Nouvelle page 1

قراءة في ديوان" البكاء بين يدي عبد الرحمن المجذوب"(*) (إلى روح الشاعــر محمد مـنـيب الـبوريمـي)

 نوال علوي/فايزة درفوفي / مريم لطرش

 

يشجعنا هذا العنوان على استحضار إحدى المجموعات الشعرية للشاعر الكبير أمل دنقل (البكاء بين يدي زرقاء اليمامة) فإذا كان البكاء عند أمل يتم بين يدي زرقاء اليمامة، فإن الشاعر محمد منيب البوريمي اختار أن يبكي أحر البكاء بين يدي شخصية تاريخية عربية عاشت في القرن الحادي عشر، أصلها هلالي، تربى في فاس، ودرس في مكناس، شخصية شعبية حكيمة تكتسي لونا خاصا من القداسة والتبجيل في نفوس المغاربة، وهي شخصية عبد الرحمن المجذوب.

صدر الديوان ضمن منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بوجدة ضمن (ديوان المغرب الشرقي)، في حلة طباعية متأنقة.يمتد النص الشعري فيه على مساحة خمس وأربعين صفحة، تتوزع على تسع قصائد متفاوتة الطول، ومتراوحة من حيث الحجم، إذ في الوقت الذي تميل فيه قصيدة الرؤيا إلى القصر والانكماش، تنزع قصائد أخرى على رأسها قصيدة مكابدات عروة بن الورد نحو الاستطالة والانتشار.

توزيع القصائد

الصفحة

القصيدة

 

138ـ142

البكاء بين يدي عبد الرحمن المجذوب

1

144ـ146

تداعيات عن زمن الردة

2

147ـ151

إفادة على هامش أسطورة واسعة الانتشار

3

153ـ155

تقطيع طولي من صورة الأميرة الفارهة وأغنية يائسة

4

157ـ158

كيف كتب ميم باء مرثية حبه الوحيد وخطى للعبور

5

159ـ161

نزوة للغناء وثانية للبكاء

6

163ـ165

فترات من كتاب الرمل

7

167ـ173

مكابدات عروة بن الورد في شوارع غرنيكا العربية

8

175ـ176

الرؤيا

9

 

وعبر تلك القصائد نلج إلى عالم شعري، تتوحد فيه الأحرف والكلمات والعبارات لتعبر عن أنا شعرية مأزومة منهوكة القوى وسط واقع مهزوم،وحزن عميق ناتج عن ذات مفعمة بالجراح والخيبة والانكسار. وتعطي في الأغلب دليلا واضحا على أن الشاعر مسكون بالهم الوطني وقادر على التماهي والانصهار مع ذات الشعب وقضاياه. عميق الإحساس والتفاعل مع ما يواجه الإنسان من محن وأحزان مختلفة، والحيف الذي لحق به من جراء الاستغلال والغدر والمكر واستبدال ما هو متدني ساقط  بما هو أصيل وقيم، أمور أومأت إليه بنهاية الحياة وأوحت له بمشاهد المأساة، وعلامات الهزيمة والسقوط، وولدت في نفسه الرغبة الشديدة الملحة في المضي بحثا عن عبد الرحمان المجذوب، طالبا نجدته ومعونته مسترشدا برجاحة عقله وحكمته في التصدي لمثل هذه الحالات.

فهو الوحيد القادر على سماع شكواه وتذمره من شتى أنواع المفاسد التي خيمت على المجتمع ومن النفاق الذي أصبح من سمات البشر، حتى أولئك الذين يظلون ساجدين متعبدين. الوحيد المستوعب ثورته وتمرده على كل ما يعكر صفو هذه الحياة من المظالم التي تنخر أجساد الضعفاء وتمحو بوارق الأمل وتلقي بهم في دائرة البؤس والمهانة.

