|
في نقد النقد |
|
رئيس التحرير |
|
في عام 1947 أصدر لويس عوض كتاب :" بلوتولاند وقصائد أخرى من شعر الخاصة" متصورا أنه بذلك يضع حدا للشعر العربي، فيكتب في المقدمة صارخا :"لقد مات الشعر العربي، مات عام 1932، مات بموت أحمد شوقي، مات ميتة الأبد، مات" وظل يصرخ ويصرخ عله يقنع الناس أن الشعر العربي قد مات، وربط موت الشعر العربي بكسر عمود الشعر، ولم يفرح بموت الشعر العربي فحسب بل أعد نفسه ليفرح أيضا بموت العربية، فكتب صارخا أيضا :" أما المصريون فقد كسروا عمود الشعر وعمود اللغة جميعا" وفسر ذلك بأن مصر "عجزت عن إنجاب شاعر عربي واحد في أكثر من ألف عام"، وقد اعتبر لويس عوض عمله في بلوتولاند فتحا عظيما، يؤسس به الشعر المصري، ونعجب من نعته ما جاء في كتابه أنه " قصائد من شعر الخاصة"، إلا أن يكون للفظ الخاصة عنده مفهوم "خاص" به هو وحده، فجزء كبير من هذا الكتاب كان بالعامية..وماتت صرخته قبل موته.. ما علينا..لقد مضى الزمان هونا، ومات لويس عوض، وبقي الشعر العربي شامخا لا يموت، مخيبا أمل لويس عوض وشيعة لويس عوض.. لنجيب الكيلاني رحمه الله،كتاب عنوانه:(أعداء الإسلامية)، وقد استغربت يومها أن يصدر هذا العنوان المستفز عن كاتب رصين وهادئ وكريم مثل الكيلاني، لكنني علمت بعدُ أن الناس أعداء ما جهلوا. وقد أراد أحدهم أن يكتب عن نظرية الأدب الإسلامي من منطلقه الخاص،وقد اتصل بي في الموضوع، وضربت له موعدا، وقد راح يصغي لحديثي عن الأدب الإسلامي ونظرية الأدب الإسلامي باهتمام كبير وأدب وتواضع،كاد يُكذِّب ما كنت أسمعه عنه من المشارقة والمغاربة على السواء، وقلت في نفسي : لعل فلانا رحمه الله، وكان عميد كلية عربية التحق بها صاحبنا في عهده، ظلمه حين قال عنه إنه شغوف بإثارة العداوة مع الناس بلا سبب. وضحكنا لكلمة قالها الأديب المشاغب إدريس الخوري حين سُئل عن الكاتب الذي لا يحبُّ أن يقرأ له، والسؤال نفسه مشاغب، فأجاب بَّا دريس : فلان. وقد صارحت صاحبي أن بعضا مما ينشر تحت لافتة الأدب الإسلامي قد لا يرقى إلى أن يمثل هذا الأدب، ولكن حال الأدب الإسلامي في ذلك كحال غيره من الآداب،ومن العدل أننا حين نتحدث عن مذهب أدبي ما، لا نمثل له بالنماذج الضعيفة، وهل نستطيع أن نتحدث عن الأدب الوجودي ونحن نستبعد أعمال ألبير كامو وجان بول سارتر، أو أن نتحدث عن الواقعية الاشتراكية دونما التفات إلى ماكسيم غوركي وأضرابه؟ فمن العدل إذن ونحن نتحدث عن الأدب الإسلامي أن نستحضر أعلامه الكبار. ولم يمض إلا زمن يسير على لقائي بصاحبنا حتى أخرج للناس كتابا عن نقد المركزية العقائدية في نظرية الأدب الإسلامي، وعجبت لهذه السرعة الفائقة والقدرة على الكتابة، ولكن ما كان عليّ إلا أن أرحّب بالكتاب، حتى وإن كنت أعلم أنه سنطلق من منطلق مختلف، فإن من شأن نقد النقد أن يدفع بالحركة الأدبية قدما.وقد حقق الأدب الإسلامي،إبداعا ونقدا ونظرية، تراكما نوعيا، هو بحاجة إلى أن ينظر إليه في مرآة النقد.