|
رحلة مع الريح والجذوة |
|
آخر مقال بعث به الأستاذ محمد حسن بريغش رحمه الله تعالى |
|
ليس غريبا أن تكون بلادنا العربية والإسلامية بهذا الذي هي فيه، من التمزق والتأخر والضعف، لأنها ما زالت تتمسك بدواعي هذا التفرق والتباعد والخلاف، ومجانبة الأخذ بأسباب النهوض الحقيقي، وقطع أواصر الوحدة والتقارب بين الشعوب. أقول هذا وأنا أقرأ المجموعة القصصية "الريح والجذوة" للدكتور حسن الوراكلي، الذي يؤكد في أحد بحوثه(1) على أهمية الثقافة الإسلامية في التوحيد والوحدة، بل يرى أنها بما تتميز به من خصائص، وما تحمله من قيم، تحقق للعرب والمسلمين هذا التوحيد، ابتداء من توحيد العقيدة، إلى توحيد المشاعر والسلوك والمصالح، وهي –أي الثقافة الإسلامية- لها دور فاعل "في التوجيه والتخطيط بما يلم الشمل، ويرص الصف، ويوحد الوجهة، ومن هنا يمكننا أن ندرك الدواعي الحقيقية لحملة التشكيك، وهجمة الاجتثاث التي تعرضت لها ثقافة التوحيد من قبل (سدنة) الثقافة العلمانية…"(2) ويؤكد في هذا المجال على عنصر اللغة، وهو من عناصر هذه الثقافة لأنها "ذات فاعلية بالغة التأثير في تشكيل الوحدة الفكرية والشعورية لدى المسلمين"(3) **** ولكن ما علاقة ذلك بالمجموعة القصصية التي أود التوقف عندها اليوم؟ إن الذي أثار هذه الأفكار والمشاعر، حقيقة البعد والتقاطع بين أجزاء الوطن العربي والإسلامي حتى في مجال الفكر والأدب والثقافة الذي أصبح شائعا بين شعوب الأرض، مما يجعل المسلم يحس بأن المسافة بين المشرق العربي والمغرب العربي، أبعد بكثير من المسافة بين أي بلد عربي وبلاد الغرب، أو أمريكا. وان الحواجز والصعاب التي تقف أمام تلاقي الأفكار، وتعاون المفكرين والمبدعين أكبر من حاجز الأطلسي، والمسافات والبحار الشاسعة التي تفصلنا عن دنيا الغرب !! أليس هذا محزنا؟ أليس غريبا أن لا يستطيع الأديب والكاتب في بلد عربي أن يوصل كلمته إلى بلد آخر؟ أليست جريمة أن تتكرس هذه الفرقة والغربة والجهالة في عالمنا حتى لا تتلاقى العقول والإرادات والأيدي والآمال، ونظل نبحث عن الفتات الرخيص في أرصفة العالم حتى نبقي على رمق الحياة؟ ومن هذا الواقع –كما أرى- ترتسم مهمة الأديب المسلم، والكاتب والمفكر والمبدع، في اختراق هذه الحواجز، وإيجاد الصلة الأخوية المتعاونة، صلة التوحد والتوحيد بينه وبين إخوانه في أنحاء العالم العربي، والعالم الإسلامي. وإنها لمهمة كبيرة وصعبة، وقد تغدو متعبة وخطيرة، ولكنها من أهم الضرورات لأنها مهمة الحفاظ على الوجود، والتطلع إلى النهوض، والعمل للتخلص من عوامل التمزق والتخلف، وتجاوز المخاوف والصعاب. وتحقق هذا التواصل، الذي يعني –كما قلت- الحفاظ على الوجود والهوية، وترسيخ الأصول وإطلاق المواهب، إن تحقق هذا التواصل يحتاج إلى جهود فردية وجماعية، وإلى عمل أفراد المجتمع، ولا سيما المبدعين، وعدم الهروب من المسؤولية، أو الخضوع لواقع القطيعة والتفَكّك والتسول، وتجاوز الحدود والأبعاد، من خلال الروابط والجمعيات، والاتحادات واللقاءات المختلفة، ذات الطابع الشعبي، وهذا المسعى يشكل الخطوات الحقيقية للتصدي إلى ما نحن فيه، والبدء بالتوحد والتوحيد لكي نستطيع التغلب على كل ما نحن فيه من أمراض. **** هل ما سلف بعيد عن موضوع المجموعة القصصية "الريح والجذوة" أم هو من موحياتها التي استثارت هذه الخواطر والأفكار وغيرها كما استثارت وعي المسلم وهمته للتخلص من عوامل الضعف والتأخر والفرقة؟ إن مؤلف المجموعة أشار في مقدمته إلى ما يؤكد ذلك ويتصل به، حين تحدث عن الفكرة في مجموعته فقال عنها :" فكرة تنشد استرداد الوعي عند الإنسان المسلم، بعقيدته وهويته وذاتيته وفق رؤية متميزة للكون والحياة والمجتمع والتاريخ، وباسترداد وعيه يسترد دوره المنوط به في استئصال الزيف والشر والقبح والتسلط…"(4) فالمجموعة تأتي في طريق التواصل والقربى، وإيجاد الروابط، وتلاقي الأفكار والآراء. وهي تضم عشر قصص قصيرة ثم ختمت بأربع لقطات عكست صورا اجتماعية مختلفة عن الوسائل المتعددة لقهر الإنسان وتلويث فطرته السليمة، واستغلال حاجته وفقره وأوضاعه البائسة من أفراد ومجموعات. وهي توظف الإغراء المادي والفتنة أحيانا، وتستغل الفقر والحاجة حينا آخر، وكذا الدعاية المثيرة، كما تبين بعض صور التفرقة والظلم الاجتماعي. وهذه اللقطات أو الخواطر هي نوع من صور القصة القصيرة التي تركز على عنصر واحد، وتترك أبعاد هذا العنصر ترسم الفكرة، أو توحي بالمشاعر التي يريدها الكاتب، وقد يكون هذا العنصر شخصا، أو مكانا، أو مناسبة، أو وضعا اجتماعيا محددا. وفي مجموع هذه اللقطات يرى القارئ ألوانا من القهر والعذاب والإفساد والعادات والظروف التي يعيش فيها الإنسان البائس في هذا العصر، وإذا كانت هذه اللقطات تشير إلى أمكنة محددة في المغرب، إلا أنها تأخذ أبعادا اجتماعية وإنسانية تغطي العالم الإسلامي، بل كل المناطق التي يعيش فيها الإنسان بفطرته وبساطته، ومن حوله عالم يفتقر إلى المشاعر الإنسانية، أو الرحمة، أو المسؤولية. **** أما القصة الأولى التي جعلها عنوانا لمجموعته كلها "الريح والجذوة" فهي قصة متميزة عن باقي القصص. لقد آثر الكاتب أن يختار لها أسلوبا مغايرا، أسلوبا يعتمد على الصورة، والرمز والإيحاء وتداعي الخواطر لكي يفسح المجال أمام القارئ للسفر معه، أو الإبحار هنا وهناك، وتذكر كل الوقائع والأحداث التي توحيها رمزية كلمتي (الريح والجذوة). ومنذ البداية نرى الكاتب يوظف الكلمة والصورة والحدث للوصول إلى غرضه، وتصوير ما وصل إليه حال المسلمين في كل مكان، وحال فلسطين بصورة خاصة. وقد نجح في اختيار المفردات التي تساعد على رسم الصورة، أو الإيحاء بالواقع، أو الإشارة إلى المأساة، -في القدس- وإبراز الأبعاد للحدث الرمز. بدأ الكاتب قصته بهذه المفردة : (رماد، رماد، رماد). لتعطي ذلك الإيحاء الواسع الشامل لما وصل إليه الواقع المأساوي، ولما انتهت إليه حال المسلمين ولا سيما في فلسطين : حريق دمر كل شيء، كل المعالم اختفت، كل ما يدب في المكان من حياة أكلته النار وتحول إلى رماد عصفت به الريح التي ثارت من كل الجهات. وتكرار كلمة (رماد) يعطي الصورة بعدها