Nouvelle page 1

"رحلة في المصير : قراءة عماد الدين خليل الاستبصارية لمغول العصر"

د. سعيد الغزاوي – المغرب

 

 

Zone de Texte: " لقد منحنا الإسلام مفتاحَين للخلاص ، كلما حزبنا الأمر ، وضيقت حركة التاريخ الخناق علينا ، وتجاوزتنا القيادات الأخرى ، ووجدنا أنفسنا مدفوعين إلى مناطق العتمة والظلال ..
أول هذين المفتاحين : " التغيير الذاتي " وثانيهما : " الإعداد الذاتي " وبدونهما لن تبدأ حرب صوب التقدم إلى المواقع الأمامية أبدا ولن يكون التجاوز والانطلاق .. " 
د.عماد الدين خليل " نحو إعادة تشكيل العقل المسلم " ص 139

 

 

1 ـ استهلال منهجي 

2 ـ الكتابة التاريخية

3 ـ الكتابة الإبداعية

 

1 ـ استهلال منهجي 

بتحقيق شرط الموازنة بين  صرامة المنهج ومرونة الإبداع، وشروط البعد عن تبني مناهج الغرب، والبحث عن عناصر منهجية أصيلة مستمدة من العلوم الإسلامية مثل علمي الحديث والجرح والتعديل، والتخفف  من معطيات العصر المعرفية والعلمية، تولد طبقة جديدة من المؤرخين المسلمين  التي يوكل إليها أمر الكتابة الجديدة للتاريخ الإسلامي. هذا ما يصرح به عماد الدين خليل قائلا : ( إن تاريخنا الإسلامي بحاجة ماسة إلى طبقة جديدة من المؤرخين يعيدون عرض هذا التاريخ وتحليله بكل حيويته وتدفقه، وامتدادا ته الأفقية والعمودية وعناصره الظاهرة والباطنة، مما سيتيح - بلا شك - فهما أعمق لهذا التاريخ وإدراكا أشد تركيزا لعناصر تطوره ) ([1]).

فلنعتبر بهذه الشروط، ونحن نقف عند حدث تاريخي جليل هو   " غزو مغول العصر لبغداد"  ، متوقعين من عماد الدين خليل كتابة جديدة للتاريخ تقيم جسورا من التفاعل بين التاريخ والإبداع.

ولنصرح بأنها كتابة استبصارية  لم تعقب تاريخ الغزو وإنما توقعت تكرار حدوثه منذ مغول القرن الخامس إلى مغول العصر . وبهذه الكتابة يحقق دعوته إلى ميلاد طبقة جديدة من المؤرخين الذين يكتبون عن الماضي مستبصرين بتجدد أحداثه في فترات متباعدة من التاريخ  .

ولنصرح كذلك بأنها كتابة تاريخية إبداعية : 

كتابة تاريخية منضبطة بالصرامة المنهجية يمثلها كتابه ( الإمارات الأرتقية في الجزيرة والشام. 465 هـ 812/1072م 1409م. أضواء جديدة على المقاومة الإسلامية للصليبيين والتتر ) هي أطروحته للدكتوراه تمت مناقشتها بتاريخ 6/3/1968.

وكتابة إبداعية منفتحة على التاريخ يمثلها ديوانه (رحلة في المصير ) ومسرحيته ( المغول ) وروايته( الإعصار والمئذنة  ).

 

2 ـ الكتابة التاريخية

يشير عماد الدين خليل إلى  أهمية المنطقة التي كانت  في مواجهة الفلول التترية القادمة من المشرق، كما كانت في مواجهة الفلول المسيحية القادمة من المغرب، والتي جعلت الجزيرة هدفها الأول ( نظرا لقربها من المنافذ المسيحية الشمالية من جهة، ولموقعها الحيوي المشرف على ناصية العراق والشام من جهة أخرى. وقد تمكن الصليبيون بالفعل من إنشاء أولى إماراتهم الأربع الكبرى في الجزيرة ) ([2]).

وإذا كان عماد الدين خليل قد نبه في الكتابة الجديدة للتاريخ الإسلامي، إلى أهمية الالتفات إلى الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعقدية بالإضافة إلى الجانب السياسي، فإنه يكشف عن هذه الجوانب في دراسته لمنطقة الجزيرة فيقول : ( وكانت الجزيرة، طيلة عهودها، تتمتع بإمكانيات اقتصادية واسعة النطاق... فضلا عما كانت تتمتع به من نشاط تجاري، أتاحه لها موقعها الممتاز على خطوط المواصلات... أما النواحي الاجتماعية والعقدية والثقافية، فلم تكن بأقل نموا وحيوية عن النواحي السالفة، بفضل العوامل السياسية والعسكرية والبشرية والحضارية الآنفة الذكر ) ([3]).

     هذه الدراسة التاريخية المتكاملة، لجميع جوانب حياة منطقة الجزيرة، أسعفت عماد الدين خليل في وضع اليد على درجة التفاعل بينها وبين الدول والحضارات المجاورة، وأنبأت عن درجة التماسك في الدولة كلما كانت هذه الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعقدية رافدا للجوانب السياسية. وهو ما يشير إليه قائلا : ( وبهذا هيأت للمنطقة كافة المستلزمات التي مكنتها من صنع حضارة على درجة كبيرة من النضج ، ومن التفاعل الإيجابي مع سائر النظم والإمكانات الحضارية المجاورة )  ([4]).