مغامرة ورحلة لم تكن بالهينة، بل كانت مضنية مرهقة، حافلة بالمعاناة والألم، مسيجة بالرعب والخوف، اكتشف من خلالها الشاعر عوالم جديدة وفجر حالات واقع معاش ظل ولأمد طويل خفيا مستترا  وراء أقنعة مزيفة.

مناخ وواقع إنساني مشحون، عمد الراحل إلى ترجمة مشاهده بصور مقتبسة حينا من القرآن الكريم قصيدة البكاء بين يدي عبد الرحمان الصفحة 139 مستعيرا شخصيات تاريخية من قبل عروة بن الورد، لتلتحم جميعها وتشكل صورا لمشاهد هدف وارتأى من خلالها الشاعر إلى تصوير ونقل كل ما هو سائد رائج في زمن التلاشي والسقوط الذي يشكل ملمحا رئيسيا في ديوان البكاء بين يدي عبد الرحمن المجذوب. فقد أسس الشاعر لهذه التجربة أي تجربة السقوط من خلال مجموعة من العناصر أولها لغوية يتصدرها المعجم.

فمعجم الشاعر ملغم بالآلام والفاجعة والانكسار، إذ تسيطر عليه الظلامية والنظرة المتأزمة.

زمـنُ الـسـقـوط والـسـقـطـة فـي حـجـم الـورم الـمـنـفـوخ سنـيـن طويـلــة
والـطَّـعـنـة فـي طعـم الـوجـع الـمـأزوم سـنـيـن طـويـلــة

والـغـصّة فـي لـون الـحـلـم الـمـفـجــوع سـنـيـن طـويــلــــة (1)

إنها لغة تتجول بين الفاجعة والسقوط ـ لنصبح أخيرا مؤشرا دالا على الدمار والخراب والموت ؛ فهي متألقة تستمد تألقها من الآلام، سامية متميزة يمنحها التميز والتفرد : طريقة التوظيف. خاصة وأن الشاعر يتحسس الأشياء وينظر إليها بمنظاره الخاص فيؤسس بذلك عالما شعريا متميزا، تشكل فيه اللغة التجلي الروحي والجسدي للذات الشاعرة.

تتجلى أيضا تجربة السقوط من خلال مجموعة من المعاني كالتلاشي والغياب والبوار.

هــذا زمــــان الـسُّـقــوط

هـــذا زمـــان الـتـّلاشي

هـــذا زمـــان الـغـيـــاب

هـــذا زمـــان الـبـــــوار (2)

إن القيم الإنسانية تبدو خافتة ومتلاشية في النص إذ تغيب لتحل معها صور الانتهاكات الموجعة التي تسعى إلى تدمير الوجود الإنساني.

بـعـيـدا تـواصـل حـتـى تـعـانـــق والـمـقـصــلــة

وطـريـق الـوصـول إلـيـهــا شـظـايــا زجـــاج

فـحـيـحُ رصـــاص
خـنـاجــرُ غـــدر

مـشـانــــقُ ثـــــأر

وقـافـلـةٌ مـن كـلاب الـحـــراســة تـعـــوي

                          بـــهــا شـهــوة لـلـدّمـــــــاء. (3)

إن السقوط نتيجة حتمية وطبيعية أمام واقع شابته الشوائب وانهارت فيه القيم والمثل العليا لذا يرى الشاعر أنه ما من صلاة عاد يقبلها الإله.

ويبلغ السقوط درجاته القصوى عندما تتفكك علاقة الإنسان بخالقه في ظل واقع تلبسه الهزائم والانكساريات فأضحى السبيل إلى السماء مستحيلا.

كـيـف الـسّـبـيــل إلـى الـسـمـاء وذي مـديـنـة طـيـبـة الـفـيـحــــاء

قـد فـتـك الــوبـــاء بـهــا ؟
فـفــي كـلِّ الــزّوايــا مـن شـوارعـهــا قـبـــور

تـتـسـاقـط الـجـثــث الـظـعـيـنـة والــرّفـــات

والــريـــح تـعـصـف بـالـنَّـطـيـحـة والـذبـيـحـة

                            والــتــــراب.

