Nouvelle page 1

هـم الصراع الحضاري في ديوان "جسر على نهر درينا"

أو ملحمة الإسلام في البوسنة للشاعر الدكتور حسن الأمراني

إبراهيم نويري(*)

 

يستهل الشاعر الإسلامي الدكتور حسن الأمراني ديوانه "جسر على نهر درينا" الذي نخصِّص له هذه الوقفة التأملية ، بنداء أطفال سراييفو : "نحن أطفال سراييفو العتيدة   إن حرمنا من حنان الأمهات  في الليالي الحالكات  فلأنا مسلمون ".. وهو نداء يلخِّص عمق المأساة الإنسانية ، وبشاعة الشرخ الحضاري الذي يكتوي اليوم بناره وآلامه ، في كل لحظة ، أطفال البوسنة وشعبها الأعزل المطارد.. ويقدِّم الشاعر لديوانه هذا بتوضيح يبيِّن فيه سبب تسميته الديوان بهذا الإسم ،حيث يستعير العنوان من رواية الكاتب والأديب البوسني الكاثوليكي" إيفواند ريتش".. (جسر على نهر درينا).. والتي ظهرت غداة انتهاء الحرب العالمية الثانية سنة 1945 م ، وقد نال صاحبها بعد ذلك جائزة  نوبل في الآداب .

            يقول الكاتب : إن رواية "جسر على نهر درينا " تـختصر تاريخ البوسنة والهرسك منذ  الفتح العثماني  حتى الاستعمار النمساوي برؤية مؤلفها" إيفواند" المتميزة ، فقد بُني الجسر الذي كان قائما على نهر درينا سنة 979 هـ/ 1571م بأمر الوزير العثماني "محمد باشا سوكولوفيثش" الذي ولد في قرية صغيرة من قرى البوسنة قرب فيشيجراد ، القرية الواقعة عند ملتقى النهرين : "درينا" و"رزاق" وقد أراده الوزير رابطا بين الإقليمين العثمانيين" البوسنة "و"الصرب "!

ولكن اليوم يعود نهر "درينا "شاهدا على مآسي لم يعرف العالم لها نظيرا ، حيث يقوم الصرب بتذبيح المسلمين رجالا ونساء وأطفالا ، ويلقون بجثثهم إلى النهر .. وحين يمتنع النهر عن التهام الجثث ، فتظل طافية  ، يقو م الصرب  ببقرها لتستقر في أعماق النهر ! ! !

لقد فعل الأخ الدكتور الأمراني خيرا حين عمد إلى إثبات بعض المقاطع والفقرات من رواية هذا الكاتب البوسني الكاثوليكي ذي النزعة الإنسانية -كما يقول- وهذا عين الحق ،  ويا سبحان الله ، فها هو يقول - وكأن الله تعالى ألهمه  شيئا من الحقيقة ، فأطلعه على جانب من المأساة ، قبل أكثر من نصف قرن- على لسان بطل روايته "علي خوجا" -قبيل استشهاده :"من يدري ؟ لعل هذا الدين الباطل (المسيحية) الذي ينظم أهله كل شيء ، فينظفون ويصلحون ويحسنون ، من أجل أن ينسفوا وأن يهدموا بعد ذلك في لحظة واحدة كل شيء ، لعل هذا الدين الباطل سينتشر في المستقبل  على الأرض كلها ، فإذا أهله يجعلون من جميع هذا العالم الذي خلقه الله ساحة مقفرة لبنائهم المجنون وتخريبهم المجرم ، ومرعى لجوعهم الذي لا يشبع ، وشهواتهم التي لا تفهم ، كل شيء ممكن ..غير أن هناك شيئا واحدا يستحيل أن يكون ، وهو أن تخلو الدنيا خلوا تاما ، إلى  الأبد ، من  رجال عظماء حكماء ، أصحاب نفوس سامية ، وهمم عالية ، يبنون في سبيل الله ، مباني باقية خالدة ، لتصبح الأرض أجمل ، وليعيش الإنسان حياة أفضل وأسهل ، فإن اختفى مثل هؤلاء الناس كان معنى ذلك أن حب الله قد انطفأ وزال من هذا العالم ، وذلك ما لا يمكن أن يكون" ! !

