|
نمط جديد في الكتابة |
|
رئيس التحرير |
|
في ندوة "تقريب المفاهيم" التي عقدتها رابطة الأدب الإسلامي العالمية في القاهرة، في الصيف المنصرم، أثار الأستاذ الشاعر الكبير عبد المنعم عواد يوسف زوبعة أدبية، عندما آثر أن يجعل موضوع بحثه كتاب "عشر نجمات لمساء وحيد" للشاعر علي منصور. كان مرد هذه الزوبعة أن الكتاب المدروس يدخل فيما سمي "قصيدة النثر"، وكان عدد من الحاضرين ليس خصما فحسب لهذا النوع من الكتابة، بل لا يكاد يحتمل أن تكون محل درس وفحص ونقاش، هذا بالرغم من أن الأستاذ عبد المنعم عواد سيَّج بحثه بمجموعة من التساؤلات عن شرعية هذه التسمية، قصيدة النثر، وعن النمط الأدبي الذي يمكن أن يندرج تحته هذا النوع من الكتابة . لم يكن الباحث إذن متحمسا ولا متبنيا ولا مدافعا عن التسمية، ولكنه كان متحمسا ومدافعا عن المسمى، عن هذه النصوص الجميلة التي لا يُشك في جمالها وجماليتها. ثم إن الباحث وقف عند إسلامية النص، متحدثا عن التعامل الذكي للشاعر مع النصوص الإسلامية للوصول إلى رؤية إسلامية في النص : القرآن الكريم، والحديث الشريف، بخاصة. وكان يقرأ بين الحين والحين نماذج من "الديوان" أو "الكتاب الشعري"، وحتى قبل أن ينهي الباحث عرضه، كانت بعض الأصوات المعترضة تلقي بتعليقاتها شبه مجهورة، مستنكرة الاستعمال السيء للنص المقدس . وعندما فتح باب النقاش، تناسى عدد من الحاضرين النص المدروس، الذي استمعوا إلى نماذج منه، وتعلقوا بالتسمية، مذكرين بأن هذا النمط من الكتابة سبق إليه عدد من الأدباء الأفذاذ، ولكن دون يجرؤ أحد منهم على أن يسمي ما يكتب شعرا، رغم أن النصوص الأدبية التي كتبوها هي قطع أكثر شاعرية من عدد وافر مما تلقي به المطابع إلى الناس تحت مسمى "قصيدة النثر". وقد مثلوا لذلك بما كتب الرافعي مثلا في (أوراق الورد) و(السحاب الأحمر )، وكثرت السهام الموجهة إلى الأستاذ عبد المنعم عواد يوسف، وهو بروحه الشاعرة يتلقى ذلك في هدوء وابتسامة، مذكرا أنه إنما أراد أن يطرح شرعية التسمية لنص أدبي جميل. لم أعقب، ولم أناقش، كنت أصغي للنقاش ، كما أصغيت بعناية إلى البحث، وإلى النصوص المستشهد بها. كنت أحس أننا أمام نمط جديد في الكتابة. وبعدما رفعت الجلسة شعرت برغبة ملحة في قراءة النصوص قراءة متأنية، وسألت الأستاذ عبد المنعم عواد عن المكتبة التي يمكن أن أحصل منها على (عشر نجمات …) فإذا به، بخلقه الدمث المعهود، وروحه الشاعرة دائما، يتناول القلم ويخط كلمات إهداء على نسخته التي بين يديه ويقدمها إلي، فأنا الآن ممتن وشاكر . وخلوت إلى المجموعة. كنت أستحضر بعض رواد ما يسمى قصيدة النثر : محمد الماغوط وأنسي الحاج وشقرا أبي شقرا ، وسواهم ..