|
هل يصير الروائي مؤرخا ؟ ! وقفة مع الزمن في رواية "الإعصار والمئذنة" لعماد الدين خليل |
|
عبد الكريم الدخيسي - المغـرب |
|
اطلعت على مقالة للأستاذ حيدر قفه تحت عنوان : "رواية الإعصار والمئذنة لعماد الدين خليل" , في إطار النقد التطبيقي للأدب الإسلامي المعاصر(1) . وقد كان العرض ممتعا بحق , ولكن اللافت للانتباه فيه عروجه على البعد الزمني في عجالة , أراها مقصِّرة في حق هذا العمل , في نظرنا –على الأقل – إن لم تكن أخلَّت بجمالية العرض والنص على حد سواء . إذ إن الناقد اختزل البعد الزمني في قوله بأن زمن الرواية :"لا يتمثل في تاريخ أصم ذي حروف قاطعة كحد السيف (8 آذار وهو يوم الثورة ) , ولكنه بعد زماني يخترق حواجز الأرقام إلى التناغم النفسي , مع الأيام بما توحيه من تفاعل مع الأحداث والناس.." وخلص الناقد إلى ما يستنتج أو يستقى من توافق آذار/مارس –رمضان حيث وقعت الأحداث :"فالربيع بأزهاره ووروده ونسماته يوحي بالأمـل , الذي يـعلقـه الناس على ثورة الشوَّاف , ورمضان شهر التضحية لمقاومة الطغيان , والذبِّ عن دين الله في مواجهة الملحدين "(2) . والواقع أن الزمن في رواية الإعصار والمئذنة يحتاج إلى وقفة مطولة , ولكن حسبنا ما يجود به الوقت , في هذه المحاورة على اعتبار أن "الرواية هي فن الزمن" (3) . ايكاد النقاد الروائيون يتفقون على تقسيم الزمن الروائي إلى ثلاثة أقسام تتلبس بحوادث السرد , وتلازمها ملازمة مطلقة , وهي "1 . زمن الحكاية أو الزمن المحكي ( وهي زمنية تتمحض للعالم الروائي المنشإ.. وهو اللحظة المتبلورة المتحصحصة من الزمن..) 2. زمن الكتابة , ويتصل به زمن السرد , مثل سرد حكاية شعبية ما ..وهو يُسبَق بزمن المخاض الإبداعي . 3. زمن القراءة وهو الزمن الذي يصاحب القارئ وهو يقرأ العمل السردي"(4) . ويتعرض النقاد خلال دراستهم للزمن الروائي للإرجاعات والاستباقات أو ما يسمى الاستشرافات , كما يعرضون للعرض المباشر والمؤجل , إضافة إلى الوقف و الثغرة والمشهد والتلخيص والترابط والتضمين والترتيب(5)…وهي مصطلحات يمكن الاطلاع على حمولتها مفهوميا في مظانها . وتوجد هذه القضايا مركَّبة في العمل الحكائي , وبذلك ينبني على التقسيم أعلاه أزمنة خارجية ثلاثة , هي : الزمن التاريخي , وزمن الكاتب , وزمن المتلقي أو أزمنة المتلقين..وتحديد العلاقة بين هذه المقولات يحدد الإشكال الزمني للحكي . و لن نعرض لجميع هذه المقولات في الرواية لأن ذلك يتطلب عملا آخر غير الذي نحن بصدده ؛ بل سنعرض الزمن في "رواية الإعصار والمئذنة" من خلال ما يسمى الإرجاعات الخارجية التي تشكل تمفصلات كبرى في العمل الروائي…ونتوقف على دلالاتها , ما استطعنا إلى ذلك سبيلا . الزمن في رواية الإعصار والمئذنة : الناظر إلى البنية الزمنية التي تقدمها الرواية , أو بالأحرى النسق المقدم عبر السرد , يستطيع الوقوف على أن الزمن الروائي يمكن أن يكون خطيا , ويمكن أن تُداخله مستويات أخرى من السرد , كالوصف والحوار وغيرها..