والـنَّخــل فـي أرجـائــهــا

يـتـهـدَّل الـمـوت الـمـبـاغـت مـن عـنـاقـده الــرطــــاب (4)

وما يمكن قوله أن اللغة في ديوان البكاء بين يدي عبد الرحمن المجذوب قد جنحت في بعض مستوياتها إن لم نقل في أغلبها نحو العنف: (الجثث الموت العري العهر البشاعة القبور الفاجعة ) فهي تسري مسرى عنيفا فتعبر عن المعاناة في أجلى صورها، من خلال مجموعة من المكونات التي أغنت النص الشعري للشاعر الراحل محمد منيب البوريمي.

المكون القرآني 

يعد القرآن الكريم مصدرا أساسيا يستقي منه الشاعر المغربي صياغات جديدة لم نعهدها عند الشاعر القديم، ومن هنا راح محمد منيب البوريمي يمتص من القرآن الكريم بعض الآيات التي تتفق مع فكرته والتي لا يجد أدق  وسيلة منها للتعبير عن مشاعره. يقول الشاعر في قصيدة : البكاء بين يدي عبد الرحمن المجذوب :

إلـيـك جـريـحـا أتـيـت /صـرخـت / ارتـعـبـت

انـخـطـفـت لـحـدّ الـبـكـــاء

هـل هـي اللّحـظـة الـفـاجـعـة ؟

سـاعـة الـزلـــزلـــة ؟…

أم هـي الأرضُ تـكـشـف عـن عـريــهــــا،

وتـمـارسُ ضـجـعـتـهــا الـــدّاعــــــرة (5)

فالشاعر ينظر إلى الآية الكريمة ]وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور[ (6) وكذا قوله U  ]إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها[ (7).

والعلاقة بين الآيتين والنص الشعري، كان مبعثها ذلك الطريق الذي رآه الشاعر وهو قاصد عبد الرحمان المجذوب، فتولد في نفسه ارتباك وشك إذ تبينت له ساعة الزلزلة التي توحي بانتهاء الحياة الدنيا ؛ فمن المعروف أن الأرض المزلزلة تكشف عن باطنها من معادن وطبقات …لكن في الطريق الذي يسلكه الشاعر أصبح الناس يكشفون عن حقيقتهم الخفية من خلال تصرفاتهم الدنيئة : الغضب –اللؤم-المكر-الاستغلال.

ويقول كذلك :

سـيـدي

قـد تـقـول : ( اعـتـصمـتُ بـقـمـة هـذا الـجـبـل،

وتـغـلـفـت فـي ثـوبـي الـمـهـتـــــري (8)

الشاعر من خلال هذه الأبيات ينظر إلى قول الله I ]سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين[ (9).

في هذه الآية نلاحظ الحوار الذي دار بين نوح uوابنه، فالأول يطلب من الثاني أن يركب معه السفينة لكي ينجو، إلا أن ولده عصاه وظن أنه بهروبه إلى الجبل سيعصم نفسه من الأمواج، لكن القدرة الإلهية جعلته من المغرقين. الشاعر استغل هذه الحادثة آخذا معنى الآية، طالبا من عبد الرحمن المجذوب أن يشارك في الحياة بما يملك من خبرة، وترك نزعة الاعتزال لمساعدة الناس.

