Nouvelle page 1

 تنويعات فنية في ديوان  « أول الغيث» للشاعر محمد علي الربــاوي***

إدريس اليزامي(*)

  

 توطئة

تعزز المشهد الثقافي المغربي بإصدارات مهمة في أجناس أدبية شتى, تربع على كرسيها الشعر. ومن بين الدواوين التي تفرض على قارئها حسن الإنصات وتجره إلى عوالمها الساحرة والمشاغبة لإضاءة غموضها بقراءة عاشقة أو دراسة متأنية : ديوان «أول الغيث».

حقا إن الفضاء الشعري اللازوردي يسحر بألقه وألوانه اللب, ويأخذ به إلى عوالم رحبة لا نهاية لها. ومما يزيد في هذه المتعة واللذة, المسك بخيوط / مفاتيح النص المفضية إلى دهاليزه. وكانت الرحلة من وجدة الشهباء إلى الدار البيضاء عبر فــــاس ووزان وفضاءات مغربية أخرى, لا يمكن السفر في جغرافيتها وحيوات أعلامها الموتى والأحياء إلا على صهوة الشعر.

هكذا شدني الجانب الفني في نصوص «أول الغيث», وأثمر هذه المقاربة الفنية في المحاور الآتية :

ــ التدوير العروضي (طريقة كتابة النصوص).

ــ النص الغائب الذي تغذت منه النصوص.

ــ المعجم الذي ينحت منه الشاعر كلماته.

أولا : لماذا التدوير العروضي في النصوص ؟

فحينما تقع عيناك على أول قصيدة بالديوان "منطق الورد"(1) تخدعُك فتحسبها نثرا, وما هو بذلك إن هو إلا شعر موزون. وهكذا دواليك في نصوص أخرى, إن لم نقل أغلبها, بل في دواوين أخرى, فلماذا الكتابة على هذا الشكل ممتدة في مجملها متموجة أحيانا ؟

الجواب لن يأتي برانيا, بل جوانيا إنه الفضاء الداخلي (الذات) حيث المعاناة والاحتراق يزهران حمما, فتثور براكين الكتابة على البياض محاولة التهام الفراغ الفظيع, إنه صراع السواد والذات مع الواقع حسب تعبير الدكتور العلوي الهاشمي(2), فما يلبث القارئ ــ خلال قراءته ــ حتى يعود للتأكد من الوزن ثانية وثالثة يتوهم كما أسلفت أنه خرج إلى النص النثري. من هنا تكمن براعة الشاعر وتمكنه من مادته العروضية, هي الوظيفة الفنية التي تدفع به نحو هذه الكتابة, لأنه يخاطب العين قبل الأذن.

وتأتي الوظيفة النفسية والفلسفية أيضا واللتان تعكسان مدى ارتباط الشاعر  بمحيطه. ولنسق الشاهد الآتي من القصيدة السالف ذكرها : قوله :

أيـتـهــا الـوردة.. يــا أيـتـهــــــا الـمـقـصـورة فـي هــــــودجهـا الـوهـــــاج..

أيــا لـؤلـؤة كـــنَّــت في صـــدف من شـعــــر أسـود هــــــل يـخلـــو بـــلـــــــد

 من سلطان ؟.ها قلبي يحمل عرشـا لـم يـتـربـع سلـطــان بـعـد عـلـيـه.

فـكـونــي أنـت الـسـلـطــان, لتـنـعـم أشجـار ضلــوعي بنـظـام يــأسِـرُ

ألــبــاب الـطـيـر. قـطـعـت إلـيـك مـهـامـه لـم تـعـبـرهـا قـبلي الـعــيسُ,

فما امتد على طرقات القلب سحاب المزن, ولا انتشرت أوراق

البرق بساحة هذي الذات الظمأى كوني السلطان, وكوني

صاحبتي, في هذا السفر الممتد من الآه إلى الآه. هو القلب

العاشق يستنشق ريحا من تلقاء مها نجد, يأمرني أن أركب

متن الوجناء لنطلب نجدا. هل أحد غيرك يقدر أن ينجد هذا

القلب ؟ فكوني النار الوهاجة, وانتشري في كل خلايا

الأشجار الممتدة من جسدي حتى بلدي. انتشري أيتها النار,

احترقي أيتها الأشجار عسى من حر رمادك تولد قبل الفجر

الخياله.

وهذه الطريقة في كتابته الشعرية, قد أعابها على شاعرنا بعض الدارسين وخاصة فيما تقدم من نصوصه, وبالضبط قصيدة "في صاحــــب الغــــار"(3) التي يقول في مطلعها :

       إنــــا فــي الــغــــار إثـنــــان وثـــالــثـنــــــــــــــــــــا لـم يـنــزل بـعـد, وصـوت الله

        يـشـق صخــور الـغــار, لـيـوحي للـصـاحـب أن الـغـصـن الأخـضـر للـسـدرة

        يـجـمـع كـلَّ اثـنـيـن, وأن الله بـجـانـب كـل اثنـيـن إذا كــانـــــا مـن أصحــاب

                                       الحب الأبيض …

ومن هؤلاء النقاد, نذكر على سبيل التمثيل, الدكتور محمد فتوح أحمد في بحث عنوانــــــه :" القصيدة العربية المعاصرة إلى أين ؟"(4) التي هاجم من خلالها التدوير العروضي وشكل الكتابة النثرية التي ظهرت به القصيدة, بحجة أن هذه الظاهرة تجهد القارئ حين يلهث وراء الشاعر حتى ينتهي إلى قرار بيت يمكن التوقف عنده. يضاف إلى هذا أنه يترتب على التدوير شحوب الإيقاع وانطفاء موسيقى القوافي النثرية. ونفسح المجال أمام الشاعر  ليرد على الدارس :

"أما ما لاحظه في النص من نثرية بسبب التدوير فأقول : إن لغة الشعر  تختلف عن لغة النثر, وهذا معروف في الدراسات النقدية, لكن ثمة حالات تقتضي أن يستعير لغة (وشكل ) كتابة النثر لتطعيم تجربته , ونتفق مع أبي هلال العسكري أن المنظوم الجيد ما خرج مخرج المنثور في سلاسته وسهولته واستوائه"(5). أما فيما يخص أن التدوير يجهد القارئ  فقد رأى الشاعر أن هناك محطات اختيارية يتوقف عندها متى كان الشعر  بضرورة إليها وليس من الضروري أن تطابق الوقفة نهاية التفعيلة. وقد يخرج الشاعر  من الشكل الممتد في نصوصه إلى المتموج أو المنعرج. فتتنابذ الكلمات وتتناثر وتختلف. ويظهر فيها مد وزجر في سطورها وهذا الاختلاف تعبير عن اختلاف الشاعر مع محيطه.

وبعبارة أخرى صراع ذات الشاعر  مع مجتمعه. فيحاول الربــاوي أن ينقل هذا الصراع من الذات الفردية إلى الذات الجماعية (الذوات). ولعل هذا الشكل يتمظهر فيه الفراغ / البياض بشكل ملفت. وهذا لم نألفه في القصيدة العربية الأم /العمودية المقفاة ؛ إذ أنـَّــــا نلاحظ فيها فراغا يفصل الصدر عن العجز ليس إلا. وهذا يدل على انسجام الشاعر العربي القديم مع مجتمعه ـــ عـلــى حــد تعبير الناقد العلوي الهاشـمــي ـــ (6) اللهم إلا إذا استثنينا حجم ذاك الصـراع الـفـــــــراغ / البياض ولا بأس من التمثيل على الشكل المتموج والذي يبرز لنا من خلال صراع الذات مع الواقع ــ قوله من قصيدة "مغربنا وطننا"(7)

