|
هل تعلمت العربية في بغداد ؟ - قراءة في مذكرات أميرة عربية |
|
د.حسن الأمراني – المغرب |
|
|
|
كلنا رأى ويرى ما حدث في العراق، وما يحدث حتى الآن. كلنا متألم من هذا الذي يجري، رغم أنه لا أحد منا قادر على أن يزعم لنفسه أنه يفهم ما جرى وما يجري على وجه اليقين. لكأننا أمام مسرحية من مسرحيات العبث ليونسكو أو بيكيت. في مسرحية صمويل بيكيت الشهيرة (في انتظار غودو)، تكون أول كلمة نسمعها هي قول استرجون : (عبثا)، فيرد عليه فلاديمير : ( بدأت أقتنع بذلك)، وفي آخر المسرحية نقرأ هذا الحوار : -استرجون : أين سنذهب ؟ -فلاديمير : ليس بعيدا. -استرجون : بلى بلى، فلنذهب بعيدا عن هنا. -فلاديمير: لا نستطيع؟ -استرجون: لماذا ؟ -فلاديمير : يجب أن نعود غدا. -استرجون: لماذا ؟ -فلاديمير: لننتظر غودو. -استجون : صحيح (صمت) ألم يأت؟ -فلاديمير: كلا. وبعدما حاولا الانتحار، وأخفقا، لأن الحبل ينقطع، يأتي هذا الحوار : -استرجون : ديدي. - فلاديمير : نعم . - استرجون : لا أستطيع الاستمرار هكذا. - فلاديمير : هذا ما تعتقده . - استرجون : ما رأيك لو نفترق؟ قد تتحسن الأمور. -فلاديمير: نشنق نفسينا غدا (صمت) إلا إذا جاء غودو. - فلاديمير : وإذا جاء. - فلاديمير : نفوز بالخلاص ! ! ولكن المسرحية تنتهي دون أن يأتي غودو. أليس هذا هو ما حدث بالضبط؟ كان الناس ينتظرون غودو، في حرب العراق، فينتظرون الملاحم التي ستشهدها شوارع بغداد، ينتظرون أن ينتحر مغول العصر على أسوار بغداد. ألم تصمد أم قصر، القرية الصغيرة، في وجه أكبر قوة عاتية في العالم ؟ فكيف ببغداد؟ ولكن المسرحية التي حبكتها أمريكا مع أطراف أخرى تنتهي بالعبث: تدخل القوات الغازية بغداد ..و..لا غودو هناك..تستسلم بغداد بصورة أذل من استسلام الفأر للقط..ما الذي حدث ؟ لا أحد يدري. ولكننا نستطيع أن نقرأ هذا الذي حدث من عدة زوايا..فالخيوط متشابكة، وكل زاوية قابلة لأن تقدم لك مشاهد معقدة…قد نقرأ ما حدث قراءة سياسية..أو أدبية..أو شرعية..أو حضارية..وقد نجمع بين أكثر من قراءة، وأكثر من رواية، دون أن نزعم لأنفسنا الإحاطة..وأنا أحاول قراءة ما حدث قراءة تأويلية استبصارية من خلال أثر أدبي متميز سابق على الأحداث بما يزيد عن قرن من الزمان،مهتديا بنوع من القراءة الاعتبارية .. النص الأدبي الذي أنطلق منه هو سيرة ذاتية لأميرة عربية طوحت بها النوائب لتعيش فترة من الدهر في بلاد الغرب. الكتاب عنوانه : (مذكرات أميرة عربية) وهذه الأميرة-المؤلفة هي سالمة بنت سعيدة، التي اتخذت فيما بعد اسم (إميلي رويته)،وذلك بعد زواجها من تاجر ألماني. وقد صدرت مذكراتها بالألمانية، اللغة التي كتبت بها، في برلين عام 1886، قبل أن يترجم هذا العمل إلى الإنجليزية أكثر من مرة، ومن الإنجليزية ترجمه الدكتور عبد المجيد القيسي إلى العربية، قبل أن تتولى العراقية سالمة صالح، ابنة الموصل، ترجمته إلى العربية من الألمانية مباشرة، ليصدر من كولونيا بالألمانية، عن منشورات الجمل عام 2002.
