|
أطروحة جامعية في موضوع: "شعر حسن الأمراني : قراءة تأويلية" |
|
قدَّمها الطالب الباحث محمد المتقن |
|
نوقشت بمدرج عبد الله راجع، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك/ الدار البيضاء، في 29 ماي 2003، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها عنوانها "شعر حسن الأمراني:قراءة تأويلية"، [وحدة الأدب والتلقي والحاسوب]، تقدم بها الطالب الباحث: محمد المتقن، تحت إشراف الدكتور محمد علي الرباوي. وذلك أمام لجنة علمية مكونة من الأساتذة : - الدكتور مصطفى السلاوي رئيسا. - الدكتور سعيد الغزاوي عضوا. - الدكتور إدريس الناقوري عضوا. وبعد المداولة قررت اللجنة منح الطالب الباحث شهادة الدكتوراه بميزة: مشرف جدا مع تهنئة أعضاء اللجنة. وفيما يلي نص التقرير الذي تقدم به الطالب الباحث للدفاع عن أطروحته:
|
||||
|
|
||||
|
-1- لم أعرف تفسيرا لتلك المساجلات التي كانت تدور مع بعض أصدقائي، حول الشعر العربي، إلا في مرحلة متأخرة من دراستي بالجامعة. وعندما أتذكر الآن ذلك الجو المشحون الذي كانت تجري فيه تلك المناقشة، أعرف أن سبب تشبثي برأيي، ودفاعي المستميت عن موسيقى القصيدة العربية، كما نظر لها الخليل، كان مرده إلى إعجابي بموروثنا هذا. وإخفاق زملائي في تقديم نماذج جيدة من بضاعتهم المدعوة بالشعر الحر، تفلح في إقناعي بما هم عليه من رأي؛ في حين كانت عدتي من شعرنا، قديمه وحديثه، سندي القوي الذي يثبتني على الطريق. فالنماذج التي كنت أحفظها وأستشهد بها، تعرف قيمتها الفنية، فئات مختلفة من الناس. وأخذت قراءاتي النقدية تتنامى وتتنوع. وأخذت مداركي تتسع شيئا فشيئا. وكان أن فتحت عيني على نماذج جيدة من القصيدة العربية المعاصرة، بعد النقاش الذي تتالى على صفحات مجلة الأمة حول جوهر الشعر، وغير هذا من القضايا..ثم ظهرت مجلة المشكاة المغربية، وأعلنت عن تخطيها للصراع المفتعل بين الشكلين الخليلي والتفعيلي، من خلال ما كانت تنشره من قصائد لشعراء مغاربة ومشارقة، ومن خلال المقالات النقدية التي تسير في الاتجاه نفسه. وهكذا توطدت صلتي بالشعر كلا لا يتجزأ. وتقدَّمت ببحث لنيل الإجازة في الأدب العربي، من كلية الآداب، اخترت له عنوان :"الشعر الإسلامي المعاصر، ومشاركته في التعبير عن قضيتي فلسطين وأفغانستان". وشهدت أواخر التسعين من القرن الماضي، أمسيات شعرية نشطة كانت تتوج الأسابيع الثقافية، التي كانت تنظم بالمدرسة العليا للأساتذة والمركز التربوي الجهوي، وبعض دور الشباب بمدينة فاس. وكان يستدعى لها جمع من الشعراء على رأسهم الثلاثي الوجدي، أقصد الشعراء : حسن الأمراني ومحمد علي الرباوي ومحمد بنعمارة..