وشمولها، ومرارتها وقسوتها، وفداحة نتائجها. وإذا كانت هذه المفردة هي المدخل وبهذه الرمزية، حتى غدت البداية والنهاية أيضا، ففي الصور الغائمة التي نقلها ما يؤكد ذلك أيضا. وحين نستعرض عددا من مفردات هذه القصة يتأكد لنا هذا الإيحاء والمعنى الذي رمز له بالرماد، حيث نرى أن هذه المفردات تناثرت داخل النص، كما تتناثر بقايا المحروقات وسط الرماد :"الشعل، عدم الاستطاعة (لم يستطع، ألا يستطيع) الألم، مغالبة الدموع، البكاء، عجز العينين أن تفيضا بالدمع، الذاكرة تعجز عن أن تسعفه، النار تلتهم جميع الأستار، الكآبة الكالحة، شخوص الأبصار، يوم عسير، الرجل الغريب، القرية الظالمة، المعتوهون، الطوفان، النقاش المحموم، توالد الرياح، ذعر المدينة وترويعها، الصراخ المبهور، العويل، قيظ الشمس، الرمال تستعر، النظرات الواجمة، الكآبة القاتمة، السباب البذيء، التعاسة والشقاء، بحر الصراخ والصمت، الرمال المستعرة)(5) وغيرها من المفردات والمعاني والصور التي توحي بهذا الجو الكئيب، والخطب الفادح، والواقع المأساوي الذي يستحق أن يوصف بالرماد. والكاتب، اختار هذا الأسلوب الغائم الشفاف، بألفاظه وصوره للتعبير عن الحدث (الجذوة) وفعل (الريح) الذي أحال واقعنا إلى رماد، ليعطي صورة أقرب ما تكون إلى الواقع : في مرارته، وأبعاده، وكثرة وجوهه، وتعدد أشكاله، حتى لم يعد في مقدور الإنسان المسلم العاقل أن يلم بالصورة كلها، وكأنه ينظر إلى الأشياء من خلال هذا اللهب والدخان والريح التي غام فيها كل شيء، فتحولت المعالم المعروفة طلاسم، وغدا البصر عاجزا عن رؤية الأشياء بوضوح … والحدث المقصود يمكن أن يكون في المسجد الأقصى كما أشارت القصة…حول الحريق الذي أشعله اليهود أعداء الإنسانية والأديان فيه، ويمكن أن يكون رمزا لسلب فلسطين كلها عبر المؤامرات، والتسلل الماكر إليها من كل اتجاه، وإشعال الحرائق في ماضيها، وبعث الريح لتدمر كل شيء فيها. ويمكن أن يكون في أي مكان في العالم الإسلامي، حيث تحاك المؤامرات، وتوضع الخطط، ثم تتوالى الكوارث، والمسلمون غافلون حيارى يتباكون. ولا ينسى الكاتب أن يصور حالة الإحباط واليأس حينا، وحالة الأمل والرجاء حينا آخر ((وددت ألا أموت إلا بعد أن يضوئ الفجر)) ((ليتني أكون جذعا حين يضوئ الفجر)). وتأتي عبارات الرجاء والأمل على لسان الأطفال، بعدما اندثرت أحلام الأجيال التي قصرت وأساءت وعجزت، حتى لم يعد هناك أمل إلا من خلال هذا الجيل الصاعد الذي يحمل الحجر، ويقاوم به الرصاص والقنابل والمدافع والدبابات والطائرات: "باركك الله يا أحلام الأطفال..يا أحلام الندى والشذى، وحمائم القدس" القصة (الريح والجذوة) من عنوانها، وفي مفرداتها وصورتها استطاعت أن تحقق البعد المأساوي للحدث الرمز في حريق المسجد الأقصى، ثم تتسع المسافات والأبعاد والأزمان حتى نرى من خلالها صورة واقعنا الدامي، ونتطلع إلى الجذوة التي ترمز إلى (الحريق والمأساة) كما ترمز إلى (الأمل والرجاء) معا، وهي تتوهج وتتوهج حتى يقبس منها الفجر أنواره، فتضيء للأجيال الآفاق والسراديب.
