|
الفضاء الإنساني والعوالم الصوفية في مجموعة "سآتيك بالسيف والأقحوان" لحسن الأمراني |
|
ياسر الزعاترة * |
|
لولا أن محمود مفلح أنشدنا "للكلمات فضاء آخر" لقلت أن ديــــوان حسن الأمراني "سآتيك بالسيف والأقحوان " ، هو أشعر ديوان لشاعر إسلامي صدر حتى الآن . السيف والأقحوان في يد واحدة ! ! كيف يكون ذلك ؟! وهل ثمة أقحوان نقدمه لهذا العالم الذي لا يشهر في وجوهنا سوى السيف ، أم أن الشاعر يقدم الأقحوان للحبيب ، ويشهر سيفه في وجه العدو ، أم أن السيف والأقحوان يتبادلان المواقع كما في لعبة الكراسي الموسيقية ؟! في عشر قصائد وحوالي مئة صفحة يحاول الشاعر أن يداعب تساؤلاتنا ، ويرقص عيوننا المصوبة باتجاه كلماته ، وأرواحنا اللاهثة خلف معانيه ، ليقول لنا أشياء كثيرة ، حول السيف والأقحوان ، وصوت الرصاص وغناء العندليب ، ونداءات السلام وحراب القتلة . في عشر مقطوعات هي أجــمــل ما غنى الأمراني ، يسوقنا الحلم ، نركض خلف سحبه الحبلى بالبشائر ، تفجأنا الدماء ، فنركض خلف نهرها المتدفق بحثا عن ثأر ، يرضي الغريزة ، و يشفي الغليل . في هذا الديوان ، وكما في ملحمة البوسنة يحاول الأمراني أن يغرد خارج سرب الشعر الإسلامي التقليدي ، ذلك الذي نــمــا وترعرع على أنين الموت ، وعفـن الزنـــازيـن ، وانتصاب المشانق وصراخ المذابح . إنه لا يحاول الهروب من هذا كله ، لأنه يلاحق الشاعر كما يلاحقنا ، ولكنه يحاول أن يقوله بإيقاع آخر ولحن مختلف ، إنها الأبعاد الإنسانية التي غابت عن شعر الإسلاميين ، لتحل محلها حروف الدم ونداءات القتال والمواجهة . الأمراني يعيد الأبجديات إلى مهدها ، ليقول لنا إنـنــا كمسلمين لسنا مولعين بالدماء، فنحن نحمل لهذا العالم شيئا آخر ، نحن نحمل له الخير والبشر، إننا قوم مدججون برهافة الحس ، تخدش أسماعنا أصوات الرصاص ، وتتعبنا حشرجة الغناء في حناجر العصافير حين يطاردها القتلة من بستان إلى بستان ومن شجرة إلى شجرة . رسالتنا إلى هذا العالم هي دغدغة ينابيع الخير فيه ، وليس استثارة الأحقاد وتفجير براكين الحقد والكراهية ، إنــنــا رسل سلام ،وأجدادنا حين حملوا السيف، فهم إما كانوا يكسرون الحواجز المنتصبة دون وصول كلمات الخير والأمان . تلك هي رسالة السيف عندنا ، وهي رسالة مختلفة عن الذين جاءوا من أركان الأرض ليسرقوا هواءنا ويصادروا حليب أطفالنا ، ليكون لهم وحدهم . ثمة بعد آخر ، في مجموعة الأمراني هذه ، ذلك هو البعد الصوفي ، ذلك البعد الذي اضمحل في أدب الإسلاميين ، وعاد يبرز في أدب العلمانيين والباطنيين ، وجماعة ما بعد الحداثة . صوفية الأمراني ليست كصوفية أدونيس وجماعته ، إنــهــا صوفية أخرى …إنها عودة إلى حقيقة الصوفية بعيدا عما تلبس بها من تجاوزات عبر التاريخ . الصوفية هنا هي ركض دائم خلف حصان اليقين الجامح ، وخلع لأسمال الدنيا البالية . إنها حالة من التطهر الوجداني ، وهي ليست بدعة كما يذهب البعض ، وذلك حين نجرد الفكرة مما تلبس بها من خرافات . الصوفية عند الأمراني هي "خمرة الروح التي تهدي لمعارج الأمن واليقين ..