لست الآن بسبيل بسط رأيي في شرعية التسمية، فقد فعلت أكثر من مرة، وفي أكثر من موضع، وكلما سئلت عن ذلك، ولكني لم أشك في أننا – مع كبار مبدعي هذا النمط – نقف في إعجاب أمام نصوص أدبية جميلة، وأننا في الوقت ذاته نعجب من كثرة الطفيليين على الكتابة الشعرية، تحت لافتة "قصيدة النثر "، ولو جاز لي إصدار حكم لقلت : إن تسعة أعشار ما يقدم للقارئ العربي من هذا النمط الكتابي ليس أدبا أصلا، فضلا عن أن يكون أدبا جميلا، أو شعرا راقيا. وقرأت الديوان من جديد على مهل، وشعرت منذ الصفحات الأولى أنني أمام نمط جديد من الكتابة، وكان اقتناعي بذلك يزداد كلما أوغلت مع الشاعر في رحلته الجميلة . هذه الجدة التي أتحدث عنها تتمثل في ثلاثة أمور : الأمر الأول هو تحقق أدبية النص الشعري، بلغته المشرقة الفواحة المجنحة. والأمر الثاني هو تحقق الرسالية، بأداة فنية، بعيدة عن الصيغ المباشرة والتعابير التقريرية، مما يجعل الرسالة مضمونة النتائج في الوصول إلى المتلقي. وأما الأمر الثالث فهو التعامل الإيجابي والذكي مع المرجعية الإسلامية، مما يجعل هذه النصوص منارات في الطريق التي بشر بها الأستاذ محمد قطب : كيف نميز في النص الأدبي الإسلامي، بين بسط الحقائق الدينية والعقدية بسطا هو أقرب إلى الخطاب الفكري أو الفلسفي، وبين التغلغل الشفاف بروح الدين وجوهره إلى النفوس، دونما جلبة ولا ضوضاء . ولولا أن الافتتاحية لا تحتمل التفصيل لأطلت الوقوف مع الديوان باسطا قضاياه الفنية ورؤيته الفكرية، ولكنني ألم إلمامة عجلى ببعض ذلك. يصدر الشاعر علي منصور عمله هذا بما يلي : "أثقل ما يوضع في الميزان حسن الخلق " حديث شريف "من يفعل الفاحشة فإن المرفأ يفلت منه " امنموبي وهذا التصدير له دلالة واضحة في عمل أدبي، فكأن الشاعر يرمي إلى تصحيح المعادلة القائمة بين الأدب والخلق. فكثير من الناس يريد الفصل بين الأمرين، بل إن منهم من يرى أنهما في خصومة دائمة، لأنهما على طرفي نقيض، حتى إن ناقدا غربيا ذهب إلى أن كل ما هو خلقي هو مناقض للأدب بالطبع. ومعلوم أن كلمة "أدب " في تراثنا ظلت مشتملة على العنصرين معا= الفني والخلقي. وكأن الشاعر يرفع التحدي، مبينا ان الأدب الرفيع قادر على أن يتحقق في غير صدام مع حسن الخلق، بل في توافق تام بين العنصرين، وكأن الخلق الحسن مما يزيد الشعر حسنا ، وإن كان –وحده – لا يحقق الشعر الجيد. ويتضمن الديوان ست قصائد، أربع منها سبق نشرها في جريدة (أخبار الأدب )، وأقف وقفة قصيرة مع القصيدة الأولى التي جعلها الشاعر عنوانا لمجموعته : "عشر نجمات لمساء بعيد "، وقد جاءت في عشرة مقاطع، فكأن كل مقطع يمثل نجمة من النجمات العشر، مع لفت الانتباه إلى جمع الشاعر لنجمة على نجمات، بدلا من نجوم. يخاطب الشاعر قارئه بأسلوب جميل قادر على أن يمس أحاسيسه، إلا أنه يعتمد على ذكاء الشاعر وثقافته للوقوف على معنى المعنى، أو المعاني الثواني، بتعبير عبد القاهر. فهو في النجمة الثانية يقول : "للآن .. لم يأخذك الله بذنبك أيها الغافل الكبير " ص 11 والقارئ قد يقتنع بالمعنى القريب، دون استحضار النصوص التي يتوكأ عليها الشاعر في صياغة معناه، فلا يعنيه شيء أكثر من أن الله تعالى حليم عليم. بيد أن القارئ الذي يغريه حب المغامرة، يقف عند التعبير مثلما يقف عند الدلالة، فأخذ الله العبد بالذنب تعبير قرآني يتكرر في آيات من القرآن الكريم ، مثل قوله تعالى في سورة الرعد " فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان عقاب" وفي