وهكذا تمتنت علاقتي بالشاعر حسن الأمراني، وتوطّدت صلتي به أكثر، من خلال المراسلات، والأمسيات الشعرية، واللقاءات العلمية التي كانت تجمعني به. لقد بقي في النفس شيء من شعر الأمراني، منذ تعرفت عليه، أثناء إنجازي بحث الإجازة، من خلال اطلاعي على ديوانه "القصائد السبع"، وأخذ هذا الشيء يكبر مع كل مجموعة تصدر له، أو قصيدة تنشر هنا أو هناك. وألفيت نفسي أبادر إلى اقتفاء آثاره، لما انطبع في نفسي من حب لشعره. وهكذا ولدت فكرة هذا البحث، وتطورت بعدما رأيت أن الشاعر المغربي المعاصر عموما، كثيرا ما تهمله البحوث والدراسات الجامعية، لتنصرف إلى دراسة مشاهير شعراء المشرق الذين أشبعوا بحثا من قبل، وهذا غبن للشاعر المغربي ما بعده غبن. وداخل الإطار الشعري المغربي نفسه كذلك، نجد حضورا لهذا التجاهل لشعراء فرضوا رؤية إبداعية مغايرة للسائد في الساحة الشعرية، ومن هنا نبع اهتمامي بواحد من هؤلاء الذين ضُرب على تجربتهم الشعرية نوع من الحصار، وذلك رغبة في إبعادها عن وهج الأضواء. لقد جاء اختياري لدراسة معلمة من معالم شعرنا العربي المعاصر بالمغرب، أقصد الشاعر حسن الأمراني، تتويجا لاقتناع ترسخ لدي، مع توالي صدور مجموعاته الشعرية، حيث كان كل إصدار –في نظري- تجاوزا للمراحل الفنية التي قطعها الشاعر. وما يزال الأمراني يحث السير باتجاه التألق والتأنق، الذي لا يسع كل متتبع لحركة الشعر المغربي المعاصر إلا أن يشهد له بعلو كعبه فيه. هناك سبب آخر دفعني إلى البحث في شعر الأمراني، هو انعدام الأبحاث التي أفردته بالدرس، أما البحوث التي تعرضت له، فهي إما أن تكون تناولته ضمن مجموعة من الشعراء، وهنا أذكر كلا من عبد الله راجع، وعزيز الحسين، ومحمد علي الرباوي، وإما أن تكون تطرقت بعنصر واحد متعلق بشعره وشعر شعراء آخرين، وأمثل لها بدراسة محمد بنعمارة والمختار حسني، وهي دراسات رامت رفع الحيف عن الشعر المغربي المعاصر. ومن الأسباب التي دفعتني إلى دراسة شعر الأمراني كذلك، إنتاجه الشعري الذي يغطي أكثر من ربع قرن من العطاء المتواصل. ومن الأسباب أيضا تأثير الأمراني، في كثير من شعراء المنطقة الشرقية ومناطق أخرى، بل وفي شريحة كبيرة من الشعراء الشباب المعاصرين ومن بينهم كاتب هذه السطور، بل لقد امتد تأثير الأمراني إلى شعراء عديدين، داخل المغرب وخارجه، وترجم بعض شعره –حسب علمي- إلى الأردية. -2- لقد اخترت عنوانا للأطروحة هو :" شعر حسن الأمراني : قراءة تأويلية". ولم يكن هذا العنوان هو أول ما استقر عليه رأيي، وقد كانت هناك مجموعات اختيارات، تبين لي بعد مداولة النقاش حولها مع فضيلة الأستاذ المشرف أنها لا تخدم الأطروحة التي أسعى إلى البرهنة عليها في دراستي لشعر الأمراني. يعطي عنوان :"شعر حسن الأمراني، قراءة تأويلية" أهمية واعتبارا بالغين لهذا الصوت الشعري المتميز، الذي إذا ذكر، ذكر معه الأدب الإسلامي بالمغرب، ومجلة المشكاة، ووجدة، مما يدفع إلى تلمس خصوصية الشاعر وشعره، والأمراني في هذا شبيه بالسياب، إذ كلما ذكر الشعر الحر، ذكر معه. إن ما يكتسبه شعر الأمراني من أهمية وخصوصية، هو ما جعلني أسعى إلى قراءته قراءة تأويلية. ويبدو هذا الأمر أكثر إلحاحا، إذا علمنا أن شعر الأمراني تطبيق عملي لدعوته إلى الإسلامية في الشعر والأدب عموما. لقد أولت نظرية القراءة عناية خاصة