ولكن ما علاقة مذكرات أميرة عربية بما يحدث الآن ؟ إنها علاقة وطيدة، لأن الأميرة سالمة، التي ولدت في زنجبار، وانتقلت لتعيش فترة من العمر في ألمانيا، بعدها أحبت تاجرا ألمانيا وتزوجته، تمكنت من عقد مقارنة بين الغرب وبين العالم الإسلامي الشرقي، في فترة عصيبة كانت أطماع الغرب الاستعمارية، ولا سيما الاستعمار الإنجليزي، قد بدأ يحكم سيطرته على عدد من البلدان الإسلامية، ومن خلال هذه المذكرات الصادقة، ومن خلال المعاناة الشخصية لهذه الأميرة العربية، تبين لنا طبيعة الاستعمار الغربي، وأنها طبيعة واحدة، وثابتة، وأن ما يجري الآن في عالمنا الإسلامي، يجد تفسيره بشكل من الأشكال، في فترة المد الاستعماري العتيد الذي شهده القرن التاسع عشر خاصة. تقول الأميرة في مذكراتها :" لا زلت أتذكر جيدا المثل العربي :لا تفي بحار العالم كلها لتمحو قرابة الدم" ص 279. وهكذا فإن هذه الأميرة التي شهدت، بعد موت والدها سلطان زنجبار، من المؤامرات بين إخوتها للظفر بالسلطان والملك، ما جعلها تنفر نفورا شديدا من هذا الوضع، تزوجت ألمانيا مسيحيا، وتعمدت وتنصرت، وفرت معه إلى ألمانيا، ورزقت منه بأبناء، ثم لم يلبث زوجها هاينريش رويته، أن توفي في حادث في شتاء 1870، بعد ثلاث سنوات من زواجهما، قامت تكافح من أجل أبنائها الثلاثة كفاحا مريرا، ولكنها تظل متعلقة بوطنها زنجبار، وتسعى بعد تسعة عشر عاما إلى العودة إلى الوطن، ساعية إلى الصلح مع أخيها السلطان برغش، إلا أن الإنكليز يقفون في وجه هذا الصلح بضراوة، في حين كانت في ذهن هذه الأميرة فكرة واحدة: المصالحة مع أهلها (334)، وفي حين استقبل المواطنون أميرتهم بترحاب شديد، ظل أخوها السلطان يضيق عليها، بتحريض من الإنجليز، حتى اضطرت إلى العودة إلى ألمانيا مرة أخرى،وفي صدرها غصة لأنها لم توفق إلى تستقر في بلدها الأصلي:زنجبار. كتبت الأميرة في مذكراتها كاشفة خطة الإنكليز: (أوضح لي السير بارتل بشكل قاطع أن الحكومة الإنجليزية لا تنوي بأي حال من الأحوال أن تقوم بدور الوسيط بيني وبين أخي، وهي تعتبره ضيفا ولا تريد أن تزعجه بأشياء مزعجة. إلا أنه أمر مشكوك فيه : أيهما أكثر إزعاجا للسلطان، أن يوقع اتفاقية العبيد، حيث أرغمه المرء عليها بالمسدس تقريبا، ويعترف بذلك بالحماية البريطانية، أم أن يمد يد المصالحة لأخت نادمة؟) ص335 وتزيد الأمر توضيحا وبيانا، بعد ذلك بصفحات، فتقول : ( لقد عرفت بدقة، فيما بعد، لماذا كانوا لا يريدون في لندن، في ذلك الوقت بالذات، أن يتحقق الصلح الذي كنت أصبو إليه بحرارة بيني وبين أخي. فلأن السلطان لم يكن يتقن لغة أوروبية ولا يعرف مهارة الدبلوماسية الأوروبية، فقد أراد الإنكليز أن يتركوه في هذا الجهل التام، فلا يواجهون صعوبة في جعله يوقع على معاهدات معينة…لقد كنت ضحية هذه السياسة "الإنسانية" دون أن أدري) ص339. أليس هذا بالضبط ما يكشف عن وجه من وجوه مخططات أمريكا وبريطانيا، والدول العظمى اليوم؟ إن عددا من سلاطين العرب المعاصرين وحكامهم، لا يجهلون لغة أجنبية فحسب،بل هم يجهلون حتى لغتهم العربية جهلا فظيعا، وقد رأينا كيف كان بعضهم يضطر، لجهله، أن يُـقرأ خطابه نيابة عنه.