Nouvelle page 1

 الشاعر حسن الأمراني وصدى النموذج الصوفي

 عمر بوقرورة (*).

 

يشكل شعر حسن الأمراني المغربي نموذجا للتجربة الصوفية في الشعر الإسلامي المعاصر كما شكلها شعر مصطفى محمد الغوماري الجزائري .. هذا الشاعر الذي سنعود إليه في دراسات آتية إن شاء الله –فالتصوف وارد عندهما لكن الأهم في اختلاف التجربتين وخصوصية كل منهما ، فإذا كان الغوماري قد لامس التصوف من خلال التجلي والمشاهدة والحب والسكر فإننا لا نجد ذلك عند الأمراني الذي لا يرد عنده التصوف إلا مقرونا بالنموذج التراثي أو أي نموذج يمثل الإشراق .

فالأمراني لا يعانق التصوف إلا من خلال قناع كبير عناصره :السهروردي (ت587هـ) وسري السقطي(ت251هـ) وذو النون المصري(254هـ)والحارث بن أسد المحاسبي (ت243هـ) والجنيد(ت297هـ) وعبد الله الأنصاري الــهــروي (481هـ) وســديــف الـعـلـوي(ت736هـ) وجـلال الـديــن الـرومي(ت672هـ) وغيلان الــدمـشـقــي (ت105هـ)وابـن عربي (ت638هـ).

إن هذه الأقنعة وغيرها تتحول إلى سرد إعلامي طويل يؤكد عليه حسن الأمراني في قصائد عديدة منها : ثورة ابن عربي وغيلان الدمشقي ، وأولى مذكرات سديف العلوي (1) والأمراني لا يكتفي بالنموذج العربي الإسلامي بل يلجأ إلى غوته (1749م-1832م) الشاعر الألماني المولع بحب الشرق الإسلامي ، وقد بلغ من ولوعه بتجربة هذا الشاعر الإشراقية أن أهداه ديوانه "مملكة الرماد" وجاء في الإهداء:" إلى أكبر شاعر في الغرب تغنى بأنوار المشرق "(2) ولم يكتف بهذا بل لجأ إلى الأبيات من شعر غوته ليسجلها في مقدمة ديوانه (3) :

إن الشمال والغرب والجنوب تطير شعاعا

والعروش تتصدع . والممالك تضطرب

فانج بنفسك وأقبل على الشرق الطهور

 وحتى لا يترك الشاعر الأمراني -وهو الشاعر الإسلامي- نفسه عرضة للمتقولين بتأثره "بغوته" فإنه لجأ إلى كتابة الآية القرآنية الآتية قوله تعالى :{ قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء }(4) ليدلل بها على أن إشراقات الصوفية لا تتعلق بالمشارقة ، أو المسلمين وحدهم ،بل هي إحساس روحي عام يلتقي فيه المتصوفون الذين تجمعهم هياكل النور المتلألئة.

وتبعا لهذا النموذج فإننا سندخل إلى صوفية "الأمراني" من خلال ديوان واحد هو "مملكة الرماد " باعتباره النموذج في هذا المجال ، ومع نظرية شاعت عند المتصوفين الأوائل كما شاعت لدى الأمراني فيما نقرأ وهي "نظرية النور المحمدي" التي صاغها الشاعر حسن الأمراني لتصير عنده نظرية النور الإلهي ، فما هي هذه النظرية ؟

إن النظرية تقول بأن الدنيا قد خلقت من أجل محمد e، وأن محمدا e هو العلة الحقيقية لوجود العالم ، أو هو القطب الذي تدور حوله الكائنات ، وأن وجوده سابق على وجود آدم –عليه السلام-  ومستمر إلى ما بعد انتهاء الدنيا ، وأن جسده لا يبلى بعد الموت "(5) . أما أصل هذه النظرية فقد يعود إلى ممارسات التقدير والحب والاحترام التي أولاها المسلمون لشخصية محمد e حيث غنوا بشمائله وفضائله ، غير أن النظرية قد أخذت في الذيوع والانتشار حين اتسعت موجة التشيع في العراق وإيران ، وحين قامت الدولة الفاطمية في مصر وسنت الاحتفال بمولده ومولد آل البيت ، فقد كان هذا الاحتفال يـحـف بحماسة بالغة ، وكانت تتلى فيه وتنشد مدائح نبوية كثيرة ، وأخذت تلتحم بتلك المدائح نظرية الإسماعيليين في الإمامة ، ونسبة الإمام وارث الرسول إلى عالم القدس وما يتصل بذلك من أزلية النور المحمدي الذي تجسد في آدم ومن تلاه من الأنبياء …" (6)