وإذا كان عماد الدين خليل يعلي من شأن الحركة الإيجابية الدائبة في حياة المجتمع، بممارستها عملية التغيير الذاتي أو الجهاد الأكبر، وهو مفهوم يتسع ليتجه صوب العالم يبلغه رسالة الإسلام،وهو ما  يعبر عنه  عماد الدين خليل حين يقول :    ( فرغم الأخطاء التي شهدها عصر أموي أو عباسي أو أندلسي أو مملوكي أو عثماني.. إلى آخره على مستوى الحكم، فإن المجتمعات الإسلامية ظلت تواصل مسيرتها الإسلامية باذلة جهدا مزدوجا هذه المرة، إذ كان عليها أن تحمي التزامها أولا، وأن تسعى بهذه الصبغة أو تلك إلى رد السلطان إلى جادة الصواب إلى حكم القرآن)([5]).

     نقرأ، مع عماد الدين خليل، تاريخ المسلمين في منطقة الجزيرة والشام في هذه الفترة، ونقرأ تعاقب القيادات والزعامات السياسية على تسيير أمور المسلمين، ومواجهة الأخطار القادمة شرقا وغربا، ونتدبر سنة الله في حياة الأمم وتعاقبها، وسنة ( المداولة ) الماضية بما كسبت أيدي الناس ، فمن استحق الحياة والنهوض والزعامة ـ  بحركته الإيجابية وجهاده المستمرـ نعم بنعمة الاستخلاف، ومن تناوشه الوهن والخيانة والاسترخاء، عاقبه الله بنقمة الاستبدال، ولن تجد لسنة الله تبديلا.

ونقرأ عن ارتباط قوة القيادة بعاملي الامتداد والمواجهة: فأما الامتداد فيعني به توسع الدولة ونفوذها على الإمارات المجاورة، عند القواد العظام أرتق مؤسس دولة الأراتقة وابنيه سقمان وإلغازي، وعماد الدين زنكي ونور الدين محمود، وصلاح الدين الأيوبي . و أما المواجهة فيعني  بها تحصين الدولة ضد الأخطار الخارجية القادمة إلى منطقة الجزيرة والشام من المشرق والمغرب : التتر والمغول من المشرق والقوات الصليبية من المغرب. كيف كانت مواجهة هذه الأخطار الخارجية؟

هذا ما يقف عنده عماد الدين خليل بتفصيل نجتزئ منه الإشارات التي توضح أثر أشكال المواجهة في حياة الدولة أو موتها :

يمهد لأساليب المواجهة، بإشارة بالغة الأهمية إلى ضرورة توفر القيادة الرشيدة على أجهزة الاستشعار الداخلي، بما يرزقها الله من ملكة الاستبصار، فتتهيأ للأخطار قبل حدوث المفاجأة. ويعيد التذكير بالعوامل الداخلية التي تؤدي إلى سهولة الاحتلال ثم السقوط والموت : مثل القيادة الفاسدة، وتفرق الأهواء، والمنازعات بين الإمارات الإسلامية. فتفشل معها محاولات التكتل لمواجهة الأخطار الخارجية. هذا ما يؤكده قوله : ( ولكن هذه المحاولات لم تجد نفعا إزاء أطماع أمراء المنطقة وسعي كل منهم إلى ضرب الآخر والحصول على أسلابه، بغض النظر عما ينتج عن ذلك من فتح الطريق أمام التتر ) ([6]).

الجديد الذي يقدمه عماد الدين خليل في قراءته للتاريخ الإسلامي في هذه المنطقة، خلال مرحلة الإمدادات، هو التشديد على أهمية تكتل المسلمين وأمرائهم في تحقيق الانتصار على الصليبيين، والإشارة إلى اتصاف القيادة بالزهد والعبادة والخوف من الحساب على مسؤولية رعاية المسلمين وقيادتهم .

يذكرنا عماد الدين خليل ـ في هذه القراءة الجديدة للتاريخ الإسلامي  ـ   بتلازم التكتل والتمسك بالدين والقيادة القوية،  بما يثمر من  نهوض الدولة وامتداد نفوذها . وهو مشروط  بالجهاد المتواصل في الداخل والخارج : في الداخل بالتجرد وإخلاص العبودية لله , والحركة الإيجابية المتوازنة المتحررة المتكافلة الأخلاقية . وفي الخارج ينشر رسالة الإسلام على العالمين ومواجهة المد الصليبي المتحرش بديار المسلمين  .

       ورغم وفاة القائد المجاهد نور الدين محمود سنة (569 هـ = 1173م) إلا أن هذه المرحلة تستمر بما قيض الله لها من بروز قائد آخر تولى سلطنة الشام هو صلاح الدين الأيوبي، وتستمر معها إمدادات الأراتقة ضد الصليبيين.

ويستمر التكتل الإسلامي فتجتمع قوات ديار بكر بقيادة قرا أرسلان مع جيوش صلاح الدين، وتنطلق من دمشق عابرة نهر الأردن سنة ( 579 هـ = 1183م )، وتقوم بهجمات موفقة على المواقع الصليبية ([7]). وتقوم بعمليات جهادية أخرى سنة ( 581 هـ = 1185م) ويتوج هذا التكتل بنصر حاسم على الصليبيين في حطين وعدد من المواقع الأخرى سنة (583 هـ = 1187 م ).

