|
المسجد في شعر حكمت صالح |
|
جليل رشيد فالح - المغرب |
|
|
|
توطئة "المسجد" أشرف بقاع الله في أرضه، آثره الله بالرفعة والطهر، وحفَّه بالجلال والمهابة، وأحاطه بكل معاني الإكبار والتقديس. هو مثابة المؤمنين كلَّما صدح المؤذن من فوق المنائر بالنداء الأزلي الخالد (الله أكبر…حي على الصلاة)، وهو ملتقى الصفوة الأخيار؛ الذين تعلَّقت قلوبهم المفعمة بالإيمان بكل ركن من أركانه، وبكل حجارة من حجره…تنتظم في رحابه صفوفهم، وتتلاقى في الصلوات الخمس أفئدتهم، وتتآلف في صفوفهم المتراصَّة مشاعرهم، فتزداد أواصر المودَّة والحب في الله قوَّة إلى قوَّة، وتتواشج عرى الأخوة في الله على الصورة التي تذكر بخصوصيَّة هذا الملتقى الإيماني المبارك. ومن ثمة فإن للمسجد –مكانا- خصوصية فائقة في فكر المسلم وحساباته العقائديَّة، وقد رغَّب الإسلام في بناء المساجد؛ ليحقق –في إطارها المكاني- ملتقى يجتمع عنده المؤمنون، "فكل مجموعة تعيش في مكان معيَّن تتأثر في نظرتها وفي تصوراتها بتأثيرات المكان، ومن ثم يتحقق لهذه الجماعة نمط اجتماعي معين يختلف عن نمط جماعة أخرى تعيش في مكان آخر" (1) وعن (عثمان) t أن (النبي ) r قال :"من بنى مسجِدا لله تعالى يبتغي به وجه الله تعالى بنى الله له بيتا في الجنة" (2) وحثَّ القرآن الكريم على عمارته في قوله تعالى :" إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين" (3) ورغَّب الرسول –r- في الغُدو إليه، كلما نادى المنادي: عن مسلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي r قال :" من تطهَّر في بيته، ثم مَشَى إلى بيتٍ من بيوت الله ليقضيَ فريضةً من فرائض الله كانت خُطواته : إحداها تحُطُّ خطيئَته، والأخرى ترفَعُ درجتَه"(4) ونزَّه الإسلام هذه الأماكن من كل ما يثلم خصوصيتها المكانية المتميزة المنطوية على أسمى المعاني العباديَّة والروحيَّة؛ التي لا يألفُها المرء في أماكن أخرى. فإخراج القَذاة من المسجد عمل مبرور، حرصا على نقائه وطهره، ودعا الرسُول r، على الرجل الذي جاء ينشد ضالَّته فيه، قائلا له :" فإنَّ المساجدَ لم تُبنَ لهذا" (5). وكذلك أنكر أن يجريَ في رحاب المساجد بيعٌ وشراءٌ…ورفع للصوت مما يخلُّ بجلاله وقدسيَّته. ومن ثمَّة فليس غريبا أن يكون الشاعر الإسلامي ملتفتا إلى هذه (البقعة المباركة) في أرض الله، فيفسح لها في مضمار إبداعه الشعري مقاما، ويجعل لمشاعره إزاءها انسياحا روحانيا مترعا بالصدق مضمَّخا بالنَّجوى الشفيفة. مما يزيد القلوب تعلقا بهذه البقاع؛ ويملؤها حنينا.. ونزوعا.. واشتياقا كلما شغلتها دوَّامات الحياة اليوميَّة، ومن اجل ذلك كان أصحاب القلوب المعلَّقة بالمساجد من السبعة الذين يُظلُّهم الله بِظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه(6) وممَّا هو جدير بالإشارة في هذا السياق "أن (المكان) من أكثر الأنساق الفكريَّة في بناء الشعر الحديث تعقيداً، فهو ليس كيانا حاملا لكل التواريخ الصغيرة والكبيرة فقط، وإنما هو اللحظة الزمنيَّة التي أرى فيها هذه التواريخ؛ وقد أثبتت بطريقة منهجية"(7) والشاعر المسلم –بل قل- الشاعر الإسلاميُّ الأستاذ (حكمت صالح) واحد من قلة كان للمسجد مقام في شعره، مستلهما من بُعده المكانيِّ عُمقا روحيا تمتدُّ من خلاله أواصر الانتماء إلى هذا المكان محطَّة استرواح للعقل والروح، ومثابة للقلب؛ يجد في ظلالها الأمن والسكينة؛ فضلا عن ذلك النزوع إلى الأسمى والأسمى، والعروج في آفاق الله الرحيبة. ليعود –من بعد هذه الرحلة- إلى الحياة بزاد من الفكر وفير؛ قوامه الإيمان والتسليم، وبشحنة من الروح النقيَّة المترعة باليقين والاستعلاء على (المكان-القيد)..و(المكان-الفراغ)..و(المكان-القلق)، "فالإنسان في نظر المسلم ضعيف؛ ويحتاج للنجاة، وإن الله I هو الخالق..البارئ..المصور، وإن الإيمان مطلق بعظمة الله I ؛ ومن أجل ذلك اتَّـجه الفنَّان للنظر في المطلق وإلى المجرَّد ولم يهتمَّ بمحاكاة الأشياء، ومن أجل ذلك لم تكن وظيفة الفن الإسلامي(ومنه الشعر) نقل المرئيِّ؛ بل إظهار ما هو غير مرئي"(8) في ديواني الشاعر –حكمت صالح- (الفرارُ إلى الله) و(حيَّ على الفلاح)(9) يجد القارئ حضوراً فاعلا (للمسجد) على نحو يجسِّدُ شغف الشاعر المؤمن، وربَّما آثره بهذا الاهتمام انطلاقا من الإحساس بأن(المسجد) مغبون على صعيد الشعر الإسلاميِّ، وهو اللَّون الذي ينبغي أن يفسح ميدانه لهذا الرمز القائم في بقاع الله المؤمنة، أنى حللت وأينما اتجهت. التوظيف الفني للمسجد في الديوانين : ربما كانت مفردة (المسجد) أقلَّ حضورا في معجم حكمت صالح الشعري بعامَّة، فالمفردات التي تمتلك ملامح الانتماء إلى المسجد –لغة ودلالة- هي المعالم البارزة في نسيج قصائده، يعبِّر الشاعر من خلالها عن قدرة هذه المفردات على تشخيص البعدين المكانيِّ والروحيِّ للمسجد. وفي مضمار هذه الشاعرية الصافية الممتدة الأبعاد تتَّسع أمامنا (الآفاق المسجديَّة)-إذا صحَّ التعبير- لتذهب بنا إلى آماد بعيدة قصية في رحلة روحية ماتعة…فالمسجد عنده ليس مسجد الحي الذي نألفه بحدوده المحدَّدة، وجدرانه المألوفة، ووجوه المصلِّين الذين نلتقي بهم كلَّ يوم، فهو -فضلا عن ذلك- عوالمُ رحيبةٌ نسيحُ فيها مع الشاعر لنرى ثمة "مساجد" و"مآذن" و"شعائر" و"صلوات" يمتلئ بها الكون في تناغم وتواصل يستغرقان مساحة الزمن اليومي حتى تتحوَّل الأرض كلُّها إلى مسجد واحد، فثمَّة "المسجد الحرام" و"المسجد النبويُّ" و"جامع الزيتونة" وهنا "ثنيَّات الوداع" و"الحطيم" وهناك" الأروقة" و"الأفنية" و"المحاريب" منبثَّة في أرجاء الأرض تُوحِّدُ الله آناء اللَّيل وأطراف النهار، فيردِّد الكون كلُّه، جباله