Nouvelle page 1

قراءة في ديوان "مملكة الرماد" للشاعر حسن الأمراني  

  د. حامد أبو أحمد(*)

 

يقول الشاعر حسن الأمراني إنه كتب قصائد " مملكة الرماد " في باريس خلال الفترة ما بين محرم وذي القعدة عام 1405هـ الموافقة للفترة ما بين سبتمبر 1984م ويوليه 1985م ولا شك أن أجواء باريس الشعرية قد تلاقت مع فضاء الديوان على الأقل في ثلاثة عناصر رئيسية هي :

1 ـ العنوان " مملكة الرماد " الذي يجمع بين نقيضيه هما دال " مملكة " التي تعنى الكيان القائـم ، المتماسك ، الحي ، ودال " الرماد " التي تعنى الاحتراق ونهاية الحياة . وقد ربط الشاعر بين الدالين على طريقة أسطورة العنقاء الشهيرة ، الطائر الذي يبعث من الرماد . وهذا ما توضحه القصيدة التي تحمل نفس العنوان " مملكة الرماد " في صفحة 40 التي تبدأ هكذا :

توهجت حتى أضاء كياني

وحتى استنار بنوري زماني

وفيها يقول :

إذا نحن شئنا انعتاقا

" نمد يدينا "

وتولد مملكة في الرماد

فهذه الولادة هي المفهوم الإسلامي المقابل لانبعاث طائر العنقاء الأسطوري من الرماد . وبذلك يكون الشاعر قد استفاد من الأسطورة على النحو الذي يتفق مع الفهم الإسلامي الصحيح للولادة من عدم . وهذا الربط الأسطوري المتحول يوازيه ربط أخر على طريقة الرمز يين في الجمع بين دلالتين متناقضتين ، كما فعل الشاعر الرمزي الشهير شارل بودلير في ديوانه " أزهار الشر " ، وهي طريقة لقيت انتشارا واسعا فيما بعد في كل أنحاء العالم . يقول محمد عفيفي مطر في ديوان " أنت واحدها وهي أعضاؤك انتشرت " :

أعلنت ميثاق الإقامة بالرحيل

وتركت وقع خطاي في نبض الشجر

واساقطت ما بين عيني والبلاد

زمردات من حجر .

فالشاعر هنا يرحل ، لكن رحيله بمثابة إعلان عن ميثاق أقامته ، وهذا أيضا ما يفعله الشاعر حسن الأمراني ، فهو يقيم مملكته على الرماد المتخلف من الحريق . وهذا البناء القائم على التضاد يقابلنا في كل قصائد الديوان . يقول الأمراني في قصيدة " إيكار " أو " الموت في الكتابة " :

أناديك يا ملكي وحبيبي

وخلف ندائي

عصور  من العشق والدم

ويقول في قصيدة " ثلاث صور " (ص 58) :

وكان البحر لي منفى ومملكة

ومعراجا إلى الزمن الجديد

وذلك أن دلالة العشق مناقضة لدلالة الدم ، ودلالة المنفى مناقضة لدلالة المملكة أو المعراج . ولكن الشاعر الحديث منذ الرمزيين حتى الآن كلف غاية الكلف بالدلالات المتناقضة، التي تضفي أجواء من السحر والتهويم على القصائد، وتباعد بين الصورة وبين الدلالة المباشرة .