للقارئ، وغدت القراءة، فعلا إبداعيا لا يقل أهمية عن إبداع الكاتب، وإذا انتقلنا إلى الحديث عن التأويل الذي نعتنا به قراءتنا لشعر الأمراني، فإننا نجد أنه أسال مدادا كثيرا، لكن تاريخه أقدم من تاريخ القراءة بأزمان طويلة. وقد طال بنا الوقوف عند معنى التأويلية في المدخل، واستطعنا أن ننتهي إلى أن النقاد والمنظرين للتأويل يراوحون بين اعتباره علما أو فنا، وأن التأويلية تشتمل على خصائص وعناصر. -3- ويضم متن هذه الأطروحة أربعة عشر ديوانا. ولم يكن قصدي في عملي هذا موجها نحو التأريخ لشعر الأمراني، بقدر ما كان التنقيب عن التميز الذي يمثله شعره. لقد وجدت نفسي إزاء متن الأمراني أقصد قصدا إلى المنهج الاستقرائي، فقد تكوّن لدي اقتناع من وحي اللقاءات العلمية مع فضيلة الأستاذ المشرف، ومن وحي شهودي المناقشات العلمية الجادة للأطاريح المقدمة إلى هذه الكلية العامرة، أن المنهج، أي منهج، لا يحمل في ذاته فضيلة، وإنما هو أداة وليس غاية. لقد ألفيت القراءة التأويلية تتقاطع مع المنهج الاستقرائي في عنصرين من عناصرها هما : الدائرة التأويلية والسياق. -4- وهذا ما جعل هيكل الأطروحة مكونا من مدخل وبابين كبيرين متكاملين، أولهما متعلق باللغة التي كانت السبب الأول في القول بالتأويل وضرورة اللجوء إليه منذ القديم؛ وثانيهما التناص الذي يعد عماد القراءة التأويلية، وأنهيت بحثي بخاتمة، وفهرس للمصادر والمراجع. تطرقت في المدخل الذي عنونته بــ" في مفهومي القراءة والتأويل" إلى مصطلح القراءة في النظرية النقدية، والوضع الذي كان عليه القارئ فيها قديما، ثم عرجت على النظرية النقدية المعاصرة، وبينت سبب الاهتمام بالقارئ فيها، ومسوغات العناية بالقراءة، واستخلصت منها قسمات مصطلح "قراءة" المعاصر. وكان الجزء الثاني من المدخل، مناسبة للحديث عن أسباب نشأة التأويلية وأصولها الدينية في الغرب، وكيف كانت اللغة عاملا حاسما في هذه النشأة، ثم عرضت لتعريف التأويلية. وانتقلت إلى الحديث عن الدراسات العربية والتأويلية، ثم سعيت إلى تحديد المصطلح وتجلية قسماته، وانتصرت للرأي الذي يميز فن التأويل Herméneutique عن التأويل Interprétation. بعد المدخل جاء الباب الأول:"اللغة ومستوياتها" مقسما إلى خمسة فصول، أولها :" الشعر ومركزية اللغة" مهدت له بالقول : إن الشعر لغة قبل أن يكون أوزانا وقوافي، وذكرت بما أوردته في المدخل من كون التأويلية لم تجانب الصواب عندما عدت اللغة هي النقطة التي يجب أن تكون المنطلق في التأويل. وهنا صرحت بفرضية التميز والمسؤولية التي يجب أن تكون المنطلق في التأويل. وهنا صرحت بفرضية التميز والمسؤولية التي أنوي اختبارها في هذه القراءة التأويلية فيما يتعلق بشعر حسن الأمراني. وقد جاء هذا الفصل موزعا على ثلاثة مباحث هي: المبحث الأول : مواصفات اللغة الشعرية. المبحث الثاني : تصور الحداثيين للغة الشعرية. المبحث الثالث : المعجم. أما الفصل الثاني المعنون بـ"اللغة التقريرية في شعر الأمراني وتأويلها" فجاء مشتملا على مبحثين؛ الأول منهما سميته "لغة البدايات". وانتقلت إلى المبحث الثاني :" تأويل اللغة التقريرية" ومن خلال الإحصاء، تبين لي أن هذه اللغة مرتبطة ببدايات الشاعر. وفي الفصل الثالث الموسوم بـ"اللغة القرآنية وتأويلها" جاء المبحث الأول : "اللغة القرآنية في أعمال الأمراني" ليبرز الحضور المتميز للنص القرآني في شعر شاعرنا.