ووديانه.. أشجاره وطيوره.. إنسانه وحيوانه، ذلك النداء الأزلي الخالد: (الله أكبر). إذن أنت –مع قصائد الشاعر- لست بين جدران مسجد ألفته واعْتَدْتَ على شهوده، بل أنت في رحلة كونيَّة تتجدَّدُ من خلالها كينونتك الإيمانيَّة، فتتَّحِدُ في ذاتك الكينونتان؛ حيث يولد الإنسان المسلم. (وعبادُ الرَّحمن الذين يمشون على الأرض هَوناً وإذا خاطَبَهُم الجاهلُون قالوا سَلاما)(10) نزوعا إلى الخير كله، واستعلاءً على الشر كله. ذلك هو المسجد بمعطياته الثرَّة الدافقة التي لا تني تصبُّ في مسارب الوجود الإنسانيِّ ضمن بُعديه الزمانيِّ والمكانيِّ. عند الوقوف على طبيعة التوظيف الفنيِّ للمسجد ومفرداته يتبيَّن للقارئ منهج الشاعر ضمن محاور وأبعاد اتَّسمت برؤية فسيحة المديات، فثمة ميِّزتان أساسيَّتان تحتضنان جملة المحاور والأبعاد الجزئيَّة المتعددة: 1-الميزة الأولى : انزياح المفردات (المسجديَّة) عن دائرة المكان المحدَّد المألوف، ذلك أنَّ الشاعر جعل المفردة جزءا من نسيج حياتيٍّ عامٍّ، وهو بذلك يبعد لوحته عن مظانِّ الوصف المكانيِّ البحت، وينأى بمقاصده البعيدة المدى عن دائرة القيد المكانيِّ المنبتِّ الصلة عن عوالمه الأخرى التي عوَّدنا أن يجعلها مضمار مشاعره المسافرة في رحاب الكون. ففي قصيدته (انطباع في مخيَّلة صقر قريش) (11) يسيح بنا في عالم الأندلس : فردوس المسلمين المفقود، حيث تستثار الذكريات وتستيقظ المواجع. فالأندلس الإسلاميَّة ماذا بقي من معالمها الإسلامية اليوم؟ هنا ينهض (المسجد) مكاناً شاخص المعالم او أثراً يحتفظ بكل ملامحه التاريخيَّة عبر العصور القاسية، فيكون المكان الذي يختزن تاريخ الإسلام ومآثر الخلفاء المسلمين في الأندلس، ويكشف عن صفحات السيادة الإسلاميَّة الباذخة، علوما وحضارات ومعالم للإيمان والوحدة : "أمُرُّ بِسُور قُرطبةٍ تُحيِّيني.. جموعُ النَّاس ترحيباً أودِّعُهم؛ فتبكيني قلوبُهم أمازيغاً-أعاريبَا ويبكُوني مآذنَ –آهِ وا أسَفَا ويبكُوني منابِرَ –آهِ وا أسَفَاويبكُوني مَحَاريبَا" في سياق هذه الرحلة جعل (المآذن والمنابر والمحاريب) جزءا حيويًّا في لوحة التجوال في رحاب قرطبة، فبقدر ما كان مروره سريعاً عابراً بسُور قرطبة –لأنه لم يكن يمتلك بُعدا مسجديًّا- فإنه وقف وقفة حيوية عند رموز المسجد ليجعل لها جذوراً ضاربةً في أعماق (الجموع)، ولا أدري إن كان الشاعر قد رآها جموع الأندلس الإسلاميَّة (على سبيل الاسترجاع الماضويِّ)؛ أم هي جموع الناس اليوم؛ بوصفهم يمثِّلون حلقات للحاضر موصولة الأسباب بحلقات الماضي : الآباء والأجداد. مهما يكن من أمر فإن هذه الجموع وجدت في هذا العربي المسلم القادم إليهم مثار ذكريات الماضي. فهو يذكِّرهم بكل معالم الإسلام يوم كان له السيادة المُثلى في هذه البقاع متمثِّلة بأبرز هذه المعالم وهي المساجد. وفي حديثه عن (البيت العتيق) و(الكعبة) في ديوان (حيَّ على الفلاح) لا يقف عند هذين المكانين وقفة استغراق صوفيٍّ منبتّ الصلة عن عالمه الخارجي؛ وإنما نجده في غمرة مناجاته يفجِّر في أعماق البؤرة المكانيَّة، مواكب انطلاق تتَّجه فيها رايات الشمال لتلتقى رايات الجنوب في وحدة روحيَّة فكريَّة (إيمانيَّة) مكينة الأواصر…وتمتدُّ الوشائج لتتعانق من خلالها مرابع المشرق ومرابع المغرب في وحدة جغرافيَّة تتلاشى فيها الحدود المصطنعة. إذن (البيت العتيق) يحمل ضمن كينونته المكانيًّة بعدا روحيّا متأجِّجا؛ ينطوي على وحدة المسلمين، على ترامي ديارهم واختلاف ألسنتهم وألوانهم، وكأنَّ (البيت العتيق) هو رمز هذه الوحدة، -بل هو محضنها وبؤرة ملتقاها- ومن بعد أن تنفضَّ الجموع الوافدة تعود لتحقِّق هذه الوحدة في واقع الحياة، بديلا عن التجزئة والتنابذ والتمزُّق. يربط الباحث الدكتور (نبيل الحسيني) بين ظاهرة (الماندلة) التي هي رمز الكون –أو رمز للنفس أو الروح عند العالم النفسي (يونج)- وبين طواف المسلمين حول الكعبة فيقول: "فطواف المسلمين حول الكعبة إنما يؤكِّد أن هذه الكعبة ما هي إلا مركز للإسلام والمسلمين..إنما يمثِّلون في تراصِّهم للصلاة حولها دوائر تضيق وتتسع لتشمل العالم أجمع. فكلُّ مسلم يُصلي في أيِّ بقعة من بقاع الأرض إنما يتَّجه عند صلاته إليها، وبهذا فإنَّنا نستطيع أن نتصوَّر وندرك بأنَّ المسلمين في صلواتهم إنما يمثلون دوائر تحيط بالكعبة، وكأنهَّا هالات تطوِّقها هالات من الإيمان يتردَّد من خلالها ذكر الله الواحد الأحد عند كل صلاة…إنهم يشكِّلون (مانديلة) عظيمة تتَّسع دوائرُها وتضيق كلَّما قربنا من الكعبة "(12) و(الكعبة) مفردة مسجديَّة رائدة لها مكانتها في معيار المسلم التعبُّدي، فهي مثابتُه اليوميَّة في صلاته، وملتقى نزوعه الروحيِّ والإيمانيِّ إلى كل مسلمي الأرض خمسَ مرَّات في اليوم. إذن هي –كعبة العاشقين- على حدِّ تعبير الشاعر، والعشق هو اللهب المقدَّس الذي يسري في روح الإنسان وكيانه؛ فيؤجِّجُ في أعماقه نزوعا إلى الأسمى والأعلى، وفكاكاً من قيود الأرض وأوهاقها الثقيلة الباهظة. فالقبلة قبلتان : مكانيَّة وروحيَّة، تجتمع عندها كلُّ خلجة في زاوية الضمير المؤمن الحيِّ اليقظ السائح أبدا، وكأنهَّا تُعلِّم الأمكنة الأخرى كيف تُسبغ العقيدةُ غلالتها الروحيَّة على (المكان)؛ لتجعلَ منه منبثَق الروح الإنسانيَّة من عقال الرتابة، كما تجعله ملتقى نوازع الخير في الإنسان؛ وهي تعرج به إلى أوج الكمالات : "فهلا أدَارُوا الـمُحيَّا إلى كَعبَة العَاشِقينْ فقبلــتــُنــا استقْطَبَتْ كلَّ زَاويَةٍ من زوايا الضَّميرْ بعَالــمــنــا الكُرَويِّ..