الأمر الذي يدعو- بالضرورة- إلى تقسيم هذا الزمن إلى زمن خطاب وزمن قصة . ويرى "تودوروف " أن زمن الخطاب يعتبر بمعنى مـا زمنا خطيــا , بينما زمن القصة متعدد الأبعاد..حيث تقع في القصة عدة أحداث في آن واحد يجد الخطاب نفسه مضطرا إلى وضعها واحدا تلو الآخر .(6) تميل الرواية إلى العناية بالماضي أكثر من أي شيء , واستحضاره لتوظيفه بنائيا عن طريق الإرجاعات أو الارتدادات , كما يسميها د.عبد الملك مرتاض , التي يكون لها اعتبار في ذهن السارد.. والنص الذي نحن بصدده , يقدم نفسه شبه خـال من المؤشرات الزمنية ما عدا القلة القليلة منها , والتي لا تسعف المتلقي في الإمساك بخيوط النص , وتحديد بدايته ونهايته على الأقل . فباستثناء الإشارة الزمنية :"صبيحة الأحد الثامن من آذار" , والتي لا نعثر عليها إلا في الصفحة 140 , أي بعد انقضاء ستة عشر فصلا من فصول الرواية الخمسة والعشريين , وهو ما يفوق نصف صفحات الرواية البالغة حوالي 216 ص ؛ بـاستـثـنـاء هذه الإشارة لا نكاد نعثر في النص إلا على تلميحات أو إشارات , غامضة أحيانا , لا يمكن أن تفيد في تحديد زمن القصة إلا بشكل عمومي وطفيف , وهي : شهر رمضان , وصلاة الجمعة , والإفطار , وطعام السحور . والثامن من آذار / مارس كان يوم ذروة الأحداث حيث وقعت الثورة ..بيد أننا نلفي أثناء قراءتـنـــا النص تلميحــات تــفـيد في تحديد بدايـة القصة , وذلـك في قول السارد :"كان الوقت مساء" (ص9) (7) , ويرتبط به قوله أيضا :"اليوم ؟ الخميس ؟ الذي اعتدت فيه أن تقضي عندنا الساعات الطوال"(ص16) ؛ وهذه هي البداية الحقيقية للقصة , أي الخميس 5 آذار/مارس.. في حين أن النهاية تتحدد بنهاية الرواية , في الفصل الأخير بقوله :" وانطلق في ساعة مبكرة من صباح اليوم التالي وهو يغذ خطاه.."(ص205) ويقصد يوم الثلاثاء 10 آذار /مارس . وعليه فالقصة تمتد أحداثها على مدى ستة أيام , من الخميس 5 آذار /مارس إلى الثلاثاء 10 منه سنة 1959 م ..والذي كان يوافق شهر رمضان 1379هـ . والأحداث واقعية , الأمر الذي يثير سؤالا هاما حول إمكانية تحوُّل الروائي مؤرخا مـادام يعتمد أحداثا واقعية , جرت في مكان ما , وسجلها التاريخ ؟ وهل يمكن أن يلتهم الجانبان التاريخي والإيديولوجي الجانبَ الفني من خلال هذا النوع من الاستلهام ؟ أو عـبـر الدفاع عن قضايـا الأمة ومصيرها ؟! سنحاول الإجابة عن السؤال من خلال الوقوف على زمن كتابة الرواية : فقد صدرت طبعتها الأولى عن مؤسسة الرسالة ببيروت سنة 1984 , وهو التاريخ الذي ذُيِّلَت به الرواية مع مكان كتابتها وهو مدينة الموصل –مدينة الكاتب- (ص216) . والذي يوحي بذلك عتبة الإهداء الذي صدرت به :"بعد مرور ربع قرن على ثورة الموصل..وفاء لمدينتي التي أحببتها إلى درجة العشق"(ص5) , بمعنى أن الأحداث وقعت في التاريخ المذكور آنفـا , أي عام 1959 . ومن هنا يوهمنا المؤلف بواقعية أحداثه وشخوصه , من خلال تقنيات السرد , وما تتيح له من قدرة على تخيل ما جرى..