يحرص عماد الدين خليل على إدراج نصوص دالة لبعض مراسلات القواد المسلمين على تمسكهم بالدين وإخلاصهم لله في جهادهم ضد الصليبيين فيدرج رسالة صلاح الدين إلى قطب الدين بن قرا أرسلان الذي خلف أباه في حكم حصن كيفا جاء فيها ( قد أحاط علم المجلس بما حشده الكفر في هذه السنة.. فالإسلام ينشد ظهيره، ويطلب الدين لكشف غمته من ابن نوره ( أي ابن نور الدين قرا أرسلان ) وهذه عكا التي كنا عنها ندافع قد تمكن منها الكفر على كره من الإسلام وقد عزمنا على المصاب وصد صولة الكافر بالجد الكافي.. والله كافل دينه بالنصر ) ([8]). ثم يختم عماد الدين خليل حديثه عن هذه المرحلة، بتحليل نتائجها : فقد انتهت بوفاة صلاح الدين الأيوبي في دمشق سنة (589هـ = 1193م) وبآخر حلقة من حلقات الجهاد ضد الصليبيين، قدم فيها الأراتقة إمداداتهم العسكرية، وكان لهم دور مهم من أدوار علاقاتهم بالصليبيين. إذ مكنوا صلاح الدين من تعزيز قواته وتحقيق سلسلة من الانتصارات ضد أعدائه ([9]).

وأما الجديد الذي يقدمه عماد الدين خليل في قراءته لتاريخ المسلمين في منطقة الجزيرة والشام في هذه الفترة، فهو إسهام العلماء والمؤرخين المسلمين في رص الصفوف لمواجهة خطر التتر الداهم. فيقف عند رئاسة المؤرخ المشهور عز الدين بن شداد، الوفد الأيوبي لمفاوضة التتر بشأن ميافارقين، ويسجل شهادة صاحب ماردين بشأن هذا الجهد ( قد بلغني ما فعلته في حق المسلمين فجزاك الله خيرا ) ([10]).

نذكر بإشارة عماد الدين خليل إلى مواقف العلماء المسلمين في تاريخنا وما تمثله من مراكز الثقل في ساحة هذا التاريخ الذي لا يكف عن التمخض والحركة ، والأدوار التي لعبوها في مسرح تاريخنا الإسلامي، من أمثال أبي عبد الله بن محمد بن غانم الأصبهاني الذي قدم بغداد في العقود الأولى من القرن السابع الهجري، والذي أسهم في ميدان التفسير إسهاما عميقا، ووقف ينادي المحبين من أمته ويهز وجدانهم للدفاع عن مصير الأمة وحماية شرفها الحضاري أمام وقع سنابك الخيول التترية. وفي مطلع القرن ذاته ( 606 هـ ) كان سبط بن الجوزي يقف في جامع دمشق يعظ ويحث على الغزاة والمقاومة ضد الغزو الصليبي ويدعو المسلمين إلى التحرك صوب ساحات القتال والجود بالمال والنفس، دفعا لعدو غاصب وتحرير الأرض المغتصبة. وأما أبو الوفاء بن عقيل (488هـ ) فيقف متحديا إرادة الوزير السلجوقي ابن جهير ناقدا تدهور الأوضاع الاجتماعية والسلوك الأخلاقي خلال اشتغال الناس في بناء أحد أسوار بغداد.

ويكتب إلى الوزير : ( لولا اعتقادي صحة البعث وأن لنا دارا أخرى لعلي أكون فيها على حال أحمدها لما بغضت نفسي إلى مالك عصري، وعلى الله أعتمد في جميع ما أورده بعد أن أشهده أني محب متعصب. لكن إذا تقابل دين محمد ودين بني جهير فوالله ما أزن هذه بهذه، ولو كنت كذلك كافرا... يا شرف الدين اتق سخط الله فإن سخطه لا تقاومه سماء ولاأرض. فإن فسدت حالي بما قلت لعل الله يلطف بي ويكفيني هوائج الطباع. ثم لا تلومننا على ملازمة البيوت والاختفاء عن العوام لأنهم لو سألونا لم نقل إلا ما يقتضي الإعظام لهذه القبائح والإنكار لها... فاتق الله تقوى من علم مقدار سخطه فقد قال : فلما ءاسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجميعن الزخرف : 55 , وقد ملأتكم في عيونكم مدائح الشعراء ومداجاة المتمولين بدولتكم. الأغنياء الأغبياء الذين خسروا الله فيكم فحسنوا لكم طرائقكم. والعاقل من عرف نفسه ولم يغيره مدح من لا يخبرها ) ([11]).

بعد عرض هذه المواقف المضيئة والشجاعة لعلمائنا المسلمين ومثيلاتها، يخلص إلى العبرة منها فيقول :( تلك هي شذرات من آلاف ( المواقف ) التي صنعت تاريخنا وميزته على تواريخ الأمم والشعوب، ومنحته لونه وطعمه ورائحته ) ([12]).

نتذكر هذه المواقف وهو يطعم ببعض أمثلتها قراءته الجديدة لتاريخ المسلمين، في منطقة الجزيرة والشام، فترة الإمارات الأرتقية في مواجهتها للخطرين الصليبي والتتري.