الكَبيِر.. الصَّغيرْ " (13) والمنائرُ في سياق القصيدة، ذاتها لا تحمل سمة معماريَّة جزئيَّة في بناء المسجد التقليدي، بل هي معلم يرتبط بواجب إبلاغ النِّداء الخالد؛ تمتزج في أصدائه القوَّة والحنوُّ في نسيج إيقاعيٍّ متناغم جميل، في اليوم خمس مرَّات. وانتشار هذه المنائر في بقاع الأرض أوحى إلى الشاعر بصورة تشبيهيَّة حانية ودود؛ تتمثَّل في استحالتها إلى غابة، ومن اجل أن يجعل لهذه الغابة خصوصيَّة تحبِّبُها إلى النَّفس، فقد استحالت- في إطار الصورة الفنيَّة- إلى مجموعة قناديل تضيءُ الدَّياجي؛ وتهدي كلَّ حائر : " كأنَّ على سَطْحِ كوكَبِنَا غابَةٌ من مَنَائِرْ تضيءُ الدَّياجي وتَهدي –بنُور الهُدى- كلَّ حائِرْ"(14) ومن أجل أن يعمِّق خصوصيَّة المنائر بالتأكيد على وظيفتها في مضمار الإضاءة والهداية قرَنَها- على سبيل المقايسة الطباقيَّة- بصواريخ غزو الفضاء، تلك التي تحمل في طيَّاتها كلَّ أحقاد الكفر ونوازعه الشريرة الغادرة : "تُقلُّ الحيارى إلى عُمُقِ الكَوْن في سَبُحَات السَّمَاءْوشتَّانَ بينَ منائِرِنــَا وصَواريخِ غَزْو الفَضَاءْ فإنْ زَوَّرَ الكُفرُ تصريحَهُ فتوحيدُنا اللهَ كانَ الهُويَّه"(15) وفي المقطع التاسع من قصيدة (أوراق في الذاكرة)(16) يعود بنا إلى رحبات المسجد ليجعلنا نشهد موكبا حافلا ينطلق إلى آفاق قصيَّة، ففي البدء يُلفت أنظارنا إلى (وجه الفجر)؛ وهو ينبثق من الأفق شفيفاً ساجياً يملأ الكون حياة وبهجة، فالفجر نور، والإسلام نور، إذن هو الإسلام حين وافى الوجود فملأه-كالفجر- حياة وبهجة، إلا أنَّه غير الإسلام الذي يحياه المسلمون اليوم، فهو الماضي..الماضي بصحائفه المشرقة المتلألئة، ويومئذ كان المسجد هو ملتقى المواكب الإسلاميَّة، ومن رحابه كانت تنطلق رايات الفتوح والدعوة: "أقرأُ في وجهِ الفَجْرِ صحَائفَ مَاضٍ تَتَكَدَّسُ في أروِقَة الـمَـسجِدِ هاجِسَةٌ قُرآنيَّة"فالتوظيف الفنيُّ يحقق هذا التواصل، ويجسِّد هذا التداعي من خلال العلاقة البارعة بين وجه الفجر والماضي وأروقة المسجد، حيث تكلَّل هذه الصحائف المباركة نفحات القرآن (هاجسة قرآنيَّة)، فضلا عن انسياب ذلك الحبِّ الإيمانيِّ والطير المسافر في تلك الأروقة الآمنة والمنطلق (فوق قباب المعمورة) : "ويرفُّ جناحُ الطَّير المُتعَبِّد فوقَ قِبابِ المَعمُورَةْ"والقباب هنا دلالة غير تقليديَّة، فقد خرج بها الشاعر من الحيِّز المكانيِّ المحدَّد ليرسم لها مسار امتداد كونيٍّ فسيح بسعة المعمورة كلِّها…مما جعل المعمورة نفسها بذلك التوظيف البديع هي بذاتها (مسجدا)، ومن هنا يجسد سعادة الحياة حين مدَّ الإسلام جناحه في جنبات الدنيا فسعدت به، ولا ننسى أنَّ الشاعر يعيش في تداعيات الماضي محتملا في صمت هادئ آلام حاضره غير ناسٍ أن يستشرف المستقبل الذي من أجله يغني لكل شيء جميل. والمسجد- لفظا ومكانا- يحتل في ديوان (حي على الفلاح) مساحة مشهودة، ففي قصيدة (أطلس التوحيد)(17)، وفي المقطع السادس الذي يحمل العنوان نفسه يجول الشاعر في سياحة قصيَّة بعيدة ليجد الوشائج الإيمانيَّة وهي تمد جسورها القويَّة بين أقطار الدنيا المؤمنة، حيث "العقيدة" وحدها تشكِّل معنى (الأمة)، ومن أجل تجسيد صورة الوحدة الإيمانيَّة بين تلك الأقطار يحفل المقطع بذكر تلك الأماكن -بنحوٍ خاصٍّ : "… "وأمُّ الكِتاب" إذا ما انتَهتْ من تِلاوتِها في الصَّلاةِ (دَكَارْ) أجابَتْ بِـ(آمِينَ) خمساً مَحَاريبُ كلِّ المَساجِدِفي (قَنْدَهَارْ) ونَاهيكَ عمَّا (ببَاريسَ) أو (بجِنِيفْ) وما في مَهَاجِر (أمْريكَةٍ) من أُلُوفْ" وبين (دكار) في السينيغال و(قندهار) في أفغانستان مساحة ليست بالقصيرة لا تتلاشى في امتداداتها الجغرافيَّة أصداءُ التلاوة، بل هي حاضرة عندها لتقول على الفور (آمين)؛ دون فاصلة زمنيَّة، كما يفصل المصلُّون في المكان الواحد، فإذا الكونُ كله صلاة وتسبيح. وثمة انتقادات للمسجد-المكان، ليتحوَّل هو ومفرداته،-في إطار مجازيٍّ مغمور بوهج الشاعريَّة الصادقة-إلى حالة إيمانيَّة تحسُّ القلوب المؤمنة قيمتها الاعتباريَّة- معنى وتوظيفاً فنيًّا. ففي قصيدة (كأس التقى)(18) ترد مفردة (المحراب) في هذا السياق المجازيّ-التحويليِّ، فانغمار الشاعر في معانيه المسجديَّة يحقق هذا التجاوز، وهو تجاوز مشدود الخيوط إلى المسجد- المكان الشاخص للإبصار في موقعه المحدَّد : "فَيَا لعُذُوبة كَأسِ التُّقَى يفيضُ انتشاءًبِمِحرابِ حُبِّي أعاوِدُ باليَومِ خَمْساً لِئَلا.. يُجافِيَ سُهدُ المضاجِعِ جَنبِي أُناجِيكَ وحدَك…" كلُّ خلجة من مشاعره تنبعث تسبيحاً وصلاة ومناجاة،..فثمة (محراب) بين جنبيه يؤدِّي في ظله صلوات الحبِّ، إنه حبٌّ دفَّاقٌ متجدِّد، عذب سائغ شرابه، يتوالى في توقيت ملتزم مع الصلوات الخمس، (أعاوِدُ باليَومِ خَمْساً) على عدد ما تؤدَّى الفرائض في محراب المسجد-المكان. ويأخذ(المحراب)-في سياق التوظيف المجازيِّ- امتدادا أكثر سعة، فالشاعر يختار المفردة عنواناً للقصيدة- الثانية عشرة- من ديوانه (الفرار إلى الله)، إذ يختار لها تسمية (في محاريب التَّجلِّي). ولا عجب أن تتردَّد في ثنايا القصيدة من مفردات المسجد ما يحقِّق الصيغة التكامليَّة لانتماء الشاعر إلى (المسجد) مكانا وحالة. ومن بدائِهِ القول إن الشَّاعر كلَّما طاف بنا –على متن التوظيف المجازيِّ- عالمه الأوسع الأرحب فإنَّ المسجد يأخذ امتداداته الروحيَّة؛ مغادرا دائرة (المكان) المحدَّدة؛ شريطة أن تبقى الأواصر مشدودة، وألا تكون الرحلة انفلاتاً وتجاوزاً عشوائيًّا: "حينَما أفْتَرِشُ الأرضَ مُصَلَّى ثم أتلُو سُورةَ (الفَجْرِ) أرانيذُبتُ في نُورٍ تَجَلَّى" الشاعر يحطِّم جدران التحديد المكانيّ- فالأرضُ مُصَلَّى- وهل للأرض جدران..