وهذا ناقد أكاديمي جامعي، وهو يحذر الناس في كتابه من(الزلات الأكاديمية)148 ومن (استغلال سلطة الأستاذية في تمرير كل شاذة وفاذة) 225 ويدعو إلى احترام عدة (الباحث الجامعي) 148، مبينا أن النزول إلى الهاوية أسهل من رفع صخرة سيزيف،124، ومن هذا المنطلق انتظر القارئ بحثا رصينا يراعي الشروط الأكاديمية ومواصفات البحث الجامعي الرصين.ولكن أنّى يكون ذلك ممن لا يتقن العربية، ولا يملك الأدوات المنهجية ولاالعلمية ولا المعرفية للنهوض بهذا الأمر؟ وقد حذّر الكاتب من أن يكون (نقد النقد ذريعة لامتطاء صهوة الدونكيشوتية، وشحذاً لسيوف قطع أوصال أورفيوس الإبداع والاجتهاد)206. إنك لتعجب من أن هذا الوصف يكاد ينطبق على قائله، فأنت واجد في الكتاب كل شيء إلا النقد.فبالرغم من هلهلة النسج الذي فضح عُوار الكتاب، وزَّع الكاتب من النعوت ما يخرج كتابه من دائرة النقد العلمي الرصين إلى دائرة المماحكات الجدالية العقيمة، فهو يتحدث –في كتاب يتناول الأدب- عن التطرف والإرهاب والجهل والردة والتهافت والوهم والرطانة والانتهازية، والخطاب المتواطئ، والسدانة، والدروشة الأدبية، والإحساس المغشوش، والمكر، والغباء، والفجاجة، والسذاجة، إلى غير ذلك من الصفات التي يلحقها بكل من له علاقة بالأدب الإسلامي، مما يكشف عن طبيعة تفكير الكاتب، وطبيعة (نواياه) بحسب تعبيره هو. وما أدري كيف يتصدى للنقد، بله نقد النقد، من لا يعرف موقع باء الاستبدال، وكأنه لم يقرأ قوله تعالى:}أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير{، فيقول مثلا، وهو قل من كثر:(تحطيم الأوثان النقدية العربية واستبدالها بسدنة الزوايا وأوردة البصيري، وأدكار ليالي الأقدار ـــ كذا ــ)208،وفي هذه الجملة القصيرة أشياء أخرى،غير الباء،فإن نحن أحسنا الظنّ ــ وذلك ما أمرنا به ربنا فقال سبحانه:}وقولوا للناس حسنا{، واعتبرنا سقوط الواو من اسم الشاعر الصوفي الكبير سهوا أو من فعل المطبعة، فهل نحمّل المطبعة عدم التمييز بين الأوردة والأوراد، وتجاوز جمع الليالي إلى جمع الأقدار؟ويقول أيضا: (التسامي عن الواقعية الأرضية التي استبدلت بواقعية سماوية لا يأتيها الباطل لا من تحتها ولا من خلفها)213، وهنا أيضا لا يقع المحظور في الباء فحسب، فالاقتباس من القرآن الكريم يجب أن يكون على وجهه، والله تعالى يقول:}لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه{، فكيف صار ذلك من تحته؟ ويتحدث عن(عدم إفلاح العلمانية)، وكأنه يعيش في غير كوكبنا، فلا يسمع المؤذن يرفع صوته خمس مرات في اليوم:}حيّ على الفلاح{، ولا يعرف الفرق ما بين الإقناع والقناعة،128 ــ 136 ولا يعرف تمييز العدد، فيقول:(تصدر تسع كتب:115 وكذلك 116)، و(ظواهر ثلاثة)121،ولا يفهم في فعل الأمر وجوابه شيئا، فيقول:(قولوا لنا أيّ نصّ تنتجونه نقول لكم أيّ عقيدة تستقرون عليها)139،ولا يميز بين السين والصاد، فيتحدث عن حبل الصرة 160، ولا بين المهمل والمعجم، فيصير الإنقاذ إنقادا،70ـــ 128 ـــ 144ـــ 146 والنفاد نفاذا، والندرة نذرة 161، وبذلت بدلت 149، وأدوات الجزم عنده معطَّلة، فيقول: ألم تعري تودد