والغيث المنهمر الذي تتألق فيه البساتـيـن …والرياحين التي تغــيـر على شوك الظلمات ، وحين ينجرح خدها ، يسيل الدم /العطر فتورق الكلمات ، ويتبدى سر التكويـن" ص 9 . ضمن هذه المعادلة ، الأقحوان الذي يطارد السيف ، والسيف الذي يحاول اغتيال الأقحوان ، إضافة إلى البحث الدائب عن حالة الوجد واليقين تتأرجح قصائـد المجموعة ، وهي بذلك تتبدى قصيدة واحدة رغم إيقاعاتها المختلفة وتنويعاتها المتباعدة . هذه المجموعة تشبه إلى حد بعيد مــا روميات أبي فراس الحمداني ، في شجونها وحنينها ، فهي حيـن تذهب في اتجاه الحنين ، تخجل من حزنها دموع الأمهات ، وكذلك حين يلمع في حروفها السيف ، وهذه ليست وحدها المعادلة ، فالأمراني هنا ، يجعل الوردة والسيف حالة واحدة . "وفــي أول الـخَــطْــو والــدربُ فـي أدمـعــي مُـبـهـم رأيــتــهُــم يـعـبـُرونَ دمـي يُلَــوِّح لـي دمُـهــم مــن بـعـيــد فتنــهَضُ في أضلعي وردةٌ وسيــفٌ صقيل" ص 31 وحين يتبدى النطع والمقصلة يسائل الشاعر مخاطبته لماذا تستكثر أن يهيئ الأيك أسراره ؟ "لتـرتـــاحَ عصفــورةٌ مــن لُـغــوبِ الـمَـسَــاءْ أتـستـكـثـريـنَ احـتـفــالَ الـقـصـائِـد بـالسنـبـلـَهْ؟" ص 38 وعلى هذا النسق تتمدد أغنيات الشاعر على صفحات الديوان ، تتحدى السيوف بالأقحوان ، وتغتــال الشك بسيف اليقين …وتتحدى الرصاص بغناء العندليب . أما الآخر من الغرب ، فلا يحمل في جعبته سوى الخراب لهذه الأوطان ، تلك هي بضاعته: "تــأجـجــت الـنــارُ فـي شـرفــاتِ الـوطــنْ فســـدي الـنــوافــذَ سـُدي الـنــوافــذَ إن الــريـــاحَ تـجــيءُ مــن الـغــرب مـثـقـلــةً بــالــرصــاص وطـعــمِ الــوَهــــنْ "ص 36 والشاعر الذي يواجه هنا بالقصائد والسنابل ، لا ينسى الاستهزاء بزئير العواصف ، والبيعة على القتال حتى انفراد السوالف . أما الآخر ، سواء أكان قادما من الغرب ، أم كان ذلك اليهودي الذي يرفع غصن الزيتون وحرابه تنزرع في الأجساد المؤمنة، فهو شكل آخر من أشكال أنبياء الخراب الجدد ، الذين يطاردون أرواحنا وأوطاننا بمختلف الوسائل . "يخبئُ صوتُك لـي وردةً من دمٍ ومملكةً من غبارِ المعاركِ كالقلبِ واسعةً وعريشاً وغلائلَ تقوى.. وريشاً ويفضحُ أكذوبَةَ السلمِ تحتَ حِراب الكنيسْتِ الــتــي جَعَلت -ساعةَ السلم- كسرَ عظام الصقورِ / الريـــاحيـن لـعـبـتـهــا الـجــارحـة" ص 45 . وهنا تحضر القضية الفلسطينية / القضية المركزية للأمة ، باعتبار أن المشروع الصهيوني هو رأس حربة الغرب في جسد هذه الأمة ، نلمسها حاضرة كما في هجاء السلم الصهيونية في المقطوعة السابقة ، أو في عناق الشاعر مع المجاهد أحمد ياسـيــن في سجنه ، أو في الرحيل إلى معارج القدس … "أعدو ، أنا المشدود للقوس كالسهم نحو معارج القدس وتخبئ الأسرار حنجرتي فـيـريـقـهــا قـلبـي على الطرس وأنــا الذي أخشى صنيع يدي وأخاف من نفسي على نفسي" ص 47 . أو في هجاء مــلــــوك الـطــوائـــف الــذيــــن أضاعــوا الـقـضيــة في دارة السامري : "تـتـواطأ ضدي ملـوك الطـوائـف تـلـقــي إلـى مـلــك البـرتـغـال الـمــواثـيـق كـي يـبـدأ الـمـذبـحـه وتـشــربُ نـخـب اغـتـيـال الـصـبــاح الـجـمـيــل" ص 57 صوفية الشاعر الخاصة تتجلى في معظم القصائد شأنها شأن الأبعاد الأخرى ، وهو ما يؤكد رؤية الشاعر "محمد علي الرباوي" صاحب مقدمة الديوان حول القصيدة الواحدة … صوفية الشاعر هنا ، ليست صوفية الاعتزال والموت ، وإنما صوفية المقاتل، صوفية القلب المسكون بالبراءة والشجاعة في آن واحد ، صوفية فرسان النهار ورهبان الليل … هي معادلة غريبة يجهلها الغرب ، ولذلك نراهم مذهولين لمشهد شاب جامعي يافع مدجج بالحيوية والأمل ، يلف حزام المتفجرات حول جسده ثم يفجر نفسه في تجمع للجنود في القدس وتل أبيب ، يحارون في فهم الظاهرة ، فيذهبون مذاهبهم السخيفة حول اليأس وتردي الأحوال الاقتصادية.. إنهم أجهل من أن يدركوا أسرار الحالة الإيمانية ، تلك التي يبدع الأمراني في تصويرها في قصائده … "فـلا تـقــربــيـــهـــا وصُونـــي كنــوزَك بـالــدمــعِ فـي الـظلـمــات وبــالـسجــدةِ الـمــوقــنــه يــــرفُّ الــدثـــــار فـتــحــرسُــه الـجـبـهــةُ الـمـومـنه ويسقــطُ ظـلُّ الـمـنـــازلِ تـحــت الـغُـبــــار فـتـنـهــضُ شــامـخةً مــن دمــاءِ بـنـيــهـــــا" ص53 . أرأيت كيف تنهض المنازل شامخة من دماء بنيها ؟ هي حكاية لا يدركها الذين يرون في الموت نهاية السعادة والأحلام . وفي محاولة أخرى يكون السيف واسطة لكشف الحجب مع الحبيب : "تــقـــدَّم إذن أيـهــــــا الـسَّــيـــفُ تـلــك دِمـــائـــي فـضـمّــِخ شـفــاهَــك قـبــل الـغــــروب لـتـنـكشــفَ الـحُـجْـبُ بيـنــي وبـيـن حـبـيـبـي" ص 60. وتتجلى هذه المعادلة في قصيدة "حكاية الشيخ صنعان "حيث صورة الصراع الداخلي لدى الصوفي الذي يخشى الفتنة ، وينهمك في أوراده ويذيب الروح في نور التجلي …الشيخ صنعان لا يملك إلا أن يقول : "لــيـــسَ مــن أغـمـــضَ عـيـنـيــه بـمـنـــأى عـــن رصــاصـــاتِ الـطـــــراد كــــل مــن هــلـــــلَ أضــحــى غـــرضــاً للـنَّـطــع والـسَّـيــف ونـيــرانِ الأعــادي هلــلي وابتـهــلـــي هلـــلي وامـتـشـقــي السيـف إلـى يـوم الـتـنــاد واجـعــلـي تيـجــانـك الـحـب بأعـراس الـجـهـاد واصـدحــي فـي كــــــل واد يــــا عـصــافــيـــــر بــــــــلادي" ص 92 . إنها فضاءات يعثر عليها القارئ في كل قصيدة …السيف ،السنابل ، الروح ، الأقحوان ، الرصاص ، التجلي ، الصلاة ، البرد ، النور ، الظلام ، الحزن ، الحكمة ، الجناح ، الصباح ، الرماح ، السبيل ، اليقين ، …. إلخ هكذا يمضي الأمراني في هذه المجموعة ، شاعرا مبدعا ، ذا لغة شفافة وصور رائعة ، …فنحن هنا وعلى عكس ما ألفناه لدى الشعراء الإسلاميين ، لا نكاد نعثر إلا على قليل من النثر ، وحتى حين تغيب الصورة ،وهي لا تغيب إلا لماما ، تحضر اللغة الخاصة المسكونة بالرقة والشفافية … وبهذا يكون الشاعر قد تجاوز الإشكالية الأولى والأهم لدى الشعراء الإسلاميين أما الإشكالية الأخرى فهي المباشرة وهي التي يتجاوزها الأمراني أيضا ليقول شعرا هو إلى الوضوح والمباشرة أقرب ، وذلك فن لا يجيده إلا القلة ، فبينما تتجلى المباشرة عند الإسلاميين ، نجد الغموض المسف عند جماعة الحداثة ، أما الحالة الوسط فهي النادرة . إنها إذن مجموعة جديدة ورائعة للشاعر الكبير ، لا يملك القارئ إلا أن يعود إليها بين فينة وأخرى ، ليعيش في محرابها ، ويذيب الروح في تجلياتها الأروع ، وذلك هو الشعر الذي يتجاوز الحدود ، حدود الزمان والمكان . )*( ياسر الــزعــاتـــرة شاعر وناقد من فلسطين .
|