|
الفجر آت يا عراق |
|
رئيس التحرير |
|
آه! سقطت بغداد! كلمة جاءتني كالبرق من شفشاون الملتفة في مهرجانها السنوي عن الشعر المغربي.في الساعة الثامنة وسبع وأربعين دقيقة واثنتي عشرة ثانية من صباح التاسع من أبريل! الشهر الذي طالما تغنى به الشاعر، الشاعر الذي لم يملك إلا أن ينتزع نفسه من أجواء الشعر في شفشاون ليهرب إلي رسالته البرقية التي أضرمت بداخلي غابة كثيفة كانت بانتظار ملحمة بغداد! لتفجر مأساة جديدة من المآسي التي يصنعها بنا الطغاة، وليفتح صفحة جديدة من كتاب الخراب. سقطت بغداد، إذن سقط العراق. عراق الرافدين.عراق النبوات والملاحم.فاران تحكي قصة الإيمان المتعالي على نار النمرود.عراق الجراح النازفة منذ استشهاد الحسين عليه السلام، على يد يزيد ذلك الزمان، حتى استشهاد محمد باقر الصدر على يد يزيد العصر! عراق أبي حنيفة النعمان، وربيعة الرأي، والكسائي، وأبي عمرو بن العلاء.عراق القعقاع، وسعد بن أبي وقاص.عراق عدي بن زيد وأبي نواس والمتنبي، ونازك الملائكة وبنت الهدى وعاتكة الخزرجي وذكرى نادر، ووليد الأعظمي والسياب والجواهري وحكمت صالح وعماد الدين خليل..عراق شناشيل ابنة الجلبي وأباريق مهشمة والإعصار والمئذنة، وشظايا ورماد..أكتب على العراق أن تتجدد فيه فصول الشظايا والرماد؟ لم نخطط لهذا العدد أيضا، بل وجدنا أكثر مادته تتجمع لدينا باستجابة تلقائية، ونيران مغول العصر تقصف العراق، من أم قصر إلى الموصل ونينوى، بلد النبي الصالح يونس..الذي كان من المسبحين..ما تعرض له العراق لم يكن الأول من نوعه، فقد مر الغزاة بالعراق، عبر العصور، فكان العراق ينتفض ويدحر الغزاة، لينهض شامخا من جديد..سقطت معه نظرية الغالب والمغلوب، وانتصر الدم على السيف، كما انتصرت أقلام السلف وكتبهم على سيوف المغول..المغول الذين خرجوا من العراق يحملون حضارة متجددة، ويرفعون راية الإسلام، ويقيمون ممالك ظل بهاؤها شاهدا على قوة حضارة الإسلام..وما مسجد قوة الإسلام في الهند وتاج محل والقلعة الحمراء إلا شاهد على ذلك..وكان من ذلك أيضا..المسجد البابري..الجرح المتجدد.. هذا العدد يضم صورة عن أدب العراق..ما كتبه أدباء العراق..ممن يعيش داخل العراق، وممن يعيش في المنفى...وما كتبه أدباء العرب عن العراق..هو لا يقدم صورة كاملة عن كل ما كنا نريد..ولكننا نرجو أن يقدم صورة صادقة عما نريد.. من خلال هذا العدد نستحضر عددا من أدباء العراق، منهم من ألف القارئ المغربي اسمه، ومنهم من يسمع به ربما لأول مرة، رغم تميز إنتاجه الأدبي، ونضجه، وفرادته.. وتلك قضية تثير مرة أخرى قضية التواصل بين أقطار البلاد العربية عامة، وبين جناحي الوطن العربي خاصة، محيطه وخليجه..هل هي صورة من صور تحكم السياسة في الثقافة؟ هل كان الحصار المضروب على الشعب العراقي يحمل معه ألوانا من الحصار على ثقافته وأدبه وفنه؟ الشاعر حكمت صالح مثلا من الشعراء المكثرين المجيدين، ومع ذلك يظل ما يعرفه عنه القارئ في المغرب محدودا..ويقدم هذا العدد ثلاث دراسات عن شعر حكمت صالح، اثنتان من العراق، وواحدة من المغرب، فلعل ذلك أن يسهم إلى حد ما في التعريف بهذا الشاعر وشعره.. عماد الدين خليل ..صوت يعرفه كثير من الناس دارسا إسلاميا ومؤرخا.. في حين أنه شاعر وروائي ومسرحي ..وهذا العدد يقدم لنا صورة عن عماد الدين خليل مسرحيا، وذلك من خلال مقتطف من نص مسرحي، ثم من خلال دراسة عن مسرحيات له قصيرة، بعنوان : العبور، ويقدمها الأديب الشاعر القصاص محمد الحسناوي..ومن شعر المنفى نلتقي مع الشاعر الكبير يحيى السماوي، الذي اختار أن يستقر في استراليا، منذ سنوات، ولعل الوضع العام في العراق أن يتحسن ويجد الشعب العراقي حريته وكرامته، بعيدا عن الوصاية والاحتلال، فتتمكن الطيور المهاجرة من العودة إلى وطنها.. ومن الشعراء الذين يعيشون خارج العراق أيضا، سليم الشيخلي، وهو شاعر له صوته، وله لغته وتخومه.. وأما الدكتور حسين عنبر الركابي، الشاعر العراقي المقيم في بريطانيا، فقد آثر أن يقدم لقراء المشكاة قصيدة متميزة في موضوعها وبنائها، من خلال قصيدة: قصة الخليقة.وهل يمكن أن نتصور أن نظرية الانفجار الكوني يمكن أن تصلح للشعر وتكون موضوعا لقصيدة؟ هذا ما أراده الشاعر الركابي، من خلال تقديم قصيدة ذهنية لا يفوتها ألق الشعر.. وللمرأة حضورها أيضا، وذلك من خلال ما قامت به الأديبة السعودية سهيلة زين العابدين حماد، وهي تقدم لنا قراءة متفردة لنص روائي، هو: (قبل اكتمال القرن) للروائية العراقية ذكرى محمد نادر. كل هذا يجعلنا نقدم هذا العدد إلى قراء المشكاة باعتزاز، ونحن نردد مع الشاعر العراقي، هلال ناجي، في رجاء لا ينقطع: الفجر آت يا عراق.
|