إنه يحقِّقُ الامتداد المكانيَّ بأوجز بيان، ولن أكون ههنا بلاغيًّا تقليديًّا لأسارع إلى القول : إن العلاقة بين الأرض والمصلى علاقة (تشبيه)، بل ربَّما أكون أكثر دقَّة حين أقول..إنها (استعارة مكنيَّة)، ذلك أنَّنا نلمح في مفردة (المُصَلَّى) فعل الصلاة، فالأرض إذن في هذه البنية الجزئيَّة (تصلي) كما يصلي الناس، وتكبر لوحة المسجد والمُصَلَّى حين يشرع في قراءة القرآن، ويذوب في ذلك النور المتدفق المنساب. وتأتي مفردة (محاريب) مضافة إلى التجلِّي- كما رأينا في عنوان القصيدة- إشعارا بالانتماء إلى (المسجد) حالة استشراف وتطلُّع إلى خارج أسوار المسجد (لينصهر في سديمات الوجود) لتحتويه في حب كبير غامر. إنه ليس انصهار التلاشي بل هو التوحُّد الرَّائع بين الإنسان والكون في محراب واحد، فالإنسان مؤمن والكون مؤمن، إذن لا غرابة في أيِّ تلاحم أو توحد أو حتى انصهار. وتكون (مكة) –المكان ومنائرها المزدهية في ديوان (حيَّ على الفلاح) –القصيدة الأولى-(19) محور فعل ووهج يجسد ذلك اللقاء الفريد بين الحجيج وهذه البقعة المقدَّسة، إذ يصف نداءات الأذان والتكبير من منائرها الساحقة البديعة بأنها "باسمة"..استعارة مكنية..مكثفة..يارعة..تبث أروع معاني الحياة العذبة في هذه المنائر؛لتؤول النداءات تراتيل استقبال لوفود الله إلى بيته الحرام في فرح غامر وبهجة وافرة انبثقت من خلال مفردة (باسمة). ثم تمتد الأواصر بين هذه الوفود وبين (غار حراء) متجاوزا حدود المكان، ليكون هذا الغار منطلق تأريخ لا يزال؛ وسيظل سامقا على أرض الله، ومنبثَق أمة لا تزال وستظل ذات وزن في واقع الحياة المعاصرة. "مكَّةٌ ومنائِرُها تزدهي بنِداءاتهاالباسمِهْ للوُجُوهِ التي نحَلَتْها المسافاتُ.. من كلِّ فجٍّ عميقْ أمَّةٌ كحَّلتْ جفنَها بنُغَيمَاتِ (غارِ حِرَاءْ) فجَّرَتْ ثَوْرَةً تربطُ الأرضَ في هَولِهَا بالسَّماءْ" أي فعل فريد، بل أيَّة مهمة ضخمة نهض بها هذا الغار، حين مدَّ الجسور بين الأرض والسماء، فأقام "دولة المصطفى" (r) التي تعيش في ضمير الشاعر حلما في عين يقظته؛ كما هي حلم المسلمين في كل رحاب المعمورة : "أيُّها القائِدُ الأعظَمُ إن تكنْ حُلُماً دَولةُ المُصطفَى فَبأعيُنِ يقظتِنا نَحْلُمُ"
وفي رحلة (الحج) التي احتوتها القصيدة السابعة (20) من ديوانه (الفرار إلى الله) يرسم الشاعر صورة من التألق الروحي والانغمار الوجداني الواعي عند إقامة الشعائر. من خلال القصيدة تتلاشى صور أداء المناسك بوجوهها الشعائريَّة المعروفة عند الحجاج، فالشاعر في أوَّل همسة وجد يقول : "أسبَحُ في شَوَاطِئِ الفَيْضِ الإلَهِيّ…"ولا يفوتنا أنَّ هذا البيت ينطوي على (بُعْدٍ مَكَانِيّ) خفيٍّ،/ أليست الشواطئ أمكنَةَ استرواح وجمال؟ إنه يقدِّمُ لنا شواطئَ للفيض الإلهي؛ ليحطِّم الصورة التقليدية "للمكان"، ثم تتلو الخطوة الثانية؛ ليكون عند (الحطيم) …إنَّه لم يسر إليه على قدميه مع المواكب السائرة فرداً من أفرادها؛ بل حملته (نشوة التسبيح). "فتَحْتويني نَشْوَةُ التَّسبِيحِ في الصَّبَاحْتحومُ بي حَولَ (الحَطِيمِ) خَفْقَةُ الجَنَاحْ" ثم تلي الخطوة الثالثة: في مراسيم الحج : "فأنثَني مُقَبِّلا أستَارَ بيتِ الله.. في انشِرَاحْ"وهو لا يؤدي مجرَّد شعيرة، بل يحسُّ أنَّ هذا المكان-بعد أداء الواجب- كان منطلقا وإلى رحلة تتلاشى فيها أبعادُ الزمان والمكان : "تقلُّني أشرِعَةُ التَّصَوُّرِ المشدُودِ بِالسَّمَاءْتُقِلُّني…حيثُ الزَّمانُ نُقْطَةٌ معدُومَةُ الأبْعَادْ" وتبدأ الخطوة الرابعة : "وحينَمَا أُمسِكُ (بالملتَزَمْ) وأرفَعُ الدُّعَاءا…"ترى ماذا يحس؟ …وماذا سيحدث؟ "أذوبُ في التَّوهُّجِ الرُّوحِيِّ.. في الشَّوقِ الظَّمِي" وتتوالى صور أداء المناسك على هذا المنوال، انغماراً في عالم (الحجِّ) بكل فكره وحسه ووجدانه، متمليا الأبعاد الغائرة في كل وقفة ونسك، فدموعه غزيرة في (المدارج القدسيَّة). ثم ينساب في دعاء حميم رقيق ينبض بالقوَّة والحنو، ويترشَّح بالصدق والإيمان واليقين، حتى إذا ما وصل في دعائه إلى مرحلة الشكوى من الزمن الصعب "المفعَمِ بالكآبَة..يُنشِب في عقُولنا أنيابَه" يبادر إلى تحقيق حالة انفصام عن هذا الزمن النكد : "فيحمِلُ المؤمِنُ فوقَ ظهرِه محرابَهْمُهَاجِرا إلى حِماك حيثُ يُفني في التُّقى شبَابَه" و"المحراب" هنا هو كلُّ كينونته الإيمانية؛ تغادر عالم الظلام خشية أن يصاب هذا المحراب بلوثة هذا الزمن الصعب. 2-الميزة الثانية : ثمة مفردات لا تنضوي –في العرف المألوف- إلى دائرة المفردات المسجدية، لعدم وضوح السمة المكانية فيها ولكن انتماءها الدلاليَّ والعقائديَّ إلى عالم (المسجد) وما يحفل به من ضروب النشاط التعبُّدي والفعاليات الإيمانية هو الذي جعل الشاعر يُعنى بتوظيفها.و يقيم بينها وبين المركز المكاني (عالم المسجد) وشائجَ وأواصرَ، مما لا يسع الباحث إلا أن يتتبَّع موحياتها الروحية؛ ويمسك –بتؤدة ورفق- بخيوطها الدقيقة الرقيقة، فإنه- ولا شكَّ- سيحس بأصدائها المسجدية في تضاعيف حروفها وإيقاع جرسها النغمي الماتع، ثم إتمامها في نسيج القصيدة، بمعان مسجدية واضحة، ومن هذه المفردات : الدعاء..والذكر..والسبحات..والترتيل..والقرآن. ومما نلفت أنظار القارئ إليه أن ديوان الشاعر (الفرار إلى الله) أحفل بهذه المفردات المنبثقة الخيوط من رحبات المسجد. في حين أن ديوانه الآخر (حي على الفلاح) يركِّز على المفردات المسجدية المكانية المحددة المعالم، كالبيت و"الكعبة" و"القبلة" و"المقام" و"المسجد النبوي" و"المحراب" و"الأروقة"..