسن..علية الجعار.... مصطفى حيدر زيد الكيلاني...عبد الله الطيب المجذوب..إحسان عباس..محمد القيسي.. محمد حسن بريغش، أبو حسن..لكل واحد منهم معك قصة، تقصر أو تطول..وكل واحد منهم يقول لك إن السفر طويل، والموعد قريب، والعقبة كؤود، والبحر عميق، فما الذي أعددته من زاد؟

ضياء الحسن،ضياء ندوة العلماء: وجه هندي متألق بشاشة، وعلما، وتواضعا. لم أكن أعرف الجامعية الملية قبله. لقيته في مقتبل العمر في لكنو، بالهند، ركنا من أركان الأدب الإسلامي، نشيطا، يقظا،حييا، أذكره مع الأستاذ الأديب عبد النور الندوي الذي رحل عنا أيضا إلى دار البقاء وهو في عز العطاء الفكري والأدبي. ثم زارنا ضياء في أواخر عمره القصير، في المغرب، رفقة الشريف الحسني الشيخ محمد الرابع الندوي، خلَف سماحة الشيخ أبي الحسن الندوي في ندوة العلماء العتيدة، وذلك لحضور الملتقى الدولي الثالث للأدب الإسلامي الذي احتضنته كلية الآداب في أكادير، عام 1421/2001.وكما عهدت ضياء الحسن في الهند، وهو في نحو الثلاثين من العمر، جاءنا في المغرب بالهمة نفسها، والتواضع نفسه، وهو الذي كانت له مكانته العلمية المشهودة في الهند.ثم غادرنا، وما لقيته بعد ذلك غير مرة واحدة، قبل أن يفجعنا نعيه المبكر، رحمه الله تعالى.

علية الجعار، ابنة الإسلام: أول ما لفتت انتباهي هذه الشاعرة الداعية، منذ حوالي عشرة أعوام، وأنا في الإمارات العربية المتحدة، حيث تابعتها في حوار تلفزيوني مع الفنانة هالة الصافي. لأول مرة أحس بمذيعة – هكذا ظننتها للوهلة الأولى – تضفي على اللقاء من حرارة نبضها الإيماني العميق.كانت تدعو هالة إلى الحديث عن رحلتها الإيمانية، وهي مستبشرة بنتائج هذه الرحلة. وما كنت أعلم والله أن هذه الشاعرة ستكون عندنا ـ بعد أقل من سنة، ضيفة في المغرب، ثم في كلية الآداب بوجدة، ثم في بيتي... ضيفة على أم يوسف.

   كان الملتقى الدولي الأول للأدب الإسلامي الذي نظمته مجلة المشكاة، بتعاون مع رابطة الأدب الإسلامي العالمية، واحتضنته كلية الآداب بوجدة، في شهر شتنبر 1994، وحضره من كبار الأدباء عدد كبير، أذكر ممن قضى نحبه منهم وقد أدى الأمانة، كلا من الشيخ أبي الحسن الندوي والدكتور مصطفى هدارة.. وابنة الإسلام، علية الجعار... كان صوتها في الملتقى وهي تقرأ شعرها الإسلامي الناهض النابض مدويا مجلجلا، يبعث الحماسة، ويشحن المستمع قوة وإيمانا. لقيتها بعد ذلك، في استانبول وفي القاهرة، وهي شديدة الوفاء، شديدة المحبة لأهل الخير.وجدت مرة في صوتها حزنا وشجا، فسألتها عن الخطب فقالت:"الشيخ شحاتة.. مات رحمه الله". وحق لها ولكل من سمع أحاديث الشيخ شحاتة  عبر القناة الفضائية المصرية أن يحزن لفقدانه..لقد كان الداعية المتميز بابتسامته الطبيعية النقية التي يستقر أثرها في وجدان المشاهد، وكان منهجه الفقهي ينبني على التيسير لا التعسير، عملا بالحديث الشريف:"يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا"، وكان ذلك منهج علية أيضا رحمها الله.

    وكما كان أول لقاء عرفت فيه علية الجعار لقاء مع فنانة، كذلك كان آخر لقاء معها، حيث حضرتْ ندوة رابطة الأدب الإسلامي عن تقريب المفاهيم التي عقدت في القاهرة، ومعها الفنانة عفاف شعيب، التي تحدثت عن تجربتها الفنية ومسيرتها في طريق الإيمان، ودعوتها إلى أن يضطلع الفن برسالته الدعوية داخل المجتمع. كانت علية رحمها الله تعالى وراء مسيرة كثير من الفنانات إلى طريق التوبة والعمل الصالح، وتسخير الفن لخدمة الأمة في قضاياها الكبرى.