وهنا موقع الزمن الروائي الرابع , والذي يقترحه الدكتور عبد الملك مرتاض :"زمن ما قبل الكتابة" (8) , حيث يكون للروائي كامل الوقت لرسم "الاستراتيجية" التي سيُعـامل بها شخوصه, وموضَعَـتـهم في المواقع التي يريد . وتجدر الإشارة , بمناسبة ذكر الواقعية , إلى أن الرواية الواقعية عمدت إلى استخدام الحادثة التاريخية خلفية لها..بحيث تكون محبوكة بدرجة , يصير معها القارئ قريبا جدا من أبطال الرواية . ونطالع هذه الخلفية التي أرادها الدكتور عماد الدين خليل في مكان آخر ,حيث كتب متحدثا عن أحداث الموصل , وثورتها عام 1959 :"إلا أن القضية التي لا بد من الإشارة إليها , أن الخطأ الذي مارسه الشوَّاف بتسرعه في إعلان الثورة قبل الموعد المتفق عليه مع سائر رفاقـه في بغداد وباقي مناطق العراق؛ الأمر الذي أحدث ازدواجا في التحرك وإرباكا في موقف كبار القادة العراقيين , وبخاصة الشهيد "ناظم الطبقجلي" و"رفعت الحاج" , هذا الخطأ هو الذي أودى بمصير الثورة والثوار…وساق زمرة من المؤمنين , ومئات المواطنين الأبرار إلى حتوفهم وسط عاصفة من الإرهاب الأحمر والديكتاتورية الطاغية…لكن الذي ألقى العزاء في أفئدة المهزومين يومها إيمانهم بأن الدم الذي نزفته أجساد الثائرين سيظل يلتهب كـالنـار لكي يسير على وجهه الأبدي الممحص , كلُّ الذين آلوا على أنفسهم أن يحموا عقيدتهم , وعروبتهم , وتاريخهم و قيمهم إزاء عوامل التحلل والإفناء التي تحيق بها أو يموتوا.."(9) . أليس هذا هو مضمون الرواية التي بين أيدينا..إذا فأحداث الرواية مستوحاة من تــاريخ العــراق الحديث..وهي الأحداث التي ما تزال تتكرر متشابهة , بل ومتناسخة , في كثير من المواقع , وعلى طول الأيام..وقد تعمدتُ إيراد هذا النص بطوله لإبراز طابع الواقعية الممتزجة بالخيال ؛ وإلا فأين القادة الذين ذكرهم الكاتب في هذا النص ؟ ثم أين باقي أُسَر الموصل التي كانت تشكل المظاهرات وتطوف بها في أرجاء المدينة , وهم الذين شاركوا في الثورة ؟! لذا فالحدث من حيث هو "يجب أن يتسم بالزمنية والزمن من حيث هو يجب أن يتصف بالتاريخية في أي شكل من أشكالها"(10) . والذي يؤيد هذا الكلام كون الواقعة سجلها التاريخ قبل النص الأدبي , فهل يمكن أن يتحول المبدع مؤرخا , أو يصير المؤرخ أديبا مبدعا لمجرد عمل كهذا ؟! إن تعامل الكاتب مع شبكته الزمنية من خلال نصه الروائي , حسب الأحوال التي ترافق كل بطل من أبطاله , والفضاءات التي يريد أن يموضع فيها كل واحد منهم ..أو غير ذلك من الأمور هي التي تُيَسِّر لـه أمـر الخروج من التاريخ على الأدب , ولذلك"تعتبر الأحداث التاريخية "بيضـاء" يستـحضرهــا الكــاتـب لـتـعاصره وتزامنه , وهنا يقع التزامن بين زمني الكتابة والمغامرة اللذين يتفق كثير من الناس على أن الأخير سابق على الكتابة حقــــا "(11) ويناقش د. مرتاض هذه المسألة , ويرى أن "مجرد إيراد اسم لشخصية تاريخية لا يستطيع أن يـقـنـعـنـا بتقدم زمن الأحداث على زمن الكتابة " لأن ذلك يؤدي في الأخير إلى فساد العمل الروائي أو اضطرابه "(12) ويرى أيضا أن التأريخ للمجتمع بواسطة الكتابة الروائية , والذي يعنت كتاب الرواية التقليديون أنفسهم به , لا يرضيه..