دمعات على ماضي درينا

في قصيدة" الجرح الهادر" يبكي الشاعر تاريخ هذه البلاد وماضيها المشرق حين كان الإسلام يظلِّلها بحضارته  النابضة بروح السماحة  والعدالة  والكرامة الإنسانية ، حيث عاشت مختلف الأديان والعقائد محفوظة بـمظلة الإسلام ورعايته الإنسانية النادرة ، إلى أن جاء العلوج الهمجيون فاغتالوا الحياة ، تلك الهبة الإلهية المقدسة ، بكل وحشية وضراوة تشمئز النفس من استعراض وذكر كل تفصيلاتها المقرفة :

كـــــــبـر الحلـم عـــــــلى كف اليقيـن ثــم غـــالــتـــه أعـــاصيــر السنــيـن
هــــا أنـــا أحكي لــكم عــن قريـتي يـــا أحـبــائـــي الصغــار الطيـبـــيـن
عـــن طيـــــــــور هاجرت أوكارهـا عــن رجـــال القـــريـــة المستضعفين
هـــذه القـــــريـــــة كـــــانـــــت موئـلا للحــســاســيـن ومــأوى الـيــاسـمين
تـــقـــــرع الأجــــراس فيهــا غـــدوة بـــابــــة الصـبـــر عـلى ركـن ركـيــن
والأذان الــــغـــــــض فـي أرجــــائهـا يـنـشـــر الـبـشــر ويـهـدي السالكين
فحـــيـــــــاة النــــاس نبــــض خـافق بـيـــن إنــجـيـــــــل وقـــــرآن مــبـيـــن
النــــــــدى مـنـــــشــــــــورة رايــــاتــه الســلام الـبـــكـــــر وضــاح الـجبـين
يــــــا قــــرونــــــا خـمـــســــــة لألاءة كـــرحـيـــق الـفـجـر مــا بين القرون
مـن طوى أعلامك الخضراء؟ من نــــسـج الأكـفـــان للـحـق الـرزيــــن؟(1)
   

      ويزداد غضب الشاعر فورانا ، كما تتضاعف آلامه ، وينفطر فؤاده حسرة ، وهو يسترجع في شريط الذاكرة ، وفي أعماق التاريخ وأخاديد الزمن ، وصدى الحضارة ، أيام المجد والسؤدد في سراييفو .. ومما يزيد في اللوعة ، ويعمق غور الجراح أن أعداء الإنسانية –بل أعداء الحياة – اليوم في سراييفو ، الذين باتوا يتلذذون بدماء وجثث وآهات المسلمين ، هم من أدعياء التحضر وحقوق الإنسان والحرية ، وما إلى ذلك من الشعارات الخاوية التي كتب لها أن تتهاوى وتتساقط كأوراق الخريف الذابلة المترهلة ، على يد مسلمي البوسنة الصامدين ..لكن ومع ذلك تظل قضية البوسنة قضية مصيرية بالنسبة لكل المسلمين ، لأنه حتما ستكون لها آثارها وانعكاساتها على المستقبل :

وهكذا يطلق الشاعر زفراته الحرى قائلا :

قـــد غـــدا نــهـــر دريـنــا ظــامـئـــا         ولــكـــم كــــان يــروي الظــامئــيــــن

والـعـصـافـيـر الـتـي كـانـت هـنــــــا         زيــنـــة الـــروض وكــحـــل الناظرين

ذبـحــوهـا .. هـدمـوا أعشاشهـا         صــادروا لـحـنـهــــا بـيـن اللـحـــون

هتـكــوا ستـر الصبـابـا ، عـذبــــوا          كـــل شيـخ ..قـطـعـــوا كـل وتـين

ســرقــوا الأطـفــال مــن أمــاتـهـــــم          شـردوهــم ..يـا لـظـلـم الظـالـمين!