أما بقية القصص…فهي تسهم في تصوير الواقع من خلال حدث واحد مركزي، أو مكان، أو شخصية، ولكنها جميعا تحمل رموزا تفوح منها روائح المجتمع ومآسيه عن طريق الإيحاء بالفكرة والهدف. وتظهر هذه الرموز بوضوح من عناوين هذه القصص : ( نهر طالوت، وحمزة يعبر نهر المجاز، والخروج من الزمن الموحش، والسحابة السوداء، والصرة، والعجل والغشاوة، وصورة، والخنساء تزغرد على شرفات القدس) . واختيار هذه العناوين يشير إلى أبعاد اجتماعية وتاريخية، ويربط بين الواقع والماضي، ويضيء للقارئ أبعاد الحدث من خلال هذا الرمز الذي اختاره عنوانا. فطالوت هو الملك الذي قاد المؤمنين من بني إسرائيل لقتال عدوهم، واختبرهم قبل المعركة بالنهر الذي مروا عليه، وأمرهم ألا يشربوا منه، إلا من اغترف غرفة بيده، رغم ظمئهم وتعبهم، ولم يقو على هذا الاختبار إلى القلة التي غلبت الكثرة بإذن الله. واسم حمزة يرتبط بسيد الشهداء عم رسول الله r، والخروج من الزمن الموحش دلالة على التيه الفكري والسلوكي، فالسحابة السوداء تشير إلى الأجواء الموحشة التي تحيط بالمدن، والمخاوف التي تعترض الساعين إلى الخير، والدعاة إلى الإسلام. وبقية العناوين –كلها- ترمز إلى أحداث تاريخية، او حالات شعورية أو وقائع محددة، وهي بهذا تضفي على القصص أبعادا شاسعة، وتصل الحاضر بالماضي، والواقع (الحدث) بالتاريخ . والقصص –جميعها- تصور حالات مختلفة، وكلها تتناول واقع المسلمين في المغرب من خلال حدث في قرية، أو مدينة، وعلى لسان رجل أو امرأة. ومع أن أكثر الأسماء تشير إلى قرى ومحلات في المغرب، فإن القارئ لا يمنعه ذلك من تلمس هذه الصورة الواقعية، هنا وهناك في جميع أرجاء العالم الإسلامي، الذي يعاني من مشكلات الجمود والضعف والتمزق والخنوع، وتحاول أجياله الصاعدة الخروج من هذا الغياب إلى مسك القيادة من جديد، وأداء الرسالة بأمانة. والقصص متعددة الموضوعات والوجوه، فمنها ما يشير إلى الأوضاع الاجتماعية، والمآسي التي يعاني منها الكثرة الكاثرة من الناس، أو تصور الذين يغرقون في حب المال، وحيازة الممتلكات، فيستغلون، ويظلمون، ويرتكبون المحرمات لتحقيق مآربهم، ولا يأبهون بعذاب الآخرين، حتى تموت لديهم مشاعر الرحمة والإنسانية، وتتقطع من قلوبهم وشائج القرابة والرحم كما في قصة نهر طالوت. ومن أحداث القصة وبطلها (حمو) يصور الكاتب –أيضا- مشاعر الحرمان والظلم والقهر للناس البسطاء، ولا سيما حينما يرون مظاهر البذخ والتبذير والثراء في يد آخرين من ظالميهم. كما يصور في المقابل- طريق الجد والارتقاء، بالقدوة الحسنة، واستثارة العاطفة الصادقة، والفطرة السوية، والتطلع إلى صور الآباء ومجاهدتهم ونجاحهم للسير على منوالها، وبجانب ذلك لا يغفل صورة الواقع المأساوي لكثير من أبناء الجيل التائهين. وفي قصة (حمزة يعبر النهر) ينقلنا إلى مأساة البوسنة والهرسك، التي صورت حقد الغرب على الإسلام والمسلمين، وجرائمه وحربه على هذه الجزيرة المسلمة وسط لجج الظلام والضلال في أوروبا، وكيف أشعلت هذه المأساة جذوة الصحوة والنجدة عند كثير من أبناء العالم، فاجتازوا البلدان والبحار لنجدة إخوانهم. والكاتب يصرح على لسان حمزة- الرمز والبطل- بواقع المسلمين ويتساءل : " هل قدر على المسلمين أن يلعقوا أحزانهم، وبغصوا بأوجاعهم هم راضون مطمئنون؟ هل نضب معين الشعور بالعزة والكرامة في نفوسهم، ورضوا أن يكونوا في الأذلين؟" والقصة تعتمد على تصوير هذا الواقع من خلال الحدث المعاصر، والعودة إلى التاريخ المضيء عبر تداعي الأفكار والخواطر، واستدعاء الأحداث والتاريخ، ومزج الواقع بالماضي والمستقبل. فالبحر يوحي لحمزة بالفتوحات الإسلامية التي عبرت البحر لأوروبا بقيادة "طريف، وطارق وموسى ويوسف" وهم قادة الفتوحات الإسلامية للمغرب والأندلس. وهدير الموج يوحي له بأصوات التكبير والتهليل التي ترددت من جموع المجاهدين، كما توحي له بالحدث الخالد حين أحرق طارق بن زياد المراكب التي عبر بها إلى الأندلس، ووصل إلى الجبل الذي سمي بعدها باسمه، حين خطب في المجاهدين خطبته المشهورة، وما تلاها من انتصارات. ويستمر التداعي والتفكير عند حمزة، والتردد بين الواقع الذي يشير إلى عجز الحكومات وتخاذلهم، والانكفاء على (التوصيات) رمزا لأداء واجبهم، وبين ما يجري من قتل وتشريد وتمزيق وانتهاك لكل الحرمات في البوسنة، ويخلص من كل ذلك باجتيازه المجاز الصعب والالتحاق بالمجاهدين. وفي قصة (الخروج من الزمن الموحش) يستخدم الحدث والرمز ليصور سقوط الأيديولوجيات الدخيلة أمام ممارسة الواقع، كما رأيناها في فلسطين، وأفغانستان وفي كثير من بلدان العالم الإسلامي، حين اصطدم المخدوعون بهذه الأفكار بالواقع الذي يناقض هذه الأفكار، ورأوا ذلك البعد والتناقض بين الشعارات والممارسات مما جعل الكثيرين يتخلصون من هذه الأفكار ويكفرون بها. والقصة أشبه باللقطة الخاطفة، استخدم فيها رمز (س) بدلا من اختيار اسم للبطل، ولو فعل ذلك لكان أفضل، وكان بالإمكان تطوير القصة عن طريق أحداث ولقطات أخرى تزيد من إضاءة الفكرة والغاية. وفي قصة " السحابة السوداء" تصوير واقعي لمأساة الدعاة، وما يحيط بهم من مخاطر في كل زاوية، فيعيشون حياة ملأى بالمحن والعذاب على يد المجندين، ورجال السلطة بمسمياتهم المختلفة. وبالمقابل تبدو الصورة الوضيئة لحياة هؤلاء الدعاة وآثارهم، ومآثرهم، في محاربة هذه الجراثيم والأمراض الاجتماعية والسياسية والأخلاقية والفكرية التي تملأ مجتمعهم. وفي قصة (الصرة) تصوير لحالة الفقر والبؤس في المجتمع، ولا سيما في الريف الذي يفتقد فيه الإنسان إلى أبسط مقومات الحياة، أو فرص العمل، أو الرعاية الصحية، أو التعليمية. وفي المقابل يقف المتاجرون ببؤس الناس وأوجاعهم، واستغلال هؤلاء الفقراء البسطاء، وإغرائهم بالسفر إلى أوروبا للكسب والثراء، فيصورون لهم الجنات ورغد العيش في هذه الرحلة، مما يدفع هؤلاء المساكين إلى توفير كل ما يقدرون عليه من المال، فيبيعون كل أشيائهم ويقدمونها ثمنا للحصول على فرصة السفر والعمل، فينجح القليل منهم، وقد يضيع في أوروبا، ويفشل الكثيرون بعد أن يضيعوا كل ما يملكون. والكاتب ينجح في تصوير ما يدور في داخل البطل (أحمد) من أفكار وخواطر ومشاعر، وما يعانيه من مرارة وصعاب وحرمان ويأس وإحباط. كما ينجح في إبراز الصورة الفاحشة لطغيان الحياة المادية على المجتمعات، واندفاع