بل يراه أولج في سذاجة الكتابة منه في الإبداع الخلاق "فكأننا ببعض هؤلاء وهم يجعلون من أنفسهم مؤرخين للمجتمعات , لا كتابا يعالجون مشاكل المجتمعات , أو قـل كتابا يمتعون القراء بجمال كتابتهم في تلك المجتمعات" (13) . وحق للدكتور مرتاض الهجوم , على من يسلك هذا الطريق من الكتابة , هذا الهجوم القاسي , على حد وصفه , لكن الفيصل والمخرج من ذلك هو مدى جمالية توظيف التاريخ في النص الإبداعي الروائي . وفي روايتنا هذه لم يأت د.عماد الدين خليل ببِدْع , فتوظيف وقائع التاريخ في الكتابة الروائية كثير , ومنتشر و وإن بدرجات مختلفة و مستويات متفاوتة . وفــي نظري يمكن إدخال "الروايــات الأنـهــــار" , والتي تحـكــي تاريخ أجيال أسرة معـيـنـة في هذا الإطار..ولكن لـنـضـرب نماذج على سبيـل التمثيل لا الحصر : فروايــات : (الزيني بركات) لجمال الغيطاني , و(الولاعة) لحنا مينه و (سبعة أبواب , والمعلم علي , ودفنا الماضي) لعبد الكريم غلاب , ناهيك عن الكثير من أعمال نجيب محفوظ…هذه الأعمال فيها تأريخ بنسبة أو بأخرى.. إن استلهام التاريخ من قبل الفنان أو المبدع , ليس لمجرد الرغبة في الكتابة عن أحداثٍ واقِعةٍ أو وَقَعَت , أو الانطلاق منها للتأريخ للمجتمع كما سبق ؛ كما أنه ليس من الضرورة أن يجعل المبدع من نفسه مؤرِّخا للمجتمع لأنه كتب عن أحداث سابقة . بل الماضي , بالنسبة لنـا , هو المنارة التي نهتدي بها في ظلمات حاضرنا الحالكة , ونستشرف بها أفق مستقبل أيامنا المجهول ؛ والرجوع إلى ماضينا المزهر رسالة تحمل أكثر من معنى..إننا نقـــول بها للناس , إن أحداث ماضينا ما تزال حيَّة في صدورنا , تـغلي في أرواحنا , بل تكاد تنفجر بها قلوبنا.. إنها المصباح الذي ينير طريق الظُّلْمَةِ التي تُـحـَـيِّر حاضر أمتنا المُثخَن بالجراح , والمثقل بالهموم ..وهذا هو العزاء الذي تحدث عنه د.عماد الدين خليل آنـفــا..وحول هذا الموضوع يقول عبد الكريم غـلاب مؤكدا :" لست في حاجة أن أؤكد أن كتابة التاريخ , وتاريخ الحركة الوطنية بالذات , لا يعني الحديث عن الماضي . فالتاريخ لا يقصد للتاريخ الذي نعتبره انتهى , ولكن كتابته تعني الاستمرار , فأحداث التاريخ التي انتهت لا تعني أنها مـاتــت بقدر ما تعني أنها حيَّـة في نفوسنا وفي نضالنا "(14) وهذا الأمــر لاحظـه حتى الدارسـون الـغـربـيـون للـقـصة الـعـربية , يقول "روجي آلن" : "على الرغم من أن الكتاب العرب الحاليين ما زالوا يحاولون استخدام التاريخ في أعمالهم القصصية , غير أن الهدف من ذلك لا ينحصر في تقديم الأحداث , بل في استخدام الماضي لتصوير الحاضر والمستقبل واستنباط القيم منه .."