بـلـدي... يــا بـلــدي نـخـر الـسُّوس عـظــامـك

وامــتــطى الـحـزنُ خـيـامـــك

بــلــدي …يـــا بـلــدي, روحـي فــداك

مــن يـدس أقـمـارك الـيـوم يـنــل كـلَّ رضـــاك

مــن يـقـدم دمــه يـلـــق جــفـــاك

هــا دمــي الـمـفـتــول قـدامــك, فــاصــنــع

بــدمـي فـجـرك, وامـنـح جـسـدي قـبـرا تـغـذيــه ربــــاك

ثانيا ــ الإضاءات / النصوص الغائبة أي طائل من وراء توظيفها ؟

إنها المراجع الثقافية التي تتغذى منها قصائد الشاعر, وبالتالي فهي إضاءات ــ حقا ــ لظلام الغموض الذي يكتنف بعض النصوص وخاصة الذاتية منها ــ وما يتبدى لنا من خلال قصائد ديوان «أول الغيث»ــ نصوص وظفها الشاعر بوعي منه لتحيل القارئ  مباشرة على مرجعها وأخرى تسللت دون وعي منه إلى عمله فكونت طبقات نصية عجيبة. ولعل الشاعر  لا يجـتـر النص الغائب بشكل عادي لا جديد فيه.  بل يعيده بوعي مغاير وبطريقة فنية يخدم دلالات قصيدته ذاك ما يسميه النقاد بالامتصاص. فهذا عنوان الغلاف (وإن كان هذا الغلاف  ذاته برسومه وألوانه عنوانـا ثانيا لنصوص الديوان) «أول الغيث» يحيلنا على نص غائب أورده صاحب العمدة في تقديمه :

وأزرق الفجر يبدو قبل أبيضه           و أول الغيث قطر ثم ينسكب(8)

هذه واحدة. أما الثانية, فحين تنقلب الصفحة الأولى نجد الإهداء التالي :" إلى القطرة المضيئة ولدي محمد زكرياء " فالملاحظ أن عجز البيت الشعري مصدر بـــ أول الغيث (عنوان الديوان) ثم يأتي قطر بعده وهو يحيلنا مباشرة على القطرة/ محمد زكرياء.أما إن عدنا إلى صدر البيت فنجد بياض الفجر, أي انبلاج ضوئه : والإهداء يتضمن كلمة القطر المضيئة. ومن هنا نستنتج أن الشاعر  يعقد قرانا رائعا أو تعالقا بين النصوص على حد تعبير النقاد. والعنوان والإهداءــ حسب استنتاجي - لهما ارتباط وثيق بالنص الأخير "مدد من مشكاة الغيث"(9) .

إذ أن الشاعر وظف فيه مجموعة من الكلمات التي تدل على ذلك : ( المشكاة, الضوء, النور, الأنوار, وهج, المصباح, وقد الفرحة, جداول, ترشني بأنوار, الوبل, البشرى, أنداء الغيث, رياحا).. ثم ركز على العطاء والمنع في تضرعه إذاً عن أي غيث يتحدث الشاعر, وأي نور وضوء, وبعبارة أخرى, أية بشرى بعد الرياح (اللواقح) ؟

الجواب ـــ في اعتقادي ـــ مكنون في الإهداء : إنه محمد زكرياء (عصفور الفجر/ الأمل المشرق/ النعمة البيضاء )(10) الذي ازدان به بيت الشاعر  بعد صيف طويل حط بكلكله على صدره ولنفسح له المجال للبوح :

مــا عـدت أكـلـــم فــي الـحـي ســواي

فـهــل اسـتـسـلـمـت لــوقــد الـفـرحــة يـــا مــولاي

إن كــانـــت حـقـــا هــي مــا يـســكــن عـبـدك ؟

وهـــل اسـتـسـلـمــت لـجـمر الـخـوف الـفـاجــرِ

إن كـــان الـخـوف حـبـيــــبــي

هــو مـا يـتـسـكــع فـي هـذا الـقـلــب الـخـفــاقِ ؟

لـمــاذا حـيــن تـسـلَّــلـــت الـبـشــــرى

نــحــو خـرائــب قـلـبــي وأنـــا عـودٌ يـتـقــوَّس كــــالآه

لـــمــــــاذا ؟ (11)

ومما يبرهن على أن أول الغيث  "النص الغائب" قد أضاء فعلا غموض القصيدة وأن الربــاوي يقصد به محمد زكرياء, إجابته عن سؤال ـــ في مداخلة بدار الشباب أنوال بتازة سنة 1993ـــ يتعلق بحالته العائلية, أنه أب لطفلة عمرها أربع عشرة سنة, وطفل (محمد زكرياء أربع سنوات). والقصيدة كما نرى كتبت في شهر يوليوز 1991. وهي في نسيجها العام شبيهة بمقطع من قصيدة "سفــر أيــــوب"  لبدر شاكر السياب (12) في تيماتها :

لـــك الـحـمـدُ مـهـمــا اسـتـطـــال الـبــــلاء

ومـهـمــا اسـتـبـــد الألـــم

لـــك الـحـمــد إن الـــرزايـــــا عـطــــاء

وإن الـمـصـيـبـــــات بـــعـــض الـكــــــرم

ألـــم تـعـطـنـــي أنـت هـــذا الــظــــــلام

وأعـطـيـتـنــي أنـت هــذا الــســحــــر ؟

فــهــل تـشـكــر الأرض قــطــــر الـمـــطـر

وتـغــضـب إن لـم يـجـدهــا الـغـمــــام ؟

شــهـــور طـــــــوال وهــــذي الــجـــــراح

تــمــزِّق جـــنــــبـــي مـثـــل الـمــــــــــــدى

ولا يــهـــدأ الــــداء عـنـــد الـصـــبــــــاح

ولا يـمـســح اللـيــلُ أوجــاعــه بــالــردى

ولــكـــن أيـــوب إن صـــــــاح  صــــــــاح :

لـــك الـحــمــدُ , إن الـــرزايــــا نـــــــدى,

وإن الـجـــراح هـــدايـــــــا الــحـبـيـــــــب

أضــمُّ إلــى الــــصـــدر بـــاقــــاتـــــهــــــا

هـدايـــــاك فـــي خـافــقــي لا تــغـيـــب

هــدايــــاك مـقـبــولـــــة, هـــاتــــهـــــا !

أشـدُّ جــراحـي و أهـتـفُ بـالـعـائـديـــن,

ألا فـانـظـروا واحـسـدونـي, فـهـذي هـدايــا حـبـيـبــي ".

ولنمعن النظر في كلام الربــاوي (13) ونقارنه بالمقاطع الأولى من نص السياب :

ــ أنــت كــريـــم إذ تـعـطــي

وكــريــم إذ تـمــنــــع

(…)

هــو ابـتـلاء حـيـن تـعـطـي

وابـتـلاء حـيـن تـمـنــع

آه حـبــيـبـــي ! مــا أشـقَّ الابـتـــــلاء!

لكــنــنـــي

أطــمــع يــــــا مــولاي أن تــكـــرمــنــــي

ثــم تــرشـنـي بــأنــــوار مـحـبـتـــك.

وكما يبدو أن الشاعرين يتقاسمان الحلاوة / المرارة للرزايا أو الابتلاء, وقد عداها كرما موظفـيـن قاموسا مشتركا:(  العطاءــ الابتلاءــ الكرم ــ المنع ــ غمام ــ ندى ــ ظلام ــ مطر ـــ سحرــ ضوءــ الحمد )

ولنعد مرة أخرى لنكتشف ذلك في كلام الربــاوي : (14)

استــسـلـمـت وقـلــت :

لـك الـحـمـد عـلـى مــا أعـطـيـت

لــك الـحـمــد عـلـى مــا مـنـعـــت

لــــك الـحـمـد...

لــــك الـحـمـد...

لــــك الـحـمـد …

(….)

أنــا عـبـدُك الـعـــاصــي

فـمــا شـئـت بــي فــاصـنـــع

لــــك الـحـمـد  إذ تـعــفـــــو

لــــك الـحـمـد إذ تـغـضـــب

والأبعد من هذا. فبدر شاكر السياب ومن كثرة معاناته فقد رمز إلى نفسه بــأيـــوب معتمدا على الآية الكريمة :] وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين [ الأنبياء الآية 83. والنبي أيــوب u رمز للصبر. أما الربــاوي فيربط نفسه بالنبي زكرياء u من خلال نصين غائبين الأول أتى في القصيدة على شكل جملة اعتراضية.

ـــ"وأنـــا مــا نــاديـــت حبــيـبــي فـي الـمـحـــراب"ـــ ولعل الآية الكريمة تلخص لنا قصة زكرياء u  ]وزكرياء إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين[ الأنبياء الآية 89. وتأتى الآية الأخرى ]هنالك دعا زكرياء ربه[ آل عمران الآية 38.

فكانت استجابة الله تعالى لدعائه ] يا زكرياء إنا نبشرك بغلام اسمه يحي لم نجعل له من قبل سميا[ سورة مريم الآية 6.