لكن هذه المواقف الشجاعة للعلماء مثل موقف عز الدين بن شداد، والمواقف الصامدة المخدرة للقادة المخلصين مثل موقف الكامل أمير ميافارقين أتت صرخة في واد، فقد اتجهت الإمارات في الجزيرة والشام نحو الضعف والسقوط، بتناحرها الداخلي، وميلها إلى الترف، وتعودها عن الجهاد. فسلط الله على هذه الإمارات أداة التدمير والعقاب في شكل  من أشكال الفعل الإلهي التي تؤدي إلى  موت المجتمع وسقوطه . (إنه التغيير السلبي الذي يدل عليه قول الله الحكيم :  ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم الأنفال:53

إن أداة التدمير الإلهي لعقاب هذه الأمة المتناحرة المترفة القاعدة عن الجهاد قد يأتي على شكل غزو خارجي من قبيل ما يسميه توينبي البروليتاريا الخارجية ([13]) فتكون الأداة جماعة التتر القوية تهجم على إمارة ميافارقين بقوة سنة ( 657 هـ = 1258 م )، وتتمكن من فتحها، بعد أن هلك معظم أهلها، وتقبض على الكامل تقتله وتطوف برأسه في مدن عديدة، وتخرب أسوار ميافارقين ([14]).

ثم يختم قراءته لهذه الفترة بخلاصة يذكر فيها بأسباب السقوط الذي يعيشه المسلمون في المنطقة فيقول : ( وهكذا كان لصاحب ماردين - كتابع للتتر - دور في هذه النهاية التي لحقت بالموصل وقضت عليها كإمارة مستقلة، وكان باستطاعته رغم دخوله في طاعة التتر أن يلجأ إلى أساليب أكثر تضحية، للتخلص من الإسهام معهم في إنزال المجازر بالمسلمين، وذلك بلجوئه إلى المماليك في مصر أو الشام كما فعل بعض أمراء المنطقة كصاحب جزيرة ابن عمر وصاحب سنجار ) ([15]).

ولما كان عماد الدين خليل ابن مدينة الموصل، فقد دقق في تفاصيل صمودها وعوامل سقوطها في هذه الكتابة التاريخية، وسيعود إليها فيكتبها كتابة تاريخية متشحة بوشاح الإبداع في مسرحية " المغول " ورواية " الإعصار والمئذنة " .

لا يغفل عماد الدين خليل عن الإشارة في ثنايا الكتابة التاريخية، إلى وظيفة الأدب في الإشادة بالمواقف الإيجابية للقيادة الراشدة، والبيان عن رأي الجماعة في الأحداث التي تعيشها. ولذلك يستشهد ببيتين للشاعر الحسن بن طيفور، فيها إيحاءات بمدى حقد الجماعة على تيمورلنك، ورغبتها في زوال ملكه يقول فيهما :

طغى ( تمر ) واستأصل الناس ظلمه    وشاعت له في الخافقين الكبائر

لقد زاد بغيا فافرحوا بزواله    لأن على الباغي تدور الدوائر ([16]).

بهذه القراءة الجديدة المتميزة، لتاريخ الأراتقة في منطقة الجزيرة والشام، يقدم عماد الدين خليل استدلالاته التاريخية على سنة التداول والتعاقب بين الإمارات الإسلامية في هذه الفترة وهذه المنطقة.

ويقدم استدلالاته على :

- دور القيادة القوية الراشدة في حياة الأمة وتماسك الجماعة

- دور الوحدة والجهاد في حماية الدولة من الأخطار المحدقة بها.

- دور التناحر والخيانة والقعود في سقوط الجماعة وأفولها.

- دور العلماء والمتمسكين بدينهم وبالكلمة الصادقة في دفع الجماعة إلى الصمود، وتذكير القادة بمسؤولياتهم يوم الحساب.

والذي يزيد قراءته تميزا وجدة أنه يختمها بعرض لمظاهر الحياة الثقافية في عهد الأراتقة، مؤكدا ما كان للتشجيع المادي والأدبي الذي قدمه الأراتقة للعلماء والأدباء والمفكرين، من أثر كبير في ازدهار الحركة الثقافية هناك :  إذ كانوا ينفقون المبالغ الطائلة على الشعراء، ويقيمون الندوات العلمية والأدبية والمباريات الشعرية ويمنحون الجوائز خلالها للمبرزين من الشعراء ([17]).

هكذا كان الأدب، والشعر بشكل خاص، والخط وعلوم اللغة والكلام والفقه وعلوم القرآن والحديث والفلسفة والتصوف والحكمة، تشكل أهم مجالات النشاط الثقافي في ديار الأراتقة، فضلا عن العلوم المحضة وخاصة الطب والهيئة والفلك والرياضيات والعلوم التطبيقية التي ساعدت على ازدهار الصناعة في المنطقة.

لقد أسعف تعاقب الإمارات على زعامة المنطقة، وارتباط الزعامة بقوة القيادة، وتعامل هذه الإمارات مع  الخطرين الصليبي والتتري، في إدراك عوامل الحياة والنهوض، وعوامل الأفول والسقوط، بما تملكه الجماعة من القدرة على التوحد والتماسك والجهاد، أو تميل إليه من التناحر والترف والتواكل والخيانة.

وإذا كنا أشرنا إلى إعجاب عماد الدين خليل بنظرية التحدي والاستجابة للمؤرخ المثالي أرنو لد توينبي، فإنه يوكل إليها أمر نهوض إمارة الموصل من محنتها . وتتأكد هذه النظرية في جواب الملك الصالح للسلطان الظاهر:" إن تاريخ الإسلام لن يعدم الذين يتجاوزون حيثيات الزمن والمكان بحثا عن مصائر دينهم .. إن ديننا يمتحن اليوم رجاله أيها السلطان .. فإن لم نصمد .. إن لم نستجب للتحدي، فماذا سيقول عنا التاريخ؟([18]).

