Nouvelle page 1

أطروحة جامعية في موضوع – مفهوم التناص وخصوصية توظيفه في الشعر الإسلامي المعاصر

-شعر الامراني والرباوي وبنعمارة نموذجا -

المختار الحسني

 

مفهوم التناص وخصوصية توظيفه في الشعر الإسلامي المعاصر بالمغرب- شعر الأمراني والرباوي  وبنعمارة نموذجا" عنوان لأطروحة تقدم بها الطالب المختار حسني للمناقشة، يوم الثلاثاء 27 يونيو 2000 بكلية الآداب- بنمسيك/الدار البيضاء، من الساعة الثالثة والنصف إلى الساعة الثامنة والنصف مساء، من قبل لجنة علمية مكونة من الأساتذة:

–1   د. محمد بلاجي رئيسا

–2   د. محمد خليل مشرفا ومقررا

–3   د. سعيد الغزاوي عضوا

–4   د. مولاي مبارك العلمي عضوا

–5   د. محمد ظريف عضوا

وبعد المناقشة أعلنت اللجنة حصول الطالب على درجة الدكتوراه بميزة مشرف جدا. والعرض التالي ملخص لمحتويات الأطروحة وبنائها.

عنوان هذه الأطروحة: (مفهوم التناص وخصوصية توظيفه في الشعر الإسلامي المعاصر بالمغرب، شعر الأمراني والرباوي وبنعمارة نموذجا)، تشتمل على مقدمة وبابين وخاتمة وملحق وفهارس. وسنتناول هذه العناصر جميعها بما يلزم من التلخيص الذي يقرب القارئ من محتوياتها قدر الإمكان.

المقدمة :

            تطرقتُ في المقدمة لأربعة مداخل، قصدتُ إلى الاستنارة بها لقراءة الأطروحة على بينة، وهو إجراء معهود في الرسائل والأطروحات. وهذه المداخل هي:

1-دوافع اختيار الموضوع/ 2- تحديد الموضوع/ 3- التصميم/ 4- المنهج المتبع.

1- دوافع اختيار الموضوع:        

قسمت الدوافع إلى ذاتية تعود إلى علاقتي الخاصة بالأدب الإسلامي وبعض رموزه في المغرب، وإلى دوافع موضوعية تعود إلى ما تعرفه الأمة الإسلامية من صحوة شاملة لكل الميادين، وإلى استواء أمر الأدب الإسلامي واقعا لا يمكن إنكاره.

أما التناص فكان مجرد أداة، من الأدوات الأخرى الممكنة ، اخترتها لِـ"مقاربة" النصوص الشعرية لشعراء المتن. على أن الاختيار هنا أيضا لم يأت جُزافا، ، فقد عرفت الساحة النقدية اهتماما متزايدا بهذا المصطلح، واستغل استغلالا إيديولوجيا في الغالب، سواء في موطنه أو في المجالات الثقافية التي استوردته. فكان همي أن أبرز الضرر البالغ الذي يلحق هوية الأمة باعتماد نظريات منبتها يختلف عن المجال التداولي لحضارتنا، وأن أبين بأن "الشعرية" لا تكمن في المعارضة من أجل المعارضة، كما لا تقع في "نسف" و"تدمير" الغيب والقيم والتقاليد…مما له علاقة وطيدة بالمضمون أكثر مما له علاقة بالشكل.

            فالتنبه للتناص جاء نتيجة لحاجة إيديولوجية، هي في الغرب سعي اليسار إلى القضاء على البورجوازية وقيمها، وهي ، في المغرب، على الخصوص، سعي اليسار والحداثيين أيضا لنفس الهدف عبر السخرية والاستهزاء بالدين والقيم تحت شعار "الطليعة" و"الحداثة" و"الشعرية"…وقد مارس النقد والشعر معا هذه المهمة منذ مطلع هذا القرن حين انبهر الأدباء والدارسون بحضارة اليونان فجعلوها معيارا للتفوق والنزعة الإنسانية، وقادتهم القوميات الضيقة إلى استثمار الرموز الوثنية، فلم يكن التناص في المجالين النقدي والإبداعي إلا تجديدا لأسلحة المواجهة ضد ما يشكل هوية الأمة الواحدة. فهذه القضايا التي تبدو قضايا أدبية في ظاهرها، ما هي في الحقيقة سوى مظهر من مظاهر الاغتراب الذي نعانيه.