أما المبحث الثاني من هذا الفصل، فقد خصصته لتأويل اللغة القرآنية في أعمال الأمراني. وانتقلت إلى الفصل الرابع "اللغة الصوفية وتأويلها" وقسمته إلى مبحثين. الأول خاص برصد اللغة الصوفية الأمراني. أما المبحث الثاني، فخصصته لتأويل هذا الحضور الصوفي في أعمال الشاعر. وختمت الباب الأول بـ"الفصل الخامس" الذي وسمته بـ "اللغة المعتقة وتأويلها"، وفي المبحث الأول منه، بينت المقصود بكلمة "المعتقة" التي نعتت بها لغة الأمراني، وقصده من استعمالها، وهجره للغة الحديث اليومي التي قامت حوله ضجة كثير من المنظرين للشعر العربي المعاصر. وخصصت المبحث الثاني من هذا الفصل، لتأويل هذا الحضور الكثيف للكلمات العتاق في أعمال الأمراني. وفي الباب الثاني :" التناص ومصادره في شعر الأمراني" الذي قسمته إلى مدخل وأربعة فصول، تحدثت –في المدخل- عما تعرض له التناص، من تشويش كبير عند انتقاله من اللغات الأوروبية إلى اللغة العربية، ثم عرجت على تعريفه، وذكر قيمته، وبعض الطرق التي يأتي عليها. وفي الأخير حددت ماذا أقصد بالتناص وأنا أدرس شعر الأمراني. وقد توزعت الفصل الأول : "التناص مع القرآن الكريم" ثلاثة مباحث، هي : التناص الأسلوبي والدائرة التأويلية والتناص المعنوي والدائرة التأويلية والقصة القرآنية والسياق. وانتقلت إلى الفصل الثاني "التناص مع الحديث النبوي" وخصصته للنظر في كيفية تسرب الحديث الشريف إلى شعر الأمراني، وذلك من خلال تخصيص مبحث لكل طريقة من الطرق الثلاث، التي وقفت عليها في شعره. وفي الفصل الثالث : الذي وسمته بـ "التناص مع الشعر" انتهيت إلى أن محفوظ حسن الأمراني الشعري، ينحصر في ثلاثة متون كبيرة، تناولت كلا منها في مبحث مستقل. وهكذا جاء المبحث الأول، متناولا الشعر العربي القديم. وافتتحت المبحث الثاني :" التناص مع الشعر العربي الحديث" بالحديث عن أنواع التناص التي هيمنت على تناص شعر الأمراني مع الشعراء المحدثين. وأنهيت هذا الفصل بمبحث ثالث يتعلق بالتناص مع الشعر العربي المعاصر. أما الفصل الرابع "التناص مع السيرة النبوية والتاريخ" –وبه ختمت الباب الثاني من الأطروحة –فتمخض فيه استقرائي لأشعار الأمراني عن تناص شعر الشاعر، مع السيرة النبوية والتاريخ العربي العام، قديمه وحديثه. ودرست كل مصدر من هذين المصدرين في مبحث مستقل. -5- لقد اعترضت سبيلي في هذا البحث جملة صعوبات. فإذا كان قد قرّ قراري، منذ البداية، على دراسة شعر الشاعر حسن الأمراني؛ فإنني قد تهيبت فيما بعد، المضي في هذا القرار لأسباب منها : أن هواي مع هذا الشاعر، فكيف لي أن أنجز بحثا موضوعيا