2 ـ العنصر الثاني الذي يبدو محملا بأجواء باريس (وأقول محمّلا ولا أقول متأثرا) هو التجربة الشعرية الصوفية . وقد ترك لنا الشاعر هذا التوجه واضحا تمام الوضوح في قصائده ، ولم يكتف بذلك بل نصّ عليه في كلمته عن الشعر(ص5) عندما قال : " الشعر تجربة صوفية، وتوحد مع الكون والحياة والإنسان . وما لم تلمس جذوة الشعر كيان الشاعر فإنه لن يسطـر غير ألفاظ باردة تموت قبل موت صاحبها " . وقد كان الرمزيون أيضا من أوائل الشعراء المحدثين الذين اهتموا بالتجربة الصوفية في القصيدة على نحو مغاير لما كان عليه شعراء التصوف القدامى ، سواء في الشرق أو الغرب . فالشاعر الصوفي قديما كان ينطلق من قاعدة دينية صوفية ، أي أنه كان صاحب صفة دينية أولا ينطلق منها إلى الشعر . وهذا ما نراه عند المتصوفة الشعراء أمثال الحلاج ومحي الدين بن عربي ، وجلال الدين الرومي ، في العالم الإسلامي ، والقديس"يوحنا" الصليبي والقديسة "تيريسا دي خيسوس"وغيرهما في العالم المسيحي. أما الشعر المعاصر فإنه شاعر أولا ثم صاحب تجربة صوفية ثانيا . وقد لا تحمل هذه التجربة الصوفية أي ملامح دينية ، لكن الشعراء المحدثين اكتشفوا أن هناك عناصر كثيرة مشتركة بين الشعر بوصفه تجربة إنسانية متعمقة ومجتهدة في الكشف عن الروابط الخفية الحميمة بين الإنسان والكون ، وبين التصوف بوصفه أيضا نتاج خبرة إنسانية متعمقة في الجوانب الخفية من الحياة البشرية . وقد انتقلت هذه المزاوجة بين الشعر والتصوف من الشعراء إلى الباحثين والنقاد ، فتناولها كتاب كثيرون في الغرب والشرق أذكر من بينهم الكاتب الألماني هيلموت هاتزفيلدHelmut Hatzfeld  في كتابه " دراسات أدبية حول التصوف الإسباني " حيث يدرس الروابط المشتركة بين الأدب والتصوف من خلال دراسة أشعار وأعمال المتصوفة الإسبان في بداية العصر الذهبي (أي القرن السادس عشر الميلادي) ، وذلك انطلاقا من نظريات ورؤى حديثة وقع عليها الباحثون إبان ازدهار الشعر ذي التوجه الصوفي ، وخاصة عند الشعراء الرمزيين . وقد رأى هؤلاء الطبيعة وكأنها معبد تصدر عنه أو عنها إشارات غامضة . ولسنا الآن بصدد البحث عمن كان يتوجه إليه هؤلاء الرمزيون بالعبادة ، ولكنه على أية حال معبد كوني يضم الخلق أجمعين .

وفي ذلك يقول شارل بودلير في ديوانه " أزهار الشر " :

 الطبيعة معبد ذو أعمدة حية

تصدر عنها أحيانا كلمات غامضة ،

ويتجول الإنسان فيها عبر غابات من الرموز ،

رموز ترنو إليه بنظرات مألوفة ،

مثل أصداء طويلة ، متباعدة ، مختلطة

في وحدة مظلمة وعميقة ،

رحبة مثل الليل ومثل الضوء ،

بتجاوب العطور والألوان والأصوات .

وقد ربط الشاعر حسن الأمراني في ديوانه بين شخصيتين إحداهما شرقية والأخرى غربية هما السهر وردي المسلم وغوته المسيحي . وقد أحدث الأمراني نوعا من التلاقي بين الاثنين وذلك في تقديمه لقصيدة " صلاة للنور " حيث قال : " في هياكل النور ، التقت إشراقات السهروردي بأشواق غوته فكان هذا النشيد : يا من منك النور ، وإليك يعود النور … الخ " (ص9) . ثم إن الأمراني قد أهدى ديوانه إلى غوته قائلا : " إلى أكبر شاعر في الغرب تغنى بأنوار المشرق " ولم ينس أن يستشهد بأبيات ثلاثة لغوته تقول :

إن الشمال والغرب والجنوب تطير شعاعاً ،

والعروش تتصدع والممالك تضطرب

فانج بنفسك ، وأقبل على الشرق الطهور

وقبل ذلك وضع آية من سورة البقرة تقول :

" قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم "

وكل هذه نصوص من خارج النصmetatextual   لكنها تدل عليه وتشير إلى توجهه . والقارىء لهذا الديوان لابد أن يطبع في ذهنه هذه الاعتبارات " الما وراء نصية " حتى يستطيع أن يسبر أغوار النص ويقف على الدلالات الكلية الكامنة خلف إشاراته ورموزه .