قــتـلـــوا كـــــل أبـــي ..صـلـــبـــــوا         يـــا سـرايـيــفــو بـنــيــك الـمـهـتـدين

جـمـرة مـطــفــأة شـمــس الضحى          وفــؤاد اللـيـــل بــكــــــــاء حـزيـــــن

جــنــت الأرض مـن الذبـح ، فمن          يـمـلــــك الـرقيـة مــن مــس الجنون

يـا دمـوع الأرض كــونـــي مـنــصــلا         يــتــلــظى فـي صــدور الـمـعـتـديــن!

يـــا سـرايـيــفـــو جــراحــي جـمـــة         ونـــداء الـقـلــــب مـكـتـوم الأنــيـــــن

واصطباري فيك أضحى خنجرا         كـــلهـيـــب يـبـعــــث الـــداء الـدفين

يــا حــواريــي جـــرحـــي هـــــــادر         بـعــد صـمـت وغــضوب بعد لـيـن

إنــــــهــــــــا مــســـــــألـــــة واحـــــدة          أن نــكـون الآن أو أن لا نــكــــــون!(2)

إنها كلمات تعكس صلابة اليقين الذي ينطلق منه الشاعر ، كما تصور في وضوح كيف يتحول الإيمان إلى مواقف شامخة مؤكدة بقوة الحق ودافع العقيدة ، وذاك ما يجب أن يكون في كل وقت محرج تصطدم بصخوره الأمة ؛ حتى يبرهن الأديب المسلم على أن رسالته ودوره إنما هي جزء هام وأصيل من حركة النضال الشاملة ، والمواقف المصيرية التي تجد الأمة نفسها ملزمة بإعلانها والتشبث بها كلما دعا ظرف أو ملابسات إلى ذلك .

باسم المصالح العليا

ما أكثر ما يزينه الشيطان من ضروب الشرور والغرور ، وأعجب من ذلك أنه وفي أحيان كثيرة تكون مطية ذلك الإثم أو الجرم ، المصالح العليا أو قدسية المبادئ !!  وكأن المبادئ أو المصالح العليا لا يمكن أن تقام إلا إذا ديست أشرف وأكرم القيم الإنسانية ، واستبيحت دماء الأبرياء ! لقد وردت هذه الصورة المقرفة في رواية "جسر على نهر درينا " ... وكأن هذه الرواية كوة على جبين الزمن ، ومن ثمة فقد أتيح لها أن تلتقط بعض المشاهد مما يحدث الآن للمسلمين ، وذلك دون أن يخطر على بال مؤلفها شيء مما يجري في هذه الأيام العجاف .. فقد جاء فيها ".. كما يقع كثيرا في تاريخ الإنسانية ، أصبحت أعمال النهب والعنف وحتى القتل من الأمور التي يسكت عنها وتباح ، شريطة أن ترتكب باسم مصالح عليا ، وتحت ستار شعارات معينة ؟، وأن تنـزل على عدد صغير ممن يسمون بأسماء معينة ، وينتمون إلى عقيدة معينة " الرواية 2/149

في ظلال هذه اللوحة القاتمة أخذت ريشة الشاعر ترسم آهات وكلمات هذا "المونولوج " الكئـيب ، لرجل معلق ، موثق إلى الجسر ، وهو لا يدري ماذا يفعل ، كما لا يعلم لماذا حوصر واقتيد إلى الاعتقال ليصلب بعد ذلك على الجسر:

"حــاصــرونــــي

أنـــا لا أدري لـمـــاذا حــاصــرونــــي

ولـمـــاذا اعـتـقــلـونــــي

ولـمــاذا فــوق هــذا الـجـســر ظـلـما صـلـبــونـــي

أنــــا لا أدري لـمـــاذا اغـتـصــبـــوا أخـتـــي حـيــالــي

يــــا لـعــــاري

يـــا لــذلـــي وانــكــســــاري

ولــمـــاذا عــذبـــوا أمــي وقــادوا أبـي لـلإعـتـقـــــــال

أنـــــا لا أدري لـمــاذا قـيـــدونـــا بــالــســـلاســـل

فــأبـــي الـفــذ الـمـنــــاضــل

كــــان تـحــت الـرايـــة الـحــمـــرا يـقــاتـــل

يــدفــع الـنــازي فــي لـيــل الـمــحـــن

عـــن (بـلـغــراد) و(زغـرب) عــن كـــل مـديــنـــه

فــقــدت طـعــم الـسـكــيـنــه

وأبــي ظــل يـقــاتــــل

عـــن سـرايـيــفــو الـتــي تـشـمـخ فــي قـلــب الـزمـــن

نـحــن دافـعــنـــا عــن الأرض ، عــن الـعــرض ، وعــن مـجـد الــوطـــن

فــلـمــاذا الـيــوم صــرنـــا غــربــــاء ؟

ولــمـــاذا الـيـــوم صــرنــــا كـــالـــوبـــــاء ؟"(3)

                                   *                      *                      *

لوحة أخرى قاتمة السواد

مع بشاعة ما يحدث اليوم للعنصر الإسلامي من قتل وذبح وإبادة جماعية ؛ وتدمير للعمران الإسلامي ، فإن الكثير من الدوائر الصليبية في الغرب تحاول جاهدة تغطية الحقيقة ، خوفا من افتضاح أمر الحضارة الغربية أمام الرأي العام الإنساني ، ومن ثمة فهم يصورون باستمرار الصراع الدائر هناك بأنه مجرد صراع عرقي ذي نزوعات انفصالية ، بينما تشير المعطيات والحقائق إلى غير ذلك تماما لأن المسلمين والصرب ينتمون إلى عنصر واحد هو العنصر السلافي ، وهكذا تتبدى الصورة القاتمة للصراع الديني ، الذي ذاقت الإنسانية مرارته إبان فترة الحروب الصليبية..في هذا الإطار الذي يوضح طبيعة وحقيقة الصراع القائم اليوم فيما يسمى بدولة يوغوسلافيا سابقا ، يضع الدكتور الأمراني عدة قصائد ، من بينها قصيدة بعنوان "الاغتصاب" وقد قدم لها بهذه العبارة :" صراخ مدمر للأعصاب ، ينطلق من حناجر الصبايا اللواتي تعرضن للتعذيب الشيطاني الذي لا يوصف " ..وتجيء هذه القصيدة كلوحة فنية تعبر بصدق ، وبشفافية إنسانية مرهفة ، عن عمق المأساة ، وبشاعة الجريمة التي يقترفها الصرب أمام الملأ ، في حق آدميين مثلهم كانوا بالأمس القريب تضمهم تربة وهواء وطن واحد:

"لـجسـد مـرتـعـش

عـلـى سريــرِ الـرُّعـب

لـصـرخــةٍ مــوءودةٍ

مـن طـفـلــة شـرقـيـة شـقـــراء

تـجــأرُ بــالــدُّعـــاء

 لـــرافــعِ الـسَّمـــاء

لـجـسـدٍ مـنـفـطــرٍ

مـمــا جـنــاهُ الـصِّــرب

وأذرع مـشـلــولـــةٍ

تــهـتــفُ فـي مـرارة : يـــا ربّ

صــيَّــرت سـيــفــي قـلـمــي

جـعـلــتُ حـبــري مـن دمـــاء الـقـلــب

لـعــل رمــح الصـرخةِ الـخـرســاء

يــشـقُّ قـلــب عــابـــد الـمـحـــراب

بــالـغــضــبِ الـمـغـمــوس فـي قـرارةِ الأحـقـــاب

ويــبــعــث الــدِّمـــــــاء

كـــاســحـةً مــن قـلـب هــذا الـشَّعــب !"(4)