الجارية..209 ، وأدوات النصب لا عمل لها: إن للنظرية (أثار)، إن كلّ منها177، إنّ أنواع من الكتابة 180، وليس وأخواتها لا تعمل،(ليس فقط عبادات وطقوس)202، ومادام وأخواتها في إجازة (ما دامت الحداثة العربية ابن غير شرعي)193 والجزم عنده حادث بلا سبب:(لأنهما يحكما بالحوارية31)، وللنصب حكم خاص به، والنواسخ لا عمل لها: (إننا مضطرين هنا..)86، وفي مواضع كثيرة من الكتاب يستعمل (لوحده ــ لوحدها ــ لوحدهم..) فيتبرع بلام من جعبته السخية، 90ــــ116 الخ ..ولك أن ترفع أو تنصب، أو تفرد أو تثني أو تجمع بلا ضابط، إن استقام لك المعنى، على مذهب لويس عوض وشيعته، فتقول مثلا:(هل هما مجرد صدفة أم تنطعا؟) 226ـــ (بين خطاب هو بحدّ ذاته ممارسة وبالتالي فاعلا)177 ولك أن تكسر موازين الصرف فتقول:(يطال أعراض الظاهرة الأدبية)145ـــ172، وما عليك من حرج إن جئت بمبتدأ ونسيت خبره 186، أو جعلت الفاشل،دون المنهزم، مقابلا للمنتصر، أو اسودت دونك المسالك فضيَّعت أصل الأمثال، وحرفتها، فقلت :(إنها أفرغ من قلب)199،هكذا بإطلاق، ونسيت قول الله تعالى: }وأصبح فؤاد أمّ موسى فارغا{، وتبرعت بألف على الأسماء في حالة الإضافة، ظنا منك أنها أفعال، فتقول:(منظروا الأدب الإسلامي)74، و(مؤرخوا الأدب)108.. ولو تتبعنا هذا ومثله لما بقي في الكتاب من شيء. فكيف لو وقفنا على ما في الكتاب من تهافت؟ وكيف لو أبرزنا ما فيه من أخطاء تاريخية، مرتبطة بوقائع لا تقبل الدفع؟ وما الغرض من أن يقذف بالحجر من كان بيته من زجاج؟ وكيف جاز لمثله ، وقد رأينا بضاعته المزجاة في العربية، أن يخدع مؤسسة كمؤسسة جائزة الملك فيصل، بله غيرها من المؤسسات؟ إن صاحبنا ما فتئ يصيح، في الكتاب، وفي التلفزيون، وهو يكاد يكرر صرخة لويس عوض، : لا وجود للأدب الإسلامي..الأدب الإسلامي رهين العقائدية..نظرية الأدب الإسلامي وهم..لا أدبية للأدب الإسلامي..وكأن أحدا وكَّله خصما على الأدب الإسلامي. ألم يسمع هذا الرجل بغالب وسلطان باهو وحالي وإقبال وأبي ريشة والأميري ومحمد عاكف وغيرهم من الشعراء الإسلاميين العالميين ؟؟؟ ألم يسمع بجانكيز ضاغجي ومرال معروف وعلي نار والكيلاني وباكثير وغيرهم من الروائيين العالميين ؟؟ أم أن هؤلاء عنده ليسوا أدباء حتى ولو اعترف بهم الشرق والغرب، وأقيمت مراكز عالمية لدراسة آدابهم في أعرق المدن الجامعية في العالم ؟ أم أن أدبهم لم يكن غير محاولات في طريق الأدب،كما زعم صاحبناـ؟ إننا نقول لصاحبنا ومن على شاكلته: هونوا على أنفسكم، وافتحوا قلوبكم، وأقبلوا على قراءة هذا الأدب بنظرة محايدة، ولا تتحكم فيكم نظرية الإرهاب الأمريكي فتتصوروا أن كل ما يمت إلى الإسلام ليس غير إرهاب.. ولا تخافوا من أن تتهموا بالإرهاب إن أنتم أقررتم بوجود أدب إسلامي أو آزرتموه..إنه وحده أدب هذه الأمة من طنجة إلى جاكرتا، ومن حسان بن ثابت والخنساء إلى أحمد مطر وصافيناز كاظم، ولذلك كان وحده الأدب المطارَد والمحاصَر والممنوع والمصادَر من قبل أولئك الذين في قلوبهم مرض.والسلام على من اتبع الهدى.
|