وعليه فالسياب /أيـــوب قد صبر على ألم الجراح..والربــاوي / زكرياء, قد تحمل مرارة الصبر على الولد. إلا أنــه سـمَّى ولده بمحمد زكرياء وهذه التسمية في حقيقتها ولادة ثانية للرباوي /الأب. ولا نقصد الولادة البيولوجية بل المعنوية …

أما النص الثاني فيجسده المقطع الآتي : (15)

 مــا عـدت أكـلـــم فــي الـحـي ســواي

فـهــل اسـتـسـلـمـت لــوقــد الـفـرحــة يـــا مــولاي

إن كــانـــت حـقـــا هــي مــا يـســكــن عـبـدك ؟

            فمولد محمد زكرياء كان (فرحة/خوفا) بالنسبة للشاعر إلى حد أنه ما عاد يكلم أحدا في الحي إلا نفسه. وهذا فيه تناص مع النبي زكرياء u حينما بشره الله بيحيي u بــعـد أن كـــان قـد وهـن عـظـمـه وعـقـرت زوجتـه قولــــه: ] قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويـا[ سورة مريم / الآية 9.

ولا يلتقي الشاعران في توظيف الرموز ـــ وإن كان الغالب عند السياب الرمز الأسطورة بينما يكثر التاريخي عند الربــاوي ـــ فحسب, بل في الافتتان بالمدينة وكرهها في نفس الوقت. فلماذا المدينة/ القناع ؟

إن الفضاء بعنفه وحميميته هو المؤثر في نفس الشاعر. فالمدينة بمظاهرها وقنواتها تفسح للشاعر المجال لتمرير خطابه وإيصاله لأبناء أمته. فهي جامعة لأصناف الخير والشر. فالسياب في ديوانه " أنشودة المطر " في قصيدة " مدينة السندباد"  ثورة على المدينة المعاصرة وبالضبط بغداد ونعي على الجحيم الذي تتخذه الحياة فيها (16)

…مـديـنــة الـخـطــاة

مـديـنـة الـحـبــال والــدمــــاء والـخـــمـــور

مــديــنــة الـــرصــاص والـصـخـــور

أمـس أزيـــح عـند مــداهــا فـــارس الـنـحــــاس

أمــس أزيـــح فـــارس الـحــجـــر

فَــــرَانَ فــي سـمــائــهــا الـنُّــعـــاس "

أما محمد علي الربـــاوي في قصيدته "الدار البيضاء " ص 18 من «أول الغيث» فيعلن غضبه عليها بقوله :

"يـــا دار قــد خـدعــوك إذ قــالــــوا

بــأنـــك كـــالـضــحى الـفـتـــان, أو كــالـنـجـمـة الـعـذراء

كــم غــرَّ الـثــنـــــاءُ الــمــــرُّ مــن صـفـصــافــة حـسـنــــاء

خــدعــوك يـــا وحـشـيـة الـعـيـنـيــن إذ سـمَّـوك بـالـبـيـضــاء

مـن أيـن يــأتــيــك الـبـيـاضُ وأنــت مـقـبــرة تـضـمُّ مـواجـع الـفـقــراء ؟

(…) مــن أيــن يــأتـيــك الـبـيــاض الـيـوم

يــا دارا رمــت بـكـبـــودهــا فـي لـجـة الــرمـضــاء

…………………………

يــا دار هــل كــذب الــذي سـمَّاك بــالـبـيـــــداء ؟

فللمدينة عدة أبعاد, قد تكون اجتماعية, سياسية, وللقارئ أن يستشف من النصين السالفين عند الشاعرين. إلا أن فضاء مدينة وجدة لا يشاكله أي فضاء آخر. فهو مسكون بحبـه ولا يخلو ديوان من ذكره, وهذا ما أثار حفيظة النقاد عليه. حتى أن بعضهم نعته بالإقليمية, وتتساءل لماذا حضور مدينة وجدة / المدينة في نصوص الربــاوي ؟

إنه مغرم بحبها ويصرح بحبه لها في إحدى قصائد ديوان « أطباق جهنم » :

" يـــا مــن عـلَّمــت الـقـلــب هــوى وجــده

أفــلا عـلَّــمـــت الـعـاشــق تـكـبـيــر جــدار الــوحــــدة"

ويقول في قصيدة "خرائط تحت المجهر "(17)

بـــحــثـــوا عــن وجــدة فــي مـوقـعـهـــــــا الأول

والــثــــانــي …والـثـالـــــــث

بـحــثـــوا فــي كـــل خــرائــط هــذا الـعــالــــم,

وضــعـــوا كــلَّ خــرائـطـــه تـحـت الـمـجـهـــــر.

قـــالــــوا : مــن هـرَّبــــهـــا ؟"

قـــال : "أنــــا هـرَّبــــتُ ظــفــائــرهـــا فــي قـلـبـــي

مــن يـعـشـقـهــــا فـلـيـدخـــل مـن بـــوابــة هــذا الـقـلــــب "

والديوان الذي بين أيدينا لا يخلو من ذكر وجدة / الفضاء. فهذه قصيدة "كـــأس مــن رمــاد "(18) تقول بعض مقاطعها :

"أحـمــل فـوقــي جـسـدي, وأجــوبُ بــه طـرقــــات

مـديـنـتــي الشـهـبــــاء. وحـيـن يـدبُّ الـمـلـــل الـقـــــارس

فــي غـيـابــة ذاتـــي, ألــقــي جـســـدي الـمـنـهـــار بــركـــن

مـن أركـــــان الـمـقــهــى (تـنـبـت كــالفـطــر مـقـاهــي وجــدة

حـيـث تـظـل إلــى مـــا بـعـد أذان الـفـجـــر مـفـتـحــة الأبــــــــواب "

ولنفترض أن حب الشاعر لوجدة راجع لسبـبــيــن :

ــ نفسي : ويتلخص في كون هذا الفضاء بمناخه وجغرافيته شبيه بمنطقة قصر السوق حيث مسقط رأس الشاعر. وهو ابن بيئته, فليس غريبا أن يحن إلى تلك العوالم الصحراوية بشمسها ونخلها ورملها عبر فضاءات وجدة.

ــ اجتماعي: بساطة وشعبية ساكنة وجدة وتعايشها في سلم اجتماعي, يكاد الصراع الطبقي لا يظهر بذلك الشكل الفظيع المريب كما الحال بالدار البيضاء...

أما عند السياب فتستأثر جيكور بحبه وقد تغنى بها كثيرا. لنأخذ على سبيل الذكر : قصيدة "مرحى غيلان" من ديوانه « أنشودة المطر » يتحدث فيها على لسان ابنه :

                                   جـيــكـــور مـن شـفـتـيــك تــولــد, مــن دمـائـــك فــي دمــائــــي

                                   فـتـحــيـــل أعـمـدة الـمـديــنـــة

أشـجـــار تــوت فـي الـربـيـــع, ومــن شـوارعـهـــا الـحـزيـنــــة

تـنـفـــرج الأنــهـــار, أسـمـع مـن شـوارعــهـــا الـحـزيـنـــة

ورد الـبــراعــم وهــو يـكـبــر أو يـمـص نـدى الـصـبــــاح (19)

(...) ولعل الشاعر أحب جيكور, لأنها القرية التي نزح منها في العام الدراسي (1943ــ1944) نحو المدينة طلبا للعلم, وكان إذاك مشبعا بالروح الرومانسي.

            ولعل قصيدته "اللقاء الأخير" والتي كتبها عشية الرحيل من سنة 1948 تعكس تلك العلاقة الحميمية بينه وبين قريته قوله :

                                   هـذا هـو الـيـوم الأخـيــر لـيـتــه دون انـتـهـــاء !

                            لـيــت الـكـــواكــب لا تـســـيـــر.

                            والـســـاعــة الـعـجــلـــى تـنـــام عــلــى الــزمــان فــلا تـضـيـــق !

                            خـلــفـتـنــي وحـدي أسـيــر إلـى الـسـراب بـلا رفـيــــق (20)

            وجيكور كانت محضن الأحبة من أهل وأصحاب, في انسجام وطمأنينة مما جعل الشاعر يحن إليها خاصة حين رحيله للتداوي في لندن الصماء قوله من قصيدته :" جيكور أمي " من سفر أيوب :

بــعــيــدا عـنـك ــ فــي جـيـكــورــ عـن أطـفـالـــي وبـيـتـــي

تـشــد مـخـالـب المـال عـلـى بـطـنـي الـذي مـا مـر فـيـه الــزاد مـن دهــر (...)