والنظرية لا تتعلق بالشيعة وحدهم ، بل هي أصل في إبداعات كثير من المتصوفة العرب الأوائل الذين أسسوا لعلاقتهم بمحمد e بفيض صوفي ألحوا عليه فيه مآثرهم ، ويـُـعَد الحلاج  أول من تكلم عن فكرة النور المحمدي "وهي الفكرة التي عـبـر عنها فيما بعد بالكلمة تارة وبالإنسان الكمي تارة أخرى ، فهو يرى أن أول ما خلق الله سبحانه نور الأنوار ، وهو نور محمد e ، ومن هذا النور خلق الموجودات جميعا ، وهذا النور أزلي قديم سبق الموجودات ،فمحمد e من حيث هو نور أزلي قديم سبق  كل الموجودات ، ومن حيث هو رسول إنسان محدث ختم الله به الأنبياء "(7) . ويكون حديث الحلاج هذا غلوا وشططا تعقبه أحاديث وآراء بالغة في التطرف والغلو حملهــا متصوفون كثر منهم السهروردي وابن عربي وابن الفارض … هؤلاء الذين اتفقوا على نورانية محمد e وأنه أقدم من القدم ، يقول الحلاج في كتابه الطواسين :" ليس في الأنوار نور أنور وأظهر وأقدم من القدم سوى نور صاحب الكرم محمدe  ، همته سبقت الهمم ، ووجوده سبق العدم ، واسمه سبق القلم لأنه كان قبل الأمم "(8) وقد طبق ابن عربي هذه النظرية في شعره حين قال (9) :

يــا مـنــزل الآيــــات والأنــبـــــاء      أنــزل عــلــي مـعــالــم الأسـماء

حتى أكـون لحمد ذلك جامعـا             بـمــحــامــد السـراء والـضـراء

ويـكون هذا السيد العم الذي   جــردتــه مـــن دورة الـخـلــفاء

وجـعلـتـه الأصـل الكـريم وآدم           مـا بـيـن "طيـنـة خلقـه والـمـاء"(*)

وقد استمرت هذه النظرية لفترة طويلة في شعر كثير من المتصوفة حتى بلغت بهم مرحلة الزندقة والخروج عن الإسلام الصحيح ، والآن ما علاقة "الأمراني" بهذه النظرية ؟ العلاقة بينهما متوفرة ، والذي شدنا إليها تلك الألفاظ النورانية التي يحملها ديوانه "مملكة الرماد" هذا الديوان الذي تعد قصائده أناشيد تجعل الشاعر منها مؤنسا في دربه الطويل نحو مملكة الله بعيدا عن مملكة الرماد يقول في بدء ديوانه(10) :

يا من منك النور

وإليك يعود النور

بارك أهل النور 

وانصر أهل النور

واجعل أهل النور

قربانا للنور

وواضح تأثره بنورانية السهروردي مشفوعة بروحانية "غـــوتـــــه" ، فقد قدم للنشيد السابق بقوله :" في هياكل النور التقت إشراقات السهروردي بأشواق غوته فكان هذا النشيد "(11)، غير أن هذا الوضوح لا يعني أننا سنقرأ للأمراني شعرا شبيها بذلك الذي أنشأه الأولون ،والذي يغرق في الماورائيات ، لكننا مع نصوص متجانسة الرؤية ، منتمية إلى مجال التهجد اليومي للشاعر المؤمن الذي أبهره النموذج الصوفي لا في غلوه وشططه بل في إشراقاته التي تتحدى الواقع المر بحثا عن الحق وما يؤكد هذا هو مجيء القصائد على شكل أناشيد للتهجد والتبتل والتضرع في لحظات الشوق إلى نور الرب العظيم(12).

أدعـــوك إنــــي ظـــامــــئ

 أنـــــا ظـــامــئ للنـور الـعـظــيــم

أســعــى إلـيـــك فـضـمــنـــي

يــــا أيــهــــا الـنـــور الـكــريـــم وغـطـنــي

إنــي ظـمـئــت وعـيــل صـبـــري

يــــا أيــهـــا الـــروح الـعـظـيــم فـشـق صـــدري

ويتكرر النموذج نفسه في قصيدة " استغراق " من خلال اللغة التي ينتظمها بوصفه قيمة مهيمنة على مستويات عديدة كالتكرار والتواتر والاستطراد ، هذه المستويات التي تطغى على النص وتؤسس للشوق إلى الله ، ومن هنا فإننا لا نندهش إذا ما لاحظنا اختفاء الشعرية أو تكاد ، ذلك لأن الهدف هو الإنشاد وفيه تغيب الهدأة الفنية التي تؤسس للنص الجيد يقول (13) :