وهناك شخصية أخرى تراثية تضاف إلى الشخصيتين المذكورتين هي شخصية الصوفي المشهور محمد بن عبد الجبار النفري صاحب كتاب " المخاطبات " ، وهذا الرجل كان له تأثير على كل شعراء الأجيال الأخيرة تقريبا في العالم العربي . وينقل عنه الأمراني كلمة عن الحزن (ص 12-13) من كتاب المخاطبات . وهذه الكلمة تتلاقى مـع تيمة رئيسيـة في الديوان تتكثف في الأبيـات التالية مـن قصيدة " الحزن " :

لهذا أحبك حبا

كما لن يحبك يوما بشر

وأقنع فيك بحزني

                                                       (ص 15) .

وهذا هو نفس المعنى الذي دارت حوله كلمات محمد ابن عبد الجبار : " يا عبد ، الحزن عليّ حقيقة الحزن . يا عبد ، أنا عند الحزين علي، وإن أعرض عنى " . وسوف يستثمر الشاعر هذه الكلمات ، فيما بعد، في أكثر من قصيدة ، وبخاصـة قصيدة " رهين الحزن " (ص 38) ومقام الحزن (ص 75) ،وسوف نعود إليهما في مكان آخر من هذه الدراسة.

واحتفاء حسن الأمراني بالشاعر الألماني غوته يذكرني باحتفاء الشكلي الروسي فلاديمير بروب  بـــه (أي بغوته) في كتابه " مورفولوجيا الحكاية الخرافية " (1) حيث رأى أنه أول مكتشف للتفكير العلمي في الإنسانيات ، ونقل عنه في بدايات الفصول كلمات كثيرة من بينها ـ على سبيل المثال ـ الكلمة التالية التي وردت في بدايــة الفصــل الثانــي وعنوانه " المنهج والمادة " تقول : " إني لواثق أن نظاما مؤسسا على التحولات يتخلل كل المخلوقات العضوية ، وإن بمقدور المرء ملاحظة ذلك النظام في كل أجزاء المخلوقات في المراحل المتوسطة لتطورها " (2) .

3 ـ العنصر الثالث الذي ينقل إلينا أجواء باريس في ديوان حسن الأمراني هو ذلك التوجه الرمزي في قصائدالديوان. صحيح أنها في ديوان الأمراني رمزية شفافة ، قريبة الفهم ، الصور فيها أقرب إلى المفهوم البسيط منها إلى المفهوم الإيماني المعقد ، لكنها على كل حال تمتح من نبع الرمزيين وترد وردهم . ولنقرأ معا الأبيات التالية من قصيدة " إيكار "(ص 31)، تقول :

هو النسر يقترب الآن من حضرة الشمس :

تلك سماء تمور

ونجم يغور

فأجج جموحك ، واقرأ صلاتك ..

فالشمس مقبرة للنسور .

فالصورة هنا ـ كما هو واضح ـ ليست هي الصورة التقليدية المكونة من مشبه ومشبه به ووجه شبه وأداة شبه ، وإنما هي صورة مركبة تشمل الأبيات الخمسة التي معنا كلها ، فأنت تبدأ البيت الأول (وهو بداية المقطع رقم 2 في القصيدة) لكنك لا تتوقف إلا مع نهاية البيت الخامس فالنسر يقترب من حضرة الشمس ، لكن الشمس في النهاية مقبرة للنسور ، أي أننا أمام بداية ونهاية تمضي الأولى في خط مستقيم تتخلله أحداث جسيمة حتى نصل إلى الثانية . وهذه الصورة المستطيلة المركبة تختلف أيضا اختلافا بينا عما كان يعرف في البلاغة العربية بالتشبيه الضمني وهو أكثر صور التشبيه دخولا في العتمة والتخفي على نحو ما نقرأ في قول الشاعر أبي تمام :

لا تنكري عطل الكريم من الغنى        فالسيـل حرب للمكـان العالـي

 وذلك أن المشبه والمشبه به هنا متضمنان في النص وليسا ظاهرين فيه ، وهما يدخلان ضمن ما يسمى بتشبيه التمثيل ، أي تشبيه هيئة بهيئة أو صورة مركبة بأخرى مركبة . ولكن ينبغي القول بأن معظم القصائد لا تمضي في هذا الاتجاه القريب من مذهب الرمزين وهذا ما سوف نناقشه في الصفحات التالية .