فإذا كان هذا شأنهم في أمر اللغة، فكيف يكون شأنهم في أمر الدين والسياسة الشرعية وفقه الواقع ؟ وتكشف الأميرة عن كيد المستعمر، وكيف أنه لا ينظر إلا إلى مصلحته، وأنه في سبيل ذلك لا يتورع عن ركوب الكذب والمكر والخداع، ولا يتأثم ولا يهتم، فعندما علمت بزيارة أخيها السلطان لندن، سافرت إلى هناك، وقد تعلمت شيئا من الإنكليزية، طامعة في المصالحة مع أخيها، وكانت في الوقت ذاته قلقة على أطفالها في ألمانيا، فكان عليها أن تقضي أسابيع مليئة بالعذاب، وكانت ملاقاة أطفالها من جديد، تتطلب منها –بإشارة من الإنكليز- كتابة مذكرة رسمية تفصيلية، قالت الأميرة في مذكراتها :" يومها لم أصدق شيئا آخر سوى أن كتابة هذه المذكرة هي أمر شكلي محض، وأنني إذا التزمت بوعدي فإن الطرف الثاني سيلتزم بوعده أيضا. في مثل قلة خبرتي لم يخطر على بالي أن المرء قادر على أن يسلب حتى الأرامل العاجزات كل أمل، بهذا الإجحاف وهذه الحيلة"ص338 وقد تأكد للأميرة "أن زنجبار لابد أن تكون قد اعتبرت منذ ذلك القوت مستعمرة إنكليزية مقبلة" ص337. وقد ظلت الأميرة العربية في شوق إلى وطنها، فهي تقول "بدا لي بين حين وآخر أن حنيني إلى وطني لن يطفأ" ص342. هذا الحنين المتجدد هو الذي دفع الأميرة إلى العودة إلى وطنها بعد تسعة عشر عاما من الهجرة، محاولة الاستقرار فيه. وفي طريق العودة إلى زنجبار، كان على السفينة أن تمر على الإسكندرية، وهناك في مصر، تنزل الأميرة العربية، وهي في سمتها الأوروبي، مقتربة من شعبها العربي، مستبطنة مشاعرهم وعواطفهم. وقد تبينت أن اللغة عامل مهم من عوامل التقارب بين الناس، فبالرغم من أن الأميرة كانت حريصة على أن تظل محافظة على سمتها الأوروبي المكتسب، حتى تستطيع الوصول إلى زنجبار بسلام، إلا أنها كانت تنطلق في بعض الأحيان بعفوية لتخاطب المواطنين بالعربية"حالما كنت أبدأ بالكلام بالعربية مع الناس الذين يظهرون في البداية تحفظهم، كانت تنشرح أساريرهم، وتومض عيونهم فرحا" "أمي" "تعني أمي هنا كما تعنيه بالألمانية، أي عمة أو خالة" ناداني بعض الناس من اليمين واليسار: أين تعلمت لغتنا ؟ لا بد أنك كنت في بغداد، كم أقمت هناك ؟) ص344. لماذا بغداد بالضبط، وهي في مصر؟ ألأنها كانت وما تزال عاصمة الحضارة العربية والإسلامية ؟ ألأن لهجة زنجبار، وهي جزء من لهجة عمان، كانت حتى ذلك العهد قريبة من لهجة بغداد؟ لقد كانت بغداد عبر التاريخ، وهي الحاضرة، أقرب إلى البداوة وخشونتها منها إلى الحضارة ورقتها.وكما اعتبر فكتور هيكو الفرس إيطاليو الشرق، في مقارنته بين الفرس والعرب،كذلك نستطيع نحن أن نقارن بين بغداد والشام. إن الفرق بين لهجة بغداد ولهجة الشام مثلا، هو كالفرق بين صلابة الجواهري وليونة أبي ريشة . ولكن الزمن يفعل فعله. كانت تسعة عشر عاما كافية لتجعل الوضع في مصر غير الوضع، فبالرغم من طيبة الناس وفطرتهم، إلا أن الاستعمار الإنكليزي كان قد بدأ يستحكم ويتحكم…دخل الاستعمار بدعوى التعمير، إلا أنه حمل معه مظاهر الخراب التي لم تخطئها عين الأميرة العربية التي عاشت في الغرب زمنا، واستغرب