مـزيــدا مـن الـنـــور لا شـيء قـبـلـــك

ولا شــيء بـعـــدك

لا شـيء فـوقـــك ولا شــيء دونـــك

لا شــيء مـثـلــــك

مــزيـــدا مـــن الـنــــور ، قــد كـــاد يــذهــب عـطـشــي

ويــحــاصــرنـــي لـهــب مـالـــه مــن ضـيــــاء

مـزيـــدا مــن الـنـــور

هـيـهـــات أن يـسـتـبـد اللهـيـب بـذاتــي

وأنــت لـــــوائـــــي

وتراكم ألفاظ النور في قصيدة أو في نشيد بعد آخر على هذا النحو من التكثيف المعتمد على التضرع والدعاء دليل صدق على لهفة الشاعر إلى معادل مخلص من واقعه الرديء هذا المعادل الذي لا يكون إلا في الإسلامية الموصلة إلى الجنة (14) :

كـــل نســاء الأرض جـواريــك

إذا أنــت مـلـكــت لـبـــاس الـتـقـــوى

ودخـلـــت الـبــــاب

وخــلــفـــت وراءك زيـنـتـــك الأولـى

وسنكتفي بهذه النصوص التي تعد جزءا قليلا من كم كبير احتوته صفحات الديوان لنصل إلى السؤال الآتي : هل حديث الأمراني عن النور واستغراقه فيه إنما يقع داخل الرؤية الجوهرية التي تتخلل أشعار أصحاب نظرية النور المحمدي ، فتتحرك حينئذ في إطارها ؟ أم أنه تأثر بالنور والإشراق في حين يظل النص الشعري محدودا لا يتعدى الانبهار ، ولا يخرج بالحديث إلى آماد التجربة الصوفية المذكورة ، أو يضعه في سياق الغلو والشطط والانحراف الذي وجدناه عند بعضهم ؟

المؤكد أن هذا التأثير لا يعني وقوع الأمراني في غلو الأولين وتطرفهم وانحرافهم ، فنورانيته تتعلق بالله الواحد الأحد {اللهُ نورُ السَّماواتِ والأرضِ}(15) لا بالنورانية المحمدية كما فعل الآخرون ، كما أن نورانيته مؤمنة لا صلة لها بالانحراف العقائدي الذي بلغه بعض المتصوفة ، والذي أوقعهم فيما يعرف عندهم بالعلم اللدني الذي يتلخص في الحلول والمشاهدة  "حيث تتعطل وظائف الأعضاء وتتعطل معها الحواس "(16) فالأمراني ما هو إلا شاعر مسلم اجتمعت حوله الماديات المدمرة في الزمن العربي الإسلامي الرديء فيحاول التخلص منها من خلال رحلة إيمانية أنقذته من الضلال والتيه ، وقادته إلى الحقيقة ، ولما بلغها وقف أمام الله خاشعا متضرعا بأناشيد نورانية عله ينال مبتغاه الذي هو الجنة.

 

 

الهوامش

(*) الأستاذ محمد بوقرورة باحث من الجزائر .

(1)البريد يصل غدا : حسن الأمراني ص 47-17-15 .

(2)مملكة الرماد : حسن الأمراني/ المقدمة .

(3)نفسه / المقدمة .

(4)البقرة الآية 142.

(5)محمد e في الشعر الحديث  : د. حلمي القاعود ، ط 1 دار الوفاء للطباعة والنشر- القاهرة -1408 هـ ص 134 ، ولمزيد من الإطلاع حول الموضوع أنظر: الفتوحات المكية : ابن عربي ، ج2 ص 488 وما بعدها ، وأيضا المعجم الصوفي د. سعاد الحكيم ، ط1 ، دار ندرة للطباعة والنشر- بيروت  1401 هـ ص348 .

(6)فصول في الشعر ونقده : د. شوقي ضيف،  ط2 ، دار المعارف ص 230.

(7)محمد e في الشعر الحديث :ص 134 .

(8)فصول في الشعر ونقده :ص 230 .

(9)الفتوحات المكية ابن عربي ج1 ص 46 .

(*) يشير ابن عربي هنا إلى الحديث المنسوب إلى رسول الله e حين سئل متى كنت نبيا ؟ فقال "كنت نبيا وآدم بين الماء والطين" وقوله : "وآدم بين الروح والجسد"  وقوله:" وإن آدم لمنجدل في طينته" وقد بين ابن تيمية بطلان هذه المزاعم التي تقول بها المعتزلة ومنهم ابن عربي ، انظر في هذا المجال : التصوف في تراث ابن تيمية / د. الطبلاوي محمود سعد /  الهيئة المصرية العامة للكتاب 1984 ، ص:216 وما بعدها / والفتوحات المكية ج2 ص49  / وفصوص الحكم : ابن عربي ، ص 20 وما بعدها .

(10) مملكة الرماد ص 9 .

(11)نفسه ص 9 .

(12)نفسه ص83 .

(13) نفسه ص 11.

(14)نفسه ص 69 .

(15) النور الآية 35 .

(16)فصول في الشعر ونقده : ص 200.