 

تقسيم الديوان :

لقد قسم المؤلف ديوانه إلى قسمين هما : 1 ـ مملكة الرماد . 2 ـ المقامات . ونحن نرى أن هذا الديوان يشمل على تقسيمات أخرى وفقا للجوانب الفنية المختلفة للقصائد . وهذه التقسيمات هي :

1 ـ قصائد يظهر فيها التوجه الصوفي واضحا كـل الوضــوح ، وهي الغالبة في قصائد الديوان مثل " وحيدا أصلي " (ص 16) ، و " العطش " (ص 23)  و "مملكة الرماد " (ص 40) و " قربــــان " (ص 66) وخـمـس محطات صغيرة (ص 67) ، والمقامات (من ص 73 إلى آخر الكتاب) وقصيدتان تستخدمان الأسطورة وهما " إيــــكـــــــــار " (ص 28) و " رهين الحزن " (38) ، إضافة إلى قصيدتي " استغراق و " الحزن " في بداية الكتاب . وكما أسلفنا فإن الشاعر استلهم " تيمة " الحزن من الصوفي محمد بن عبد الجبار النفري . وتأتي قصائد التصوف على طريقة المتصوفة القدامى أي توجيه الخطاب إلى حبيبة بشرية تكون بمثابة قناع للذات الإلهية التي هي أساس المخاطبة . ومن هنا يخاطب حسن الأمراني حبيبته قائلا (في قصيدة الحزن ص 12) :

فلا تنكرين

ولا تعجبي من جنوني

فإن دمي الزهرة اليانعة

وروحك في دمي البلبل المنتظر

ولكن أبيات القصيدة تراوح بين هذا الخطاب الموجه إلى المحبوبة وبين الخطاب الصريح الموجه إلى الذات الإلهية ، ولهذا نقرأ في القصيدة نفسها :

أحبك حبا

غدوت أرى سره في صيامي

وفي صلواتي

عزيز على الناس أن يدركوه بذات

وأن يدركوا كنهه بصفات

ويظل الحزن هو الأساس الذي تقوم عليه العلاقة بين " العاشق " الحزين الذي يرضى من عشقه بالحزن على طريقة ابن عبد الجبار وبين المعشوق وهو الذات الإلهية التي تقبل على العبد الحزين حتى وإن أعرض عنها وفقا للتصور الصوفي عند النفري ، وذلك يعني أن الوصول إلى مقام الحزن يقرب العبد من ربه إلى الدرجة التي يمارس فيها دلال الإعراض ، أي يصير هناك نوع من التوحد الذي يؤدي إلى متانة العلاقة وقوة الرابطة .

وفي قصيدة " رهين الحزن " (ص 38) يستخدم الشاعر أسطورة " دوريس " ، ودوريس ـ كما يوضح هو نفسه لنا (ص 27) ـ حورية من حوريات البحر تزوجت نيروس ، شيخ البحر  ، فولدت له خمسين فتاة ، كلهن ذات طبيعة إلهية ـ بحرية . وقد تخيل الشاعر رابطة بينه وبين دوريس :

بين دوريس وذاتي

زورق من كلمات

لكن الحزن يمسك به عن الوصول إليها ، لأنه رهين للحزن ومن ثم فإنها (وهي سارقة الموج وكاشفة الأسرار) لن تقرأ أشعاره ولا بعض وصاياه ولهذا يتغشاه الحزن وكأنه لا يرى غير الكفن ونحن لا ندري حقيقة هل تغشاه الحزن للسبب أو الأسباب المذكورة ، أم أنه في الأساس رهين الحزن ، وأن الحزن هو الذي حال دون توثيق الرابطة بينه وبين دوريس ؟ ومن ثم فإننا نرى أن الشاعر لم يوفق في استلهام الأسطورة ولم يوفق في التعبير عن ذاته إزاء دوريس ، ولهذا جاءت كلماته متناقضة في هذه القصيدة ، على عكس ما حدث في القصيدة السابقة " إيكار " حيث نجح في استلهام الأسطورة .