نستحضر مع تاريخ الدولة العباسية منذ القرن الخامس الهجري فترات التوهج والانطفاء ، ونتحقق من منهج عماد الدين خليل المرن في كتابة التاريخ قديمه ومعاصره بقدرة استبصارية مذهلة تجعلنا نتذكر غزو المغول والصليبين قديما ، وغزو أمريكا " مغول العصر " حاضرا . كما نتذكر عوامل الخيانة وسط الحكام وفتحهم الديار لغزو المغول ديار جيرانهم . ونتذكر أخيرا دور العلماء والمثقفين في حماية الديار وزعامة الجهاد والمقاومة . بهذه القدرة العجيبة على الكتابة التاريخية التي تتجاوز نسخ وتسجيل الأحداث إلى انفتاحها على الزمان لتتكرر مشاهدها في عصور متوالية ، نفهم أهمية الدعوة إلى كتابة جديدة للتاريخ الإسلامي .

 

 

3 ـ الكتابة الإبداعية

 تمثل  مسرحية (المغول)  شكلا متميزا  من أشكال الاستدلال التاريخي المتشح وشاح الإبداع، إنها تقدم وجها آخر للعملة التي يجدها قارئ فكر عماد الدين خليل في كتابه التاريخي (الإمارات الأرتقية في الجزيرة والشام) عن الفترة التاريخية ذاتها، وإمارة الموصل بقيادة ملكها الصالح، لكنها هنا في المسرحية ترتفع عن الزمان والمكان لتصبح شاهدا  على الأخطار المحدقة بالأمة الإسلامية :

وأما العبرة من السقوط (سقوط الإمارة بيد المغول واستشهاد الملك الصالح ومجموعة كبيرة من شعبه) ففهم سنة (المداولة) وآلية اشتغالها في  التاريخ : إن حركة الأمة قيادة وجماعة، تستند في ردات الفعل على الإرادة والإيمان، أكثر من الحسابات والتخطيطات والمعادلات الرياضية.

إن المعادلات الفكرية التاريخية يتحول فيها الاستثناء قاعدة بفضل توسل الإنسان بالنظر القلبي والإيمان وتجاوز العقل والحواس، وبفضل المقاومة والصمود وهما عاملا حياة الأمة ونهوضها، وبفضل إخلاص العبودية لله والاستشهاد في سبيل الله.

ولذلك تعمد المسرحية إلى التوظيف المكثف لأسلوب المواقف المتعارضة :

*موقف الأب المتخاذل المستسلم للترف والنعيم، وموقف ابنه الملك الصالح المقاوم الصامد المستشهد هو وابنه في سبيل إمارة الموصل.

*موقف الخيانة التي تنخر جسد الأمة الإسلامية، والنمذجة عليها بالحافظي، وموقف الصدق والوفاء والنمذجة عليه بالرسل الذين بعثهم القائد المغولي صندغون ليفتوا من همة وصمود الملك الصالح وإمارته، وبقائد يه علم الدين وشهاب الدين وغيرهما من القادة الصامدين.

*موقف الكفر والبغي والطغيان يمثله الجيش المغولي بقيادة صندغون، وموقف الإيمان والعدل والرحمة يمثله الملك الصالح وأمير الموصل وبقية قادته وشعبه، أما التساؤل الكبير الذي تثيره مسرحية (المغول) بنهايتها المؤلمة حيث استشهد الملك الصالح وسقطت إمارة الموصل : ما العبرة من التركيز على فترات السقوط من حياة الأمة الإسلامية ؟

نجد إجابته في قراءة عماد الدين خليل الجديدة للتاريخ الإسلامي، والتي تقوم على الواقعية التي لا تقصي فترات السقوط  من تاريخنا حتى لا يظهر متوهجا وناهضا باستمرار.  فالسنن  الإلهية ـ مثل سنة المداولة ـ قوامها أن تاريخ جميع الأمم نهوض وتوهج ثم سقوط وأفول، وانتصار تعقبه الهزيمة بما كسبت هذه الأمة . إنها عوامل السقوط التي سعى إلى الاستدلال عليها من شواهد التاريخ المباشر، أو التاريخ المتشح بوشاح الإبداع مثل  مسرحية " المغول ".

ولا يغفل أمر التاريخ في العمل المسرحي، فينبه إلى ضرورة استنطاق كل ما يمكن للتاريخ أن يقوله، محطما الجدران التي تخنق الوقائع والدلالات، ومعتمدا على تجاوز حدود المكان والزمان والتناسق الكمي للأحداث. ([19])

ويتجاور الاستدلال بالتاريخ المعاصر مع الاستدلال بالقرآن، لمزيد من فضح انحراف الناس عن الفهم السليم للحياة المتوازنة، التي تضع على رأس أهدافها إخلاص العبودية لله والاستعداد لليوم الآخر بالإصلاح في الأرض والرقي في مراتب الإسلام من الإسلام فالإيمان فالإتقان فالإحسان طريق الجنة.