أــ ومما لا شك فيه أن النصوص الغائبة قد أضاءت لنا حقا الغموض الذي يكتنف النصوص ولنجمل الآن تلك التي وظفها الشاعر بوعي منه ونصنفها حسب الحقل الذي تنتمي إليه ابتغاء تحديد ثقافة الشاعر :

1 ــ قصيدة "إغاثة الأمة بكشف الغمة" (21)

وظف فيها الشاعر نصوصا تاريخية من توقيع المؤرخ الشهير المقريزي.

ــ برقية : إن الغلال معظمها لأهل الدولة, أولي الجاه, وأرباب السيوف الذين تزايدت في اللذات رغبتهم وعظمت في احتجاز أسباب الرفه نهمتهم.

ــ برقية جديدة : دخلت سنة (...) وبالناس شدة من الغلاء وقلة الواصل, لأنهم يمنون أنفسهم بمجيء الغلال الجديدة وكان قد قرب أوانها.

ــ برقية أخرى : في أول شهر (...) سنة (...) وقع الغلاء (...) وعز القمح...

ــ رسالة قصيرة : كلما ازدادت معرفتي بأهل هذي البلاد

كلما طالت إقامتي فيها

ازداد اقتناعي بعظمة هذه الأمة

وهذه الرسالة جاءت بتوقيع ليــوطي : LYAUTEY  (22)

            ــ رسالة مستعجلة : إن جيلا من المغاربة أخذ بالظهور, وهو جيل يفيض حيوية ويحتاج إلى مجال يحقق فيه نشاطه وحيويته... أما الــمـنــافــع الـتـي تـقـدمـهــا إدارتــنــا فـقـلـيـلــة جــدا...لقـد آن الـوقـت لأن نـصـرح قـائـلـيـن : جـــاء الـخـطــر       إمضاء LYAUTEY

كما نلاحظ أن العنصر التاريخي هو الحاضر في هذه النصوص, فلماذا المقريزي وليوطي بالضبط؟ ولم هذا التوظيف التاريخي ؟

إن الإنسان بطبيعته كائن تراثي ـــ تــاريخي, ولغوي ـــ حضاري, وهو ينتمي للتراث شاء ذلك أم كره . والتراث لا يختزن أشياء صامتة بكماء, وإنما كينونة ووجودا حيا متجددا وهو خلاصة تجربة شعوب راسخة في قيود التخلف وأزماته. والربــاوي قد أدرج هذا التاريخ/الرمز في أطوار حياة جديدة ثم أنطقه بلسانه ولــسان عصره فاستلهم المقــريــــــــزي(23) باعتباره المؤرخ المقتدر الذي كان يسير على المنهج السوي في نقد التاريخ ولا يصدق كل ما يروي. عاش زمن حكم الدولة الفاطمية, حيث القلاقل السياسية والفتن... ونصوصه مرآة تعكس بصدق الأوضاع السياسية والاقتصادية المزرية التي عاشها المجتمع العربي آنذاك (مصر مثلا) وهي صورة/ نسخة مطابقة لما هو الحال عليه في المجتمعات العربية من حيث الفتن والتخلف... فحضور الوعي / الحس التاريخي عند الربــاوي دفعه لاستثمار نصوص المقريزي لتتكلم مستلهما عنها عوامل مساعدة للخروج من الراهن, وهي بمثابة إبر تـخز الأذهان.

أما رمز لــيـــوطــي (LYAUTEY), وقد حافظ الشاعر على رسم اسمه بحروف أبيسية دلالة على أنه أجنبي, غريب لا صلة له بهذا المجتمع. وهو كما نعلم أول مقيم فرنسي بفاس. وقد أخفق في التحكم بزمام الأمور فيها وتم عزله وتعويضه بمقيم ثان. وقد رمز إليه الشاعر بالاستعمار في ثوبيه الجديد والمهلهل وقد جعله ــ أيضاــ يتكلم في رسائله ليشهد على عظمة هذا الشعب الذي قاومه ببسالة وكسر شوكته. ولنترك المجال للشاعر يعبر عن ذلك بصدق :

                       يـــا قـلـبــي الـمـبـتــل بـأنــداء الـحـزن الـهـيـكـــل.

                   بالأمــس قـطـفـت رؤوس LYAUTEY  الأول

                   رأســـــا...

                   رأســـــا...

                   فــغــفـــوت قـلـــيـــــــلا

2 ــ قصيدة "مــغـربـنـــا وطـنــنـــــا": (24)

في هذه القصيدة وانطلاقا من عنوانها تعود بنا الذاكرة مباشرة إلى قصيدة "علال الفاسي"*

                   مغربنا وطننا روحي فداه         ومن يدس حقوقه يذق رداه

وللقصيدة قيمتها التاريخية فالشاعر يتقنَّع برمزها ليحاكم المجتمع والذات في نفس الوقت. وخاصة حين استحضاره لشخصيات الحرب, تلك التي صنعت التاريخ والاستقلال حسب قول الشاعر :

" إيــه أمــي...مـن يــذكـــر أبـنــاءك حـمــو, والـهـيـبـة, والـخـطــابـي؟ مـن يـذكــر أبـنـاءك عـسـو, والـحـجـامــي؟ مـن يـذكــر رحــو, والـنـكــادي؟ قـذفـتـهـم يــا أم مــوائــد إكــس لــيــبـــان بــعــيـــدا عــن ذاكـــــرة الأطـــيــــــــار...(25)

ثم يسترسل الشاعر في الحديث عن انتمائها وفضاءات جهادها بالريف الشامخ والأطلس والدار البيضاء... إلا أن الربــاوي ما يلبث أن يعري عن حقيقة ما آلت إليه أوضاع هذه القبائل المكافحة قوله :

 كـانـت بـعـض قبـائـــل هـذا الأطـلـس والــريــف تبـيـع الـقـوة والـبـطـش. هـي الـيـوم تـبـيـع الشهوة والحلم, تبيع جداولـــها الدار البيضاء لصهيل قـبــــائـــــــل.........(26)

3 ــ كـــأس مـن رمــاد (27)

            في هذه القصيدة يوظف الشاعر أقنعة سنجردها من النص :

حـيـن تــأجَّــجَ نـــورُك فـيـنــا,كــانَ الــفـــاروقُ, ونــحـنُ الأنــصـــارُ

حـيـــنَ تـحـجَّــرت الأطـيــارُ بــداخـلـِنـــا رفـضـتْنــا هـذي الأشـجــارُ,

فـخَلَــعْــنــا الـفـــاروقَ, ونــصَّبـنــا الـحـجَّاجَ ودُبِّــجَــت الأشــعـــــارُ…

ولعل هذه الرموز التاريخية واضحة تماما في دلالتها :

فالفاروق هو عمر بن الخطاب t , وهو رمز للعدل والإنصاف, والأنصار : هم الفئات التي ناصرت رسول الله r, في المدينة حين هِجرته من مكة وقد عرفوا بإيوائهم للمهاجرين, حتى أن بعضهم قد أوشك على تطليق إحدى زوجاته وتزويجها من أحد المهاجرين...

والحجاج رمز السلطة المطلقة والقهر. ثم يستعمل الشاعر رموزا تاريخية كثيرة, كانت لها مكانتها, كبوفركان / الفضاء, تعبيرا عن رجالاته في معركته الكبرى, وقبائل آيت عطا, آيت بوفلمان وآيت حمو.

قوله :

مـا عـادت آيـت عـطـا, آيـت بـوفـلـمـان, وآيـت حـمـو تصـنــع مـن جـمـر الأرز رمـاحـا للطـعـن, ولـكـن تـصـنـع أعـوادا للـرقـص إذا هـبَّـت أعـيـاد الـمـولــد وأعـيــاد الـنـيـروز, ومـا أكــثــر أعـيــاد بـلادي !  آه أمي !.

فالحقيقة واضحة ولا فائدة من التعليق على المقطع...

