Nouvelle page 1

أوان العشق قراءة في ثلاثيات أمينة المريني " سآتيك فردا "

أحمد الأشهب

 

1-بين يدي المجـمـوعـة :

قد لا أتفق مع شاعرنا الكبير محمد علي الرباوي في تقديمه للديوان الأخير للشاعرة المؤمنة أمينة المريني " سآتيك فردا" حيث اعتبره من الشعر الذي إن طاله النقد حجب زخرفه وجماله عن القارئ , لذلك فهو يخشى أن تتأثر قراءته بهذا الانطباع , وفي هذا يقول : " الشعر الجيد قسمان : قسم يقرأ, ويدرس, ويحلّل فيبقى ماؤه متدفقا, رقراقا. وقسم يقرأ ويُلتَذُّ بمائه المتدفق كالشلال , لكنه إذا اقترب النقد منه حجب عن القارئ, العاشق ما به من ماء, و"سآتيك فردا" من هذا الصنف …" (1).

إن النقد مهما اتسم به من موضوعية واحترافية , يبقى مجرد انطباع لوجهة نظر الناقد تجاه النص, وبالتالي فهو غير مُلزِم لأحد كي يتبناه ويتقيد بمدلوله , فبإمكان أي قارئ مهما كانت سطحية قراءته واعتباطية فهمه أن يخرج بانطباعه الخاص حول عمل ما … إن النقد في أحسن الأحوال يبقى مجرد صلة وصل  بين القارئ والمبدع كما ذهب إلى ذلك الدكتور عز الدين إسماعيل في كتابه " الأدب وفنونه" وقد يصبح وسيلة يُطلِع من خلالها الناقد أولئك الذين لم يسعفهم الحظ على هذا العمل أو ذاك. فإذا سلمنا جدلا بما ذهب إليه الرباوي, فإن أيـًّـا من الشعر ين اللذين تكلم عنهما ليس في حاجة إلى من يشرحه ويجلي مكنونه, على اعتبار أن القارئ – ولا سيما إذا كان يملك الوسائل –قادر على سبر مسالك الإبداع.

غير أن النقد له نكهته الخاصة التي من دونها يصبح الإبداع كالطعام من غير توابل, بل إن الناقد من حقه أن يقف في وجه الإبداع إذا ما أصبح معولَ هدم لقيم المجتمع وعاداته الأصيلة باسم الحرية. فإذا كان الشكل يعطي الإبداعَ قيمته الفنية والجمالية  كيما يكسب بطاقة الانتماء الفعلي لعالم الإبداع, بل ويُمَكِّنُ القارئ غير المتخصص أن يستوعب فلسفة المبدع عن طريق الصورة الفنية الراقية وجرس القصيدة الجميل , فإن أي تغييب للأخلاق يجعل هذا الإبداع على حد تعبير الكاتب الأمريكي إيمرسون " عبارة عن جريمة كاملة محبوكة الأطراف لم تترك أي أثر يكشف عن مرتكبها, وبقدر ما تتجلى حنكة المجرم وبراعته في إخفاء أثرها, بقدر ما تُظهِر خسَّته ونذالَته" (2).

إن الأسلوب العلمي الجاف قد يجعل القارئ يعزف عن قراءة النص من خلال النقد, وعليه فإني كنت وما زلت أدعو إلى الرفع من جمالية النقد, حتى يكون للفكرة العسيرة الهضم داخل نص ما, وقعها في وجدان القارئ قبل سمعه.

2- الدخول إلى محراب العشق:

من هنا كانت قراءاتي لأشعار كثير من المبدعين, وهو نفس الأسلوب الذي سأنتهجه في معالجة ثلاثيات هذا السفر الجميل الذي حاولت فيه الشاعرة بروحها المتوثبة أن تسمو عن جاذبية الطين :  (انعتاق ص 22) 

تـسـامـقَ الـقـبـحُ في رُوحِي وفي بَدَنِي

وجـــاسَ فـي الـنَّـبـضِ تـيـّاها وأرَّقـني

وعـربـدَتْ طِينتي في الوحلِ ما بصُرت

قـيـدا بـعـالـمِهــــا الـسُّـفـلــي يـخـنـُقُـنــي

فـامـدد حـبـيـبـي كـف المن نــاصــعــــة

ما غيرها من ظلام القبح يخرجـنــــــي

 وتتوالى الضربات الفنية من خلال هذه الثلاثيات , تمسح ما علق بالنفس من شوائب الحمأ المسنون و تُمَشِّط الروح والفكر من جرثومة الحياة الآبقة وذلك  بالانغماس الكلي في جذوة السنا الوضاء : ( سدر ص 29) 

