Nouvelle page 1

إيقاع الغضب الثائر في ديوان" القصائد السبع" للشاعر حسن الأمراني

جمال أمين(*)

 

هن أخوات سبع بفصيلة دم واحدة ، أو ملامح متقاربة ، لكن كل منهما يمثل وجها للحقيقة الضائعة..فهن بهذا الشكل يشكلن سبعة أوجه لهرم واحد .

ورغم مواقعهن المكانية ، وظروفهن الزمانية المتباينة ، فإنهن ينظفرن في سلك الإبداع الموحد ، وتحت جناح الرؤية المتفردة التي تتميز بالتماسك الصلب والقاعدة الراسخة وبذلك تحدث تكثيفا وتركيزا ونفاذا في عناصر الموضوع الشعري .

ولعل رؤية الشاعر الإسلامية المتماسكة دفعته إلى طرح تساؤلات حول مشروع تطبيق هذه الرؤية على الواقع المعاصر ، لا حول مشروعية الرؤية نفسها . وبهذا فرؤيته لا تمارس البحث الشعري عن الرؤية الأخرى ، بل تتجه كالسهم صوب البحث عن مدى تحققها في أرضية الواقع وسبيل ذلك التحقق المفقود .

وهو بهذا لا يهدر طاقاته الشعرية في (معمى) من التصورات كما يفعل جل شعراء عصرنا المريض ، الذين يعانون أزمة(قلق الوجود)بل نراه على العكس متشبعا برؤية إسلامية واضحة حتى النخاع ، يحولها إلى مبضع للتشريح وبلسم للشفاء .

وأشد ما يروعنا هو الصراع الحامي بين الحلم والواقع..فمنذ طفولته الأولى يعلن ذلك في عنوانها بتركيبته العجيبة (أحلام حفيد صاحب الرأس) فالأحلام تفيد نوعا من التباعد بين المتخيل والمحسوس . و(حفيد)تفيد التباعد في التسبة الوراثية ، و(صاحب الرأس)تفيد التباعد في الملكية ، هذا التباعد هو حصيلة احتكاك الحلم بالواقع في كل قصائد ديوانه .

           والحلم (بالنموذج الإسلامي المفتقد)ومحاولته التأسي به يضع الشاعر في حصار لا يطاق..حصار من كل مكان :

* في فكره : حيث يعيش في عصر يضج بمئات المقولات الضاغطة .

* في نفسه : حيث  العرض الرخيص البراق للمفاتن والشهوات .

* في حبسه : حيث السجن والاعتقال من طرف الظلمة .

لذلك فهو يعلن حبه العميق لمبدئه (الذي رمز له بالغزالة) ، وأنه مستعد للمزيد من (الإقلال والغربة) والعذاب والهوان ، وليس له أن يقف في الوسط ، فإما الشهادة وإما الهجرة والرحيل :

أحـبـك ، مـا هـيـن أن أحـبـك

هــذا اعـتــرافــي

بـعـجــزي وضـعـفـي وذل احـتـضـــاري

أحـبــك ، هـذا قـراري

وأعـلــم أنـك مـحـصـنــة ، مـحـصــنـة كـالـصـحــاري

وأن الــدروب مـرصـعـة بـالـورود ، ومـفـضيــة لـلـجــحــيــم

غـيــر مــا دربـــك الـصـعــــب ، هــذا الـمـفـضــض بــالـنـــار

والإنــفـجــــار

أحــبــك ، أعـلــم أن الـطــريـــق إلـيــــك

تــحـــف جــوانــبـــه الـــزوبــعــات الـضـــواري

ولــــكـــن حبـــي بـعــد الـقـــرار

يــا أيـهــــا الـقــلــب الـشــريــد بـكـــل دار

وعــلـى الـجـبـيـن أطـل جــرح ثـم جــرح

بـــح بــاســم مــن تـهـوى فــإن الـعـشــق بــوح

أســـرج جـيــادك , واقــتــحــم مـــدن الـحــصـــار

وهنا تسعفه ذاكرته التاريخية وهو في حالة تمرده على الحصار واعترافه الجهير بحبه لمبدئه بمثل أخي مازن (مالك بن الريب) كرمز للرحيل والغربة عن الأهل والوطن، إن الحالة متشابهة بين شاعرين في القديم والحديث .