من هذا المنطلق كان الشعر الإسلامي، قبل أن يظهر هذا المصطلح وبعد ظهوره، طرحا يقترح العودة إلى الذات بطريقته الخاصة التي كان التناص من أبرزها.

            ولما كان ربط الشعر في العصر الحاضر بالإسلام موحيا بالضعف؛  الذي خاض فيه النقاد منذ القديم حول علاقة الإسلام بالشعر كل من وجهة نظره. ولما كانت الدراسات التي أنجزت حول هذا الشعر الإسلامي المعاصر قليلة، ولما كان ما أنجز منها لا يكاد يتجاوز المضامين مسوغا لنفسه التغاضي عما قد يكون فيه من ضعف…فقد ارتأيت أن أقوم بجانب من هذه المهمة التي ما تزال في بداية الطريق. 

2- تحديد الموضوع:

يتحدد الموضوع من خلال العنوان "مفهوم التناص وخصوصية توظيفه في الشعر الإسلامي المعاصر بالمغرب…" ومن خلال المبررات الذاتية والموضوعية السالفة الذكر. وعلى هذا جعلت القضايا الأساس التي تشكل منطلقات البحث تنحصر في:

1-   مفهوم التناص

2-   الشعر الإسلامي

3-   خصوصية توظيف التناص في هذا الشعر.

أما المعاصرة والتركيز على الشعر المغربي فقد وضحت ذلك بتحديدي المعاصرة في المجال الزمني، وبررت دراسة الشعر المغربي بنضج  وتراكم النصوص الإبداعية الكافية، بالإضافة إلى ضرورة الاهتمام بهذا الإبداع بعد أن قضينا عقودا من الزمن نتتلمذ فيها على الشرق. 

3- التصميم:

            بعد أن أشرت في المقدمة إلى جمع المادة على أساس من الرؤية الإسلامية في قصائد المتن، و كثرة ما استخرجته من خطابات مختلفة تشكل نصوصا متناصة مع هذا المتن، انتقلت إلى التصميم الذي يستمد مشروعيته من نوع هذه الخطابات التي تراكمت لدي. ولما كان همي إبراز الرؤية الإسلامية، على الأقل في هذه المرحلة، فقد فضلت أن أُعنَى بالخطاب الديني الذي يشكل منجما ثرا لشعراء المتن. وعلى هذا جاء التصميم مكونا من بابين وخاتمة وملحق وفهارس. على الشكل التالي:

 - الباب الأول: في مفهومي التناص والأدب الإسلامي              

الفصل الأول:مفهوم التناص

I- في المجال الغربي:

II- في المجال العربي:

الفصل الثاني: مفهوم الأدب الإسلامي

 - الباب الثاني:   التناص في المجال الديني

          الفصل الأول:  القرآن الكريم     

          الفصل الثاني: الحديث والدعاء

الفصل الثالث: التصوف

-الخاتمة.

 - ملحق: تعريف بشعراء المتن وبأعمالهم.

- الفهارس:

-38             فهرس الآيات القرآنية.

-39             فهرس الأحاديث والآثار.

-40             فهرس المصادر والمراجع.

-41             فهرس المحتويات. 

 مع توضيح الغاية من الجانب النظري وتبرير تقسيم الجانب التطبيقي.

 4- المنهج المتبع:

            حاولت في هذا الجانب أن أبرر أن طبيعة الموضوع هي المحددة للمنهج المتبع، وأن ليس هناك من منهج صالح إلا  إذا كان متوافقا مع المجال التداولي، أي ما كان بالنسبة لنا كأمة إسلامية متوافقا والتصور الإسلامي. وليس هذا منافيا بحال للروح العلمية، فإن العلم محايد يستعمل للأغراض الشريفة وغير الشريفة. وغاية الدراسة ألا تكتفي بالتحليل المجهري الذي يقع أسيرا للجزئيات الشكلية، وإنما غايتها كما وضحت أن تدمج هذا الجزئي في الكلي، أن تنطلق من النص لا لتعود إليه بل لتلحظ أثره في المتلقي باعتبار نوعيته. وقد استعنت بأدوات مختلفة للتحليل لم أتقيد فيها بمذهب أو اتجاه معين، لأن النص أو أي ظاهرة فيه هي التي تفرض على الدارس الاستعانة بأدوات دون أخرى.