عقلها، ولكن قلبها ظل شرقيا. تقول عن الإسكندرية : (المدينة التي كانت ذات يوم رائعة الجمال تحولت اليوم إلى أنقاض –نصب تذكاري "لإنسانية" الإنكليز) ولعل الذي سيزور بغداد، مدينة السلام، بعد العدوان الأمريكي سيقول الشيء نفسه : المدينة التي كانت ذات يوم رائعة الجمال تحولت اليوم إلى أنقاض. وتكشف لنا الأميرة عن مشاعر الناس الحقيقية إزاء المستعمر فتقول : (وفيما عدا خديوي مصر وبعض وزرائه الذين هم في الحقيقة صنائع إنكلترا، يكره جميع السكان الأصليين البريطانيين كرها عميقا) ص345. يكره الناس الاستبداد ويرونه إلى زوال، وقد يصبرون عليه إلى حين قهرا، ولكنهم لا يصبرون على المستعمر الغريب الذي يأتي إليهم زاعما أنه يطلب حريتهم وكرامتهم وخيرهم. وكيف تستقيم الكرامة والحرية مع القهر والإذلال؟ وتكشف الأميرة مزاعم المستعمر التي تكاد تكون هي هي لا تتغير ولا تتبدل. وقبل أن نستعرض ما سطرته الأميرة العربية عن طبيعة الاستعمار، نصغي إليها وهي تروي لحظة من أشد لحظات الصراع النفسي، وهي تعود إلى وطنها بعد ذلك العمر الطويل: " (حين خرجت في الصباح التالي إلى ظهر السفينة حياني من بعيد تخيل وطني ! ماذا كنت أستطيع أن أفعل إزاء المنظر الساحر غير أن أسرع بالانسحاب إلى قمرتي وأشكر الله العلي القدير على نعمته الكبيرة ! إن الإنسان في قسم كبير منه هو فقط ما تصنع منه الحياة والتجارب والأوضاع القائمة : لقد تركت وطني كعربية تماما، وكمسلمة مؤمنة، وماذا أنا الآن ؟ مسيحية رديئة، وأكثر قليلا من نصف ألمانية ! ) ص349. تلخص الأميرة العربية وجهة نظرها في محاولات الغرب الاستعمارية التي تحاول أن تظهر بمظهر الساعي إلى تمدين الشعوب الأخرى بقوله : (لا يمكن فرض التحضر بالقوة)، وهي بطبيعة الحال لا تبغي من وراء هذه القول التسليم بأن الغرب يملك حضارة جديرة بأن تسود العالم، بل هي على العكس من ذلك، ترى أن للشرقي حضارته المتميزة، وأن الغربي الذي يغفل عن ذلك أو يتغافل يكون مخطئا. ثم هي تكشف أن كثيرا من مزاعم الغربفي الرغبة بتمدين الشعوب غير صحيحة، وأنها كثيرا ما تخفي قدرا من المصالح الذاتية. فهي حين تقارن بين التعليم في الغرب، الذي يراد فرضه على العالم الإسلامي، وبين التعليم في الشرق، ترى (أن المدرسة والتعليم هنا – أي في الغرب- لها جوانب سيئة كثيرة أيضا. وعلى أي حال لا بد أن يبدو واضحا أن السؤال عما إذا كان الأوروبيون على حق حين يشعرون بالأسف من أجل شعب "غير متنور بعد" وعما إذا كان يجوز لهم أن يقوموا بتنوير هذا الشعب بالقوة الخارجية، بقي بالنسبة لي بدون جواب) ص 100. وبنوع من الفهم الدقيق والنظرة الثاقبة تبين أن الأمر يختلف (لدى الشعوب التي تدين بديانات أخرى، والتي تصبو نحو الثقافة الأوروبية كما هو الحال لدى اليابانيين، عسى أن يشقوا طريقهم في هذا المجال قدر ما يستطيعون. أما المسلمون فإنهم يواجهون في الثقافة الأوروبية عناصر كثيرة مما لا تتفق مع نظرتهم الدينية المتشددة مطلقا. كم سخر المرء هنا من نصف الثقافة التركية ! لقد بذل الأتراك أكثر مما ينفعهم ليتحضروا إلى حد ما. أضعفوا بذلك أنفسهم ولم يصبحوا مع ذلك