حـــلَّــــق الــــــروح مــلـــيّا وصـــــفــَــــــــا

وأصـــاب الــسِّـدرُ ظِــــلا فــغــــفـَـــــــــا

ورأى الــنِّـبــق قـــــــــلالا مـــن سَـنـــــًـــا

فـــَــــارهـــــاتٍ فـَــدَنـَـــا وارتـَــشـــفَـــــا

لـــــم يـــــــــزدهُ الــــــريُّ إلا ظـَــــــمَـــــــأ

وانــغـــــــلاقُ الـــــســرِّ إلا شــــغـــــفـَـــــا

 

إن إدمان الحياة في شقها المادي الصرف يجعل العين مأسورة إلى أسفل , وكلما حاولت أن تتخطى حاجز الصلصال , ارتطمت ببهرج الدنيا الصاخب , فيصبح الانعتاق شيئا عسيرا : ( جوهرة ص 32)

 

أصـــدافُ الــــهـيـــبــة تـســتــــــــرهــــــا

فــيــشــف الـخـدر ويــضـمـــــرهــــــا

ويــطــــوفُ الـــقـــلـــــــب بــأبـحـــــرهــــا

ويـــكـــاد الــخـــاطــر يبصرهـــــــــــــــا

لــــــــولا لـجــــجٌ وغــواشــي رؤى      

لـبدا لـلـــتــــــــائـــــــــه جـــوهــــرهـــــــــــا

ما أجمل ما ذهب إليه أحد الدعاة وهو يصف حالة الإنسان في هذه الدنيا حيث قال : إن الإنسان أمام هذه الحياة كالطفل الذي وضعوا أمامه قطعة من الحلوى وبالقرب منها وضعوا جوهرة غالية الثمن, وحين خيَّروه بينهما اختار الطفل لمحدودية إدراكه قطعة الحلوى لمذاقها الحلو, فذاك هو الإنسان الذي شغل بهذه القشرة الزائفة من الحياة عما أعده الله له من نعيم الآخرة.

قد يعيش الإنسان المسلم  حالة من الاغتراب  الروحي حين لا يشاطر المجتمع انحرافاته بالرغم من كونه يشاركه خبزه وماءه…من هنا تكون المحنة مزدوجة, محنة التفاعل والتأثير في المجتمع, ومحنة الاحتراز من الوقوع في حبائله, فيحاول أن يهفو بروحه مستنجدا برموز أمتنا من الرعيل الأول من الصحابة الكرام, دون أن يقـطــع الـخـيــط الــذي يــربـــطــه بـــواقـــعــــه(الغرباء ص 36)

 

لأهــلـــــي أهـفـُــو وتـــرنـــــو الــمـآقــي

ولله فــي عـشـقـهــــم مــــــا ألاقــــــــــــى

إذا ذكــــــروا راح قــــــلـــبي نـعـــيـــمــــا

وظـــــلا وكوبــــــا لــذيـــــذ الـــمـــــــذاق

وأنـشـدُهم في مجامع روحي

فـألـقـى الـفـراديـس خـلـــــف الـتـراقـــي

 

فكيف إذا وقفت جوارح كل واحد منا شاهدة على ما اقترفه في حق مولاه…فهل يكفي الدمع شاهدا على محبتنا له U…حقا إن المرء مع من أحب كما أكد ذلك الحبيب المصطفى r لكن إن لكل حب علامة فما علامة حبنا, وأفعالنا شاهدة على تقصيرنا وإسفافنا :(شهود ص 40)  

شُــهـــــودي كـثـيــــــرٌ غــــــداةَ الـمَـسَاق

وبـسطـ الـكـتـاب وشـــدِّ الـــوثـــَـــــاق

تـلـقَّــت،  فــــوا خـجَـلـِــي مـن حـبـيـبي

وكــــيفَ لــقـــــــــاه ومــــالـــــــــيَ واقِ ؟

فــــــإن يــشــهــــدِ الــــدَّمعُ أنـــي مـحبٌّ

فـإنـــي أخـــــافُ الـشُّـهـُـــودَ الـبــــــواقي

 إن أعلى مقامات الإيمان هو مقام الإحسان كما ورد في حديث جبريل u"الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه, فإن لم تكن تراه فإنه يراك" الحديث (3) ففي هذا المقام يستشعر المحب رقابة المحبوب فيصارع هوى النفس ويحملها على فعل الخير واجتناب ما قد يجلب غضب الخالق, فينعكس كل ذلك على سلوكه تـجـــاه الخلق فلا تراه إلا ساعــيــــا في خدمة النــاس, ولا يرجو من وراء ذلك جزاء ولا شكورا، يتحمل أذى المسيء، لا يغضب لنفسه, ولا يسكت إذا انتهكت حرمات الله, وفي ذلك يقول حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله " المؤمن مع نفسه في صراع , والناس منه في راحة "(رؤية ص41)  