ثم يستذكر مثل يوسف في محنته الخالدة ..في سجنه المبني على الظلم والاعتداء أنه يوسف العصر والعالم كله سجن في نظره ، سجن لأمته الإسلامية ..للنموذج الإسلامي المفتقد ، وهو يمارس الكشف عن الرؤى مع المتخبطين التائهين كما فعل يوسف ، بل ينهاهم عن الاستفتاء ، لأن شواهد الواقع الخارجي تكشفها بسهولة لكل من يتأملها ويتمعن فيها .

وحين يستخدم أداة ( الرؤيا) في الكشف عن مستقبل الأمور ، عن مصير الأمة الإسلامية ، ويوقن بالانتصار والفوز في النهاية ، لكن لن يتم ذلك إلا بأن تشيل النعامة رأسها من رمال الغفلة، وبأن يتوحد الجسم الإسلامي مرة أخرى :

يا صاحبي سجني ، نداء الموت منتشر

وهذا الليل معتكر

وصوت الفجر منتظر

ففيم تراكما تستفتيان؟

يا صاحبي سجني ، إذا شالت نعامتنا

وآب الأهل للأهل

فلترقبا قولي …

وحين يستخدم هذه الأداة في رؤية الواقع المعاصر ، يبصر الموت مقبلا كالأخطبوط والمصير المحزن هو الدمار والهلاك إذا ما استمرت الأوضاع على هذه الوثيرة .

ويستدعي –تاريخيا- زمن الغار لحظة الهجرة ، وكأنه يمثل حال المسلمين في العصر الحديث وقد سحب البساط من تحت أرجلهم ، وأحاطت بهم جموع الروم والخونة من أبناء جلدتهم..وبدأوا ينكمشون شيئا فشيئا إلى أن انجحروا في الغار ، و(الموت الجماعي الخارجي ) يتربص بهم ويكاد يفتك بهم :

يا صاحبي سجني, هنا ظمأ ومخمصة

وإنسان يموت

الموت يدنو من (غلو) عمامة

أو من جناح حمامة

حطت بــبـــاب الــغــــار

أو مــن خـيـط هــذا الـعـنــكــبــــوت

ولعل لحظة الغار وغيرها من المفردات التاريخية التي أحسن الشاعر توظيفها لتكثيف جو (الاختناق)توحي بالتشاؤم واليأس، غير أنها كرمز متعدد الأوجه إذا ما وضع في سياقه التاريخي الواقعي يمنح في المقابل دفعة أمل أو يفتح كوة للخلاص والنجاة،  شرط أن تحقق دوافع المقابل أو الطرف الثاني ، وهي ما يجاهد الشاعر للدعوة إليها .

ويأتي (الحلم) في ديوانه متوجا كل قصيدة من قصائده السبع لإثبات تفاؤلية الشاعر باستمرارية الكفاح الثوري ، وتحقق النموذج الغائب رغم قوى التسلط القاهرة التي تمثل توجهات الانحراف الواقعي ، والتي تتوضح من خلال الآيات المثبتة في بداية المطولة الشعرية الأولى وهي : ( الكفر-الظلم-الخيانة ) {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم  إن الله يحب المقسطين.إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ، ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون} سورة الممتحنة 8-9 

والحلم الذي يشكل بعدا أساسيا في الديوان يشتبك مرة بخيوط التاريخ فيجتاز حواجزه الزمنية ليحرق المسافات التي تبعده عن الحاضر ، وينبجس مرة أخرى في قلب الواقع الشائك ليستنقذه من التردي في هوة اليأس الأسود .

إلا أن له معاني وحالات يستتبع بها التغيرات النفسية للشاعر ، فمرة يدل على الأمل ، ومرة ثانية يدل على التجاوز ، ومرة ثالثة يدل على الخلاص .