متحضرين، لأن الحضارة الأوروبية تتناقض وتتعارض مع جميع معتقداتهم الأساسية) 100-101. والغريب أن هذا الكلام تقوله هذه الأميرة العربية قبل أن يبدأ اليابانيون في وضع أرجلهم على سلم المدنية الغربية. لقد أرسل اليابانيون بعثتهم الطلابية إلى أوروبا في الوقت نفسه الذي بعث فيه المغرب، على عهد الحسن الأول، بعثته إلى أوروبا القريبة منه، ونحن نعرف النتيجة جيدا. إن زعم الغربيين بأنهم يريدون تمدين الشعوب المتخلفة زعم قديم، ومتجدد، وهو زعم باطل، يخفي من ورائه أطماع المستعمر الحقيقية المتمثلة في استعباد الشعوب عمليا، ونهب ثرواتها وخيراتها ووضع العقابيل في طريق نهضتها، والواقع يثبت أن الدول التي كانت مستعمرة أصيبت بداء يمنع نهضتها واستقلالها الحقيقي، فما تزال كثير من هذه الدول ، رغم مرور أزيد من نصف قرن على استقلال بعضها، وما يناهز القرن على استقلال بعضها الآخر، تعيش عالة على مستعمرها السابق، ثقافيا واقتصاديا، وقد عبر المستشرق الفرنسي كارادافو عن هذا التوجه الاستعماري بوضوح أثناء استعمار الجزائر. وترفع الكاتبة الحجب عن بعض من الدوافع الحقيقية للغرب من تحركاته الاستعمارية التي تتخذ في بعض الأحيان طابعا إنسانيا. فقد لاحظت كيف أن الغرب كان مسارعا في نشر الموبقات في الدول المستعمرة، فتقول :" أود أن أسمح لنفسي في الختام بسؤال : ألم يكن أفضل وأكثر إنسانية أن ترسل طبيبة أنثى إلى زنجبار بدلا من الكحول المفسدة للأخلاق؟ أينبغي أن تكون الأفضلية دائما لفساد الحضارة ؟" وترد على مزاعم الغرب المتعلقة بفضائل مبادئ المسيحية وما تشتمل عليه من حب وسلم فتقول :" ثمة حقل واسع هنا لمحبة الآخر المسيحية، وهو أكثر فائدة بمئات الأضعاف، والأمر ليس صعبا جدا. وأنا نفسي مستعدة، إذا قررت أي جمعية أن ترسل شخصية مناسبة، أن أساعدها في تعلم العربية والسواحلية، فهذا اقل ما تستطيع أن اخدم به وطني الحبيب …."ص262. وتزيد الأمر بيانا فتصرخ قائلة ، وهي تتحدث عن دعوة الغربيين إلى إلغاء الرق : "أعرف أنني لن اكسب أصدقاء كثيرين من خلال وجهة نظري فيه، غير أنني أجد من واجبي أن أعبر عنها … غالبا ما يغفل حتى أكثر المطلعين أننا هنا لسنا أمام مجرد مساع إنسانية من جنب الأوروبيين، وإنما تختفي وراء ذلك مصالح سياسية. ص 263. ثم تقول ساخرة :" أم أن كل من لا يكون مسيحيا هو مخلوق لا قلب له ؟" ص265. وهذا الذي تقوله هذه الأميرة العربية يذكرنا بما قاله الغربيون الصليبيون وقد عادوا من بيت المقدس، بعدما رأوا من خلال صلاح الدين الأيوبي وأخلاقه النبيلة ما جعلهم يقولون :" لقد رأينا فارسا نبيلا وعظيما ما أجدره أن يكون مسيحيا" وتبين ازدواجية الإنسان الغربي في خلقه، وهو في بلده يتخذ سلوكا معينا، وفي المستعمرات يتخذ سلوكا مخالفا تماما. إن الإنكليزي المتسم بالوداعة في بلده يتحول إلى وحش في المستعمرات، إنه في الهند مثلا لا يركب فرسه إلا إذا صعد على ظهر الهندي المسكين. ويعبر أدب الشاعر الإنكليزي رديارد كبلنغ عن هذا بوضوح. إن الإنسان الغربي الذي يزعم أنه عدو للرق، يحرص وهو في المستعمرات، على الاستزادة من الرقيق، ولا يعرف