الناس لقتل كل القيم في سبيل ذلك. وفي قصة (العجل) تصوير للصراع بين الفضيلة والرذيلة، بين المال والعلم، وبين الاستقامة والانحراف. وعنوان القصة يرمز إلى مضمونها، فالعجل هو الذي صنعه الإسرائيلي بعد اجتياز موسى وقومه البحر، والنجاة من العدو، ثم غياب موسى –عليه السلام- لملاقاة ربه-عز وجل-وكان العجل الذي صنع من الذهب رمز الإغراء والفتنة والردة. وهذا ما حدث مع عبد المجيد، الذي نشأ في بيت العلم والتقوى والعفاف، ولكنه بعد حين يرى كل من حوله محاطا بمظاهر الثراء والترف ورغد العيش، فيدور الصراع في نفسه، وتتكالب عليه عوامل الإغراء وغيرها، حتى يسقط في قبول الرشاوى، وينكشف أمره فيخسر دنياه وآخرته. والقصة أشبه ما تكون في أسلوبها بالرسالة التي تصور حياة البطل، وتخاطبه، وتسرد أمامه الذكريات والأحداث، وتعيد إليه صورة الوالدين والشيخ المعلم، والمكانة العلمية…كما تصور الجانب الآخر : جانب الغواية والسقوط، وما يعقب ذلك من صراع نفسي مرير ينتهي بهذا السقوط، وهي تشير إلى فتنة المال وتأثيرها، وضرورة التحصين والوقاية للمسلم منها. أما قصة (الغشاوة) فهي تصوير لمجتمع الطلبة، وطريقة استغلال هؤلاء الشباب من قبل أصحاب الأفكار الدخيلة، والأحزاب العلمانية، وانتهاز الفرص لاصطياد الكثيرين عن طريق التظاهر بتقديم الخدمات، وحب التعاون والتعارف، وتذليل الصعاب، ولا سيما أمام القادمين من الريف والمناطق البعيدة عن مقر الجامعة، كما يستخدم هؤلاء جميع المغريات، والإمكانات لإشباع رغبات الكثيرين من هؤلاء المراهقين، واندفاعهم لتحقيق ذواتهم، أو نجاحاتهم، وإثبات شخصياتهم. ثم ينتقل الكاتب ليصور الصراع بين الفطرة والانحراف، وبين الشعارات والممارسات، مما يؤدي إلى صحوة الكثيرين الذين يرون هذا التناقض العجيب بعد أن تتكشف أمامهم بعض الحقائق : " كيف نستنكر المظالم ونظلم؟ ! كيف نتباهى بالحديث عن الشرف وننهش الأعراض؟!" وفي قصة (صورة) رمز لمشاهد من المجتمع لبطل رمزي (س) وهو ينتظر قادما فيرى أمامه عددا من المشاهد الاجتماعية المختلفة التي تعكس الانحرافات والفساد، والزيف، والتحايل و…ويظل البطل يرى ويحوقل من هول ما يرى حتى يصل الرجل الذي ينتظره، فيحدثه بهذه المشاهد التي تنتهي بهذه الإجابة عن سؤال صاحبه : ومتى يهتدي هؤلاء ؟ فيقول :" حتى تأتيهم البينة مبرأة من الشوائب، مجردة من الأهواء، غضة طرية كما أنزلت" فالهداية بالتعامل والممارسة، وليس بالصوامع والمظاهر. وفي قصة (الخنساء تزغرد على شرفات القدس) رمز لكفاح الشعب الفلسطيني ضد يهود، ورمز لموقف الأمهات في فلسطين المجاهدة، اللواتي يذكرننا بالخنساء، وأمثالها في دفع أولادهن للمقاومة والشهادة، وفرحهن بلقيا الشهادة…. والقصة أسلوب جديد : فيه الحكاية، وتداعي الأفكار، وتصوير المشاعر، والانتقال من مجريات الحدث إلى إضاءات جانبية تزيد في إيضاح الصورة وتعميقها. كما استخدم الكاتب فيها أسلوب الهوامش التي تزيد في إضاءة الحدث أو الموقف، ففي الهامش الأول يوضح حالة الفلسطينيين في القدس الشرقية، وفي الهامش الثاني يوضح صورة اليهود والقتلة في القدس الغربية. وهذه الطريقة أعطت القصة حيوية جديدة.