سورة الحج " فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير " وفي سورة العنكبوت "فكلا أخذنا بذنبه " وفي آل عمران "فأخذهم الله بذنوبهم "، وكان بوسع الشاعر مثلا أن يستعمل فعلا آخر مثل "لم يعاقبك الله بذنبك " لولا أنه آثر التعبير القرآني. وأما المعنى الذي أراد الشاعر إبلاغه فهو "الإمهال" و"الإملاء"، بالمصطلح القرآني، وهو حبل يمد للمجرمين، وهم في غفلة، ولكن استعمال الشاعر للفظ (الغافل الكبير)، الذي قد يراد به الشاعر نفسه، وقد يراد به مطلقا الإنسان، إنما هو استعمال يفتح باب الرجاء، لأن الغافل إذا ذكر تذكر، وتنبه من غفلته ونجا، وذلك من رحمة الله تعالى على عباده. وفي النجمة الثالثة ، يستثمر الشاعر بذكاء صفات (عباد الرحمن ) كما جاءت في (سورة الفرقان)، دونما جلبة، وهو يفتتحها بقوله : " ممكن جدا أن نمشي على الأرض هونا أن نستغرق قليلا في رعاية النباتات الشريدة بين البنايات … ويمكن .. ألا نغضب من جاهلين " 12-13 . والمقطع كله يستلهم هذه الروح، ونحن نستحضر بعضا من تلك الصفات في قوله تعالى :" الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما". فقد استثمر الشاعر أول الآية في بناء أول نجمته الثالثة، وآخر الآية في بناء آخر النجمة . وحين نقرأ، من النجمة الرابعة هذا المقطع: " هكذا نفسح للسكينه وأبناء السبيل ونعرف أن المسألة كلها حقيقة ليست سوى لعب ولهو وأن .. الباقيات الصالحات خير عند ربنا أملا وخير مردا" يستمر التعبير الفني الجميل، حين نفسح للسكينة وأبناء السبيل، وكأن العناية بأبناء السبيل وجه من أوجه الطريق إلى السكينة، ثم تطل علينا، من وراء التعابير، أحاديث نبوية شريفة، وآيات قرآنية كريمة، يستعمل كلها في سياق إيجابي فعال، منها قوله تعالى في سورة الأنعام:(وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو)، والجمع بين قوله تعالى في سورة مريم: (والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا) وقوله تعالى في سورة الكهف:(والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا). وفي النجمة الثامنة يصور الصراع بين النور والظلمة، أو بين الخطيئة والتوبة، تصويرا جميلا موفقا، مشخصا آية من كتاب الله تعالى تشخيصا، فيقول : "هزمت شيطانا منذ قليل كان ضاريا. وكنت على وشك الانزلاق أمام ضراعة غامرة في عينين ساحرتين كنت على وشك الانزلاق فاحتميت بآية .. (..ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ) وانتصرت، من قليل انتصرت، من يرني الآن سوف يشهق : هذا الجميل.. كأنما لم يذق – مرة – طعم الكمد". ويأتي الحديث الشريف، المتعلق بما يؤول إليه المؤمن في الجنة من نعيم ينسى معه كل ما مر به في الحياة من كمد، ومن ذلك الكمد صبره عن الشهوات، ومحاربة الهوى، وتعلقه بما عند الله، إذ حفت الجنة بالمكاره. وعند هذا الحد، تذكرت عجلة أولئك الذين حكموا على الشاعر، وهم يستمعون إلى بعض مقاطع يلقيها الأستاذ عبد المنعم عواد، بأنه يستثمر النصوص المقدسة بطريقة مغرضة، وترحمت على واصل بن عطاء الذي قال : إياه والرأي الفطير.
|