(15) .وقد ألمع لهذا الأمر ذ.حيدر قفه أثناء حديثه عن رمضان , شهر التضحية , والثورة تحتاج إلى التضحية لمقاومة الطغيان…لكن الذي لم يذكره الأستاذ هو أن رمضان شهر الانتصارات الكبرى على مدى التاريخ الإسلامي , منذ غزوة بدر الكبرى سنة 2هـ إلى حرب رمضان عام 1394هـ (حرب أكتوبر 1973)…وكأني بالذين أعلنوا الثورة في العراق آنـئـذ , إنما تفاءلوا بشهر رمضان الذي هو انتصارات متتالية على مدى أربعة عشر قرنا من عمر الأمة الإسلامية .. ولكن القضاء اختار شيئا آخر . ثم إن الرغبة في التغيير , وعدم الرضا عما يجري في العراق , منذئذ وإلى اليوم يدفع الناس إلى التفكير في الثورة على الأوضاع المزرية القائمة , والتي طالت , ولا يجني منها الشعب إلا الوبال الوخيم . إن الأدب رسالة..وللأديب كل الحق في إبلاغ رسالته التي يريد إلى المتلقي , كما أن له الحق في التعبير بالطريقة التي تحلو له..وهذا ما توفره له التقنية الروائية في حد ذاتها , والتي لا تنفصل عن لحظة الكتابة " إذ الكاتب , في حالي القبول والرفض لها , يظل خاضعا لأساليب الـعـيـش لعهده"(16) . ولنعد إلى الإرجاع (أو الارتداد) , والذي يقـسمه النقاد الروائيون إلى داخلي وخارجي : فالأول يعود إلى ماض لاحِقٍ لبداية الرواية , وقد تأخر تقديمه في النص ؛ بينما الخارجي يكون باستذكار سابِقٍ عن بداية الرواية.(17) وروايــة "الإعصار والمئذنة" تحفل بكليهما , غير أننا سنقـتـصـر , في حديثـنـــا , على الأخـيــر الـــذي منه مـا يـمـكـن تـحـديـد مـداه , ومـنـه مــا لا يـمكن . ومثال ذلك قول السارد :" سلمى تذكر جيدا أنـهـا في السنوات التي سبقت وفاة والدتها كانت تخرج بين يوم وآخر إلى تل الذهب"(ص26 ) ؛ والتكرار هنا يلتبس بالإرجاع الذي يجهل مداه , فوالدتـهـا في النص توفيت قبل أربع سنوات , بينما (السـنـوات) هـنـا غـيـر مـحـددة . ويـقــول أيضا :"ويظل شارع الغزلاني يصعد باسم الفاروق هذه المرة لكي ما يلبث أن يتجاوز دورة الساعة , حيث ينتصب البرج الذي كانت قد أقامته في منتصف القرن الماضي في بــاحة كنيسة الآباء الدومينيكان" (ص13) . وهذا الإرجاع يمزجه السارد بالوصف الجميل لأحياء المدينة العتيقة..وتأمل أيضا قوله :" ومنـتـهـيـا-أي الشارع- بمنطقة رأس الجادة التي كانت في العهد الملكي منطلقا للتظاهرات" (ص14) , و"لا تزال شاخصة فيها الحفرة الغائرة التي أحدثتها قنبلتان كانت طائرة إنجليزية قد ألقتهما على حشد من أهالي البلد "(ص14).. إن مدى الإستذكارات الواردة في ثنايا الوصف غير محدد ، بل قد يغور في أعماق الماضي..لكن" الحس التاريخي" لدى د.عماد الدين خليل واضح من خلال هذه المقاطع , وذلك نابع من اهتمامه بالتاريخ , وهو الذي كتب فيه الكثير من الكتب , ويدرس الحضارة والتاريخ الإسلاميَّيْن ..أضف إلى ذلك رغبته الأكيدة في إتمام مشروع إعادة كتابة التاريخ الإسلامي , بل ونشره إلى أقصى حد ممكن , وإطلاع القارئ عليه أينما كان..