بعد استعراضنا لقصص هذه المجموعة، والتعرف على موضوعاتها وبعض مميزاتها، أذكر بعض النقاط التي استوقفتني في هذه المجموعة، التي تعد إضافة جديدة إلى القصة الإسلامية، ونموذجا ناجحا لهذه القصة في المغرب العربي، وتتلخص هذه الوقفات بما يلي : 1-إن استعراض قصص المجموعة والتعرف إلى موضوعاتها يوحي بأن عنوان القصة الأولى، وعنوان المجموعة كلها (الريح والجذوة) يرمز إلى أكثر موضوعات هذه المجموعة التي تصور جانبين متضادين : فالريح تمثل الجانب المأساوي في مجتمعاتنا، المتمثل في الانحرافات والمفاسد وطغيان حب المال والجاه والمظهر، وضعف الوازع الديني والخلقي، وصور الفقر والمرض والانتهازية، والسلطة التي تلاحق مظاهر الصحوة الإسلامية، وهي تلتقي مع الريح التي تدمر كل شيء، وتؤذي الإنسان والحيوان والنبات والجماد. وأما الجذوة فهي ترمز إلى الإصلاح والأمل، والتماس طريق النجاة والخير، والصحوة والعودة إلى الله، وإنارة الطريق. 2- لقد اتبع الكاتب طرقا مختلفة في قصصه : ابتداء من الحكاية، والسرد، إلى الرسالة، والخاطرة، والرمز، والتداعي (المونولوج الداخلي) واللقطات السريعة المختلفة التي تربطها عين المشاهد… وهذا التنوع يدل على ثراء الكاتب، وموهبته القصصية، وقدرته على كتابة القصة الهادفة، واستخدام الطرق المختلفة، مع النجاح في تصوير الواقع وإعطائه البعد الإنساني الإسلامي. 3- وموضوعات القصص متنوعة : اجتماعية ، وثقافية، وسياسية، محلية وعامة، ويجمعها رابط أساسي، وهو التصور الإسلامي للقضايا والمشكلات والفنون. وقد حرص الكاتب أن لا يقحم ما يشير إلى هذا التصور بشكل مباشر، بل يبث ذلك بالرمز والإيحاء وتصوير المشاعر والتداعي حتى يبدو كالدم الذي يغذي كل الأطراف، ويبقى رمزا لنبض الحياة، وصحة الجسد. 4- والقصة عند الكاتب تقوم على عنصر أساس : كالحدث أو البطل، أو المكان، أو الفكرة. لذا فقلما نرى أكثر من شخصية واحدة في القصة، أو حدث واحد. ولكن الكاتب ينجح في نقل الصورة المطلوبة من خلال عرض جوانب الشخصية، وسلوكها، وأفكارها وأبعادها. أو من خلال وصف الحدث، والربط بين الطبيعة، والفكرة والمشاعر، لكي تتعانق كلها وتبرز الصورة المطلوبة. 5- أسلوب الكاتب لماح واضح ودقيق، يختار مفرداته بدقة ومهارة وتذوق لكي تؤدي الصورة المطلوبة، والإيحاء المطلوب. كما يعتني بتصوير البيئة بما يخدم الحدث أو يواكب المشاعر والخواطر، كما للكاتب عناية خاصة في إضاءة ما يدور داخل الإنسان من أفكار ومشاعر وخواطر، وتداعيات وصراعات. ومع هذا التنوع والثراء والأصالة التي تميز بها أسلوب الكاتب، فإن قصته الأولى (الريح والجذوة) تبقى المثال الأوفى الذي يحمل بصمات الكاتب وسمات أسلوبه وموهبته. ولا سيما في تكوين الإيحاء المطلوب، والمشاعر المطلوبة، مع أن بقية القصص لها مميزاتها الخاصة. كما وإن ثقافة الكاتب، وكذا تأثره بالأسلوب القرآني والحديث الشريف، وفهمه وتذوقه للصور المبهرة في الكتاب الكريم، يظهر واضحا في الألفاظ، والعبارات والاقتباسات المبثوثة في أكثر قصصه. وكذلك الأحداث التاريخية في عصور الإسلام المختلفة، التي استخدمها لإضفاء البعد التاريخي للحدث أو الرمز. وأخيرا فإنني أشد على يد أخي الكاتب الأديب في هذا الجهد المشكور، وأتمنى أن تكون هذه المجموعة من بشريات إبداعاته القصصية الأخرى، وإسهاماته الناجحة في مسيرة القصة الإسلامية المعاصرة.
|
|
الهوامش (1) في كتاب (المسلمون وأسئلة الهوية) ص13-24. (2) السابق ص18. (3) السابق ص24. (4) المجموعة القصصية الريح والجذوة ص10. (5) استخدمت المفردات ذاتها حينا، ومعناها حينا آخر.
صورة لآخر مراسلة للأستاذ محمد حسن بريغش رحمه الله تعالى وقد بعث بها بتاريخ 26 يونيو 2003 أي قبل أقل من شهر من انتقاله إلى عفو الله تعالى ورحمته.وتتضمن إشارة إلى مقالته الأخيرة عن الريح والجذوة، وإشارة أخرى إلى مقالة سابقة عن الأستاذ الأديب عبد الله الطنطاوي، وهي منشورة أيضا في هذا العدد.
|