ويقول :

الشمـسُ فوق رؤوسنـا لـهـبٌ تـسـعـر والـسَّحــاب

طيــرا أبـابـيـل تـسـاقـيــنــا الـفـنـــا (10)

المعنى مأخوذ من قول الله عز وجل : ]وأرسل عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف ماكول[ (11) ووجه الالتقاء في توظيف النازلة أن كلا من أوديب وأبرهة اقترفا خطيئة، فالأول تزوج من أمه فكانت النتيجة انتشار الطاعون في مدينة طيبة. والآخر حاول مساس الكعبة المقدسة فكان الجزاء إرسال طير أبابيل. ونجد الشاعر يقول

هلـمَّ إلـي نـعـانـــقْ سـريـعــاً غـمـام الـرّحـيـل إلـى سـدرة الـمُـنـتـهــى (12)

إن سدرة المنتهى ومضة قرآنية يقذف بها الشاعر إلى أذهاننا أو إلى أبصارنا فمن الناحية الذهنية ترجع بنا قرونا من الزمن، لعلها ليلة الإسراء والمعراج حيث ينتهي الرسول r إلى سدرة المنتهى وهي نهاية الرحلة، وعندها تنفتح آفاق الجنان. ولعل الشاعر يريد بذلك أن يحاكي رحلة الرسول. لقد انطلق من وسط الرمل الذي تمتد تحته الصحراء، وعبر تلك الفترة الانتقالية وعن تلك الرغبة بقوله هلم إلي نعانق سريعا. إن لدى الشاعر رغبة حادة في النقاء والانتقال، رغبة تطبعها السرعة الملحة، ولعلها السرعة المستمدة من البراق الذي طوى السماوات السبع في لحظة وجيزة حتى أن الأمر ليلتبس بالحلم، إذن فسرعة الشاعر نحو الرحيل ونحو سدرة المنتهى مستمدة من أصل الحدث.

لقد جنح الشاعر إلى أفق الرمل المرتوي بالدماء ليفتح باب الذاكرة ويجعله أفقا للشهادة تلك التي تستوجب أعلى العليين.

وما يمكن قوله هو أن الشاعر محمد منيب وظف القرآن الكريم بطريقة خاصة إذ لم يجعله محورا أساسيا، وإنما يمكن حذفه دون أن يحدث ذلك أي خلل على مستوى بناء النص الشعري. لكن مع ذلك التوظيف البسيط للنص القرآني نجد بعض البواطن لا تخلو من إيحاء ورمز وإشارة تجمع بين الحديث والقديم والمعاصر وبين الدنيوي والديني وبين الإنسان والسماء، وتمزج كل ذلك في عبارة واحدة قد لا تتعدى اللفظتين ولكنها تضرب في العقل الباطني للإنسان وتجعله يحرك مشاعره ويحاول ان يربط بين هذا وذاك.

المكون التاريخي

إضافة إلى الموروث الديني استحضر الشاعر محمد منيب البوريمي الموروث التاريخي؛ إذ عكس من خلاله صراع الإنسان العربي ضد الاستعمار، واهتمامه واضح من خلال محاورته لأحداث هذا التاريخ من ذلك : المقصلة، فالمقصلة مثلا ترتبط تاريخيا بفترة معينة من تاريخ فرنسا، إذ كانت وسيلة للقهر، والشاعر بدوره يعود إلى تلك الفترة المظلمة من تاريخ أوروبا السوداء-الإقطاع- ليقتبس منها أداة المقصلة. يقول الشاعر :

بـعـيــدا

تـواصـل حـتـى تـعـانـق والـمـقـصــلــة (13)

وقد وظفها الشاعر ليبين أن الطريق المؤدي إلى عبد الرحمن المجذوب طريق صعب ومحفوف بالقهر والخوف، هذه الشخصية التاريخية الساخطة على الوضع، الثائرة على الاستعمار مثلها مثل الشاعر البوريمي لذا حاول هذا الأخير إحياءه وطمح في الوصول إليه والاقتراب منه يقول الشاعر :

وطـريـق الـوصـول إلـيـهـا شـظـايـا زجـاج

فـحـيـحُ رصــاص

خَـنـاجــرُ غـــدر (14)