إن الانطباع النقدي المباشر يوحي بأن كل طاقة معنوية ، والشعر منها خاصة ، هي لدى الدكتور الأمراني فاقدة لمعناها وقيمتها الحقيقية ما لم تتحول إلى رسالة تغييرية ، وإلى نضال فاعل مستمر ، بغية التمكن من تحويل حيوية الفعل الاجتماعي إلى نشاط إنساني عام ، ينبغي أن يظل موجها أساسا إلى تحقيق هدف كرامة الإنسان ..والواقع أن الكلمة المناضلة –كما تعبر عنها قصائد هذا الديوان – إنما هي تجسيد إيجابي لوزن الكلمة أو قيمة الطاقة المعنوية في التصور الإسلامي الذي لا يفصل بين أي نشاط مهما كان ضئيلا ومقاصد الرسالة المتمثلة في مرجعية الإسلام الحضارية.

                                   *                      *                      *

سراييفو الشهيدة تتحدى جبروت الصليب

يكاد الصراع الدائر اليوم على أرض "سراييفو" ينطبع بطابع واحد لا غير ، هو الطابع العقائدي ...هذه الصفة انعكست في جل قصائد هذا الديوان ، وليس مبالغة أو حبا في تأجيج أوار الصراع الديني ، ولكنها الحقيقة الصارخة ؛ الحقيقة التي باتت تواجه الجميع وتفرض نفسها فرضا ، فكل ما يقوم به الصرب والكروات  من أفعال مخزية في حق المسلمين ، جذوره ومنطلقاته وأهدافه واحدة ، وكلها تصب في خانة الصراع العقائدي ، ولا أقول التدافع الحضاري ؛ ذلك أن التدافع الحضاري في المفهوم الإسلامي لا يمكن أن يتم بأساليب همجية مقيتة ، مخالفة لكل القيم والمكاسب الإنسانية المشتركة ..وتظل أعمال الصرب شاهدة على المستوى المتردي بكل المقاييس والاعتبارات..حتى أمنية الشاعر العثماني بديع الذي دعا الله كي لا يعرف الجسر الحزن والإتلاف ، عصف بها هؤلاء العلوج المتغطرسون ، لقد دمروا الأمل بعد أن دمروا الحياة والأحياء . وفعلا فقد وردت هذه الصورة في رواية الأديب إيفواند حين قال :" كتب بديع ، الشاعر العثماني ، أبياتا شعرية نقشت على الجسر ، وكان النص المنقوش هو كالتالي : "هذا محمد باشا ، أعظم العظماء ، وأحكم الحكماء في عصره ، لقد وفى بالعهد الذي قطعه على نفسه ، فأقام بعنايته وجهوده هذا الجسر على نهر درينا ..على هذا النهر العميق السريع الجريان لم يستطع أن يفعل سابقوه شيئا ، والله أسأل أن يجعل مبناه قويا متينا ، وأن يرفل بثوب السعادة ، وألا يعرف الحزن إلى قلبه سبيلا، لأنه ظل طوال حياته ينفق الذهب والفضة في أعمال البر .. وما من أحد يستطيع أن يقول إن المال الذي ينفقه في هذه الوجوه يذهب سدى...إن بديعا الذي رأى كل ذلك قد نظم هذه الأشعار حين انتهى بناء الجسر . فبارك الله هذا المبنى الذي بلغ في جماله الإعجاز " الرواية :1/83

يشير الشاعر إلى هذه المسألة في إحدى قصائد الديوان : بديع يتلو أشعاره" حيث يقول مخاطبا الجسر :

"أيـهــا الـجـسـر الـوديـــع

أيــهــا الـنـهــر الـعـمـيــق

عـمــق إيــمـــان الـعـجـــائـــز

أيــهـــا الـنـهـــر الـســـريـــع

أيــهـــا الـمـلـهـم أشـعـــار بـديـــــع

يـــا رفـيــقــي مـنــذ أن عــزَّ الــرفــيـــق

مــا الــذي يـبـقى مــن الشـعــر إذا صــار فـمــا دون قـضـيَّـه

مـــا الـــذي يـبـــقــى إذا صـارَ كـوردِ الـمــزهــريـــَّه

فــي بــلاط الـمــتــرفـيـــن ؟

أيــهـــا الـحـــرف الأمـيــــن

لــتــكــن سـيــفــا بـصــدر الـظـالــمــيــــن"(5) .

*                     *                      *         

وتزداد صور العذاب كثافة في مخيلة الشاعر ووجدانه ، حين يذهب بفكره مع عذابات أطفال سراييفو المعذَّبة ، كما أن ميزة الصدق لدى الشاعر تجعل القارئ يتعاطف مع هذه المأساة الفظيعة ، ويحنو فؤاده تجاه هؤلاء المحاصرين المشردين لا لشيء إلا لأنهم مسلمون .

وهذه الميزة متجلية في جل كلمات وقصائد الديوان ، ولا شك أن هذه الصفة نابعة من المنطلقات الأخلاقية في الأدب الإسلامي ، كما أنها تؤكد قيمة التضامن كوسيلة فنية ومعنوية تجسد حقيقة الالتزام لدى الأديب المسلم .

وفي هذه الآفاق يتراءى وكأن الشاعر في معايشته لمأساة البوسنة ، إنما هو واحد من أصلاء المنطقة ، ولكن وحدة الشعور وصدق العاطفة يفضيان دوما إلى بلورة صورة هي أقرب ما تكون إلى الحقيقة ، بل غالبا ما تكون فعلا الحقيقة الماثلة ، بعيدا عن المبالغة وتضخيم الأحداث ؛ وحين يبرز الشاعر مسألة "الاختلاف العقدي" كعنصر أساس يقف خلف الأحداث والمآسي في البوسنة ، فليس ذلك من المبالغة في شيء ، وإنما هي الحقيقة الساطعة ، التي لا يمكن إخفاؤها ، فالصراع في جوهره صراع بين الهلال والصليب ، بين عقيدة التوحيد وعقيدة التثليث ، فالكل يدرك رسوخ هذه الحقيقة .

"نـحــن أطـفـــال ســرايـيـــفــو الــــعتـيـــده

إن حــرمـنـــا مــن حــنـــان الأمــهــــات

فــي اللـيــالـــي الـحــالــكــــات

فــلأنــــا مـســلــمـــــون

نـــحـــن أطـفــــال ســرايـيـــفــــو الـمــجــيـــده

إن رمـــونــــا للـســـجــــون

أو سـقــونــــا فــي الـصـبـــا كـــأس الـمــنـــــون

فـــلأنــــا مـســلــمــــون

 

نـحــن رغــم الـفـقــــر والـقـيـــد اللـعــيـــن

ســـوف نـبــقى مـســلـمــيــــن !

 

نــحــن أطفـال سرايـيـفــو القـتـيـلـــه

قــيَّــدونــــــا

عــذبـــونــــا

أحــرقــــوا الـمـســجـد، والـــروض، وأحـــلام الـطـفـــولـــه

صادروا الآباء منا ..والبراءه .

والحكايات الجميله

علَّمونا في ربيع العمر أن نلعق جرح الكبرياء

علَّمونا أن نغنـي للردى الزاحف ..

أن نعزف ألحان المنية

علَّمونا أن نصلي ..