   كانت رفيقة أم يوسف في أيام الملتقى، وكانت آثار المرض بادية عليها، ومع ذلك كانت حريصة على حضور أعمال الندوة، وحريصة كذلك على إكرام زائراتها.

رحمها الله تعالى وأدخلها مدخل صدق وأثابها على جهادها الطويل خير المثوبة.

عبد الله الطيب،آخر العمالقة: رحلتي مع البحث العلمي رحلة عسيرة، فقد سجلت في الدراسات العليا، لتحضير شهادة استكمال الدروس، مع العالم الدكتور نجيب محمد البهبيتي، وهو واحد من الأساتذة المشارقة الذين طبعوا الجامعة المغربية بطابع خاص، هو وزملاؤه من الأساتذة الكبار، من  أمثال أمجد الطرابلسي وشكري فيصل وصالح الأشتر وسواهم، رحم الله من مات منهم، وبارك في عمر الذين ما زالوا يجاهدون بالكلمة.. وقد عانى البهبيتي من بعض الناس بعض ما عاناه في بلده، وأثرت تلك المعاناة على طلبته الثلاثة، وكنت واحدا منهم، حيث نقل من كلية الآداب بفاس إلى كلية اللغة العربية  بمراكش، ثم حرم من الإشراف على الطلبة، وكنا نزوره في بيته بضاحية الولجة بالرباط، فاضطررنا إلى البحث عن أستاذ يشرف على موضوعاتنا في الأدب الجاهلي، وقضى الله أن أبقى وحدي، فقد التحق أحد الثلاثة بالرفيق الأعلى، وانصرف الثاني وجهة أخرى.و بعد سنوات دفعت ملف ترشيحي إلى كلية الآداب بالرباط، وبعد أشهر نصحني أستاذي المشرف الجديد ـ وهو علَم في التحقيق ودراسة الشعر القديم ـ بسحب ملفي لأن مؤامرة تمنع من إتمام التسجيل.فإذا أحصيت السنوات المنصرمة ما بين فاس ومراكش والرباط، قبل الاستقرار في فاس مرة أخرى، وجدت عددها أربعا.وكان الأستاذ عبد الله الطيب قد التحق بكلية الآداب بفاس، فقصدته أعرض عليه أمر الإشراف، والخطوات التي قطعتها في بحثي مع أستاذي السابق، فرحب أيما ترحيب، وشرعت في إتمام عملي عن قيس بن الخطيم بإشرافه، فكنت أخلو إليه وأغرف من علمه.وحين سألني أستاذ جليل عما أفدته من شيخي عبد الله الطيب أجبته:"المنهج"، فتعجب وعلق قائلا:"لكن الأستاذ عبد الله الطيب لا منهج له"، وعجبت من تعجبه، ومن صدور هذا الحكم من أستاذ محنك: أكان يعني ما يقول؟ كانت ملاحظات أستاذي وتوجيهاته مقتضبة، إلا أنها دالة جدا، لأنها تدفعك إلى البحث والتنقيب بجد، وذلك أمر يعرفه من صاحب هذا العلامة رحمه الله تعالى.كتب يوما على هامش بيت سقته لشاعر قديم:" هذا من قري: لا ترى الضب بها ينجحر"، ولم يزد. وكان علي أن أطيل التأمل وأقلب النظر لأعرف المراد بهذه الملاحظة، ولم أكن حتى تلك الساعة قد سمعت بقول الشاعر :

 لاتفزع الأرنب من أهوالها   ولا ترى الضب بها ينجحر

أو ربما مر بي ضمن شواهد البلاغة ثم أنسيته مع الأيام، ولا كنت سمعت عن هذه الظاهرة البلاغية التي اختلف العلماء فيها وفي مصطلحاتها التي ناهزت العشرين، ولكني منذ ذلك الحين وجدت الطريق إليها في الشعر القديم، بدء من قول امرئ القيس:على لاحب لا يهتدى بمناره..الخ...ثم إلى مصطلحاتها في كتب النقد والبلاغة، حتى وقع في يدي الكتاب الجامع الذي ألفه الصديق الدكتور عبده زايد عن:(عكس الظاهر)، فهذا الذي عنيته بالمنهج.