كما استحضر الشاعر شخصية عروة بن الورد الشاعر الجاهلي الصعلوك الذي تمرد على قبيلته، وعرف بدفاعه عن المستضعفين، راميا بنفسه إلى التهلكة لتحقيق تكافل اجتماعي يقول الشاعر :

يـجـلـس الآن عُــروة فـي هـزجـة الـقـصـف

مـؤتـزرا بـالــدَّم الـعـربـي وحـيـدا يـقـاسـمـه وطـن الـشُّـهــداء فـجـيـعـتـــه (15)

فعروة يقوم برحلة من فلسطين إلى بيروت لتفقد شوارع "غيرننيكا" العربية ؛ فالوضع المأساوي يسيطر عليها،الشيء الذي جعل عروة لا يصارع العدو فقط بل يصارع الخونة والمستغلين للمناصب، فلم يعد الصراع ضد العدو فقط وإنما بل مع الأحباب أيضا. يقول :

إن عُـروة يـعـرفُ أحـبـابـَه واحـداً

واحــداً

هـو يـعـرفُ أعــداءه واحدا

واحـــدا

قــد تـشــابــه لــونُ الــوجـــوه

تـداخـل وجـهُ الـصَّـديـق ووجـهُ الـعـدو (16).

لقد نجح الشاعر محمد منيب البوريمي في توظيف الجانب التاريخي بعد أن خيم الوضع المأساوي على المجتمع العربي فجعله يرتدي قناع بطل كانت له قيمته في مجتمعه.

 

المكون الأسطوري

ظلت الأسطورة موردا هاما للشعراء في كل عصر، مستغلين ما في لغتها من طاقات إيحائية خارقة، ومن خيال لا محدود، كما أنها أداة فنية بواسطتها يعبر الشاعر عما يخالج نفسه من رفض للواقع المزري والتفسخ الاجتماعي والإرهاب الفكري. وتعد أسطورة أوديب من الأساطير التي استقطبت اهتمام معظم الشعراء المعاصرين أمثال الشاعر محمد منيب البوريمي الذي وظفها جماليا في قصيدته : إفادة على هامش أسطورة واسعة الانتشار، فالأسطورة هي القلب النابض في هذا النص ؛ فأوديب يمثل ذروة الصراع بين مشيئة القدر وكفاح الإنسان في تحدي تلك المشيئة، فقد تزوج أمه وهذا خروج عن المألوف وكانت النتيجة أن عم الوباء جميع أفراد طيبة. ولعل شخصية الكاهن : "جوكاستا كرايون" كلها ساهمت في تشييد عالم أسطوري انتهى بالندم والهلاك.

ففي هذا النص تحدث الشاعر عن شيء واقعي في كتابته عن "طيبة الفيحاء" التي تتخبط في صهد المحن، لكن "طيبة" ليست مدينة أوديب اليونانية بل نستشف أن الشاعر يقصد بها العالم الإسلامي بأكمله، بحكم أن هذا البلد يسكنه قوم لهم محراب، ويرددون الصلوات، وتنتشر بين ظهرانيهم جذوع النخيل الذي يرمز للصحراء العربية : فهي وطن تجتمع فيه المعابد، الرمال، النيل،والأرض تميل وتتزلزل، والشمس فوق الرؤوس، فهنا اختلاط بين مشهد أسطوري ومشهد من مشاهد يوم القيامة. يقول الشاعر :

أوديـب يـســـأل :

(مـن تــراه يـكـون قـد جلــب الــوبـــاء لـنــا ؟

شـوارعـنـا

بـيـادرنــا

مـنـازلـنـا

مـعـابـدنـــا

أضـالـعـنـا

تـضـرم فـي مـسـاربـهـا الـعـذاب

تـتـثـاقـل الـصَّـلـــوات فـوق شـفـاهـنـا

نـهـذي مـن الـحـمـى...

نـطـوح فـي اضـطـراب !