ولم لا عبر الرواية , أو عبر غيرها من الفنون التعبيرية؟! (18) إن هناك حنينا جارفا إلى الماضي بصفحاته المشرقة لا المظلمة..ومن خلال الفقرات أعلاه تلميحات إلى ما عمله المعمر الإنجليزي البغيض ؛ فهناك القمع , والتخريب الذي ما تزال آثاره بارزة في شوارع المدينة , والرغبة في تكميم أفواه الأهالي المتظاهرين مطالبين بحقوقهم . وجدير بالذكر أن تاريخ العراق حافل بالثورات نذكر منها ثورة العشرين التحررية وثورة مايس 1941… ومادام المؤلف لم يحدد مدى هذه الأحداث , خاصة ما يتعلق منها بالماضي الأسود فذلك دليل آخر على بغضه لتلك الفترة , وما حملته من فظائع , وما إلى ذلك..ويقاس عليها كل عهد أو حكم لا ينال فيه الشعب ما يبتغيه من حرية, واستقرار , وأمن , وعيش رغيد… ولنتوقف أخيرا عند هذا المقطع , يقول السارد في الرواية :"كان أهل الموصل في الماضي إذا انهالت عليهم الثروة , أنفقوا على دور أكثر رفاهية ..لكن أحدا لم يفكر يومها أن يتجاوز مقولات المعمار ذي القرنين من الزمن" (ص16) ؛ وقوله :"إن الموصل أعلنت انتماءها منذ قرون إلى منارتها العالية , وأخذت منها اسمها , واكتست عظامها العارية بقوة الروح التي تبثها لحما ودما " (ص53) . لقد فُـتِحَ العراق مبكرا..وقد كان من حكامه المسلمين" نور الدين محمود" الذي بنى المنارة الشهيرة فيها ؛ وهنا يقول د.عماد الدين خليل إن الموصل أعلنت انتماءها للمنارة التي بناها "نور الدين محمود" منذ قرون , وأخذت منها اسمها..(19) وفي ذلك تعلق بالسماء , والنور العلوي المنبعث من المنارة , لا بصفتها منارة , ولكن بما تحمل من معـان سامية.. إن أهل الموصل مشدودون إلى الأعلى , منذ قرون , بينما غيرهم يكافحون ويكابدون من أجل الخروج من الوحل الأرضي الذي يشدهم إلى الأسفل..وإلى الأرض المنبسطة , فينبطحون , مع مرور الأيام , خاضعين خانعين للطواغيت والجبابرة وقوى الاستكبار العالمي في الأرض..وكأن الكاتب يريد أن يوصل للناس رسالة مفادها أن الدين وحده هو المخرج مما تعيشه البلاد , ويُـسَـامُه العباد من ذل ومهانة..والغوص في أعماق التاريخ كفيل بالكشف عن نوايا السارد , ومـا يريد إيصاله للقارئ في ضوء ما يتقاذف أهله , ويتجاذبهم من تيارات حاكمة , وإيديولوجيات طاغية , بقي شعبه وسطها حائرا , لا يملك حراكا , وإن تحرك فمصيره كمصير ثورة أهل الموصل..إن الحل الذي يقترحه , والذي يشير إليه بطريقة واضحة , هو الــرُّنُو إلى السماء , والسماء فقط ! ! وفي ذلك كل الأمل . إن هذه الوقفة أملاها قول الناقد ذ.حيدر قفه بأن عماد الدين خليل :"استخدم السرد المتنامي نحو الحبكة الكبرى , وهو ذروة الأحداث , ولم يلجأ إلى أسلوب الرجوع إلى الخلف , أو ما يسمونه بالأجنبية "الفلاش باك" (… ) فكان ذلك أقدر على جذب القارئ وإعطائه اليسر والسهولة في الوصول إلى الإشباع الفني , بعيدا عن التقاطع المشتِّتِ للمتعة أحيانــا" (20) .