هـنـــا أراك فكــــلُّ الكــــون مســراكــــا

وفــي الـنـبـات أزاهـيـراً وأشــواكــــــــــاً

وأسـمـــع الـقـلـب خـفّـَّاقـا بـخـلـوتــــــــه

فـــلا أرى فــي حـنـايا الـصَّدر إلاكــــــا

فـإن تـغـبْ عـن عـُيـُون أنت مـبـصرُها

فـقـد تـجـلـَّـت بـكـف الـنـَّاس كـفـَّاكـــا

  إنها المكابدة التي نستشعرها ونحن نغوص في لجة هذا القريض اللاحب، مكابدة العاشق الذي لاح له نور المحبوب فما عاد يهمه بريق إلى جانب هذا البريق…فما السر في هذا الاحتراق الذي تتلظى به الشاعرة في كل لحظة من لحظات حياتها حتى لكأن كل أغلال الأرض تواطأت كي تحول دون انعتاقها من قبضة الطين اللازب : (فسيلة 44) 

تـــنــــازلــنــي رغـــبـــــــــةٌ فـي الـخـروج      

فــتـــشده ســـاقــــي ولا تــنــــطـــلـــــــق

وأصـــغـُــــرُ فـــي رُقـعـتــي بـَـــــــــــــذرَة

يـــؤجّـجُــــهــــــا الـشَّـوقُ أو تـحـتـــــــــرقْ

إلى كــــــمْ أكــــــابـــــــدُ هـــــذا اللـَّظـــى  

ومــــاؤُك فــي الـطـيـن سـلْـسٌ دفِق؟

 

لكن ما أغبى هذا الطين المتبجح , الذي نسي أصله وفصله فمشى فوق الأرض مختالا يجر أذيال الخيلاء موهما نفسه أنه فوق الأشياء, وهو الذي لا يساوي مثقالا :( غفلة ص 48)

 

أجــــرُّ ثــوبي على الأفلاك مـخـــتـــــــالا

كــــأن بـالـكـــفِّ إخـضـابــا وإمـحــالا

ولــــم أزل لـفـَرَاش الـتـيـــه أقـنـُصـُـــــــه

وأنــســُــجُ الــرِّيــح فـي الأجـواء سِربالا

حـتـــى دنــــا وتـدلـَّى الـسرُّ من خَلَدي

يــا غـفـلـَـة الـطِّـيـن مـا سـاويـتُ مثقالا

 

لست أدري هل اطلعت الشاعرة على قصيدة "الطين" للشاعر المهجري "إيليا أبو ماضي" أم أنه مجرد تطابق الهموم بين شاعرين فرقت بينهما العقيدة وجمع بينهما نزيف الحرف، يقول إيليا أبو ماضي في قصيدته :

 

نـسـِــيَ الـطـيـن سـاعــة أنـــــه طــــيـــن

حـــقـــيــــــر فــــصال تـيــــهـــــا وعـربــد

وكــــســــا الــــخـــــز جـسـمـه فـتـبـاهى

وحـــــوى الــمـــال كـيــســــه فـتـمـــــــــرد

يــــا أخـــي لا تـشـح بـوجـهـك عـــنـــي

مــــا أنــــا فــحـمة و لا أنـــــت فــــرقــــد

أنــت لا تـــأكــــل الـنـضـار إذا جـعت

ولا تــــشــــــرب الـــجــمان الـمنضد؟!

 إنها حالة الضمور الإيماني التي قد تصيب أي مجتمع , فتجعله يرتاب من كل فكر إشراقي وثاب, حتى لقد يصبح الانفلات من شرنقة الحياة نزقا وتهورا وسباحة ضد التيار, أما إذا كان الحكم محكوما بنظرة إيديولوجية فإنه يصبح تطرفا وغلوا :(صحوة 50)

 

قــالـت وبـرق الـثـنـايـا الـدلُّ والــــنــزق

..صحوتَ..يا..والصِّبا من ثوبكم عبق!