 

    الفصل الأول:            مفهوم التناص

            قسمت هذا الباب إلى فصلين، الفصل الأول هو مفهوم التناص، والفصل الثاني هو مفهوم الأدب الإسلامي. أما الفصل الأول فحاولت فيه أن أؤرخ لمفهوم التناص في المجال الغربي، فقسمته إلى أربع مراحل: 1-التمهيد للمفهوم. 2-تكون المفهوم. 3- المقاربات الأولى. 4- الإنتاجية وتنقيح المفهوم. وأما الثاني فحاولت فيه أن أتتبع المفهوم تاريخيا لدى العرب.

  I- في المجال الغربي(5):

ا- التمهيد للمفهوم:

            عرفت فيه المصطلح لغة واصطلاحا، وذكرت بعض الشروط الحضارية للغرب التي ساهمت في بروزه، وكيف أن المفهوم في حد ذاته قديم عند كافة الأمم. إلا أن الاهتمام المعاصر بالمفهوم بدأ مع دوسوسير حين اكتشافه لتناصات بين اللغات الهندو-أوربية، وتنبهه إلى التناص الذي قد يكون في الكلمة الواحدة في اللغة الشعرية حين يتعلق الأمر مثلا بجناس القلب (ثروةÜ  ثورة)، مما أوحى لجوليا كريستيفا بوجود عدة نصوص من مجالات مختلفة في النص الواحد. وكانت الخطوة التالية هي ما قام به الشكلانيون الروس مستفيدين في ذلك من إنجازات دوسوسير حول دراسة الكلمة كشيء ملموس قابل للقياس. ورغم أنهم رسخوا فكرة "النص المغلق" في بداية أمرهم، إلا أن هذه الفكرة سرعان ما تراجعت أمام اجتهادات بعض أعلام هذه المدرسة فاعترفوا بانفتاح النص على الخطابات الأخرى، وإن لم يستعملوا مفهوم التناص، كما نجد في أقوال "تينيانوف" و"ياكوبسون" وشكلوفسكي" و"إيخانباوم". بل إن هذا الأخير ذهب إلى حد التبرؤ ممن قال باستقلالية النص وانعزاليته. وقد ترتب عن هذا الاعتقاد ظهور ما يسمى بمدرسة "باختين" التي جمعت بين الشكلانية والماركسية عبر ربط اللغة بالإيديولوجيا، سواء في الكلمة الواحدة التي تشكل في كثير من الأحيان بمفردها خطابا إذا تضمنت داخلها أصواتا متصادمة، أو فيما سماه بالأدب الكرنفالي الذي انتشر في عصر النهضة. فهذا الأدب الذي تمتزج فيه الأصوات وتتصارع كما يحدث في الكرنفال، يخضع لما يسميه "باختين" بمبدأ الحوارية الذي لا يقتصر على الحوار المعروف بين شخوص الرواية، وإنما يتعداه إلى هذا الجمع بين المتناقضات والمتنافرات في العمل الواحد مما يضفي عليه طابع السخرية. ذلك ما اكتشفه وهو يدرس روايات "دوستويفسكي". وتثبيتا لهذه الأسس التي أخرجت النص من الانعزالية منذ دوسوسير، ساهم "يوري لوتمان" بكتاباته لتبين القوانين التي يتعامل بها النص مع ما هو خارج نصي. وكانت أهم ملاحظاته تتركز حول تراتبية العناصر خارج النص، وكيفية اكتسابها تراتبية جديدة بدخولها إلى عالم النص، والعلاقة التي تربط هذه بتلك. بالإضافة إلى حديثه عن "الصمت الفني" أو "دلالة الغياب" التي تشكل، في رأيه، جزءا لا يتجزأ من النص.

ب- تكون المفهوم:

            كانت جماعة "تيل كيل" الأصل الذي ترعرعت فيه فكرة التناص، فقد نشرت المفاهيم الرئيسة التي أعدتها ثلة من منظري الجماعة في إصدارين؛ الأول هو "نظرية الجماعة" شارك فيه مجموعة من الباحثين، والثاني هو "سيميوطيقا، أبحاث من أجل تحليل دلائلي" ل"جوليا كريستيفا". وكانوا جميعا يحاولون الاستفادة، لإرساء دعائم مفهوم التناص، من الماركسية كما هي عند "ألتوسير" وعلم النفس كما طوره "جاك لاكان" والبنيوية مدعمة بالنحو التحويلي. اتجه أعضاء الجماعة إلى ذلك وعلى رأسهم "جوليا كريستيفا"، لأغراض إيديولوجية بالأساس. فبعد فشل الحركة الطلابية سنة 1968 شعر الطليعيون بعدم جدوى الفعل السياسي في الوقت الراهن، فراهنوا على تشكيل جيل قادر على الثورة في المستقبل اعتمادا على العمل الأدبي. فكان التناص أفضل طريقة لهذا الغرض لكونه أجدى للسخرية من قيم البورجوازية على طريقة الكرنفال الذي تحدث عنه "باختين" وأجدى للانتقام من الأب على الطريقة الأوديبية. وحددت كريستيفا، في هذه المرحلة، ثلاث طرق للتناص: طريقة النفي الكلي، وطريقة النفي المتوازي، وطريقة النفي الجزئي.

            هذا الهدف الذي حددته "كريستيفا" للتناص هو نفسه الذي ناضل من أجله أستاذها ورفيقها في الجماعة "رولان بارت"، إذ عمل على قتل "خرافة" الأبوة في مقاله المشهور "موت المؤلف" الذي سيبني عليه في المرحلة اللاحقة دراسته لقصة "بالزاك": "سارازين".

ج- المقاربات الأولى:

            ويمكن، كما يرى "دوبيازي" تمييز أربع محطات في هذه المرحلة: 1-استمرار تأثيرات "بارت". 2- دخول المصطلح إلى معجم "دوكرو" و"تودوروف". 3-ظهور كتاب "ثورة اللغة الشعرية". 4- تكاثر المساهمات واختلاف التفسيرات.

            وأهم ما في هذه المراحل إنجازات "رولان بارت" خاصة من خلال كتابه "S/Z" وإنجازات "جوليا كريستيفا" من خلال كتابها "ثورة اللغة الشعرية". وكانت "كريستيفا" هي الراعية للمفهوم؛ ترد كل من أخطأ في تفسيره إلى "الصواب". فكثيرا ما كان النقاد يعتبرون في التناص جانبه العلائقي الصرف، أو اتصاله بالمصادر الأصل، فتنبري لهم الناقدة بالقول إن المهم في التناص هو ما يمارسه من تحويل على الخطابات المستدعاة. إلا أنها، وفي المرحلة الأخيرة سرعان ما تخلت عن الفكرة لصالح مشاغل الحياة الأخرى.

            وبعد أن تخلت "كريستيفا" عن مصطلحها كان رواجه في سوق الأدب قد بلغ أوجه. فقد تولى مجموعة من النقاد رعايته تنظيرا وتطبيقا من أمثال "كريماس" و"كورتيس" و"ريفاتير" و"جيرار جنيت". أما الطرح المتميز فكان ل"جيرار جنيت" حيث قسم علاقات النص الخارجية إلى خمسة أقسام؛ تبدأ من أضيق دائرة إلى أوسعها؛ تبدأ بالتناص فالنصية الموازية، فالنصية الواصفة، فالنصية المتفرعة وتنتهي بالنصية الجامعة. ويسمي هذه العلاقات "المتعاليات النصية". وعلى هذا يكون التناص أقرب من غيره للنص، فهو يدخل في نسيجه ويحيل في نفس الوقت على ما هو خارجي. وقد حصر "جيرار جنيت" التناص في ثلاثة أنواع:( الاستشهاد، والسرقة، والتلميح) حاولت بعض الدراسات الاستعانة بها في تحليل النص الروائي. ويبدو أنه ليس بعد هذا الناقد من تناول مفهوم التناص بالتفسير لما أحاطه به من علمية في الطرح.

  IIــ في المجال العربي:

ا ــ النقد العربي القديم:

            ركزت فيه الدراسة على مفهوم "السرقة" باعتباره المفهوم الذي أخذ قسطا أوفر من اهتمام النقاد العرب لبيئتهم الثقافية الخاصة المعتمدة على الرواية في نسبة الأشعار إلى أصحابها.

1ــ محمد بن سلام الجمحي:

            وكان ابن سلام الجمحي أول ناقد تناول هذا المفهوم كتابة مما يدل على انشغال الشعراء والنقاد في عصره بأمر السرقات الشعرية؛ فكانت  مهمته أن يميز للناس ما يمكن أن يعتبر سرقة وما يمكن أن يدخل في باب "الاستزادة" و"التمثل" و"التضمين" عند شعور الشاعر بأن ذلك سيزيد من تقوية المعنى الذي يريده في شعره.