ويبدأ الشاعر مقاماته بمقام الحزن (ص 75) وتأخذ القصيدة شكل الحوار الدرامي ليس على طريقة قال ويقول وإنما على طريقة عرض المسألة والرد عليها أو التجاوب معها . وتبدأ القصيدة بتقرير مسألة هي : " أنا سليل الحزن .. إلخ . ويكون الرد سماع صوت قادم من ملكوت الفجر يقول : إن وجدتني وجدت كل شيء .. إلخ . ويظل الشاعر هكذا بين قول ورد أو بين سؤال وجواب حتى يدخل في المرحلة الأخيرة من مراحل التصوف وهي مرحلة التوحد .

2 ـ وفي الديوان قصائد ذات صبغة دينية شرعية وإن حاول الشاعر أن يربطها على هذا النحـو أو ذاك بالتصــوف ، وهــي : " من كل جهات الأرض " (ص 19) و " كفلق الصبح " (ص 20) و " النبع (ص 26) و " النذر " (ص 43) والأخيــرة فيهــا محاولة لتوظيف الأسطورة ، و " صنم " (ص 65) . وهذه القصائد ذات نبرة خطابية واضحة مثل قوله :

أصخرة أنا ، فلا تحرك الأوتار

مشاعري … ولا تهز ميت الإحساس من قلبي

خوابي النار ؟    (ص 44) .

وقولـــــه :

يا نجم ، يا سهاد

يا قطر ، يا جداول اليقين

النجدة ! النجدة !

وواضح أن هذه القصائد أقرب إلى النثر منها إلى الشعر بمفهومه القائم على الانزياح اللغوي أو البياني . والشاعر فيها يعبر عن أشواق دينية ، ومشاعر فياضة ، وهلاك ونذر وخوف وغير ذلك مما يتصل بتقصير الإنسان إزاء ربه وتجاه دينه ، وهذه لاشك موضوعات مهمة وجديرة بالتناول بشرط أن يكون التناول الفني لها عاليا . ولاشك أن الشاعر وفق في بعضها توفيقا كبيرا مثل قصيدة " النبع " (ص 26) وقصيدة " صنم " (ص 65) . والقصيدة الأخيرة تنسب إلى ما يسمى حاليا شعر التوقيعات ، وهو شعر اللمحة القصيرة الموجهة نحو هدف محدد . تقول :

لكم حذرت قلبي زلة القدم

فلم يأبه

ولما لحت كالصنم

سكبت بذاتي الرهبة

زرعت جوانحي أملا

ولم أحصد سوى الخيبة

فوا ندمي !

فهذه قصيدة تبدو وكأنها تقدم توقيعا موجزا على فكرة محددة وهي هنا فكرة الصنمية في الكائن البشري ، ويكون التوقيع على الفكرة بهدف تثبيتها أو التخلص منها ، ولا شك أن الهدف الثاني هو الذي يرجوه الشاعر من وراء هذه القصيدة القصيرة . وكما هو واضح فإن الأبيات لا تنحو نحوا تصوفيا وإنما تعبر عن رغبة دينية أكيدة ، والفرق الأساسي بين القصيدة الدينية والقصيدة الصوفية هي أن الأولى تقوم على أفكار محددة وتطلعات مشروعة في حين تنطلق الثانية في عوالم الأسرار والتهويمات الكونية التي تدخل في إطار ما يسمى بوحدة الوجود .