إلخ. ومن هنا فإن دراستنا لهذه الميزة ستتناول –بنحو خاص- نصوصا من (الفرار إلى الله)، فهي التي تحدد معالم هذا التوظيف الفني الذي يلغي سكونية "المكان" ويملأها بالحياة المُفعمة بنفحات الوجد الإيماني العذب، وبالحركة المتناغمة مع ما يحفُّ أجواء "المسجد" المكان" من جلال ومهابة. ففي القصيدة الخامسة (تداخلات الفارس) وفي المقطع الثالث وعنوانه (الفارس-العشق) ترد مفردة (حلقة الذكر) في سياق انغمار الشاعر في احتفاليَّة (الوجد الإلهي) التي يغيب خلال فعالياتها الصوفية الناشطة وعيُ الذاكرين، وانفصامهم عن عالم الواقع المعيش…إلا أن للشاعر موقفا آخر لا يغادر –خلال احتفاليته- عالم الواقع، ولا يرضى لنفسه –ولكل ذاكر- إلا أن يكون مع الحياة، وأن يذكر الله من أجل الحياة : "كذلِكَ … هذي طُقُوسُ التَّواجُدِ… في حَلْقَةِ الذِّكْرِ، عِشقاً لبعثِ الحيَاةِ… بجِسمِي الهَزيلْ"ولا بد من التلبُّث المتأمِّل عند محوري (بعث الحياة) و(بجسمي الهزيل)، فالأول هو الهدف الإيجابي لإلغاء حالة "الغيبوبة" والانفصام عن عالم الحياة. وأما الثاني فهو رمز لهزال العالم وضعفه واضطرابه؛ نتيجة انفصامه عن الله تعالى، وهو "جسم" اصطلحت عليه العلل والأسقام حتى أهزلته، ومن ثمَّة فإن به حاجة إلى قوة روحية تبعثه من جديد ناشطا فاعلا-كما كان من قبل- وتمثل (حلقة الذكر) حالة الفرار إلى الله، والاصطلاح معه؛ واستئناف الحياة تحت راية قرآنه وفي ضوء هدي نبيه r. وفي هذا السياق يحرص الشاعر على تمتين الوشائج بين عالم المسجد وفعالياته العبادية والروحيَّة-في إطار الفرد والجماعة-وبين عالم الواقع راسما صورة "المسجد" مثابة للتزوُّد" بالوقود الروحي" مسجلا العهد على النفس؛ من اجل انطلاقة واعية شاملة بنَّاءة في رحاب (الواقع)؛ استهداءا بقوله تعالى " أن أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ" وقوله تعالى "واستَعْمَرَكُم فِيهَا". ففي قصيدته (تجليات)(21) يؤكد هذه الوشائج –كما فعل في النص السابق، إذ تتناثر في (تجليات) المفردات الجارية في هذا السياق، تناثر النجوم المتلألئة في صفحة السماء الصافية : "وابتهالاتُ اللَّيالي الرَّمَضانيَّةِ في لحنِ انسِكَابٍ مَوْسَقَتْهُ تمتماتُ الذِّكرِ
فاضَ إيماناً يهُزُّ القَلْبَ …أوْ يوقِدُ بالفِكْرِ قَنادِيلَ التَّجَلِّي" وبؤرة الالتقاء بين عالم النور الأسمى والواقع المعيش (الهدف) تتجلى بوضوح في محطتين هما : (يهزُّ القلب) و(يوقِدُ الفكر)، فاهتزاز القلب : يقظته، وإيقاد الفكر : وعيه، فإذا ما استيقظ القلب ووعى الفكرُ واقعَه استخلصاه من براثن الجهل..والتخلُّف..والضياع..والتبعيَّة؛ وبوَّآه العالم الأسمى عالم القيم الإيمانيَّة الفاضلة: عالم التطوُّر الواعي والحضارة الهادية..البانية..المتسامية. ومن خلال (التراتيل التي تقرأ سرًّا وجهارا) في قصيدته(التحيات)(22) يلغي الشاعر ضمن فعالياته التعبُّدية الروحية- المسافات والحدود بين أقطار العالم؛ لتحقيق وحدة روحية –فكريَّة- وشائجها ما تنطوي عليه تراتيله من معان ودلالات لا تطوف في عالم السديم، بل تستقرُّ في واقع الأرض لتغيره نحو الأسمى والأفضل، ذلك أن تراتيله التي تنساب دعاءا ووجدا: ……
في رحابِ الرُّوح … تجتازُ الكثافاتِ الزمانيَّة عُمقا ومدارا حيث يُمسي البعضُ كلا ملكوتيا فما يبعثُ إلا في مخاضاتِ الفناءْ في امتدادِ الأبديَّهْ وتراتيله هذه : ماخِراتٍ هيَ في عرضِ المُحيطْتأكيدا على عالمية هذه الدعوة المحمدية التي قوامها وقطب رحاها "وما أرسلناكَ إلا رَحْمَةً للعالَمينَ" ومن خلال التوظيف المجازي للمفردات ذات الصلة الدلالية بأجواء (المسجد) يسبح الشاعر في عالمه الكوني الرحيب، ويتنقَّلُ في أقاصي الوجود. وفي غمرة مشاعره الإيمانية التي تمتدُّ إلى أوسع الآفاق –يرى كل شيء في هذا الوجود يُصلي (23): يُصلِّي النُّورُ في نافُورةِ الأمواهِ …في السَّاحَهْ(فالساحة) التي تنتصب فيها النافورة هي (المسجد)، والنافورة التي عانقت ذرَّات مياهها قبسات النور المنساب من حول النافورة. وفي المعيار البلاغي رسمت هذه الاستعارة المكنية) البديعة لوحة صلاة تقام في الشارع. حيث الشارع هو الآخر يتحول من خلال معطيات البؤرة الاستعارية إلى (مسجد)؛ حتى تمتدُّ إلى خارج الساحة؛ حيث تقام للظل في الواحة البعيدة المنتصبة في قلب الصحراء: "ويسجُد ظلُّه الممتدُّ في الوَاحَهْ فيسحَرُني وميضٌ شعَّ في نفسي"(24) وتدور هذه الأمواج النورانيَّة في عالمها الممتدّ الرَّحيب لتعود مرة أخرى؛ لتجد لها مستقرًّا في نفس الشَّاعر…والشَّاعر هنا ليس فردا، بل هو الإنسان الذي يعدُّ جزءا، بل هدفا يستقرُّ في رحابه كلُّ ما تبثُّه هذه التجليَّاتُ الوجدانيَّة النقيَّة المتوهجة. وفي هذا السياق يأتي (تسبيح السواقي) مُترَعا بروح المسجد في قوله (25) : "وأنا أسمعُ تسبيحَ السَّواقي"ومثله الريح الذي يحمل ذكر الله، وذلك في قوله : (26) "ههنا رفَّةُ غُصنٍ ماجَ باللَّون … مع الريحِ الذي يحملُ ذِكرَ الله ومضاً أبديا…" والحقل بكل ما يحفل به من ألوان الزروع والنباتات (مسجد) يعبد فيه الله على ألسنة الغصون والياسمين..والأراك، فضلا عما يحفُّ به من وديان تردد تراتيلها الإلهية"(27) مسافرٌ سُرورُنا في سجدَةِ الغُصُونْأو في رُكُوع الياسمينْ أو في تسَابِيحِ الأراكْ وبين وديانِ التَّراتيلِ الإلهيه وها هُناكْ …." إن مفردات الشاعر سواء أكانت ذات صلة مباشرة بالمسجد-المكان أو ذات صلة دلالية – في إطار التوظيف الفني- موسومة بخاصية حركية واضحة في تضاعيف قصائده؛ وهي أنها تضفي الغلالة المسجدية الشفافة الجميلة في كل بقعة من رحاب الأرض المترامية . ففي قلب الفلوات والبيد : هنالِكَ آنَسَ الإنسانُ في البيداءِ وحشَتَهوفرَّ رجالُ دينِ الله في الفَلواتْ فلو بكَتِ السماءُ عليهم كِسَفاً لأينعتِ العَناقيدُ…"(28) إنه يزرع النور في قلب البقاع القاحلة المجدبة، ويسقي تلك الرمال اليبيسة بالهدي الرباني "فتينع العناقيد" ثم يتوغَّل إلى مدى أبعد ليتحدث عن امتدادات الأنوار الربانيَّة؛ وأصداء حياة المسجد في (سحيق اللاَّقرار من الظلمات) فماذا يجد هناك؟ : "وفي سحيق اللاَّقرار.. من الظُّلُمَات تهادى فجأةً عزفُ التَّراتِيلِ….(29) وعزف التراتيل يحمل ملامح مسجدية. حيث تتردد أصداء تلاوة القرآن الكريم في جنبات المسجد؛ وحيث تجأر الأصوات المؤمنة بالدُّعاء والتَّسبيح والتَّحميد، فضلا عما يلقى في رحابه من مواعظ ودروس تنساب روحانيَّتها ومفاهيمها إلى القلوب والعقول . وإذ نتصفح ديوان (حيَّ على الفلاح) تلقانا قصيدة الشاعر (تكبيرة الإحرام) (30)؛ وهي محتشدة بالمفردات ذوات الدلالات المشدودة الأواصر إلى (المسجد)، تارة بوضوح لا يخفى، وأخرى بلمح فني في إطار التوظيف المجازي الذي يأخذ مساحة أوسع من دائرة المكان- فتسيح بنا –كعهدنا بصور الشاعر الفنيَّة- إلى عوالم فسيحة قصية. العنوان (تكبيرة الإحرام) انطلاقة تتخذ من أخص مواقع المسجد نقطة البدء؛ تليها رحلة في آفاق الكون : المسجد الكبير المترع بالصلاة والدعاء والترتيل : "وأرفَعُ الكفَّين في تكبيرة الإحْرَام تنغلقُ الأبوابُ دونَ العَالمَِ المرئِي … تقفَلُ الشفاهُ..لا كلامْ…. وفي غمرة الاندماج في "عالم المحراب" الروحاني الذي يتولى المقطع الأول رسم ملامحه الخاشعة الساجية تتوالى مفردات أخرى : "ويهدرُ التَّرتيلُ في الأروِقَةِ المُبارَكه.." تناغم بديع بين المفردة المكانية "الأروقة"، والمفردة الدالة على الفعالية المسجدية وهي "الترتيل" . ويمتدُّ رواق المسجد إلى عالم ارتقى فيه (الخلق الزماني) مسالكه (بصحبة الملائكة)، فماذا يقام هناك من شعائر؟ : "تسبِّحُ العروقُ باسمِ الله والنَّواشرُ العميقَةُ المَـجْرى في داخل الصَّدر الذي يعشقُ ذكرَ الله"ففي كل مكان ينهض المسجد: في العروق والأوردة والشرايين : والصدر (القلب بنحو خاص: لـِ "يصلُ الرُّكُوعَ بالسُّجُودْ والصَّلاةَ بالصَّلاة يُعاوِدُ الدُّعَاء.. أو يردِّدُ الذِّكرى ويشربُ الصَّفاءَ صِرفاً في كُؤوس العَارفينْ" إنها ليست تهويمة خادعة أو نسيج خيال من شاعر حالم، هي الحقيقة التي يحس بلذائذها خواصُّ الناس من المؤمنين؛ الذين يحيون العيادة معنى كبيرا وخاصيته من خصائص الإنسان : وهو عبد الله وخليفته في أرضه. فهو في هذه الرحلة الإيمانية لا يهرب من واقع الأرض؛ بل يعودُ إليه أصفى ما يكون الإنسان، وأعذبُ ما يكون البشر، وأروعُ ما يكون المؤمن، وهو : "يستوعبُ المعانيَ الكليَّة بغمضةِ العينين أو رمْشَةِ الجُفُونْ في سامِرِ الحقَائقِ العُلويَّة تقيمُ في انفلاتةِ الآمَاد … أعراسَ التَّسابيحِ الإلهيَّه" وهل يملك القارئ إلا أن يقر ببراعة الصورة، وهي تقدم له الآماد الممتدة (مسجدا كبيرا) تقام فيه شعائر (التسابيح الإلهية) في بهجة الأعراس الجميلة ! وتتوالى مقاطع القصيدة تقدم صورا شتى من هذه الرحلة التي طاف بها الشاعر في عوامله البعيدة الأمداء (خلف ساحل الزمان والمكان) . فيقف عند (إبراهيم الخليل u) وحوله : "تذكُو جَذوةُ النِّيرانْ"وحيث المؤمنون : "يحُرَقُون في السُّجُونْ وتُفقَأُ العُيُونْ تلكَ التي تذرِفُ دَمْعًا في الصَّلاةلأنهَّا ما فتِئَتْ تذكُر اسمَ الله" إذ لم يغادر الشاعر عالمه هذا دون أن يقيم الأواصر بين المقطع والمسجد. حيث (الصلاة وذكر الله تقيمها العيون المفقوءة) وفي مقطع الوقوف عند سيدنا موسى u: بـجـانــبِ الــطـــُّور سـيــُولُ الــفــَرحَــةِ العـُظـــْمَـى تُنـــاجــي الـــرَّبَّ ذا الـجـــلالِ والإكــــــرام ْ… ثم يمر بسيدنا عيسى u: سيرتَقُ مــجــرى الحُبِّفــي خــاصــِرةِ الــضَّمــيـــرْ فـي تـنـفــُّسِ الـــوِئــــــامْ والحبُّ : قيمة عليا، وآصرة وثيقة بين العبد وربه، فهو –من بعد- صلاة تموج آثارها في حنايا النَّفس. وتتجاوب أصداؤها في جنبات الضَّمير؛ حيث يكون الوئام والسَّلام من ثمراته اليانعة. ويبدأ الشاعر في مقاطع (تكبيرة الإحرام) الأخيرة تراتيل (الاستعاذة) – والاستعاذة صلاة يحصِّنُ بها الإنسان نفسه من الشَّر الذي يعمُّ أرجاء الأرض. وفي رحلة الاستعاذة –وحيث المسجد انطلاقتها الأولى يمر بعوالم الشر : أعوذُ باسم الله من شيطانِ عَصر الكُفْروالفُجُور والبِغَاء أعوذُ باسم الله من شيطَانِ عَصْرِ الانحِرافَات وعصرِ الزَّندَقَه " ثم تتوالى في تضاعيف القصيدة كل صور الشر والبغي في الأرض : "شياطين الإنس" وشياطين الجن" و"مرتزقته" و"الطَّاغوت" و"حضارة" "النابالم والدمار" و"غزو الكون" [ لاتخاذه قاعدة حربية]..و"تصدير المخدرات" و"الانتحار" و"الرق" و"التمييز العنصري" …إلخ . ولا ينسى أن يستعيذ بالله "مما ليس كائنا بعد"، حذرا متوجسا من امتداد الشر إليه : وهو المستقبل : "أعوذُ بالله من المستقبَل اللَّعين إن لم يعد لمنبَعِ العَقيدةِ السَّمحاء" ويوعد –من بعد- إلى رحاب "المسجد" ويظن المرء أنه سيخلد إلى مستقر سكوني ! .. كلا : إنه لا يزال في حركة دائبة، بل سيظلُّ كذلك. فالمسجد –المكان : حركة تستوعب الزمن كله في الصَّلوات الخمس، وهو في إطاره الدلالي كون فسيح يعبد الله بالالتزام الأمثل لقوانين الله : "وأرفعُ الكفَّين في تكبيرةِ الإحرَاممسافِراً بين محطَّات الرُّكوع والسُّجود والقِيام لأختِمَ الصَّلاةَ بالسَّلام "فثمة أمران في هذا المقطع : أ-حركية المسجد : فالمصلي مسافر، ومحطَّاته كل حركة من حركات صلاته. ب- الصلاة : وموقعها المسجد (مكانا ودلالة) تنسخ كل شرور العالم وآثامه. وبذلك تقدم (تكبيرة الإحرام) نفسها إلى القارئ رحلة "مسجدية) تتحدد بدايتها؛ ولا تعرف نهايتها…فالخيوط المسجدية تشد الأواصر بين البداية المحددة والنهاية غير المحددة، فالكون