فمنذ بداية مطولته الشعرية ، يعلن افتقاد النموذج الإسلامي الغائب ، وظهوره كل مرة في أحد أطراف العالم الإسلامي ، مرة في فلسطين (انتفاضة الشعب المسلم ) وفي سوريا (بزوغ الحركة الإسلامية) وفي أفغانستان (انتفاضة الشعب المسلم ) ، وحينما يبصره الشاعر بالمغرب ويطلب منه الــرُّفقة ، ينصحه بالصبر لأن طريقه هو الإقلال والغربة . ولعل هذا الالتزام بالمبدأ الذي جسده الشاعر في شكل شخص يحاوره (وهو يذكرنا بقصة الخضر وموسى ) هو الذي جعله يحس مآسي الأمة المجروحة ، ومعاناة الفرد المسلم ، إن هذا النموذج الإسلامي (الفارس النبوي ) حلم يراود خيال الشاعر ، ويزوده بدفقة أمل تجعله لا يهاب اقتحام مدن الدخان ( وهذه رموز استخدمها الشاعر مثل :الفجر-الرماد-الليل..) وفتن الحضارة المعاصرة ، بل يعلن استعداده (للشهادة) ليس مرة واحدة ، بل مرات متعددة ، لأنه يحس لذتها ويتذوق كسبها الذاتي الخاص ، وكسبها الجماعي العام .

آتيك مشبوب الإرادة

آتي وأنوار اليقين تفيض من قلبي

وفي شفتي تراتيل العبادة

هذا دمي متوهجا ، يا معشر الأحباب

من أين الطريق إلى عراجين الشهادة

ويقفز الحلم الزاهي من وعيه إلى إرادته ليغدو تجاوزا بعد أن كان أملا منعشا ، ففي باريس رمز الحضارة /العهر..الحضارة /الغدر..الحضارة /القتل ، في بؤرة الغربة القاسية..في الواقع المحطم المنهك الذي يحاصر موقفه والتزامه كعنكبوت أسطوري فظيع، يحتمي الشاعر بالحلم /المفتاح ..بالحلم /التاريخ..بالنموذج الإسلامي الغائب الذي يمازج الحلم ويمازجه الحلم ، ويتمثل ذلك في الغافقي /الفاتح ، فلم لا يتمثل موقف الغافقي التاريخي الأخلاقي الحضاري السامي ؟

إنها حضارة متكلسة..تنين فظيع يبتلع كل غريب ..بلد يموت من البرد حيتانه ، ما أحوج الشاعر إلى الدفء ..إلى زورق الإنقاذ . ومن كالتاريخ الإسلامي المعطاء يمنحه ذلك ؟ يقينا إن الغربة ستمحى حتما ، وأن إحساسا تاريخيا سيمنحه (الأمان) ويقيه تصدعات الحضارة المنحرفة ، بل سيتحول إلى (غافقي جديد) ..يمارس فتحا جديدا بروح المنتصر لا برعشة المنهزم ، وتحسسه المسؤولية(غسل) الدنس الحضاري لا الانغماس فيه .

وفي هذا الحلم التاريخي الوافي(تجاوز) من قيود الذات الفردية التي تهمها إشباع نزواتها ولذاذتها العاجلة إلى اندماج في الذات الجماعية ذات الشعب المسلم..وذات الأمة الإسلامية وما ينتظرها من مسؤوليات الصحوة والإعداد للانتصار:

لــبـــاريــس رائــحــة مــا لـهــا رائـحــة     

ولـــون تـنـــاثـــر مــن غـيــــر لــــون

وأنــــا أيــهــــا الـغـــافــقــــي

أيـــهــــا الــفـــاتـــح الـعـــربــــي 

أحــتــمــي حـيــن يــأتــي الـمـســاء بـأغــصــان ظـلــــك .

ويتحول الحلم /التجاوز إلى الحلم / الخلاص..الخلاص الفعلي من الشجرة الملعونة:

"أيـــتــهـــا الـشـجـــرة الـمـلـعــونــــة

بــذرتــك الـمــســكــونـــــة

بالإثـــم واللـعـنـــة، والـعـفــونــــة

مــن يــا تـــرى جــذرهــا فــي رحـم الـمـديـنـــة"

ويتضح ذلك في قصيدته (مشهد من مكابدات العز بن عبد السلام ) حين يصور( السلاح) لا ( المهرب) ، الذي يمكن المسلم من فك طوق الحصار ، وهو الاحتماء بالتاريخ الإسلامي المشرق ببطولاته وأبطاله . ومن هنا جاء رجوعه إلى شخص العز بن عبد السلام الذي يرمز (لصيحة الرفض في زمن العبودية والهزيمة) ، معادلا موضوعيا لمضمونه الثوري المجاهد ، مع أن القصيدة لم تشر بذكر إلى هذا الموضوع التاريخي ، ولعل هذا يطرح سؤالا ملحا حول الطريقة المثلى لتعامل الشعر الإسلامي مع أحداث التاريخ .