ويد تحضن جسم البندقية

ما أشد الابتلاء

ما أشد الابتلاء"(6)  

إن الشاعر هنا حين يعرض هذه المعاني والمشاهد المؤلمة ليس فقط لأن عنصر الوحدة الشعورية قائم ، ولكن كذلك من باب نقل الواقع والحقيقة ، فالشعر الصادق مرآة النفس ، وهو أيضا مرآة الحياة الواقع والأحداث ، الشاعر هنا حين يصور أفكار وآمال أبناء سراييفو تمتزج لديه صورة ورغبات الأنا بالصورة الأصلية للواقع الماثل ، مما جعله يبتعد عن لغة التجريد والرمز والإيحاء ، كما أن التفاعل القائم على الصدق والإخلاص للمبدأ يقتضي أحيانا في الصورة الشعرية الوضوح والمباشرة ، وهو ما التزم به الشاعر في معظم قصائد هذا الديوان ، ومن ثمة فقد أخذ على لسان أطفال سراييفو يبني الأحلام ويزرع الأمل ، ويرنو نحو المستقبل :

"نحن أطفال سراييفو العتيده

سنصلي .. ونصلي ..

ونعيد الضوء ، باسم الله للشمس الطريده

من بعيد .. من بعيد ..

نحن عدنا من بعيد

من ضفاف الموت عدنا

نلعق الجرح العتيد

نحمل الفجر الوليد

يغمر الناس ، جميع الناس بالعدل الرشيد

فليمت من مات منا

وليهاجر من يهاجر

سوف تخضر المنابر

من جديد ..من جديد ..

والمحاريــب تــرى الـذكــر نـديــــــا

من جديد ..من جديد ..

وستزهو الأرض من دفء الأذان

ويعم النور يا أحبابنا كل مكان

سوف نعلي راية الإسلام في الأرض وإن طال الحصار

وسنبني للحضاره

ها هنا ألف مناره

ومناره...

يا سراييفو المجيده

يا سراييفو الشهيده

أذن الله بأن ترفع رايات الجهاد

نحن أطفالك ، حراس العقيده

لن يطول الانتظار

لن يطول الانتظار"(7)

*                     *                      *                                

وقفة أخيرة

لقد امتاز الشاعر الدكتور حسن الأمراني عبر اللوحات الفنية المقدمة عبر هذا الديوان بحرارة إنسانية جياشة ، وعاطفة متفجرة ، وهو ما يؤكد قوة وصدق الانتماء الإسلامي لديه ، كما أنه لم يقصد إلى اختلاق بعض تلك الصور أو اصطناعها ، وإنما كانت الانطباعات والمرئيات تنثال عليه انثيالا ، فكان ذلك سببا مباشرا لتطابق وانسجام طبيعة روح الصدق الفني عنده مع الواقع الذي حاولت لوحات الديوان رسمه بأمانة تاريخية ،وشفافية فنية راقية ، من حيث المستوى والطريقة والأسلوب .

وقد استطاع الدكتور الأمراني من خلال هذا الديوان أن يكون نموذجا ناجحا ومشرفا لما ينبغي أن يضطلع به الأديب المسلم من دور تجاه القضايا والأحداث المصيرية حين تعترض مسار الأمة وواقع الأمة الإسلامية ؛ كما كان صورة مضيئة لرسالة الأدب الإسلامي المعاصر ، والتي يقتضي نجاحها الغوص في أعماق الواقع ، والامتزاج مع كل معاناة إسلامية أو محنة إنسانية.