    وبعد مناقشة دبلوم الدراسات العليا هيأ لي أستاذي مفاجأة:كانت العادة قد جرت بأن الباحث حين يجاز يقيم حفلا يحضره أولا أعضاء لجنة المناقشة، ثم بعض أهل العلم والأصدقاء.وكأن أستاذي رحمه الله تعالى آنس ما في بعد الشقة ـ بين وجدة وفاس ـ من تكاليف، فهيأ مأدبة في بيته نيابة عني، حضرها عدد كبير من أهل العلم والفضل، وإن أنس ما أنس ذلك اليوم المشهود. ثم عرضت على أستاذي موضوع الدكتوراه، فقبل مشكورا، وإذا بالأمر الإداري الذي وقع في الرباط يتكرر بفاس، وإذا بالبحث ـ لأسباب مستهجنةـ يتعثر ثلاث سنوات، وحين كنت أسأل عن ملفي وسر تعثره تأتيني أجوبة واهية، مثل قولهم إن الملف قد ضاع، وعليك تجديده.. وأغرب ما قيل لي يوما: ما علاقة أستاذك بالاستشراق الفرنسي؟ وكان علي أن أعكس الوجهة، وأولي وجهي شطر الرباط، حيث احتضنني أستاذي الفاضل الدكتور عباس الجراري بسعة خلقه وغزير علمه، حفظه الله تعالى.

   ولم تنقطع الصلة بيني وبين العلامة عبد الله الطيب، وقد زارنا مرارا في وجدة، بمناسبات علمية، كما كنت حريصا على زيارته بمقر إقامته بفاس، وكان يومذاك منكبا على الجزء الأخير من المرشد، يدون صفحاته. وأراد فضولي أن يعرف طريقة استعماله للجذاذات فإذا به يبتسم، وفهمت أنه يعتمد على الذاكرة، وقد أدركت أكثر من مرة، من خلال معاشرتي إياه، أن الله عز وجل آتاه حافظة نادرة قلما تخطئ.

   وعندما غادر المغرب إلى السودان ظلت زياراته متصلة، وكانت الدروس الحسنية مناسبة لتجديد اللقاء، ثم قدر الله أن يكون آخر لقاء لي معه في بيته، في السودان، في شهر غشت من عام 1991.

إن أصدق وصف ينطبق على الرجل هو ما نشرته بعد موته جريدة القدس العربي: إنه آخر العمالقة.

 إحسان عباس:الرجل الموسوعي:

رجل عالم وناقد كبير، حببه إلينا أستاذنا الدكتور محمد ابن شريفة، في سنوات الطلب الجامعي، قبل معرفته عيانا. كان أول لقاء لي معه في مؤتمر الأدباء في طرابلس عام 1977.رأيته فتهيبتـه.فهو ممن زاده الله تعالى بسطة في العلم والجسم.وكان حين يعتلي المنصة ويبدأ في الحديث يملأ العين، ولم يكن أحد مثله في المؤتمر يملأ العين، إلا ما كان من رئيس الاتحاد يوسف السباعي رحمه الله. كان الناس يتحدثون عن ضرورة تغيير الرئيس، وكان الموقف السياسي حاضرا، إذ كان السباعي يسير في ركاب السادات سياسيا، وهو موقف لم يكن يرضي كثيرا من المثقفين، ولعلي كنت منهم أنا أيضا، ولكن هذا لا يمنع من القول بأن هذا الأديب الكبير كان يملأ العين، وربما كان مهيبا.يدل على ذلك أن رؤساء الاتحادات ـ كما أخبرنا أحد هؤلاء الرؤساء ـ كانوا يجمعون أمرهم على أن يرشحوا غيره في اجتماعاتهم، حتى إذا اجتمعوا معه تبلد حمارهم، ولم يجرؤ أحد على إثارة الخلف. ويبدو أن الحوار الفكري لم يكن مقنعا لزحزحة الرجل عن مكانه، أو أن السباعي كان قوي الحجة أو قوي الشخصية، فآثر خصومه أن يضعوا حدا لحياته بإطلاق الرصاص عليه وهو ينزل من الطائرة.

أما إحسان عباس رحمه الله تعالى فكان إذا تكلم في النقد القديم تكلم كلام المختص، ومقدمته لكتابه عن النقد الأدبي العربي من أوجز المقدمات وأوسعها مدى وأغزرها علما.وإذا تحدث عن التراث الأندلسي كان من أهل هذا الشأن دراسة وتحقيقا، وإذا انصرف إلى الحديث لم تجد ناقدا من المعاصرين يجاريه، وحسبك أن ما كتبه عن السياب، على تقادم العهد، ما يزال من أفضل ما كتب عنه.وأنا أدخل من التبعيضية من باب الاحتراس، لعلمي أني لم أحط بكل ما كتب عن الشاعر العراقي الكبير علما.