معنى للعتق أو التحرير، كما هو شأن الإنسان المسلم. تقول الأميرة العربية :" يحتفظ عدد كبير من الأوروبيين في الشرق بالعبيد، ويشترونهم إذا كان ذلك في مصلحتهم. بالطبع لا يبلغ المرء عن ذلك في وطنه، أو يتذرع بأنه يفعل ذلك (في خدمة العلم). وهكذا يكون على العلم أن يكون غطاء يستر الكثير من الشرور." ص266. وتقول أيضا :" مالكو العبيد الأوروبيون هؤلاء ليسوا دائما إنسانيين إلى حد يجعلهم يمنحون الزنوج الحرية فيما بعد، كما يفعل العربي غالبا، وإنما يبيعهم السيد ثانية حين لا يعود بحاجة إليهم" ص267. وفيما يتعلق بمظاهر التجديد التي يسعى الغربي إلى فرضه على الشعوب المستعمرة، تقول :" العربي مثل كل الشرقيين تقريبا، محافظ بطبيعته، ويتمسك بالموروث بصلابة، لذا لا ينبغي التعجل في التجديد الذي يبدو له مستحيلا وغير مفهوم. فإذا وقف إزاءه موقف الرفض تحدث المرء عن التطرف والكراهية الدينية للمسلمين" ص268. أليس هو ما يحدث اليوم أيضا ؟ ألا يسعى الغربي إلى فرض نموذجه البئيس على المسلمين باسم الحداثة؟ فإذا قوبل بالرفض والمقاومة جابهته اتهامات شتى، ورمي بالتطرف والإرهاب والتعصب الديني. ولكن الواقع اليوم هو أسوأ مما كان في القرن التاسع عشر، ذلك بأن الغربيين يجدون في أبناء جلدتنا من ينوب عنهم في رفع شعارات الحداثة الغربية، ورمي المخالفين بالتطرف والتعصب والإرهاب. أما عن الحكام، فقد بينت الأميرة حرص الغربي على أن يولي على العربي المسلم حاكما مطلق الولاء للغرب، وسواء أكان هذا الحاكم غربيا، يفرض بوقاحة وقوة على الشعب، أم كان عربيا مسلما، إلا أنه في كل الأحوال تابع ذليل، وخائن عميل، فالوضع لا يتغير كثيرا. وكما تسعى أمريكا اليوم إلى أن يكون غارنر ـ أو غيره من الغربيين ـ حاكما على العراق، ومقيما عاما، كذلك كان شأن بريطانيا سيدة الاستعمار في القرنين الماضيين، حيث كان الجنرال الإنكليزي جارلس جورج الملقب غوردون باشا، حاكما على السودان عام 1877 م، وكان الجنرال غلوب باشا، هو الحاكم الفعلي في الأردن، بعد الحرب العالمية الثانية. ولكن الطامة الكبرى في أن الدول العربية اجتمعت على أن تجعل غلوب باشا قائدا للجيوش العربية في حرب فلسطين عام 1948، وهو الأمر الذي أثار عجب غلوب باشا نفسه، كما سجل ذلك في مذكراته، إذ كيف يقود جنرال إنكليزي جيشا عربيا لمحاربة إسرائيل التي هي صنيعة الإنكليز؟ أما الحكام المحليون، فإن الاستعمار حريص على أن يجعلهم تبعا له، وبالرغم من أن الأميرة العربية كانت تحب أخاها ماجدا، الذي تولى السلطنة بعد أبيه، حبا جما، وتظهر له الولاء، إلا أن هذا لم يمنعها من أن تصرخ قائلة :" يبدو أن الإنكليز كانوا ينوون أن يجعلوا ماجدا، الوريث الشرعي للعرش، في قبضتهم ويربوه على طاعتهم لتحقيق مصالحهم فيما ينوونه لاحقا" ص301. وإذا كان ماجد قد نجا من أن يصبح لعبة بيد الإنجليز، إلا أن الموت الذي عاجله، فتح الطريق أمام أخيه برغش المنافس له على العرش. وقد صار برغش فعلا لعبة طيعة في يد المستعمر. وقد عبرت الأميرة عن حسرتها لهذا المصير قائلة :" لقد شعرت بضيق لا يوصف حين أبصرت الديبلوماسي الكبير الذي