حوله؟! ثم إنني وجدت نفسي وجها لوجه أمام بحار الشعر المتلاطمة وأمواجها العاتية. وبدا هذا التهيب في التغيير الكبير الذي طرأ على التقرير الثاني، الذي قدمت نسخة منه لفضيلة الأستاذ المشرف، بعد قرابة السنة من التنقيب والبحث وتقليب الأمر على وجوهه المختلفة. ولما انتهيت من قراءة المتن، القراءة المتأنية التي جلت لي قسماته البارزة؛ عنت لي صعوبة أخرى تمثلت هذه المرة، في المصادر والمراجع المتناولة للتأويل، فجلها لا يتحدث عن التأويل باعتباره قراءة منهجية لها ضوابطها وعناصرها التي تحول بينها وأن تكون قراءة على هوى القارئ أو الباحث. وهنا شمرت على التنقيب في بطون الكتب العربية والأجنبية؛ وبين ثنايا المجلات الأدبية والفكرية، التي كانت قلما تجود بما أبحث عنه. ولكنني استطعت في الأخير أن أتجاوز هذا، عندما جمعت شتات هذه القراءة المسماة بالتأويلية، واهتديت إلى خصائصها وعناصرها. -6- أشير في الأخير، إلى أنني جعلت الجداول الكبيرة في ملحق خاص، وذلك حتى لا يشرد الذهن عن تتبع التعليق الذي كان يتلوها، أما الجداول القليلة العدد فلم أمسسها بتغيير. وأنهيت البحث بخاتمة ذكرت فيها أهم ما انتهيت إليه من نتائج وهي : 1-تمخضت دراستي لمفهومي القراءة والتأويل في المدخل، عن كون القراءة التأويلية تتطلب قارئا نموذجيا أو خبيرا ينهض بتكاليف وتبعات هذه القراءة. 2-انتصرت للرأي الذي يميز التأويلية Herméneutique عن التأويلInterprétation. 3-أسفر تنقيبي عن القراءة التأويلية، عن أن هذه القراءة ليست دون معالم تدل عليها؛ فهي قراءة ذات خصائص وعناصر. 4-تمخضت قراءاتي المتكررة عن اقتناعي بكون الشاعر حسن الأمراني قد مر بخمس مراحل تطور خلالها شعره تطورا ملحوظا وهذه المراحل هي : المرحلة الأولى : مرحلة البدايات. المرحلة الثانية: مرحلة الإرهاص بالتأسيس. المرحلة الثالثة : مرحلة التأسيس. المرحلة الرابعة : مرحلة التحول. المرحلة الخامسة : مرحلة القصيدة/ الديوان.
5-وقفت في الفصل الثاني على شيوع اللغة التقريرية في بعض أعمال الأمراني الممثلة لمرحلة البدايات وجزء يسير من مرحلة الإرهاص بالتأسيس، وأرجعته إلى رغبة الشاعر في التعبير عما كان يملأ الساحة الوطنية من صراع إيديولوجي في العقد السبعيني إلا أن هذه اللغة ليست المهيمينة إذا ما قورنت بالمستويات اللغوية التي ذكرتها. 6-في فصل اللغة القرآنية تبين لي أن القرآن الكريم ركن شديد من أركان ثقافة الأمراني، وقد كشفت لي طرق الشاعر المتنوعة في استدعاء اللفظ القرآني وتوظيفه أننا في حضرة شاعر كبير يتصرف في لغته بحرية كبيرة، تشي بقدرته الفنية العالية. 