|
|
|
|
الهوامش 1-مجلة الأدب الإسلامي . السنة 3 العدد 11 ربيع الأول 1417. ص 80-92. 2- نفسه : ص 84-85. 3-الكلمة للوسينغ , افتتح بها الدكتور عبد الملك مرتاض المقالة السابعة من كتابه القيم :"في نظرية الرواية : بحث في تقنيات السرد" منشورات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويت.سلسلة عالم المعرفة العدد 240 ص 199. 4- نفسه : ص 209-210. يراجع في الموضوع أيضا : حسن بحراوي :"بنية الشكل الروائي: الفضاء-الزمن-الشخصية" الطبعة الأولى 1990 المركز الثقافي العربي بيروت –الدارالبيضاء حميد لحمداني : "بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي" الطبعة الأولى 1991. المركز الثقافي العربي بيروت –الدارالبيضاء سعيد يقطين : "تحليل الخطاب الروائي :الزمن –السرد-التبئير.."الطبعة الأولى 1989 . المركز الثقافي العربي بيروت –الدارالبيضاء 5- عبد الكريم الدخيسي و بوعزة الفرحان :"الزمان والمكان في رواية الإعصار والمئذنة لعماد الدين خليل " بحث مقدم لنيل دبلوم المدرسة العليا للأساتذة بمكناس /الموسم الجامعي 1994-1995 و قد أشرف على إنجازه محمد عفط (مرقون) 6- بنية الشكل الروائي :ص115 7- الإحالة على صفحات الرواية و هي بين قوسين في هذ البحث . 8- في نظرية الرواية : ص 210 حيث يسميه زمن المخاض الإبداعي . 9- محمد إقبال عروي : جمالية الأدب الإسلامي . ص191 الطبعة الأولى 1986 المكتبة السلفية الدار البيضاء نقلا عن عماد الدين خليل / كتابات إسلامية ص 54 الطبعة الأولى-1982 -المكتب الإسلامي-بيروت. 10- في نظرية الرواية : ص209 . 11- نفسه : ص 213 . 12- نفسه : ص 214 وص 226 . 13- نفسه : ص226 . 14- حميد لحمداني : من أجل تحليل سوسيو بنائي للرواية..طبعة 1984 منشورات الجامعة -الدار البيضاء نقلا عن عبد الكريم غلاب :تاريخ الحركة الوطنية بالمغرب ص 7 15- روجي آلن : الرواية العربية : مقدمة تاريخية ونقدية , ترجمة حصة منيف الطبعة الأولى 1986- المؤسسة العربية للدراسات والنشر - بيروت ص62 . 16- في نظرية الرواية : ص215 . 17- تحليل الخطاب الروائي : ص77 بتصرف. 18- أنظر على سبيل المثال مسرحية " المغول" مؤسسة الرسالة بيروت ؛ و"السيف والقلم"رواية قيد الإنجاز له أيضا (المشكاة عدد30) . 19- ابن الأنباري : سميت كذلك (يعني الموصل) لأنها وصلت دجلة بالفرات / القاموس المحيط : مادة وصل - وتلقَّب : الربيعين , والحدباء لوجود المنارة التي احدودب أعلاها , كما أنها كانت إمارة حمدانية , وخضعت لحكم الأتـابكة سلالة زنكي . 20- حيدر قفة : مقالة مذكورة ص 81 .
|