إذن "مسجد" و"صلاة" و"توازن" و"سكينة" … رحلة مسجدية مع قصيدتين من ديوان (الأمطار السوداء) (31) بين يدينا قصيدتان من ديوان الشاعر (الأمطار السوداء) نعزز بهما دراستنا للبعد المكاني المتمثل في (المسجد)، وتتبعنا لمسارات العمق الروحي المنبثق من كل مُفردة من المفردات المنتمية إلى المسجد، والدالَّة على أجوائه ومنطلقاته، والموحية بمعانيه ومعطياته. أ-القصيدة الأولى : (بعد صلاة الجمعة) : تحفل هذه القصيدة بالمفردات المنتمية إلى المسجد –المكان) بخيوط مرئية محسَّة تدعونا إلى أن نبادر إلى التحذير من الوقوف عندها وقفة سطحية أو أن نمر بها مرور عجلان…فقد اتَّخذ الشاعر من خلال هذه المفردات لتأملاته قاعدة انطلاق إلى العالم الأرحب، وهذا هو منهجُه السَّائد في توظيف مفردات "المسجد"، فثمة تشكيلات (استعاريَّة) حركية تحقق هذا التجاوز لعالم المكان المحدود إلى المدَيَات البعيدة؛ بحي تتجاوب في كل عوالم الله أصداء النداءاتُ المسجديَّة المكبرة الموحِّدة لله، "فالمسجد- المكان" في القصيدة مؤطَّر بإطار زماني له دلالته الخاصَّة عند المسلمين – فيوم الجمعة هو اليوم الذي تحتشد فيه المساجد بالمصلين على خلاف ما نجده في سائر الأيام الأسبوع. من ثمَّة تدخل مفردة جديدة إلى مواد التوظيف في بنية القصيدة، لاقتران (يوم الجمعة) بحضور أعداد كبيرة من المصلين، إذ لم يكن هذا اليوم في القصيدة يوما سكونيا تدخل شعائره في إطار الإلف والعادة، بل غمس الشاعر ريشة الفنان المبدع في جداول (الاستعارات) ليرسم شرائح حركية موحية؛ تتآلف فيما بينها لتقدِّم لوحة (يوم الجمعة)؛ وامتداد آثاره إلى ما بعد صلاة الجمعة. 1-"كلماتُ اللهِ تحلِّقُ فوقَ سماءِ المسجِدِ.. تكبَرُ..تكبَرْ" ما أجمل أن تحلِّق كلمات الله طيورا بديعة موحية بالأمن والسَّلام والبهجةِ، وترسمَ في السماء أسرابَ مخلوقات حبيبة إلى النفس بوداعتها..وإيقاع أغاريدها..ونسق حركاتها. بهذه الاستعارة جعل كلمات الله المنبعثة من أجواء المسجد ذات ديمومة في سماء المسجد، فهي لا تتلاشى مع الرياح، بل هي محلِّقة تطوف الأرجاء، مستغرقة في ذلك زمنا يدعو إلى التأمُّل والاستمتاع الرُّوحي الحاني: 2- "تتوهَّجُ مشكاةُ الخطبةِ شمعَهْ "تشمَخُ في الأفقِ الأخضَرْ"صورة استعارية أخرى، مترعة بالنور، باعثة للضوء، ذلك هو نور الهداية الذي يبدد الظلام، وضوءُ الحق السَّاطع الذي تنجلي به دياجير الباطل والسوء. وشمعة الخطبة ليست ضئيلة المقدار، بل هي متوهِّجة (وشمعة واحدة تطرد ألف ظلام)، ووهجها يكبر ويتعالى حتى الآفاق الخضر القصية. 3- سيفٌ علِّقَ في عروته العُليا مفتاحُ مغاليقِ الدُّنيا يصقُلُه إيمانٌ يتوهَّجُ فيه الجَوهَرْ"فالسَّيفُ الذي يمسك به الخطيب طالما أصبح موضع تندُّر الناس، لأن غالبه من الخشب، ولا يملك الخطيب أن يسلَّه، كما سلَّ أجدادُنا السَّيف في معارك الفتح الإسلامي. في هذه الصورة الجزئية شيءٌ من (ردِّ الاعتبار) لسيف المنبر؛ ودعوة له ولحامله أن يكون له شأن. فالسيف كان أداة من أدوات الفتح والتبليغ، وكان يفعل فعله في الوقت المناسب بعد أن تعيا كل الوسائل، ولذلك كان في عروته مفتاح العقول والقلوب؛ ومفتاح البلدان والأصقاع، وهو يفضل حامليه الفاتحين الهداة المهدييِّن..أصحاب الرسالة المباركة تنعم بالإسلام وتسبِّحُ بحمد الله، وتقوم في رحابها منائر الله الموحِّدةُ المكبِّرة. 4- المئذنة : "مئذنةُ النُّور تطول وتقصر"5-القبة : "تعلُو تعلُو أكثَرْ"6-الأركان : تـــسبـــحُ بــاســـم الله وتـــجـــــأَرْ. ومن ثـمَّة فإن مفردات المسجد تجدها متسمة بسمتين بارزتين : السمة الحركية في إطار الاستعارات المكنية ، وسمة الامتداد، حيث "المسجد-المكان" هو المنطلق، والنهاية أقاصي الكون الشاسع، إذ أن كلا منهما تحوِّلُ هذا الكون إلى (مسجد) يسبح لله، بلغة واحدة وإيقاع متناغم واحد، فيه الصدق والإخلاص والثبات. وفي غمرة هذه الاحتفالية الخاصة في إطار الزمان (الجمعة) والمكان(المسجد) تخشع القلوب وتتوالى الدموع انسكابا وهذه الدموع المنسابة ركوع وسجود (في محراب الرحمن)، فهي جزء من هذه الكينونة..الإنسانية.. الخاشعة..المغمورة في جماليات هذه الاحتفالية البهيجة. وفي خاتمة القصيدة تتجلى لنا معالم هذا المسجد الذي جعله الشاعر انطلاقة هذه الصور الفنية؛ والمعاني المسجدية الرائعة، فهو (المسجد الأقصى) –دون أن يسميه ابتداء..كيف ذاك؟ إن للمصلين فعالية أخرى بعد الفراغ من أداء احتفالية الجمعة، فهم ما إن يغادروا المسجد حتى يدخلوا في صراع متكرر وقائعه عقب كل صلاة جمعة، إذ أن جنود الاحتلال الصهيوني (اليهودي) يترصَّدونهم ويضايقونهم، فتفور الدماء المؤمنة في العروق وهي مشبَّعة بعطاءات (المسجد) الروحية والفكرية (نسيجا إيمانيا متواشج اللحمة والسُّدى) فإذا بهم قوة تتصدى…فتعلو أصوات التكبير في وجه الطغيان استئنافا لفعاليات المسجد؛ وأداءً لصلاة من نوع آخر…يبرز في التحدي والمقاومة بالحجارة التي يجعلها الشاعر في آخر مطاف القصيدة تنتصر على الرشّاش الغادر المنهزم. ب- القصيدة الثانية : لمن تمنح القبلات ؟ تنساب القصيدة ضمن مسارات وجدانية ذاتية، حيث يسفح الشاعر خلجات حبه على أديم حياته، ففي لحظة من اللحظات يتوقف متسائلا :" من أمنح قلبي؟ من أمنح حبي؟!) إنه لا يريد أن تتبدد هذه الفعاليَّة الوجدانيَّة في مآرب عشوائية، فهي خلَجات نقيَّة مفعمة بأصدق معاني الحب. لقد أراد الشاعر أن (يتخيـَّـر) في من حوله أجدر من يستحق هذا القلب وهذا الحب…ولا ننسى أن هذه الخلجات الطيبة مغمورة بأنوار "المسجد" تتهادى من أعماق نفسه التي كانت في صلاة : "أخرج بعد صلاة الفَجر الظهر العصر " ثم يبدأ التساؤل : "من أمـنـح قــلــبــي ؟" مــن أمـنـح حــبــــي؟" هناك أناس من حوله جديرون بكل ذلك : طفله ..