7-انتهيت في الفصل الرابع المتعلق باللغة الصوفية إلى : أ) أن سبب لجوء الشاعر المعاصر إلى لغة التصوف يكمن في متانة الصلة القائمة بين الشعر والتصوف. ب) تدرج الأمراني في استعمال اللغة الصوفية من التقليد إلى الاستعمال الذي ينم عن نضج كبير. ج) نسبة استعمال الأمراني للغة الصوفية، نسبة عالية وهي تأتي في المنزلة الثانية بعد اللغة القرآنية. د) أن الأمراني تدرج في استعمال اللغة الصوفية حتى رسا مركبه في الحضرة النورانية فكثف من استعمال مصطلح النور بظلاله الندية، ومصطلحات التقوى والقلب والتعبير بواسطة الأنثى في لغة عفيفة. وتوظيف مصطلحات الحزن والنار والرؤيا وكل هذا يدل على أننا أمام صرح شعري جديد وفتح شعري عربي. 8- ميزت في الفصل الخامس لغة أخرى يستعملها الأمراني هي التي سميتها اللغة المعتقة، وقد بينت المراد من هذه التسمية، حيث عنيت بالعتق الجمال والسبق والروعة والكرم، واستنتجت أن استعمال الشاعر لهذه اللغة رد عملي على دعاة توظيف لغة الحديث اليومي المبتذلة. لقد استعار الأمراني في تجربته الشعرية لغة القرآن ولغة التصوف إلى جانب اللغة المعتقة، لأن لهذه المعاجم إيحاءات خاصة، قصد الشاعر بها الوقوف في وجه التنظيرات الحداثية التي هجنت الشعر العربي ومسخته بدعوتها إلى تبني لغة الحديث اليومي. وفي الباب الثاني توصلت إلى مجموعة نتائج أهمها : 1-أن الأمراني يعتبر مختصا في استلهام القرآن الكريم، وقد تناص شعره مع القرآن من حيث الأسلوب والمعنى، مع ارتباط الأول بمرحلة البدايات، في حين ارتبط التناص المعنوي بالمراحل الأخرى. 2-في التناص المعنوي يبدو الأمراني شاعرا متميزا من خلال تجليات توظيفه لهذا النوع من التناص. 3-أن الأمراني ينوع في طرائق توظيفه للحديث النبوي، مما يحيلنا على مظهر آخر من مظاهر ثقافة الأمراني. 4-يوظف الأمراني الحديث النبوي في سياقين هما الثورة والتصوف. أما فصل التناص مع الشعر فكشف لنا عن محفوظ الشاعر الذي ينحصر في ثلاثة متون كبيرة هي الشعر العربي القديم والشعر العربي الحديث والشعر العربي المعاصر. والنتيجة العامة لهذا الفصل، هي أن المتن القديم هو المتن الأكثر حضورا في شعر الأمراني وعلى رأس قائمة شعرائه أبو الطيب المتنبي. في فصل التناص مع السيرة النبوية والتاريخ، وظف الشاعر السيرة النبوية من خلال الفترتين المكية والمدنية. تحضر في الفترة المكية عدة محاور، مثل محور البعثة النبوية ومحور الابتلاء ومحور الهجرة. وكل هذه المحاور كانت تكتسب معنى معاصرا من خلال ربط الشاعر لها بواقعنا المعاصر. أما الفترة المدنية من السيرة العطرة فإن الشاعر قد اصطفى منها بعض الغزوات فوظفها مثل غزوة أحد وتبوك وكلها ذات معاني تحيل على الواقع العربي المهزوم. وفي الجزء الثاني من هذا الفصل الأخير وظف الأمراني تاريخ الخلفاء الراشدين وتاريخ الأمويين، وقد تبين أن التاريخ الإسلامي هو ملهم الأمراني. لقد كان تعامل الأمراني مع كل من السيرة النبوية والتاريخ، تعاملا فنيا راقيا، من خلال الإيحاءات التي كانت تلقيها ظلال تلك الأحداث على الواقع العربي المعاصر. أما هيكل هذه الأطروحة، فقد أنهيته بفهرس ضم قائمة المصادر والمراجع راعيت فيه إيراد أعمال الشاعر بحسب تاريخ صدورها، ولم أراع في الترتيب الألفبائي للمصادر والمراجع الأخرى، "أل" التعريف، و"أل" و"ابن" تقيدا بالعرف وما جرت عليه سنن البحوث العلمية؛ ثم ذيلت الأطروحة بفهرس مفصل للمحتويات. كنت أطمح في هذا البحث، إلى تناول عنصرين مهمين يجسدان –إضافة إلى ما سبق ذكره- معلمتين من معالم التميز عند الأمراني هما الرمز وبناء القصيدة. فالرمز في شعر الأمراني يكتسب أهمية خاصة، من خلال تدرج الأمراني في التعامل مع الرموز، إلى أن بلغ مرحلة إبداع رموزه الخاصة.