وحين لقيته آخر مرة في بيروت رأيت شيخا فانيا، وإن لم يفقد هيبته التي منبعها العلم لا غيره، يمشي مستعينا بأحد أقربائه، وقلت في نفسي ما قالت المرأة التي رأت عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يطوف حول الكعبة:سبحان الله ! إن الناس ليرذلون! وهي تعني أن عبد الله أقصر من أبيه العباس الذي كان يطوف حول الكعبة وكأنه فسطاط، وكان العباس من عبد المطلب مثلما كان عبد الله من العباس، فتأمل!

رحم الله إحسان عباس، وأجزل له المثوبة على ما قدم من خدمات للغة العربية وآدابها قديما وحديثا.

محمد القيسي، شاعر فلسطين: ليس هذا اللقب كبيرا على من نذر نفسه لقضيته المقدسة، فلسطين.وهو وإن يكن من جيلي إلا أنه ممن نبغ مبكرا، فكانت أشعاره تصل إلينا في المغرب منذ عقود، ولعله كان من الشعراء الذين لفتوا إليهم الأنظار مبكرا، هو وسالم جبران، إن نحن تجاوزنا الثلاثة الذين كانوا ملء السمع والبصر منذ ما يقرب من أربعة عقود، أعني شعراء الأرض المحتلة الذين حلت النكسة وهم داخل هذه الأرض:توفيق زياد ومحمود درويش وسميح القاسم، أولئك الذين غيروا مواقعهم ولم يغيروا مواقفهم، كما قال على لسانهم درويش الذي صرخ في النقاد:ارحمونا من هذا الحب القاسي! لم ألتق بالقيسي غير مرة واحدة، لكنها كانت كافية لتتصل بيننا العلاقة، أولا لأن اللقاء استغرق أياما،حيث كنا في بيروت، ثم ترافقنا في الطائرة، إذ كان الشاعر مدعوا إلى المغرب رفقة الشاعر السوري ممدوح عدوان، ثم لأن هموما مشتركة جمعتنا، كان الشعر مدخلا إليها، والهم الكبير كان هو الشعر في سلاح المعركة الكبرى، معركة فلسطين.

  وحين جاء نعيه جاء بعد نعي عدد من الأدباء، وشعرت كأنه رحل قبل الأوان، وأنا أعلم علم اليقين أن الأعمار بيد الله تعالى، ولعل مرد ذلك الشعور إلى طبيعة العلاقة التي نسجناها في لحظة جاد الزمان بها، توجها الشاعر بإهدائي نوله المائي..

أبو حسن، محمد حسن بريغش، الأديب المظلوم:  العلاقة التي جمعتني بأبي حسن علاقة متميزة، وقد استمرت هذه العلاقة تسعة عشر عاما، لم تكن الأيام تزيدها إلا جدة ومتانة.ولن أفصل الحديث في هذا المقام، فسيجد القارئ بعض ما يغني في هذا العدد الذي يضم ملفا خاصا عنه، ولكني أكتفي بالإشارة إلى أن هذا الرجل ـ كما وصفه الدكتور حلمي القاعود في كلمته ـ رحل في صمت.. وبالرغم من أنه كان من السباقين إلى تأسيس الأدب الإسلامي المعاصر، بمقالاته وبحوثه التي كتبها منذ وقت مبكر ونشرها في مجلة حضارة الإسلام، وبالرغم من أنه من مؤسسي رابطة الأدب الإسلامي العالمية، وهو أول من تولى منصب أمين السر فيها، في فترة عصيبة كانت ما تزال الرابطة ينظر إليها بريبة من كثير من الدول العربية، حيث لم يكن يصرح لها بفتح مكاتبها الإقليمية، وبعضها لم يرخص بذلك إلا بعد عشر سنوات من تأسيسها، وبعضها لم يزل حتى الآن يعارض في أن تحصل الرابطة على إذن لفتح مكتب أو فرع، فإن الراحل عاش مظلوما ومات مظلوما حتى من بعض المقربين، وقد بكيت عندما اتصلت ـ بعد أكثر من أسبوع على وفاته ـ بالدكتور عبد المنعم يونس رئيس المكتب الإقليمي في القاهرة لأعزيه في وفاته، فإذا به يفاجئني بسؤال عفوي: هو محمد حسن بريغش مات؟؟؟

يا للهول ! يموت جعل أو لكع فتهتز له الدنيا، ثم يموت مثل هذا الرجل فلا يكاد يعلم بموته حتى أصدقاؤه المقربون! فمن الملوم؟؟؟                                 

 رئيس التحرير، أمين سر رابطة الأدب الإسلامي العالمية