 كما خصص روايته (الإعصار والمئذنة) لفترة سيطرة الحزب الشيوعي سنة 1959 ، يدل عليها إهداء عماد الدين خليل للرواية   "بعد مرور ربع القرن على ثورة الموصل وفاء لمدينتي التي أحببتها إلى درجة العشق"([20]).

إن الرواية تقليب لغوي إبداعي للفكرة التي اختصرها في مقالته (من مسيلمة الكذاب إلى الدكتور) من كتابه (آفاق قرآنية) والتي عرض فيها لهجمة بعض المهووسين بالفكر الشيوعي على الدين، معتقدين أن بإمكان أفواههم أن تطفئ نور الله، لكنهم "كلهم ذهبوا، أو سيذهبون بالميتة الطبيعية الخاطفة أو بتمريغ الأنوف .. أكلهم أو سيأكلهم الدود .. والذي يبقى هو "هذا الدين" شامخا، خالدا صلبا"([21]).

إن علاقة التفاعل والحوار بين الفكر والتاريخ والأدب، والدعوة إلى التكامل بين المعارف أدبا وفلسفة وتاريخها وتصوفا ورياضيات وهندسة وفيزياء وطبيعيات، هي التي تبرر اتساع رقعة الكتابة عند عماد الدين خليل، لتشمل هذه الجزر وتحيلها إلى أرض واحدة، يسهم فيها الفكر والتاريخ والأدب، وتتكامل المعارف بغاية التخطيط لحياة الإنسان المتوازنة، وحركته الإيجابية التي تؤهله لحالة الاستخلاف والاستعمار والميراث.

وليس الأمر كما اعتقد محمد إقبال عروي رهانا " على أشده بين التاريخ والأدب، كل واحد من هذين العلمين يسعى إلى الانتصار، يسعى إلى أن يمتلك الدكتور عماد الدين خليل كلية"([22]).

وإنما هو تفاعل وحوار وتكامل وبرهنة بالإبداع والتاريخ على الأفكار والنظريات، ورواية (الإعصار والمئذنة) وإن كانت تعرض لتاريخ قريب لمدينة الموصل موطن عماد الدين خليل، كما عرضت من قبل مسرحية (المغول) لتاريخ بعيد، إلا أنها تعرض كذلك لقضية الإنسان ورحلته في الحياة مترقيا سلم الإسلام أو مترديا إلى الدرك الأسفل.

تعرض الرواية في فصلها الأول إلى حقيقة الإنسان وجوهره، وضرورة أن لا نرى فيه الجانب الظاهر. هذا ما يرد على لسان عاصم الدباغ وهو يذوب في عيني سلمى في خطاب داخلي نفسي فيقول: "فالناس يتعاملون مع الآخرين من الخارج، ويفهمونهم من الخارج.. الإنسان، فلا تمتد إليه عين.. من منا حاول أن يجتاز الجدار المنظور إلى هناك، لكي يعاين عملية التشكل تلك؟([23]).

ويعرض الفصل الثاني إلى غياب الموقف عند بعض الناس رغم الأحداث الساخنة التي تحيط بهم. هذا ما تنتقده سلمى في خطيبها عام ويؤذيها أنه يبدو أحيانا مكتفيا بميزاته هذه، الصراعات المتفجرة يوما بعد يوم، مصعدة أبدا باتجاه اللحظة التي لن تغفر لأحد يختار أن يقف على الرصيف متفرجا أو مؤثرا السلامة.."([24]).

كيف يرضى عاصم بتبني هذا الموقف وهو يدرك الخطر الداهم المحدق بمدينة الموصل إذ "بعد ساعتين أو ثلاث سيطلق القطار الصاعد من بغداد، يحمل حشودا من الشيوعيين "أنصار السلام"، وغدا ستنفجر المدينة المكبوتة بالصراع الذي يتوقعه الجميع"([25]).

ويكون هذا الخطر منطلق عماد الدين خليل لتحليل عوامل السقوط، ومقومات الحياة الإيجابية المتوازنة للإنسان في بقية فصول الرواية:

وتنتهي الرواية بهزيمة الفئة المؤمنة بزعامة قائدها هاشم عبد السلام، وانتصار الفئة الشيوعية الباغية بزعامة عبد الكريم قاسم وحاشيته يونس وحناجر جيس وأمثالهما، لكن العبرة ها هنا كما يسعى إليها عماد الدين خليل :

ففي هزيمة الفئة المؤمنة واستشهاد بعض قادتها ورجالها حياة ونعيم بنعمة الاستخلاف، لأنهم زرعوا بذور الحياة في تربة الموصل الصامدة، وفي انتصار الفئة الشيوعية الباغية موت أو اتجاه نحو السقوط والأفول، لأن سنة الله ثابتة ولن تجد لسنته تبديلا أو تحويلا. وإشارة عماد الدين خليل في مقالته الفكرية (من مسيلمة الكذاب إلى الدكتور) في كتابه (آفاق قرآنية) إلى موت هؤلاء جميعا وبقاء هذا الدين شامخا خالدا صلبا، إشارة عميقة الدلالة إلى النهاية الحقيقية للرواية: ذهاب الإعصار وخموده وبقاء المئذنة شامخة يتردد منها نداء التوحيد.