ويمكن عد هذه القصائد شاهدا تاريخيا حيا ، نابضا بالصدق والموضوعية ، على  وجه من وجوه المعاناة والهموم التي باتت شعوب أمتنا تكابدها ، في هذه المرحلة الحرجة من التاريخ ، لا سيما بعد ظهور مؤشرات مختلفة بتذكية روح الصراع الحضاري ، وجعل الاختلافات العقدية وكذا التمايزات اللغوية والعرقية حافزا وسببا لانطلاق فتيل وأوار ذاك الصراع البغيض ...إن تلك المؤشرات أصبحت اليوم تستعصي على كل محاولة   أو جهد يروم إخفاءها  ، أو التلبيس عليها ؛ فلقد ظلت المذاهب والأيديولوجيات ،  ولعدة عقود خلت ، تخفي جانبا كبيرا من الحقيقة ؛ ولكن اليوم وقد أخذت تلك المذاهب والأيديولوجيات في التهاوي والتلاشي ، فهل ستتمكن تلك العوامل من بلورة المعالم الكاملة لصورة وطبيعة المواجهات والصراع الحضاري ؟؟ إن مأساة الشعب المسلم في البوسنة والهرسك قد تكون مجرد عتبة تفضي إلى ساحات ذلك الصراع .

لقد نجحت قصائد هذا الديوان –من جهة أخرى – فيما يتعلق باستشراف المستقبل ، ومحاولة تصوير ما قد تكون عليه  بعض مناحي العلاقات الدولية بين الإسلام والقوى العالمية الأخرى ، على ضوء مأساة الشعب البوسني ، حيث شاءت الأقدار أن يكون نموذجا يجسد وجها من وجوه ذاك المستقبل المحتمل ؛ إذ أن ما يجري اليوم لا يمكن أن يكون بحال مجرد حدث عابر شأن معظم الحوادث والأحداث التي تظهر في التاريخ البشري ،بل لا بد أن يكون عملا محكم الخطوات ، يندرج ضمن حلقات عديدة واستراتيجيات محددة تنفذ على مراحل ، حسب مقتضيات الصراع مع الإسلام وحضارته !

ملاحظة أخرى يستحب تسجيلها هاهنا بعيدا عن دراسة أسلوب الشاعر والمضمون الفكري ، أو الصور الفنية المستعملة في لغة الخطاب الشعري .. وهي ملاحظة تتعلق بإخراج شكل صورة الغلاف ، ولكنها مع ذلك ملاحظة ذات أبعاد ، فقد كتبت عبارة :" ريع هذا الكتاب مخصص لفائدة مسلمي البوسنة والهرسك " .. إلى جانب صورة لشاب مسلم ، يعيش هلعا عظيما ، بسبب الموت الذي يتهدده ، كما يلاحظ ذلك بوضوح على محيَّاه ، وقد كتب إلى جانبه :" أراد اللجوء إلى المسجد فأوقفوه وقتلوه " ..فهذه اللقطة المعبرة في الإخراج إلى جانب تنازل المؤلف عن حقوقه لصالح مسلمي البوسنة ، تمثل إحدى الصور العملية في الأدب الإسلامي المعاصر ، وهي صورة ينبغي دعمها وتطويرها ؛ فإسهام الأدب الإسلامي والأديب المسلم لا بد أن يتجاوز الجوانب المعنوية والأدبية إلى الجوانب العملية الماثلة ، حتى تتبلور صورة جديدة أكثر فعالية لرسالة الأديب المسلم ، ويتكامل منظور دور الأدب الإسلامي في إحياء السلوك الإنساني الخير ، وتنشيط الفعل الاجتماعي الباني ، والترقية العامة بالحياة الإنسانية الكريمة ، في إطار منظومة إعادة تشكيل الرؤية الإسلامية الواعية للإنسان والكون والحياة .

 

 

الهوامش

(*)إبراهيم نويري باحث من الجزائر .

(1)ديوان "جسر على نهر درينا" –حسن الأمراني –منشورات المشكاة – نوفمبر 1992م-جمادى الثانية 1413هـ-ص23-24-25 .

(2) ديوان "جسر على نهر درينا" ص 25-26-27 .

(3) الديوان ص 28-29 .    (4)نفسه  ص 32-33.       (5) نفسه  ص42.

(6) نفسه ص 53-54 ، 56-57.

(7)نفسه  ص 58-59-60.