أتـخـلــــع الـبـُــــرْدَ فـي أزهـى مـواسِمه

ومـــا يـصـدُّ الـهـوى إمَّـا رمـَتْ حــــدَقُ؟

فـقـلـتُ إن مـعـي ربـي سـيـعـصـمـُنـي

ألـيـس يـهـزمُ جــــيـشَ الـظُّلـمة الفَلَقُ ؟

 

أليست هذه النتفة توظيفا راقيا لقوله  I : ]الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله  والله ذو فضل عظيم [ (4)

هكذا تسمو الروح إلى مقامها السامي، بعيدا عن صخب الموج العاتي, وعن حمأ هذا الصلصال الذي يريد أن يقوض مملكة الروح ليبني على أنقاضها قصور الوهم : (المقام ص 58) 

تـخـبــرُنـي الـخُـطـوة كـيـف الحبُّ تمدَّد خــيـطـا بـيـن الـوامِـق والـمَـــومُـــــــوقْ

كـيـف سنـابـلُ وادٍ مـن غـيـرِ زُروع لـبَّـت فـي كـفِّ الـعَاشق إيماءَ المعشوق

صــدَّقــتَ الــرُّؤيــا فــتـشامَخَ فــيــــــضٌ فــوق يـبــــــــاب الـحـَجـَــر الـمـشـنـُــــوق

فما هي الإضافة النوعية التي أضافتها أمينة المريني إلى ديوان الشعر المغربي , مع العلم أنها ليست أول من يطرق باب العشق الأسمى، نتذكر من غير أن نطوف بالأسماء :ديوان "السوانح" للراحل إدريس الجاي و"مملكة الروح" للشاعر محمد بن عمارة، بالإضافة إلى روحانيات الشاعر والناقد العصامي سعيد ساجد الكرواني في مخطوطيه "عناق الهوى والهدى " و"أبحر العشق سبعة" والتي أتمنى أن تخرج إلى الوجود.

إن أمينة المريني وهي تتمرس خلف سياج الروح لا يعني أنها استكانت لحياة الزهد هروبا من الواقع المتعفن …يشهد على ذلك تاريخها الشعري المضيء الذي يرشح بالكثير من العناء والعناد، وهي في هذا السفر إنما تريد أن تقول لنا شيئا : ما أحوجنا في هذا الزمان العربي الرديء إلى وقفة نجدد فيها إيماننا ونخلو فيها إلى ربنا ساعة، فنحن أصحاب رسالة أضحت مهددة بفعل عوامل الهدم التي طالتها, والذي لا يخلص الحب لله  U ولا يتوجه إليه في السراء والضراء، لن يقدر على مواجهة تحديات العصر ومتطلبات التدافع الحضاري…إن ما تشهده أرضنا المقدسة من عمليات استشهادية إنما هي نتيجة طبيعية لانتصار الجانب الروحي الإيماني على الهاجس الطيني، الشيء الذي جعل هؤلاء الفتية يفجرون أنفسهم في وجه العدو الذي اجتاحه الهلع والذعر,…إنها النتيجة الطبيعية لسنين من التهجد والقيام والصيام حتى باتت النفس تواقة إلى ملاقاة بارئها…يقول الشهيد مروان حديد :" إن الذي لا يستطيع أن يناجي ربه في جوف الليل ساعة، لن يستطيع أن يصمد في وجه العدو ساعة "

من حيث الشكل، جاءت هذه القطوف على شكل ثلاثيات مشحونة بفيض من المعاني والرؤى والصور الفنية الخلاقة, استطاعت من خلالها الشاعرة أن تسمو بالعشق الصوفي إلى مراتب جد متقدمة لا يختلط فيها على القارئ منذ الوهلة الأولى من هو المعشوق المقصود فيها، فالنصوص لا تحتاج إلى تأويل كيما يتسنى للدارس أن الله  U هو المقصود، وإلى هذا يشير الشاعر محمد علي الرباوي في تقديمه للديوان :"إن لغة الشعر الصوفي حين تستعير لغة العشق، غالبا ما يجد القارئ نفسه عاجزا عن الفصل بين المقدس والمدنس في النص, ولهذا كان القارئ يلجأ إلى التأويل حين يعلم أن الشاعر رجل صوفي, أما الشاعرة أمينة المريني فإنها تقدم في النص ما يثبت أن الحديث إنما هو عن المقدس " ص 17

هذه بعض الزفرات الخجولة التي أبت إلا أن تختلج في الصدر تجاوبا مع هذه الإشارات التي ولا شك سيمس عرفها كل النفوس الملتاعة …فلعل شذى التبتل في محراب العشق الإلهي يطفئ ما بها من أسى ولوعة.             

 أحمد الأشهب

السبت 21 جمادى الأولى 1422

11 غشت 2001 

 

الهوامش

سآتيك فردا ثلاثيات أمينة المريني منشورات حلقة الفكر المغربي فاس 1422هـ 2001 م.

(1)من مقدمة الديوان الذي بين أيدينا.

(2)عن كتاب : المذاهب الأدبية من الكلاسيكية إلى العبثية للدكتور نبيل راغب-سلسلة المكتبة الثقافية. ج.م.ع.

(3)رواه البخاري ومسلم.

(4)سورة آل عمران الآيتان 173-174.