2 ــ ابن طَباطَبا:

            دون أن يستعمل ابن طباطبا على طول كتابه مصطلح "السرقة" الذي قد تُشتم منه رائحة القدح، رفع من شأن الشاعر الآخذ من غيره إذا كان في أخذه جمال وزيادة، وحدد أربعة طرق للأخذ: - الزيادة على المعنى المأخوذ - إخفاء المعنى المأخوذ- تحويل المعنى المأخوذ - أخذ الشاعر لمعنى من معانيه السابقة مما يعرف بالتناص الذاتي. فالتناص عنده أن يدخل الشاعر نصوصا وخطابات ما، قد تكون له أو لغيره، من شعر أو نثر أو حكاية، أو علم من الأعلام أو حدث من الأحداث في نصه الجديد عبر تغييرها بالزيادة والنقص، وتحويلها بقلب المعاني ونقلها من غرض إلى غرض مع مراعاة انسجامها مع السياق الجديد والعمل على إخفائها للكد في طلبها، وذلك كله بغرض التأثير الجمالي وتعميق المعنى وتغيير المواقف.

3 ــ القاضي الجرجاني:

            بخلاف ابن طباطبا، يخصص القاضي الجرجاني بابا للسرقة يبين فيه ما هو مشترك بين الناس وما هو خاص بشاعر دون غيره. ويرى عموما أن اللاحق محكوم عليه بالأخذ من السابق، وأن مجال الخوض في المعاني المبتكرة أوسع لدى السابق منه على اللاحق، وأن اللاحق لشعوره بهذا الضيق يلجأ إلى التفنن في إعادة هذه المعاني، وأن اللاحق بعيد عن المذمة لأن أقصى ما يستطيعه هو هذا التفنن.

4 ــ ابن وكيع التنيسي:

            يقسم ابن وكيع السرقات الشعرية إلى سرقات محمودة وأخرى مذمومة، ويجعل الأولى عشرا والثانية عشرا، وهي تقسيمات لا أساس لها من المنطق الذي يوهم به. سائر آرائه مجرد انطباعات يخطئ فيها ويصيب، بل إن خطأه فيها أقرب بالنظر إلى كونه ألف كتابه المنصف أساسا للتحامل على المتنبي والانتقاص من شاعريته مما جعل ابن رشيق يعلق عليه قائلا بأنه سمى كتابه "المنصف" كما يسمى اللديغ سليما([1]).

5 ــ ابن رشيق:

            لابن رشيق كتابان تناول فيهما قضية السرقة؛ الأول "العمدة" في باب من أبوابه، والثاني "قراضة الذهب" الذي خصه بأكمله لهذه القضية. في الأول لم يزد على أن استعرض أقوال الذين سبقوه وشواهدهم من الشعر. أما الثاني فقد كان مجالا استعرض فيه ابن رشيق قدرته كاملة على التحليل والنقد الحصيف. وقد قسمت الرسالة، التي جاءت في الأصل متدافعة غير مبوبة، إلى أربعة محاور هي "المعنى العام والخاص"، "فتح المعاني"،"محاكاة ثنائيات امرئ القيس"، "ضروب الأخذ". وكان تميز ابن رشيق في تحليله لعملية التناص كامنا في تنبهه إلى ما يسميه د.محمد مفتاح بالخصائص الذاتية للنصوص مما يجعل هذا التحليل قابلا للقياس.

6 ــ عبد القاهر الجرجاني:

            تناول عبد القاهر الجرجاني موضوع السرقة في "أسرار البلاغة" و"دلائل الإعجاز". فكان في "الأسرار" معيدا لأفكار القاضي الجرجاني إلى حد بعيد، مع تميز في استحضار المتلقي ومدى تأثره بالعمل الإبداعي. أما في "الدلائل" فيرد الأخذ ضمن مفهوم النظم وفي إطار رده على القاضي عبد الجبار المعتزلي حول مفهوم الاحتذاء. ولهذا يرى عبد القاهر أن المبدع حتى وإن أعاد نفس كلام المأخوذ عنه فإن سياق عمله الجديد سيجعل صورة معناه مختلفة عن صورته في العمل/الأصل([2]).