اضطهد وطني كما يحلوله، ووضع أخي في جيبه كما يقال" ص334. وتزيد الأمر بيانا فتقول، وكأنها تتحدث عن واقع كثير من حكامنا اليوم :" كل من يعرف الأوضاع في زنجبار، يعرف تماما أن السلطان هو الحاكم في الأشياء الصغيرة، بينما الحكم في الأشياء الكبيرة كلها القنصل الإنكليزي" ص 364. وتقول:" إن ثمة هاتفا كثير الاستخدام، يربط القنصلية الإنكليزية العامة بقصر السلطان" 364-365. وبطبيعة الحال فإن الحاكم الغربي لم يكن ليجد طريقا إلى استعباد السلطان الشرقي والتحكم فيه، لو كان هذا السلطان رشيدا قويـــا أمينا عادلا، ولكن لما كان فاسدا مستبدا ظالما، فإنه وجد الطريق إلى التحكم فيه ميسورا، فالمستبد عادة ما لا يجد له سندا من شعبه المقهور، ولذلك فهو يكون مكروها، فيحتاج المستبد إلى البحث عمن يستجير به من غضب الشعب، فلا يجد إلا الأجنبي الذي يجد في الحاكم المحلي المستبد لقمة سائغة. وتعرض الأميرة لهذا الأمر، مقارنة بين الوضع في الغرب، وما كان عليه الأمر في وطنها على عهد أبيها، السلطان المحبوب، ثم ما آل إليه الأمر من بعده، حين دب الفساد إلى السلطنة. فعن الجانب الأول تقول مزهوة بعادات قومها وعدلهم: "في ألمانيا، يعتقد المرء غالبا أن البلاد بأكملها هي ملك خاص للسلطان وعائلته، وليس للرعية حق، ولا ملكية، في مواجهة الحاكم. يتوهم المرء أننا لا نحتاج حين نرغب في شيء إلا إلى أخذه ببساطة دون أن نهتم بموافقة الملك المعنى. ليست الأحوال لدى العرب بهذه البدائية. فالملكية الخاصة لدينا لا تمس أيضا، كما هو الحال هنا، ويمكن للمرء أن يرى هذا بوضوح أكبر، إذ صعب علي أن أحصل على ما رغبت فيه رغم أنني سأدفع ثمنه نقودا كثيرة. ولأسفي فقد عرفت الآن لدى زيارتي زنجبار أن الوضع القانوني في الفترة الأخيرة قد تردى كثيرا. وقد روي لي، فيما روي، أن مِلك القنصل الإنكليزي هو هدية من السلطان، انتزعت من مالكه السابق، دون أي تعويض". ص310. هذه الصورة المتردية التي آل إليها الأمر، بعد موت السلطان سعيد، والتي نجد له اليوم ما يشبهها في كثير من البلاد، تزيدها الأميرة بيانا، وهي تنقل لنا حادثة من الحوادث التي صارت تقع على عهد حكم أخيها برغش. فبالإضافة إلى أن برغش حالما اعتلى العرش عام 1870، ألقى بأخيه خليفة، الذي يليه في السن مباشرة، فجأة ودون أي مبرر في السجن، ويبقيه ثلاث سنوات طويلة وقدماه مقيدتان بسلاسل الحديد، دون أن يعرف أحد لذلك سببا، سوى أنه تعبير عن بطش الطغاة الذين صاروا لا يسألون عما يفعلون، في غياب رقابة حقيقية من الشعب، وفي غياب التقوى، فلما أطلق سراحه بعد تلك السنوات الثلاث لم يكف عن التجسس عليه وعلى أصدقائه، وحين علم لخليفة صديقا مخلصا أنعم الله عليه بثروة كبيرة، قرر حرمان أخيه من مثل هذا السند. "استدعى صديق خليفة وقال له مخاطبا باختصار : لقد سمعت أنك تنوي بيع مزارعك، قل لي كم تريد ثمنا لها، فإنني أريد أن أشتريها". أجاب الرجل : "لا بد أن في الأمر خطأ، فإنني لا أنوي أن أبيع أملاكي ". قال السلطان :" ولكن من الأنفع لك أن تبيعني إياها، والآن إذهب وفكر في الأمر" . بعد بضعة أيام استدعي منكود الحظ ثانية واستقبله السلطان بهذه الكلمات: - " والآن تكلم، كم ثمن مزارعك؟" - لم أفكر أبدا يا صاحب السمو أن أبيعها". - "سيان لدي ما تفكر فيه. سأدفع لك ثمنها خمسين ألف دولار. وهذا هو التفويض باستلام المبلغ. فاذهب واستلمه" انسل الرجل بتأثر عميق من مجال نظر ذاك الذي يعتبر نفسه بهذه الطريقة "أبا الشعب" ، ولكن كانت تنتظره مفاجأة أكثر إيلاما، حين أراد أن يستلم الخمسين ألف دولار، علم أن هذا المال سيكون قابلا للدفع خلال عشرين سنة، وأنه سيحصل كل عام على قسط بمبلغ 2500 دولار، حل الخراب بالرجل، ولكن كان هذا بالذات ما أراده السلطان" ص 361-362. بقي أمر تجدر الإشارة إليه، وهو أن الأميرة تميز بين موقفين من الغرب، الموقف الرسمي الذي يقطر حقدا على الشعوب، ويسعى دائما إلى خراب البلدان المستعمرة، وموقف الشعوب الذي ينم عن كثير من التعاطف مع المظلومين، إلا أنه لا يملك تأثيرا حقيقيا سوى المشاركة الوجدانية للمستضعفين في آلامهم وأحزانهم، هي تنطلق بطبيعة الحال من تجربتها الفردية الخاصة، إلا أننا نحس أنه هو الرأي الذي ترى أنه ينسحب على الجماعة، كما ينسحب على الفرد. تقول :" ولكنه سيكون نكرانا كبيرا للجميل ألا أفرق بين الحكومة الإنكليزية والمجتمع الإنكليزي. فبينما أنا مدينة للأولى ببؤسي، وقد فقدت بسبب خداعها الإيمان والثقة بالناس، لم أشهد من الأخير إلا اللطف والطيبة. لقد عبر الناس،حتى أعلى الدوائر في إنكلترا، عن مشاركتهم الدافئة في قدري، وأشعر للكثيرين جدا بالامتنان لطيبتهم ما حييت" لكأن الأميرة، بهذا الكلام، تعبر عن واقعنا اليوم، فنحن نرى كيف أن كثيرا من الضمائر الحية في الغرب متعاطفة معنا في قضايانا المصيرية، من فلسطين إلى العراق، وليس أكثر نبلا من أن يقدم الإنسان حياته في سبيل مناصرة قضيتك. ونحن نذكر بإكبار الفتاة الأمريكية راشيل، وهي تواجه الجرافات الإسرائيلية، دفاعا عن أسرة عربية، حتى الموت. وقريب من ذلك، المشهد الذي رأيناه من قبل الدروع البشرية الغربية في العراق، وهي تواجه في بسالة وشهامة، الغزاة الأمريكية وتندد بهم، وهنا أيضا كانت امرأة أمريكية تقود هذه الدروع وتكيل للغزاة من الشتائم ما سمعناه جميعا،وتصيح فيهم:"اخرجوا أيها اليانكي". ولقد ختمت سالمة بنت سعيد ، الأميرة العربية المنكوبة، التي منعها جفاء أخيها السلطان المستبد، من أن تعود لكي تستقر مع أطفالها في بلدها، زنجبار،مذكراتها بقطعة شاعرية ، هي رسالة توديع أرسلت إليها في أوروبا، وهي تفيض رقة وعذوبة ! تقول : " ذهبتم دون أن تخبروني، لقد مزق هذا قلبي، وملاني بنار تأكلني آه، لو تعلقت برقبتكم، فما انفصلت عنها حين غادرتمونا ! كان بإمكانكم أن تجلسوا فوق رأسي وتمشوا فوق عيوني ! إنكم تسكنون قلبي، وحين ذهبتم أورثتم روحي ألما لم أعرفه من قبل نحل جسدي، ودموعي لا تنقطع تتقاطر واحدة بعد أخرى على وجنتي، مثل أمواج البحر آه يا رب العالمين ! إجمعنا قبل موتنا ولو يوما واحدا فقط إذا عشنا فإننا سنلتقي ! وإذا متنا يبقى الذي لا يموت ليتني كنت طيرا فأطير إليك ممتلئا شوقا، ولكن كيف يستطيع طير مقصوص الجناح أن يطير ؟ ص 370-371 .
|