والشـمـس فـوق رؤوسـنـا لـهـب تـسـعَّــر والـسـحــاب

طـيـرا أبـابـيــل تـسـاقـيــنـا الـفـنـــاء (17)

كل هذا ينسجم ليشكل صورة لعالمنا الحاضر الذي يعيش شتى أنواع الفساد من استبدال القيم الساقطة بالقيم العليا، لا سيما النفاق الذي أصبح يسيطر على أولئك الذين يظلون ساجدين، الشيء الذي جعل الأرض تتزلزل ويسود الوباء فـ"جوكاستا" لا تكاد تختلف عن ملامح الوطن،هذا  الأخير الذي أصبح موضع تساؤل :

كـيـف السـبـيـل إلـى السماء وذي مدينة طيبة الفيحاء قـد فـتـك الـوبـاء بـهـا ؟

 فـفـي كـل الـزوايـا مـن شـوارعـهـا قـبـور

تـتـسـاقـط الـجـثـث الـظـعـيـنـة والـــرقــــاب

ولعله تشخيص للفيروس الوباء المعاصر الذي عجز الأطباء عن مقاومته، زيادة إلى أوبئة أخرى سائدة (المجاعة، الدعارة...) في طيبة مدينة الشاعر نكاد نشعر أن الواقع المصور أشد فظاعة من الأسطورة نفسها، فالذين أصابهم الوباء هم يكثرون من السجود، وهنا تكمن المفارقة بين قوم طيبة قوم الجزيرة. فالأسطورة ترجمة للمشهد الواقعي، أضاف إليها الشاعر صورة الزلزلة وصورة الشمس فوق الرؤوس، ثم صورة طير أبابيل، وصورة الدجال وهروب الناس منه كلها مقتبسة من القرآن الكريم أو الحديث النبوي الشريف، فاستطاع الشاعر من خلالها أن يعطي صورة كاملة للأسطورة.

هكذا إذن يقترب الشعر مع الراحل محمد منيب البوريمي من الواقع والحياة، يلامس هموم الإنسان ليحتويها بفكره وقلبه وقلمه، ويجعل من قصائده وعاء قادرا على احتضان القضايا الإنسانية، وتسجيل المواقف والأحداث والثورة ضد الفساد والظلم في شتى صوره، متوسلا معجما لغويا تلونه المآسي والفواجع لنتزيد من مسحة الحزن والتشاؤم متجاوزا ذاتيته وفرضيته، مكسرا للحواجز التي تحول بين الشاعر ومتلقيه، محققا معه التلاحم والتفاعل الإيجابي دون السقوط في الخطابية والتقريرية، فكان شعره مرآة عكست نفسا إنسانية متفجرة، تأبى الركود والسكن والشللية، تغوص في أعماق التاريخ لاستعارة رموز ورؤى تراثية تجسد قيما إنسانية لا تفنى.

 

الهـوامـش

(*) عرض ألقي تكريما لروح الشاعر الأستاذ محمد منيب البوريمي في اليوم الدراسي الذي أنجزته كلية الآداب والعلوم الإنسانية بوجدة.

(1) البكاء بين يدي عبد الرحمن المجذوب الشاعر محمد منيب لبوريمي ديوان المغرب الشرقي، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بوجدة، الجزء الأول ص 145.

(2) نفسه ص 139.

(3) نفسه : ص 138.

(4) نفسه ص 149.

(5)نفسه  ص 139.

(6) سورة الحج الآية 7.

(7)سورة الزلزلة، الآية 2.

(8) البكاء بين يدي عبد الرحمن المجذوب، ص 149.

(9) سورة هود الآية 43.

(10) البكاء بين يدي عبد الرحمن المجذوب ص 147.

(11)سورة الفيل .

(12) البكاء بين يدي عبد الرحمن المجذوب ص 160.

(13) نفسه ص 138.

(14) نفسه

(15) نفسه ص 167.

(16) نفسه ص 167.

(17) نفسه ص 148.