3 ـ وهناك أنواع أخرى من القصائد ، منها القصائد الوطنية مثل " موجة من رياح الجنوب " (ص 47) و " دم الشهيد " (ص 55) و " ثلاث صور " (ص 58) ومنها قصائد في الحب وهي أقرب إلى قصائد الحب الدنيوية منها إلى القصيدة الصوفية بما هي كذلك وإن كان الشاعر يحاول كذلك أن يضفي عليها لمسات صوفية . ونرى قصيدتين من هذا النوع ، وهما " دمي شهيد عليك " (ص 50) و " الألم المقدس " (ص 52) . وفي الديوان قصيدة تحت عنوان " ثلاثة أناشيد قصيرة " وهي موجهة إلى ابنته اعتماد . وهذه القصيدة عمودية في مبناها ومعناها ، وهي مكونة من ثلاثة مقاطع كل منها ذو قافية مختلفة . وهناك قصيدة تشبه قصائد الرومانسيين هي " معزوفة الغريب " وإن كانت تعزف على الوتر الصوفي . وقد تمثل فيها الشاعر بيتا من أبيات على محمود طه على نحو ما نقرأ في الأبيات التالية :

كلما زلت بي النفس

تمثلت بما قال معنى كليوباتره

" أنا من ضيع في الأوهام عمره " .

وهكذا نجد ديوان " مملكة الرماد " منوعا في قصائده ، منوعا في تجاربه ، منوعا في موضوعاته ، فضلا عن أنه يلتزم بجانب شكلي مهم هو التنغيم . وقد عرض الشاعر لذلك في مقدمته القصيرة حيث رأى أن الشعر العربي منذ أن وجد انبثقت عنه أنماط شتى من التوقيع أو الإيقاع . فبالإضافة إلى تقسيمات القصيدة المعروفة حاليا مثل الشعر الحر وشعر التفعيلة .. إلخ . كان هناك " القصيد " و " الرجز " و " البند " و " الموشح " … إلخ . وهو ، أي الشاعر الأمراني ، في مجموعته هذه (وهي رقم 6 في مجموعاته الشعرية) يقترح نمطا جديدا هو التنغيم . والتنغيم ـ كما عرّفه ـ هو الإطار  الصوتي الذي تقال به الجملة في السياق . وهو يختلف من جملة إلى جملة ، ومن معانيه التكلم بالكلام الخفي والميل إلى الهمس ، مخلفا وراءه الجلبة والصراخ . ومن معانيه أيضا التطريب ، وهو أمر لا يتحقق إلا بمراعاة الشكل إلى جانب المضمون (انظر صفحة 6 و7) . ولا نرى أن الأخ حسن الأمراني قد أتى بجديد في هذا الجانب سواء على مستوى هذه الكلمات التنظرية الموجزة في بداية الكتاب أو على مستوى البنية الفنية للقصائد . فقصائده ـ كما لاحظنا من قبل ـ تقيم توازنا بين الشكل والمضمون … هذا صحيح ، ولكن هذا أمر شائع وموجود في الغالبية العظمى من قصائد الشعر العربي ، قديمها وحديثها ، لدرجة أننا لا نستطيع أن نستثنى من ذلك إلا بعض شعراء الموجة الثانية من شعر الحداثة وغالبية شعراء السبعينيات . أما شعراء "أبوللو" ومعظم الشعراء من بعدهم سواء من التقليديين أو من جيل الريادة الأول في الشعر الحر فإنهم كانوا حريصين على التوازن بين الشكل والمضمون وما يتبع ذلك من تنغيم وتطريب . وعلى أية حال فإن هذه الملاحظة لا تغمط هذا الديوان حقه في تقديم قصيدة منغمة موقعة ، ذات طابع صوفي إسلامي وتنطلق من منطلقات حديثة.

 

 

الهوامـش 

(*) د. حامد أبو أحمد باحث من مصر .

(1) انظر ترجمة هذا الكتاب المهم بقلم أبو بكر أحمد باقادر ، وأحمد عبد الرحيم نصر كتاب النادي الأدبي الثقافي بجدة ، 1409هـ ـ 1989م.   

(2) المرجع السابق ، ص : 73 .