وبهذا تبرهن الرواية بامتياز على التاريخ القريب لمدينة الموصل، رمزا للإيمان والاستشهاد، كما برهنت مسرحية (المغول) عن التاريخ القريب والبعيد لهذه المدينة الصامدة، ويتحقق التواصل بين التاريخ والواقع، والماضي والحاضر، ويكسر الفنان الجدار الزمني لتعصير الواقعة التاريخية، ونفهم دلالة المغول على الجماعة الغازية في الماضي، وعلى الجماعة الغازية في الحاضر كيفما كانت إيديولوجيتها المنحرفة عن العقيدة الإسلامية الصافية.

وإذا كانت صفحة الرعب المغولي – كما يقول عماد الدين خليل- "قد انطوت وخرج الإسلام نفسه منتصرا بعد إذ طوت إرادته المغول"([26])، فقد انطوت صفحة الرعب الشيوعي، وخرج الإسلام منتصرا، واشتعلت جذوة الإيمان من جديد في القلوب، لتعيد الشهادة على الناس وتنعم بالاستخلاف هذه الفئة المؤمنة الصادقة.

إن هؤلاء الرجال، الذين يكرر عماد الدين خليل الاستشهاد بهم، موكول إليهم أمر توسيع دائرة الحضارة، التي خطط لها وبدأ تنفيذها الرسول القائد صلى الله عليه وسلم، ولم يكن سبيل هؤلاء الرجال إلى البناء، إلا امتطاء فرس الموت والشهادة لأنها سبيل الحياة والنهوض والاستخلاف ، هذا ما يشرحه في قصيدة " رباعيات "  حين يقول عن الموت :

"كَانَ فَرَسُنَا المُطَهَّمُ الجمِيلْ،

التِّمْثَالُ الوَحِيدُ الَّذِي كَانَ يَأْسَرُنَا

لاَ لِكَيْ يَذْهَبَ بِنَا إِلىَ اللَّاتِ وَالعُزَّى

وَلَكِنْ لِكَيْ يَنْسَابَ بِنَا فِي أَطْرَافِ العَالَمْ

لِنَشُلَّ عُرُوشَ كِسْرَى وَقَيْصَرْ

وَنَضَعَ السَّيْفَ فِي بُطُونِ المُتْخَمِينْ

الَّذِينَ يَلْبَسُونَ أَخْفَافاً مَنْسُوجَةً مِنْ أَسْلاَكِ الذَّهَبْ

وَأُمَّتُهُمْ تُسْكِتُ بِالْحِجَارَةِ صَرْخَاتِ الجُوعْ"([27]).

يؤكد هذا الديوان / القصيدة " رحلة في المصير " – لأنه يتشكل من قصيدة طويلة واحدة-  انشغال عماد الدين خليل بمسألة المصير الذي يتجه إليه الإنسان والجماعة تقوده العصبة الطاغية، هذا ما يفتتح به القصيدة فيقول في مقطعها الأول:

"وَلَكِنْ سَفِينَةَ عَالَمِنَا

غَدَتْ مِنْ زَمَانٍ بَعِيدٍ رَهِينَهْ

بِأَيْدِي طَوَاغِيتِ عَالَمِنَا ! !

فَإِنْ لَمْ نَقِفْ وَنَرُدَّ الْقِيَادْ

إِلَى العُصْبَةِ الْمُؤْمِنَهْ

فَعَمَّا قَرِيبٍ سَتَهْوِي بِنَا

بَلَى .. سَوْفَ تَهْوِي بِنَا ..

وَلَنْ نَجْنِ إِلاَّ مَرِيرَ الْحَصَادْ

وَيَبْقَى السُّؤَالْ

يَلُوحُ بِكُلِّ ضَمِيرٍ نَقِيّْ،

إِلىَ أَيْنَ ؟ كَيْفَ يَكُونُ المَآلْ ! ([28]).

لكن هذا التساؤل عن المصير، يخالف تساؤلات المشككين العابثين اليائسين الذين قصروا إدراكهم على الوجود المادي، ويتسلح بالإيمان والتفاؤل حتى يتم الله نوره منذ اشتعلت جذوة الإيمان في صدر الدولة الإسلامية إلى اليوم وإلى يوم البعث والنشور. وقد ذكرنا تميز رؤية عماد الدين خليل بالتفاؤل والواقعية : فيشير إلى السقوط إذا كان في واقع الأمة الإسلامية، لكنه يختمه باليقين بأن النصر مآل المؤمنين الصادقين. يعيد تقليب هذه الفكرة في نموذج لغوي شعري فيقول في المقطع الخامس من القصيدة :

"عَلَى طُولِ مَجْرَى الزَّمَانِ الطَّوِيلْ

تَأَرْجَحَ تَارِيخنَا كَالسَّفِينْ

فَحِيناً تُضَيِّعهُ غَضَبَاتُ الْهَدِيرْ

وَتَجْتَاحُهُ ضَرَبَاتُ السِّنِينْ

وَحِيناً تَقُودُهُ عَبْرَ الْمَسِيرْ

نَسَائِمُ فَجْرٍ بِلَيْلْ

وَلَكِنَّ راياته مَا تَهَاوَتْ

وَلاَ تَعِبَتْ أَذْرُعُ الْمُبْحِرِينْ "([29]).