أما في نشيد الختام فيقول في ص 26

كــلامــنــا فـي نـحـونـــا لـفـظ مـفـيــد مــا جــرى

فــــاس يـهـد أهـلــهـــا, دمــاؤهـــم علــى الـثـــرى

(...) فــاس اسـتـردي الــهـمــز ثــم زلــــزلــي هــذي الــــذرا "

ــ فالملاحظة الأولى التي تثير اهتمامنا نَسْجُه للنص على غرار الناظم صاحب الأفية ــ ابن مالك ــ وإليك ما قدم به في باب : الكلام وما يتألف منه (28)

                   كــلامـنـا لـفـظ مفيد كـاستقـم,             واسـم وفـعـل ثـم حـرف الـكـلــــم

واحـده كـلـمــــة والـــقـــول عم             وكــلــمـــة بــــهــــا كــــلام قـد يــؤم

ولعل في هذا الاستعمال الحسن جملة من الأسباب أولها :

إن الربــاوي أراد من كلامه أن يقدم لفظا مفيدا,و هذا ما سيبرز لنا حقا لان "الكلام المصطلح عليه عند النحاة عبارة عن اللفظ المفيد فائدة  يحسن السكوت عليها" واللفظ جنس يشمل الكلام..." فأي فائدة هذه ؟

                            فـــاس أضــاعــت هـمـزهـــا ثـم اسـتـكـــانـــت لـلـــكــــــرى.

            فأصل التسمية للمدينة ــ تاريخياــ كانت فأس, لأن المولى إدريس الثاني سماها بذلك حين كان البحث عن الفأس الضائعة...إلا أن الذي حدث لفاس أنها أضاعت "الهمزة" وأصبحت فاس...لأنها استسلمت للنوم العميق, فما عادت تلك الفأس الحادة تقتلع الجذور والأشجار كناية عن الاستعمار, والشاعر إذ يفصح عن ذلك بتوظيف رمزين تاريخيين"كسرى وآل قيصرا" إشارة إلى الأسر الحاكمة التي تعاقبت على حكم الفرس والـــروم ـــ هذه الأجناس التي داهمت الأوطان العربية والإسلامية في حال عجزها وضعفها وخمولها والشاعر إذ يستنهض الهمم الوطنية لأن خيراتها تلهو بها تلك الدول...

فيخاطب فاس بقوله :

فـــاس اسـتــردي الـهــمـــز ثــم زلـــــزلــي هــذي الــــــذرا

والشاعر كما يبدو يستغل اطلاعه الواسع في مجال تخصصه النحوي ليحيلنا على ألفية ابن مالك للاستزادة...

إن استحضار الرموز التاريخية وشخصيات الحرب في ديوان « أول الغيث » يذكرنا بكتابات الشاعر الراحل الكبير "أمل دنقل" الذي أثرت فيه المآسي العظيمة, كمأساة فلسطين, وهزيمة حزيران 1967 م.

ولعل قصيدة "البكاء بين يدي زرقاء اليمامة" المرتبطة بالجرح القومي أكبر دليل على قولي. ولا ننسى "أقوال  جديدة عن حرب البسوس" وحتى لا أطيل في الجانب التــاريخي, فسأعود إلى النصوص/ الإضاءات الأخرى التي استعملها الشاعر, وهي قرآنية ولا بأس من استعراضها :

قصيدة إغاثة الأمة بكشف الغمة.

النص الأول : صوت عظيم :

]ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون. [

النص الثاني : صوت عظيم :

]ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين [

النص الثالث :  صوت عظيم :

            ]وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها, فحق عليها القول فدمرناها تدميرا[

النص الر ابع :  صوت عظيم :

]وهو الذي ينزل الغيث من بعدما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد[

إن ما يلفت نظر القارئ لهذه النصوص القرآنية, أن الشاعر قد وضع أعلاها العبارة الآتية : ــ صوت عظيم, وذلك للتنبيه على ان الامر ليس عاديا وهذه علامة مهمة تنمي عن ذكاء الشاعر في التعامل مع النصوص ــ فحينما أراد كلام المقريزي عنونه ببرقية فكانت الأولى منفردة والثانية أردفها بـــ « جديدة » والثانية بـــ « أخرى » وهذا فيه تنويع ويندرج في إطار استطيقية النص ــ ثم تعامل مع نصوص ليوطي برسالة...وهكذا. إلا أن ما يغلب على الآيات الكريمة / النصوص ما يلي : البلاء ويتضمن :  الخوف ــ الجوع ــ النقص في الثمرات ــ الأنفس ــ الأموال, العقاب الناتج عن الترف والفسق وهو التدير.

العقاب / الأخذ بالنقص في الثمرات....

إلا أن العقاب / الهلاك الرباني فهو للمذنبين العصاة الذين عاثوا في البلاد الفساد, فيكون العقاب من جنس العمل ــ أما البلاء, فيطال المؤمنين ليمحص الصابر من القانط, فيتم بعد ذلك الغيث/ الرحمة ــ وهذه الإضاءات والأصوات العظيمة كانت مصابيح تزيح ظلمات نصوص الشاعر الاستهلال ــ (1ــ2)ــ صوت القلب ـــ شجر الخوف ــ الأدغال ــ نشيد الصباح.

ب ـــ  الآن لننتقل إلى النصوص الغائبة التي تسللت إلى ثقافة الشاعر فوظفها بغير وعي منه أو ضمنها عن قصد فأصبحت بالتالي ملكا له وفي هذا الصدد سأستعرض قولة باختين "إن عملا أدبيا ما يمكن أن يكون حصيلة جهد جماعي ويمكن أن يكون حصيلة جهد متتابع لسلسلة من الأجيال "

وخلال التنقيب عن هذه النصوص المتعالقة مع غيرها سوف لن أجردها جميعها, ولكن سأركز على بعضها وبالتالي أهمها :

1ــ قصيدة "مغربنا وطننا" :

والعنوان وكما سبق الإشارة إلى ذلك أنه بداية لــنـص علال الفاسي.

(مغربنا وطننا روحي فداه...

وفي الصفحة (11) يقول الشاعر في مقطع :

... وهذا العــام مـا حـي الــحـيــا الـتــوبــــــاد "

       وهنا تناص مع مع أحمد شوقي في مطلع قصيدته : (29)

جـبــل الـتـوبـــاد حـيـاك الـحـيــا         وسـقــى الله صـبـانـــا ورعـــى

الصفحة 12 ـــ  "إذا هـبــت أعـيــاد الــمـولـــد وأعـيـــاد النـيـــروز, ومــا أكـثـر أعـيـــاد بـــلادي "

تحيلنا على قول المتنبي في مدحه لابن العميد وتهنئته بالنيروز :

جــاء نـيـروزنــا وأنـت مــراده           وورت بــالــذي أراد زنـــــاده

عــــربـــــي لـــــســــانــــــه فـلـسـفـي رأيـــه فـــــــــــــارســي أعــيـــــــاده

الصفحة 13 نلمس قــول ـالــشــاعــــر :

ــ هـي فــاطـمــة تـبـكــي عـن زمــن لا يـســلـــم فـيـــه الإنـســان إذا الـتــــزم الصـمــــت الشــاسـع أو قـال الـشـعـر الــــواســع. يـــا أنـت قـــل الـحـق إذا أنــت علـمـت الــحــق, ومـت عـنــد تـخـوم الـيــم الـغــــاضـــب "

تعالقا مع النصوص الآتية : قول المتنبي :

لا يـسـلـم الـشـرف الــرفـيـع مـن الأذى       حـتـى يــــــراق عـلـى جـوانـبـه الــدم

أما في الصفحة 15 فيقول :

"بــلـدي...يـــا بــلــــدي, روحــي فـــــداك

مــن يــدس أقــمــــارك الـيـوم يـنـــل كــــل رضــــاك

مــن يـقـدم دمــه يـلـــق جفــــــاك.

هــــا دمــي الـمـفـتـــول قــدامـــك, فـــاصنــع

بـدمــي فـجــرك, وامـنــح جـسـدي قـبــــرا تــغــذيــه ربـــــاك "

وهذه المقاطع تذكر سامعها/ قارئها بمحفوظه الشعري خاصة " في تلك المرحلة التاريخية الحاسمة من تاريخ الوطن حين قال علال الفاسي :

مغربنا وطننا روحي فداه                  ومــن يدس حقوقه يذق رداه

دمــي لــــه, روحـــي لـــــــه             ومـــا مـلــكـــت فـي كـــــل آن

والحرية جهادنا حتى نراها      والتضحية سبيلنا حتى لقاها

 

2ــ قصيدة الدار البيضاء :

يقول في الصفحة 18 :

يـــا دار قــد خــدعــوك إذ قـــالــــوا

بـأنـــك كــالــضــحــى الـفـتــان, أو كــالـنـجـمــة الـعــــــذراء

كــم غــرَّ الـثــنـــاءُ الــمــرُّ مــن صـفـصــافــة حـسـنــــــاء.