شقيه الأكبر جاره الطيب..رفيقة دربه (زوجته) إلا أنه يتريث؛ ليقوده التريث إلى الأجدر في كل هؤلاء الأحبة … لقد وجد الأجدر في "خطيب الجمعة" الذي أعلن للناس : أن الاستعمار بزي الشيطان الأكبر ما كان له أن يجتاح حدودا يتخــــذ لــــه مـنــهــا مــعـــبـــــر لـكــن عـبــر ثـقــوب خطــايــانـــا كــالـنَّـمـــل اجـتـــاح قـــــرانـــــا" هذا الذي شخص معالم القضية واضحة لا لبس فيها، ونطق بالحق الذي لا مِرية فيه، ونبَّه إلى (الغيوب) الخطايا التي تسلَّل منها (الشيطان الأكبر) إلينا …لم يملك الشاعر نفسه – بعد أن وجد بغيته –إلا أن- يجتاز صفوف المصلين ليصل إلى الخطيب؛ لماذا ؟ "ونَثَرتُ على وجنتِهِ اليُمنى من قُبُلاتي حُزْمَهْ ومنَحْتُ القَلبَ وكلَّ الحُبِّ لِتِلْكَ الكِلْمَهْ" لقد تجاوز بذلك كل الدوائر الضيقة للحب الذي يمارسه كل الناس في إطار العلاقات الإنسانية أو الاجتماعية في إطار البيئة المحدودة التي تضمُّ الأقربين وشيجةً ونسباً..إنه منح قبلاته وحبَّه وقلبه (للكلمة الصادقة) التي تجسد القضية، وتوقظ الأحاسيس الراكدة، وتنبه العقول التائهة الحائرة، فقد استقرت القبلات على وجنة خطيب الجمعة، فهو رمز مسجدي فعال، رسمه صوتا داويا بالحق، ناطقا بالصدق، بل صوَّره حبيبا يستحق الحبَّ والقلب والقبلة. وبعد : فهكذا يولد الشاعر الإسلامي من خلال صوت الصدق المفعم بالإيمان والثبات والرؤية التي تمتاح القرآن والهدي النبوي وأجواء الطهر والجمال التي تعدُّ (مساجد الله) أهمَّ ساحاتها ومنطلقاتها. فالمسجد –بنحو خاص- في شعر الأخ الأستاذ (حكمت صالح) مثابة المتعبدين، ومنطلق مواكب النور، فهو ليس عالما معزولا تمارس فيه الشعائر على نحو تقليدي سكوني. بل هو حافل بالتكبير..والتسبيح..والتهليل؛ يرسم معالم عزة المسلمين وعلوَّ مكانتهم –ماضيا وحاضرا ومستقبلا- إيمانا ..وإخلاصا ..وجهادا ..وحبا.. بناءا. ومن خلال كل مفردة مسجدية تنطلق خيوط الارتباط (بل قل الخطوط اللاسلكية الإيمانية) لتشد كل العالم إلى (المسجد) بل لتجعل العالم الكوني (مسجدا كبيرا) …كل ذلك يتجلى في لوحات ترسم معالم الحياة فيها ريشة شاعر فنَّان مبدع يتخير المفردة المفعمة بالدلالات، وبالتركيبة الجملية الوجيزة المكثَّفة ذات الأجنحة النورانيَّة المحلِّقة –كأسراب الحمائم- في نسق بديع وجمالية ساحرة. وبالصورة البلاغية التي تتماوج غالبا في لوحات استعارية مبتكرة"تعمل عملها من وراء المنظور المباشر؛ لكي تمنحنا التشكيل البديع"(32) كل ذلك يدعونا إلى أن نكون مع الأستاذ الدكتور عماد الدين خليل الذي أوجز القول في الشاعر وفنه :" بأن شاعرا إسلاميا مبدعا يقف على بُعد خطوات؛ ويحمل بين جنبيه نار الوجدان الشعري وكهرباء الفكر اللماح، وإحساسا كليا بوقائع التاريخ؛ تتجمع وتتمركز في رموز هي أشبه بالضربات الهادئة الحزينة حينا، وبقرع الطبول الصاخب حينا آخر، لكي تتألَّف منها في النهاية مقطوعات من الموسيقى تنقل الإنسان في عصر المادية والسأم إلى آفاق الحركة الروحية والفرح العميق" (33) والحمد لله أولا وأخيرا . 31 مارس1991.
|
|
|
|
الهوامش (1) الطابع القومي لفنوننا المعاصرة-دراسات وبحوث-بحث عن أثر الفكر الإسلامي على الفن المصري في العصر الإسلامي-أبو صالح الألفي-المكتبة الأدبية-القاهرة-ص78. (2) حديث متفق عليه: صحيح البخاري-باب التهجد-صحيح مسلم-كتاب المساجد (3) سورة التوبة الآية 18. (4) صحيح مسلم، كتاب المساجد. (5) مسند أبي داود-باب الصلاة. (6) سنن الترمذي-باب الزهد –حسن صحيح. (7) إشكالية المكان في النص الأدبي-ياسين النصير-ط1 دار الشؤون الثقافية-بغداد ص86. (8) أثر الفكر الإسلامي على الفن المصري-أبو صالح الألفي ص61. (9) انعقدت الدراسة على قصائد هذين الديوانين، مع قصيدتين من ديوان ثالث للشاعر (الأمطار السوداء)..علما بأن لموضوع "المسجد" أبعادا وامتدادات أخرى في بقية أعمال الشاعر. (10) سورة الفرقان، الآية 63. (11) من ديوان "الفرار إلى الله"- القصيدة الأولى. (12) منابع الرؤية في الفن-د.نبيل الحسيني-المركز العربي للثقافة والعلوم.ط1، بيروت /1982. (13) ديوان "حيَّ على الفلاح" –قصيدة (أطلس التوحيد). (14) القصيدة نفسها-أطلس التوحيد. (15) القصيدة نفسها –أطلس التوحيد. (16) ديوان "الفرار إلى الله"-قصيدة (أوراق في الذاكرة). (17) ديوان حي على الفلاح –قصيدة أطلس التوحيد. (18) ديوان حي على الفلاح-القصيدة السابعة عشرة. (19) قصيدة "الدولة الحلم"-ديوان حي على الفلاح. (20) من ديوان الفرار إلى الله –القصيدة السابعة. (21) من ديوان الفرار إلى الله –القصيدة التاسعة. (22) من ديوان الفرار إلى الله –القصيدة العاشرة. (23) من ديوان الفرار إلى الله – القصيدة الحادية عشرة (مشكاة خلف الجدران). (24) من قصيدة (مشكاة) الآنف ذكرها. (25) من قصيدة (تجليات) الآنف ذكرها ق9. (26)من ديوان الفرار إلى الله- القصيدة الثالثة عشرة (المغزى الإلهي). (27) من ديوان الفرار إلى الله- القصيدة الرابعة عشرة (هتاف الفرح). (28) من ديوان الفرار إلى الله- القصيدة الخامسة عشرة (الفرار إلى الله). (29) القصيدة نفسها. (30) من ديوان حي على الفلاح. القصيدة السادسة. (31)لم أقف على الديوان إلا أن الأخ الشاعر وقد وضع بين يدي ديوانيه المشار إليهما في الدراسة – أحب أن تكون قصيدتان من ديوانه الثالث (الأمطار السوداء) موضع عناية هذه الدراسة، وقد فعلت. (32) ديوان (حي على الفلاح) مقدمة الأستاذ الدكتور عماد الدين خليل. (33) ديوان (الفرار إلى الله) مقدمة الأستاذ الدكتور عماد الدين خليل .
|