|
امرأة من زمن الحرب |
| وفاء الحمري(*) |
|
فاجأها المخاض, إلى جنب عمود خيمة مهترئة…تكورت على نفسها …أغمضت جفنيها…صعد دم أحمر قان إلى وجنتيها…حبست أنفاسها للحظة, فتحول اللون الوردي في وجهها إلى أزرق غامق…ثم نفثت نفسا طويلا كأنما تتخلص بخروجه من كل آلامها ومعاناتها …صامتة هي حتى في ذروة ألمها…سمع دوي انفجار قربها…صامدة هي حتى في ذروة ألمها والأرض تهتز من تحتها…لمحت قبالتها طفلتها, تهرش بأسنانها قطعة خبز صلبة…ربما أصلب من أسنانها اللبنية الغضة…لكنها تتصارع…تعض تكسر جزءا من القطعة…تنفتح أساريرها كأنها خرجت منتصرة للتو من مباراة في المصارعة…. فتحول الفتات المكسور بين يمين ويسار فكيها علها تستطيع بلعه…فلم تنجح…أخرجت القطعة…نظرت إليها مليا…تستعطفها ربما…لتلين…ثم أعادتها إلى فيها وأعادت المحاولة…يمين…يسار…فتفتتت قطعة الخبز ولانت لها…فبلعتها وهي مزهوة كأنها حققت نصرا عظيما…ثم ارتمت على الكسرة العنيدة لتعيد الكرة من جديد…صراخ أمعائها وآلام معدتها الجائعة أعطتها القوة لكي تعيد العملية ثانية وثالثة حتى تسكت غرغرة أمعائها الفارغة…أنست هذه اللقطة البائسة المرأة لآلام مخاضها لفترة…لكن الآلام عاودتها من جديد . فتكومت على نفسها مرة أخرى وتلون وجهها من أحمر إلى أزرق إلى…اللالون…تساءلت في نفسها وهي في ذروة آلامها..علام هو حريص على الخروج إلى هذه الحياة وكلها ألم وتعب وعوز و…وانفجر ينبوع ساخن من تحتها ثم اندفع الثقل إلى الخارج فإذا بصراخ يعلو ويعلو و يعلو…ثم همد على حلمة ثديها . رفعت الوالدة بصرها فإذا بها أمام طفلتها وهي مصوبة بصرها نحو الرضيع وقطرات الحليب تتدفق من جانبي فيه , ربما تمنت في لحظة جوع وعطش وعري…أن ترتمي في حضن والدتها الدافئ وتشبع لبنا سائغا دافئا لذة للشاربين..مصمصت الصبية شفتيها وولت على أعقابها خارج الخيمة…فبدا للمرأة من كوة بها لهيب نيران أمامها تبعه دوي انفجار صاروخ ناري مر للتو من فوق بقايا الخيمة…توقف الوليد عن الرضاع وتفحص قسمات وجه أمه مليا , لم يبتسم كغيره من الرضع…بل أناخ السمع والبصر والفؤاد لأول درس لأمثاله…تلقيح طبيعي ضد الحروب والنوازل والضربات والصواريخ والآلام…ثم التقط الحلمة من جديد…عادت الصبية إلى الخيمة تفرك عينيها من سموم دخان الصاروخ بإبهاميها الوسختين…فسالت دموع رمادية على خديها الغضين , فرسمت خطين متوازيين…سعلت…تمخضت…بصقت بقايا لقمة الخبز العنيدة مصبوغة باللون الأسود , وهي تتحسر على مجهود ضاع من غير نتيجة…قرأت المرأة الرسالة الأليمة…فجرت الصبية من كم أسمالها البالية وألصقتها بحضنها…ربتت على طهرها بحنان غامر …ثم أغمضت لها جفنيها عساها تسعد بحلم جميل…تشبع خبزا طريا و…. (*) قصاصة وشاعرة من المغرب.
|