خــدعُـــوك يـــا وحـشـيـة الـعـيـنـيـــن إذ سـمَّـــوك بـالـبـيـضـــــاء "

وهذا يتعالق مع نص الشاعرأحمد شوقي

خـدعــوهـا بـقـولـهـم حـسـنـاءُ      والـغــوانــي يـغـرُّهـن الثــنـــــــاءُ

كما يتوضح مدى تأثر الشاعر البالغ في هذه القصيدة ككل بالمرحوم الشاعر أحمد المجاطي في قصيدته الرائعة الدار البيضاء (30).

3ــقصيدة كأس من رماد :

النص :

لـــيـتـنــي لـم أكـــن ذات يــوم لـعـطـفـك نـلـــت

وإلــى نـبـع ذاك الــمـقــــام وصــلـــــت

أنـــــا وحــــدي بـــهـــذا الـــوجــود الـمـلـــولـــب أحـبـبـت ثــــم

قــتـلـــــت

ولنقرأ هذين البيتين لابن الــفارض :

نــلــت عـطـفــي وحـنـانـــي    ثــم فــارقــت مـكـــانـــــــي

يـــا تـــرى هــل تـهــت عـنـي أم نـــهــــــاك الأبـــــــــــــــوان

وفي الصفحة 20 :

"هـــــل يـفـــرح غـصـــن مـقـطـــوع مــن شـجــــــرة ؟"

يشير إلى المثل العامي المغربي : ــ مقطوع من شجرة ــ

ــ الصفحة 21

حــيــنــما ألــقـيـــت رحــلـــي, عـنـدمــا لاحــت مـضــاربـــهــم,

كــلابــهـــم ارتــمـت غـضـبى عــلـــي وأضــرمـــت نـــــارا.

وفيه تناص مع بيت عمرو بن كلثوم في معلقته :

وقـد هـرَّت كـلاب الـحـي مـنــا          وشــذبـنـــا قـتـادة مـن يـلـيـنـا

ومن نفس الصفحة يقول الربــاوي :

"حــالـــك أشـبـهــت حــالـــي : كــلانـــا مـفـرد كـالـنـاقــة الـجـربــــاء

بـيــن مـجـاهــل الـصـحـــراء لا أهـــلا ولا دارا.

وهذا يذكرنا ببيت طرفة بن العبد : (شرح الشنتمري )

إلى أن تحامتني العشيرة كلها    وأفردت إفراد البعير المعبد

وفي الصفحة 22  يذكرنا المقطع الآتي :

أحـمــل فـوقــي جـسـدي, وأجــوب بــه طــرقـــات مـديـنـتـي / الـشـهـبـــــاء.

بمقطع محمود درويش الشاعر الفلسطيني :

يـــحــمــــل جـثـتــــه ويــقـــاتــــــــــل.

أما في الصفحة 21 قول الربــاوي :

فــيــا لـيـتـــي إلـى قــوم سـواهــم مـلـت أو لـي دونـــهـــم

أهــلــــون : أشـجـــار... وأطـيــــار.... وعـــرفـــــاء.

يوظف فيه معنى بيتي الشنفرى من لاميته (31)

أقيموا بني أمي صدور مطيكم         فـــــــإنــي إلـــى قـــــوم ســواكـــــم لأمـيــل

ولي دونكم أهلون سيد عملس      وأرقـــــط زهـلـــــول وعرفــــــاء جيئل

الصفحة 24 قول الرباوي :

تـــقـــدر أن تـــدرك هــذا الـبـحـــار بــأنــــــوارك,

هــل سـيـعـــود سـلـيــمـــا مــن رحـلـتـــه الـبـحــــار ؟ "

وهذا البحار عند الرباوي فيه إحالة على ملاح إليوت :

مــات فـيـلـبــاس الـفـنـيــقــي مـنـذ أسـبـوعـيـــن.

ونـســي صـيـاح طـيـور الـنـورس وارتـفـــاع مـيـــاه الـبــحـــر...

وفي نفســ الصفحةــ يقول الشاعر :

ثــمـــت اسـتـسـلـــم ســرا للـبـكــــاء/ والـــدعـــــــاء.

أما حسن الأمراني فيقول في قصيدته "القصعة" :

لـــم نـجـــد غـيـــر الـبــكـــــاء وبـكـيـنــــا...وبــكــيــنـــــا...

4ــ إغاثة الأمة بكشف الغمة "

نجد أثر امرئ القيس في المقطع الآتي :

اللـيــل حـط رحـلـــه فــي أرضـهـــم, فـانـتـشــــرا.

كــأنـــه لـــن يـنـجــلـــي, وصـبـحـهــم لـــــن يـسـفــرا.

أما امرؤ القيس فيقول في لاميته يصف الليل :

وليل كموج البحر أرخى سدوله          عــــلــــــي بـــــأنـــــــواع الـهــمـــــــوم لـيـبـتـلــــي

فــقـلـت لـــه لـمـــا تـمــطــى بصلــبه   وأردف أعــجــــازا ونــــاء بكـلـكــل

ألا أيــهــــا اللـيـل الـطـويــل ألا انـجلي           بصـبــح ومــا الإصــــــــبــــــاح منــــك بـــأمثــل

وفي الصفحة 30 نلاحظ سمات النص الغائب السالف الذكر لامرئ القيس في المقطع الآتي :

.... ومــا زال يـحـــط بـكـلـكـلـــه الـلـيــل عـلـى صـدر الـشـعــــــراء

ــ ويوظف الشاعر في هذه المقاطع نص الحجاج بن يوسف الثقفي في خطبته المشهورة :

بالأمـس قـطـفــت رؤوس LYAUTEY  الأول

رأســـا

رأســـا

أما الخطبة فتقول :" إني أرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها "

ويسترسل الرباوي في نفس الصفحة 32 ويظهر تأثره بشاعر قديم

آه يــــا قـلـبـــي الـمـبـتـــل بـذاتـــي...هـم قـتـلـــونــــــي,

وهـــم مـنـــي ! فـإذا الـيـــوم رمـيـت يــصيـــب عـيــونــي

سـهــمـــي الـغـضـبــان. فـمـن يـنـقـذنـــي

مــن عـتـمــة خـوفـي وعـضـاه ظـنـــونـــــي ؟

أما النص الغائب فكما يلي...

قومي هم قتلوا أميم أخي         فإذا رميت يصيبني سهمي

فلئن عفوت لأعفون جللا        ولئن رميت لأوهنن عظمي

5ــ قصيدة "مدد من مشكاة الغيب" :

وقد سبق أن عقدت مقارنة بين هذا النص ونص للسياب وسوف لن أكرر ما قيل وسأكتفي بسرد بعض النصوص الغائبة في ثنايا القصيدة :

أنــت كـريــم إذ تـعـطـــي,

وكـــريـــم إذ تـمــنـــع "

(...)

هــو ابـتــلاء حـيـــن تـعـطــي

وابـتـلاء حـيــن تـمـنـــع

فنشم تعالقا بينها وبين أبي تمام :

قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت          ويبتلي الله بعض القوم بالنعم

في مطلع النص : ص 35 يقول الربــاوي :

" أطــــاعـــنُ خيــلاً مــن فَـوارسـهـــا ذاتــــــــي...

وهذا تضمين للشطر الأول من قصيدة المتنـبـــي وهو يمدح علي بن أحمد بن عامر "

أطاعن خيلا من فوارسها الدهر          وحيدا وما قولي كذا ومعي الصبر

أما في هذه المقاطع :

أما في هذا المكان من الصفحة 39 فيظهر تأثير امرئ القيس في نص الشاعر :

كـــان الـصـيـــف  طــويـــــلا

كــــان كـمـــا الآه طــويــــــلا

حــط بكـلكــلـــه الـمـــر عـلــــى

صــدري الـمـنـخـــور ربـيـعــا وشـتــــاء.