أما معمار القصيدة عند الأمراني فهو شيء لا تخطئه العين. ولعله قد تتاح لي أو لغيري من الباحثين فرصة معالجة هذين العنصرين الهامين. لقد فتح هذا البحث الباب أمام الراغبين في التعرف على علَم من أعلام الأدب الإسلامي المعاصر في المغرب، ولعله سيفتح هذا الباب أكثر إذا ما قام غيري بدراسة هذا الذي أضافه الأمراني وسواه من رواد الشعر الإسلامي المعاصر، من خلال دراسة مقارنة يسهر عليها فريق من الباحثين. -7- وفي الأخير لا يسعني إلا أن أتقدم بالشكر والامتنان لفضيلة أستاذي الدكتور محمد علي الرباوي، الذي رعى هذا البحث بعلمه، وصانه بحلمه، فأقال عثراتي وشجعني بتوجيهاته. وكان ما أتاحه لي من حرية حافزا لي على مواصلة هذا البحث. لقد تعلمت من فضيلته كثيرا على درب البحث العلمي الجاد، وتعلمت منه الرفق والأناة والصبر على التنقيب والتواضع الذي يرفع صاحبه، فله مني الشكر العظيم ومن الله الجزاء الأوفى على الحفاوة التي كان يغمرني بها في بيته العامر بوجدة، فلقد كان بحق نعم الأخ والصديق ونعم المعلم. وقد كانت صحبتي له على امتداد السنوات التي استغرقها هذا البحث صحبة المريد للشيخ فقد فتح لي قلبه قبل بيته، وهذا ما ذلل الكثير من الصعوبات أثناء الطريق، وسأظل أعتز بهذه الصحبة الطيبة ما حييت. وفي هذا الباب لا يفوتني أن أشكر فضيلة الدكتور سعيد الغزاوي، رئيس وحدة التكوين والبحث ["في نظريات القراءة ومناهجها"، الأدب والتلقي والحاسوب] على ما أتاحه لي من فرصة الانخراط في هذه الوحدة، وما أبداه من اهتمام بالبحث الذي أتشرف بتقديمه بين يدي هذه اللجنة العلمية الموقرة. لقد كان الدكتور الغزاوي، نعم الأخ والصديق، إذ كلما ضاقت علي مسالك البحث وجدت فيه المرشد المتبصر والخريت الحاذق ووجدت يده ممدودة بالعون، فجزاه الله خيرا. كما أتقدم للشاعر الكبير الدكتور حسن الأمراني، بعبارات الشكر الوافر على ما أمدني به من أعماله الإبداعية –مما كان ينقصني، وكنت في حاجة ماسة إليه. وأشكر كذلك كل الإخوة والأصدقاء الذين أخلصوا لي في النصح، وشجعوني على المضي قدما في هذه الأطروحة، بما أمدوني به من مراجع، وشدوا من أزري كلما فترت عزيمتي أو أدركني ملل. ختاما، إذا كنت قد وفقت فيما رمته؛ فإنها نعمة من الله أولا، ثم يد بيضاء من أيادي فضيلة الأستاذ المشرف، وإن كان غير ذلك، فمن جهلي وقلة علمي، وتكلفي ما لا أستطيع وأطيق، وبضاعة مزجاة وثيقة الصلة بي، والنسبة إلي. وهذان بيتان للشاعر الحماسي القديم، ارتأيت أن أسوقهما تعبيرا مني عن شكر عجزت عن أدائه لفضيلة الأستاذ المشرف:
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
|