وفي قصيدته (كتاب الخروج ) يلبس الذات اللبنانية المقهورة باستخدامه الجيد (لضمير المتكلم) ويصور عن طريق العبارة/اللوحة ، وبأسلوب ينضح سخرية باكية ، ويقطر فكاهة مرة ، حالة المسلمين وهم يواجهون بفوران الشعارات الزائفة وقساوة التشريد وكثرة المذابح الجماعية ، وتدمير المقومات والأصول.

في مثل هذه اللحظة الكابية السوداء ، وفي ظل التخرصات الصهيونية يعلن الشاعر قدوم الفارس/ الحلم ليخلص ويحارب :

"هــو ذا أتـــى

فــي مـقلـتـيـه شــرارة ونـبــوءة تـســعــى

مـضـى زمــن الـفـجـيـعــة والـســكـــوت

دمــه عـلــى الـجـدران : يــرســم لــــن نـمــوت

لا ، لـــن نـمــوت ، فـنـحــن لـم نـخـلــق لـكـي نـمــضـي .

ولـكــن خـلـقـنــا لـلــبــقــــاء

وإذا ســألـــت عــن الـــولاء

فـــولاءنــــا لله والـمـسـتــضــعـفــيـــــن"

ولقد توسل الشاعر إلى طرح رؤيته الثورية الفاهمة بكثير من الأدوات الفنية نذكر منها :

-عنصر الصورة : وهي تمثل المادة البنائية لمعمارية قصائده ، وتتسم بنوع من الجدة والغرابة .

-عنصر التوظيف : وهو مشروع شعري إسلامي اختطه بعض الشعراء كعبده بدوي وأحمد مطر وعماد الدين خليل ، وتابع الشاعر نفس الخط يبدع ويعمق حسب ثقافته ووهج تجربته .

فقد وظف كثيرا من القصص القرآني كقصة يوسف وقصة موسى والخضر وغيرهما . ووظف الحديث النبوي الشريف كما يظهر من قصيدة( القصعة) وغيرها ،ووظف أحداث التاريخ الإسلامي بمهارة فائقة ، وهو مشروع ضخم يحتاج إلى عناية واهتمام من طرف النقاد والأدباء المسلمين كي يجدل الماضي بالحاضر ، والذات بالموضوع ، والمتحقق بالمتخيل ، وكي يناهض المشروع الجاهلي الذي يوظف وثنيات الشعوب وأساطيرها المنحرفة .

- عنصر الرمز : الذي يتراوح بين الكلمات والعبارات المجازية وبين أعلام وأحداث التاريخ الإسلامي .

- أدخل الحوار الثنائي كي يشيع في نسيجه الشعري روحا درامية تشد القارئ وتدمجه في جو التجربة .

- أحسن استغلال أحد الأغراض القديمة و هو الرثاء. والحق أن الشعر الإسلامي الذي ينطلق من قاعدة تراثية ثابتة مع إيمانه بالسيرورة الإبداعية ، لم يتنكر للأغراض القديمة ،لأنه أدرك أنها اتجاهات وأغراض نفسية أكثر منها اتجاهات وأغراض فنية تقليدية ، وهذا الوعي خوله لممارستها بأسلوب إبداعي جديد ، كما فعل الشاعر في قصيدته( بنان) حيث تمكن باقتدار من تحويل الشخص المرثي إلى ظاهرة تاريخية تستعيد مواقف سابقة ولاحقة ، وكما فعل محمود مفلح في قصيدته (نفحة من الخلود) حيث حول الشخص المرثي إلى ظاهرة كونية ضخمة  ، وكما فعلت نازك الملائكة في (أقوى من القبر) حين مزجت بين الأم الشهيدة ووضعية فلسطين الأسيرة محافظة على قواعد( لعبة الوهم ).

ونخلص من هذه الانطباعات إلى النتيجة التالية وهي : أن الثورة هي سمة الديوان ، وهي أداة التغيير الذي يدعو له الشاعر .. ثورة على الحصار..على الظلم ..على الخيانة .. على واقع يريد اغتيال حلمه البريء الطاهر .

 (*) الأستاذ جمال أمين ناقد أدبي من المغرب .