كـــالحـزن عـلــى أرض جــرداء

وهنا نتذكر أرجوزة امرئ القيس :

تـــطـــــــاول الـلـيـــل عـلـيــنـــا دمــــون

دمــــون إنـــــا مـعـشـــــر يـمــــانــــــــون

إنــــنـــــا لأهــلـــنـــــــــا مـــحــــبــــــــون .

ثم نسترجع الأبيات الثلاثة السالفة ذكرها (في وصف الليل ) وكما يبدو نص غائب آخر في المقاطع للنابغة الذبياني قوله في الليل :

تطاول حتى قلت ليس بمنقض وليس الذي يرعى النجوم بآيب

ونجد كذلك أبا فراس الحمداني حاضرا في أحد مقاطع الشاعر من الصفحة 40.

هـــا أنـــذا الـســاعـــة بـيـن الأهـــل

عــصــي اللـفــــظ

أخـــوفـــــا أم فـــــرحــــــا ؟

والنص الغائب :

أراك عصي الدمع شيمتك الصبر      أما للـهــوى نـهـي علـيــك ولا أمــــر

تلكم إذاً جولة قمنا بها في عوالم الــربـــاوي الشعرية, فكان المتن متنوعا, من القديم إلى الحديث, جاهليا كان أم عباسيا مصريا أم مغربيا...والذي يتأكد لنا أن للشاعر اطلاعا واسعا على المتن الشعري العربي بقديمه وحديثه على حد سواء. إلا ان للقديم حضورا مكثفا... ومرة أخرى سنحاول جرد النصوص الغائبة الأخرى من قرآن وحديث... وهي كثيرة, وفي هذا الصدد سأقتصر على تجريد بعضها فقط. في قصيدة "منطق الورد " ترد إشارة إلى قصة نوح عليه u وابنه : يقول الشاعر :

كـيــف الـخـروج مــن الـشــط, والـمـــاء غــطـــى جـبــــالـــــــــي.

أما في القرآن الكريم فتقول الآية الكريمة 43 من سورة هود :

]سـآوي إلـى جـبـل يعصـمـنـي من الماء[

وفي الصفحة 11 يقول الشاعر :

وعــنــــد تـضـــاريــــس الـــــريـــــح الــصـــرصـــــــــر

ونجد العبارة في الآية الكريمة من سورة الحاقة ، الآية 5.

]وأما عاد فأهـلـكــــوا بريــح صـرصــــر عــــاتـــيــــــة.... [

أما في الصفحة 23 فيقول :

أنـــت قــريـــب يـــــاربّ, ولـــكــــن عــنـــــا أبـــعــــدك....

وتتعالق مع الآية الكريمة من سورة البقرة، الآية 185

]وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع... [

ومن نفس الصفحة يوظف الشاعر أسماء الله الحسنى في قوله :

لـــك فيـنــا الـحــكـــم الشــاسع فـــاحكـــم أنــت الــواحـد أنـت الـقـهــــار.

أما إذا تأملنا المقطع الشعري التالي :

ابتـســمـي حـتـى أهـزنـــي فـتـسـاقــط أحـجـاري.

والآخر في ص 33.

نــخـلـتــــه كـــالآه لــكـــم هـــزَّت

فـتـســاقـــط مــن ثـديــيـــهـــا الـحـجـــر

سـنـظــــل نــهــــز بـــأيــــد طـهـــــرت

جـذع الـنـخــلــة حـتـى يـسـاقــط مـنـهــا الـثـمــر

سـنـظـــل نـــهـــز الـجـذع ــ نــهـــزــ فـهـــزوا مــعــنـــا

فإننا سنرحل بأذهاننا مباشرة إلى سورة مريم الآية 24 قوله تعالى :

]وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا [

وفي نفس المقطع نجد نصا آخر غائبا قوله تعالى من سورة هود الآية 41.

]بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم [

أما الشاعر فقد قال :      باسم الله نهد جدار الخوف الرابض فينا فنعيد المجد لهذي الأمة.

وإذا عدنا للصفحة 31 بالتدقيق للإضاءة التالية :

شجر الخوف :

ــ عجبت لهذي الأمة يا قلب, عجبت سنابلها الخضراء / تطوقها سنبلة عجفاءــ عجبت لها, ما احمرت وجنتها سبع سنين (...)

نلمس أن الشاعر يوظف النص الغائب من سورة يوسف من الآية 43.

قوله تعالى ] وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان ياكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات [  

وفي المقطع التالي من ص 34  يقول الرباوي :

كــلامــنـــا فـــي شـعـــرنــــا فـعـــل يـشـــق الــحـجـــرا

فــتــبـجـــسُ الــعيـــونُ مـنــه ثــم تـجــري كــــوثــــــــــرا

فهو يستحضر الآية الكريمة 160 من سورة الأعراف قوله تعالى ]....وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه, أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا.... [  

وهناك آيات كثيرة, في المتن الشعري وسأكتفي بهذا المقطع يقول الشاعر.

لماذا يا مولاي خلقت هلوعا

إن مس جنابي المحل جزوعا

او مس جناني المحل جزوعا  

وبطبيعة الحال يستحضر النص الغائب من الآيات الكريمات قوله تعالى في سورة المعارج الآيات 19ــ20ــ21] إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا[ وتتسلل الأحاديث النبوية على نصوص الشاعر أو يوظفها بطريقة ذكية جدا, المثال الأول :

أنــــا عبــدك الـمـلــحـــاح فــي عـفـوك الـمـنــشــــور

ويذكرنا حديث رسول الله r"إن الله يحب العبد الملحاح "

ولا يفوته كذلك استعمال الأدعية ولنتأمل هذه المقاطع :

اللهم اغفر لي رمزات الألحاظ

اللهم اغفر لي سقطات الألفاظ

اللهم اغفر لي ما أنت به أعلم مني"

ثالثا  :  ما هو المعجم الذي ينحت منه الربــاوي ألفاظه ؟

إذا كانت النصوص الغائبة التي جردناها من النصوص الشعرية قد أحالتنا على المراجع التي غذتها, فإنها ستُمتطى للوصول بنا إلى المعجم الذي يغرف منه الشاعر ألفاظه. والمعجم :" قائمة من الكلمات المنعزلة التي تتردد بنسب مختلفة أثناء نص معين, وكلما ترددت بعض الكلمات بنفسها أو بمرادفها أو بتركيب يؤدي معناها, كونت حقلا  أو حقولا دلالية" على حد تعبير محمد مفتاح في "تحليل الخطاب الشعري" وحتى لا تسقط في النظري فلنحاول تقسيم المعجم أولا وعرض ألفاظه عند الشاعر الربــاوي :

1ــالمعجم القديم/ الكلاسيكي, تتكرر الكلمات الآتية :

البيداءــ الظباءــ الصحراءــ النخل  ــ المضارب ــ الناقة ــ العضاه ــ الليل ــ الكلكل ــ تسوخ (السوخ)ــ عراجين... إضافة إلى رموز تاريخية كالحجاج ـــ الفاروق...وهذه الألفاظ السابقة تحيلنا على حقل طبيعي صحراوي طالما غرف منه الشاعر بحكم ارتباطه الوثيق به, دون أن نغفل جانبا مهما في استعمال هذا المعجم لاعتباره رمزا والقصيدة المعاصرة تزخر بالرموز فتضفي عليها جمالية خاصة وهذا ما ذهب إليه أحمد المجاطي وصار عليه غيره من الشعراء كحسن الأمراني وعبد الله راجع من الشعراء المغاربة.

كما يستثمر الرباوي الرموز التاريخية في قصيدته ولكن بطريقة واعية متجددة ليست خرساء/ صامتة وفي الوقت نفسه لا يستعيد مثل هذه الشخصيات, ولكن يحاول استحضارها لتشهد على الراهن العربي وهذا يدل على حس الشاعر التاريخي (فمنها : الفاروق ــ الحنصال ــ حموــ الهيبة ــ الخطابي ــ عسوــ الحجامي ــ رحوــ النكادي )...