ولا يغفل أمر القدوة الصالحة تنير الدرب للتائهين، فيعيد تقليب فكرة العبور مرة أخرى في نموذج لغوي شعري في هذه القصيدة، ويعيد استدعاء رموز التاريخ الإسلامي يتواصل بهم هذا التاريخ وتحيى  الأمة فيقول :

"تَعَلَّمْنَا مُنْذُ قُرُونْ

بِأَنَّ صِيَاغَةَ تَارِيخنَا لَنْ تَكُونْ

بِدُونِ صُرَاخِ (بِلاَلْ)

وَتَعْذِيبِ (عَمَّارِ) مَقْتَلِ (يَاسِرْ)

وَكَسْرِ يَدَيْ (مُصْعَبٍ)، غَرْزِهَا فِي الرِّمَالْ

وَصَبْرٍ عَلَى ضَرَبَاتِ الْمَقَادِرْ ..

وَلَمْ يَمْحُ مَرُّ السِّنِينْ

تَعَالِيمَ تَارِيخِنَا، فَالْمَصَائِرْ

     عَلَى رَغْمِ مَرِّ السِّنِينْ

سَتبقَى الْمَصَائِرْ ! !"([30])

وبهذا تتم البرهنة بامتياز على الاستدلال بالتاريخ من خلال الشعر، والصلة واضحة بين قراءته للتاريخ الإسلامي وهذه الصورة الشعرية لفترة من فترات السيرة في هذا المقطع، يتم استدعاؤها للتأكيد على حياة الأمة الإسلامية واستمراريتها، رغم ما يعتريها من ضعف وفتور.

ويتكرر الاستدلال بالتاريخ من خلال الشعر، لكن في فترة أطول زمنا وأوسع رقعة، في صورة شعرية أخرى تبدأ بعمرو وسعد وخالد وتنتهي بالوليد وصلاح الدين. يقول فيها :

"إِذَا كَانَ كُلُّ عَتِيٍّ تَطِيشُ بِهِ نَزَوَاتُ الضَّلاَلْ

يُكَلِّمُنَا بِالْحِرَابْ

إِذَا كَانَ يُمْطِرُنَا بِالنِّبَالْ

وَيَسْفُو عَلَى نَاظِرَيْنَا التُّرَابْ

فَلاَ كَانَ .. لاَ كَانَ تَارِيخنَا ..

وَلاَ كَانَ (عَمْرُ) وَ (سَعْدُ) وَ (خَالِدْ)

وَلاَ التَمَعَتْ فِي الصَّحَارِي المُنَى

وَغَطَّى عَلَى الأُفْقِ دَفْقُ الرَّوَافِدْ

وَكَيْفَ يَكُونُ لَنَا مَوْطِئٌ فِي البَرِيَّهْ

إِذَا لَمْ يَجِيءْ (طَارِقٌ) وَ (ابْنُ الْقَاسِمْ) ؟ "([31]).

يعرض للتاريخ الإسلامي فيجدد قراءته وفق الشروط المنهجية التي كان وفيا لها ، كما يحقق به علاقة التفاعل والحوار بين الفكر والتاريخ والأدب بتجاورها وانسجامها بغاية الوقوف عند محطات الإشراق والأفول في التاريخ الإسلامي البعيد والقريب منذ مغول العصر العباسي وصليبيي العهد الفاطمي إلى شيوعيي القرن الماضي ومغول العصر على مشارف الألفية الثالثة . لقد أحسن عماد الدين خليل قراءة الاستبصار فهل نحسن قراءة الاعتبار ؟ .

 

 

الهوامش

 [1]- نفسه ص 157.

[2]- نفسه ص 11

[3]- نفسه ص 12

[4]- نفسه ص 12

[5]- نفسه ( ملاحظات في تاريخ المجتمع الإسلامي ) ص 7

[6]- نفسه ص 194

[7]- نفسه ص 301 ببعض التصرف

[8]- العماد الأصفهاني ( الفتح القدسي ) ص 264 نقلا عن عماد الدين خليل : نفسه ص 306

[9]- نفسه ص 308 ببعض التصرف.

[10]- نفسه ص 326

[11]- ابن الجوزي ( المنتظم ) ج 9 ص 85 نقلا عن عماد الدين خليل ( مع القرآن في عالمه الرحيب ) ص 65

[12]- عماد الدين خليل ( مع القرآن في عالمه الرحيب ) ص 72

[13]- نفسه ( التفسير الإسلامي للتاريخ ) ص 321

[14]- نفسه ( الإمارات الأرتقية ) ص 327

[15]- نفسه ص 346

[16]- ابن عر بشاه ص 52 نقلا عن عماد الدين خليل : نفسه ص 384

[17]- نفسه ص 501 ببعض التصرف

[18]- نفسه ص33

[19]- نفسه ص 32 ببعض التصرف

[20]- نفسه، (الإعصار والمئذنة)، الإهداء ص. 5.

[21]- نفسه، (آفاق قرآنية)، ص. 52.

[22]- محمد إقبال عروي، (جمالية الأدب الإسلامي)، ص. 188.

[23]- عماد الدين خليل، (الإعصار) والمئذنة)، ص. 7.

[24]- نفسه، ص. 10.

[25]- نفسه، ص. 14.

[26]- نفسه، مقدمة، (المقول)، ص. 9.

[27] - نفسه، ص. 113.

[28]- نفسه، (رحلة في المصير)، ص. 6.

[29]- نفسه، ص. 10.

[30]- نفسه، ص. 19.

[31]- نفسه، ص. 24.

 

 

الدار البيضاء في 19 صفر 1424 هـ  الموافق لـ 21 أبريل 2003 م

د. سعيد الغزاوي أستاذ النقد الأدبي - كلية الآداب ابن مسيك / الدار البيضاء