2ــالمعجم الصوفي :

للإشارة فقط فإن الشعر المغربي عموما يوظف هذه الألفاظ منذ القديم لتشبع الشعراء بروح الدين وميلهم إلى لافطرة السليمة إلا أن « أول الغيث» جاء حافلا بالمعجم الصوفي : ( الصلاة ــ الحمد ــ الرحمةــ الابتلاءــ الطمع ــ المنع ــ الخوف ــ الذنب ــ  المغفرة ــ العلم ــ الكرم ــ الأنوار ــ المحبة ــ السنابل ــ الخمرــ الضوءــ الكأس ــ العشق ــ الإسلام ــالظل ـــ الجلالة... ) إضافة إلى الأدعية والآيات القرآنية.... وهذا لا ينفصل في مجمله عن طبيعة هذه التجربة الشعرية الرائدة.

3ــ المعجم الجديد / الحديث :

القصيدة العربية الحديثة مالت كثيرا إلى الذهني والغموض فوظفت عدة معاجم (السلاح ــ الجنس ــ الموسيقى …) إضافة إلى تأثرها بالشعر الغربي في توظيف الأساطير والموروث الشعبي السردي …والربــاوي بدوره نحت من هذه الينابيع ولنمثل ببعض الالفاظ (الفأس ــ السيف ــ الطعن ــ القتل ــ الترس ــ الضرب ــ الموت ــ الاحتراق ـــ الذبح ـــ المرارة ـــ الحزن ـــ الخوف ــ الذنب ـــ البكاء ـــ الجراح ــ الفقراء ـــ الريح ـــ الفلك ــ اللهيب ــ الجمرــ الوردة ــ اللؤلؤة ـالطبيةــ الغزالة ــ النواح ــ الشجى ــ النار –الأسرــ الليل … ) هذا إلى جانب استحضار المدينة بكل دلالاتها (فاس ــ الدار البيضاء –خنيفرة ــ وزان ــ وجدة (الشهباء…) وهنا يتبين مدى اطلاع الشاعر الواسع على شعر الرواد أمثال بدر شاكر السياب, صلاح عبد الصبور, وعبد الوهاب البياتي …وهذا لا يعني أن الشاعر لا ينفرد بمعجم خاص أو مشترك مع شعراء المنطقة الشرقية (الأمراني, بنعمارة, بوعلي )

4ــالمعجم الخاص :

من أهم ألفاظه نذكر على سبيل التمثيل انطلاقا من بعض دواوينه (الرمانة الحجريةــ أطباق جهنم – الولد المر … « أول الغيث»  : الذات ــ الجسدــ الآه ــ المر/ المرارة ــ العرجون ــ العصافيرــ الأشجارــ الكلكل ــ الولد/ الطفل ــ الرمضاءــ النخل ــ البلدــ العضاة ــ الليل ــ أدغال ــ الأحجارــ الاحتراق ــ اللظى ــ التسكع ــ الأمل ــ البيداءــ الجمرــ الذنب ــ المنخورــ الريح ــ الصباح …

وما نلاحظه على هذا المعجم حضور الطبيعي وخاصة الصحراوي الذي يعكس شفافة نفسية الشاعر وإرهافها ونزعها إلى الرومانسي حين تحجر الواقع وتكلسه..

5ــالادب العالمي (الغربي ) :

لا ينبغي إهمال هذا الرافد, فحضوره في شعر الربــاوي يبين اطلاعه عليه وتسربه إلى ثقافته عبر قناة أو أخرى (وهذا حصيلة جهد جماعي ) إذ أنك تلتقي بإليوت ولنمثل بقوله :

                                   مات فيلباس الفينيقي منذ أسبوعين

ونسي صياح طيور النورس, وارتفاع مياه البحر (…)

أما الربــاوي  فيقول :

سبحانك ربي..

تقدر أن تدرك هذا البحار بأنوارك

هل سيعود سليما من رحلته البحار ؟

كما أنك تلاحظ تأثره بفرانز كافكا وتحولاته, خاصة في ديوانه الرمانة الحجرية : (32)

يقول : حين صحوت الصبح اليوم تحسست سريري

كان خفيفا لا يحمل شيئا/ فتشت طويلا عني

(ويلي !) أصبحت على حائط بيتي حشره !

والمسخ الكفكاوي يتجلى بوضوح في الرسالة التي وجهها لأبيه حين كان الصراع على أشده بينهما حين منعه من الزواج من فيلبس باور وعليه فإن الربــاوي لا يكتب وحده بل تكتب معه أقلام, كامرئ القيس والنابغة الذبياني, والمتنبي, وأبي تمام, وأحمد شوقي, وأمل دنقل والمجاطي وبدر شاكر السياب, وكافكا وغيرهم كثير, وصدق نزار حين أدلى بهذه الشهادة في حق كتابته قصيدته  : ( النزارية ) "أشعر بأن عشرة آلاف شاعر يكتبونها معي من طرفة والحطيئة إلى أبي تمام والمتنبي وشوقي " (33).

وخلاصة القول أن ديوان "أول الغيث" تجربة متميزة في حقلنا الشعري المغربي والعربي ككل, لأنها نصوص تتحدى الفراغ, وتنتصر على سلطة البياض، والقارئ لها ينخدع بسهولتها فيستمر في قراءتها وما يلبث في سبحه إلى أن يكتنفه الماء ـــ لأنها ذهنية. فإن كان ماهرا في فن العوم أنهى عبوره ووصل إلى شاطئ النجاة, وإن لم يكن, فما عليه إلا أن يستنجد بقوارب الوقاية والغوص بما فيها المفاتيح التي يوظفها الشاعر. كما أنه يستثمر ثقافته العروضية في وضع بناء استطيقي في قصائده على المستويات اللغوية والصوتية والبياضية. وهذا سعي حثيث منه لتطوير القصيدة المغربية بما يلائم خصوصياتها العربية.

 

 

 الهوامش

(*) أديب وباحث مغربي .

(1) ديوان أول الغيث ص 9 .

(2) ناقد وشاعر بحريني مجلة الوحدة ، السنة 7- العدد 82-83 ص 82

(3)ديوان الرمانة الحجرية ص 23 – المطبعة المركزية –وجدة –منشورات المشكاة سنة 1988 .

(4)مجلة شعر العدد 29 يناير 1983، ص 184 –مقدمة الرمانة الحجرية ص 5 ./(5)نفسه ص 6 .

 (6)مجلة الوحدة ، السنة 7- العدد 82-83 ص 82 .

 (7) أول الغيث ص15 .

(8) ليس البيت في النسق للميمني ولا بديوان ابن رشيق للياغي .

(9) أول الغيث ص 35 .(10) نفسه ص40 .(11) نفسه ص 41 . 

(12) سفر أيوب  ص 248 من الديوان .

(13) أول الغيث ص 36 .(14) نفسه ص 39 .(15) نفسه ص 41 .

(16) المدينة في الشعر المعاصر سلسلة عالم المعرفة العدد 196 السنة 1995 ص 347 .(17) الرمانة الحجرية ص 55 .

(18) أول الغيث ص 22.

(19) المدينة في الشعر المعاصر سلسلة عالم المعرفة العدد 196 السنة 1995 ص 352.(20) نفسه ص 14.

(21) أول الغيث ص 26-34 .(22) نفسه ص 30.

(23) ولد بالقاهرة سنة 766هـ وتوفي بها سنة 845هـ، له كتب كثيرة تبلغ نحو ثلاثين كتابا تدل على ثقافة واسعة ودقة في البحث وصبر عليه .

(24). أول الغيث ص 10-15. (25) نفسه  ص 10. (26).نفسه ص 12. (27).نفسه ص 19-25 (28).ألفية ابن مالك- شرح ابن عقيل الجزء الأول ص 13 .

 (29).مسرحية مجنون ليلى ص 119 .

 (30). ديوان الفروسية ،أحمد المجاطي ص 81 .

 (31). شرح العسكري ص16و17 .

 (32). كافكا رسالة إلى الأب نقلا عن روجيه جارودي –واقعية بلا ضفاف - المنهل ع500 .

 (33). مجلة الوحدة ، السنة 5- العدد  49  أكتوبر 1988  ص 116 .

* ديوان أول الغيث صدرت طبعته الأولى في يناير سنة 1995 م.

** الشاعر محمد علي الربــاوي شاعر مغربي من مواليد 1949 بقصر أسرير ،جنوب المغرب، أستاذ جامعي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة محمد الأول بوجدة، وللدكتور الربــاوي  أزيد من عشرة دواوين شعرية...وهو عضو اتحاد كتاب المغرب.

* شاعر ومفكر وزعيم وطني مغربي توفي سنة 1974 .