7ــ ابن الأثير:

            في الحديث عن السرقات لدى ابن الأثير سجلت في وقوفي عنده ولعه الخاص بالإحصاء والتقسيم الموهمين بالدقة والشمولية، ونبهت إلى الارتجال والانطباعية اللذين يطبعان عمله في ذلك وفي الأمثلة التي أوردها. هذا بالإضافة إلى المصطلحات التي اعتمدها، وهي "النسخ" و"السلخ" و"المسخ". فهي كلها منفرة تدل على تشويه النص الأصل، وتنفر من السرقة رغم اعتبارها من قبل الناقد أمرا ضروريا.

8 ــ حازم القرطاجني:

            استثارة المعاني في خيال الشاعر، كما يرى حازم، تكون عبر طريقين: 1-قوة الخيال 2-والاعتماد على المقول من قبل ليس في الشعر فحسب وإنما في النثر والتاريخ والأحاديث والأمثال بشرط أن يجري الآخذ على ما أخذه التغييرات المناسبة. ويبدو من خلال كلام حازم تأثره الواضح بمن سبقه  ــ في الكلام عن "الإحالة" باستحضار قصص أو أمثال أو أحداث تاريخية...وما يتسبب فيه ذلك من غموض، وهذا ما نجده عند ابن طباطبا.

ــ وفي الحديث عن المشترك والخاص في "السرقة" مما تناوله كثير من النقاد أمثال القاضي الجرجاني وعبد القاهر الجرجاني...

ب ــ النقد والدراسات العربية المعاصرة:

            لم يظهر بعد حازم القرطاجني من تناول مشكل السرقات وما يتصل بمفهوم التناص من أوجه بلاغية معروفة، بشيء من الجدة، فقد وقف الكل عند تلخيص أقوال القدماء وإعادة شواهدهم. بل إن النقاد والدارسين المعاصرين أنفسهم، وقبل ظهور مصطلح التناص، لم يعدوا استعراض كتب القدماء وآرائهم في الموضوع. ولذلك اكتفينا بالإشارة لأهم النقاد والدارسين إلى حدود هذا العصر.

I- في المغرب:

1 ــ محمد بنيس:

            أما بعد ظهور مصطلح التناص، فليس هنالك ما يدل على أن أحدا سبق النقاد المغاربة في هذا المجال. فقد كان الفضل الكبير للتعرف على التناص، راجعا للدكتور محمد بنيس، الذي تناوله في فصل من رسالته لنيل دبلوم الدراسات العليا "ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب" فأطلق عليه مصطلح "النص الغائب" ولقي ولا زال رواجا مشهودا في الساحة النقدية المغربية والعربية. وتناوله بأُخَرَةٍ ، وبشكل أكثر تفصيلا، في أطروحته لنيل دكتوراه الدولة "الشعر العربي الحديث؛ بنياته وإبدالاتها". ورغم ما لهذا الباحث من فضل السبق في رسالته، وفضل التحليل المنهجي الذي ينم عن ذكاء وذوق قويين في أطروحته، إلا أن تصوراته التي تحكمت فيها الرؤى الغربية لم يكن لها إلا أن تصطدم والرؤية الإسلامية بشكل جلي مما عملنا -والله أعلم- على بيانه بإيجاز ووضوح، من خلال تحليلاته وأقواله. فإن اختياره لما اعتبره "قوانين" (الاجترار/الامتصاص/الحوار) للحكم على "الوعي" الذي يتحكم في قراءة الشعراء للنصوص الغائبة، غير مستند إلى طبيعة النصوص الأدبية بقدر ما يستند إلى البعد الإيديولوجي الذي يجعل من كل شعر "ثائر" نموذجا للشعرية و"المعاصرة"، وكلَّ شعر "مقلد" رمزا ل"التخلف" و"الرجعية". وقد ظهر هذا في أقوال بنيس نفسه حين نشتم من كلامه في الرسالة رائحة الحسرة لعدم جرأة الشعراء المغاربة على "محاورة"= (معارضة ) القرآن الكريم، كما نحس في تحليلاته بالنشوة حين يجد في أدونيس(علي أحمد سعيد) شاعرا بطلا يستطيع مهاجمة القرآن والإنجيل والذات الإلهية. بالإضافة إلى انشغال الدراسة برد هذه المزاعم، فقد أبرزت ضعف "قوانين" محمد بنيس بالأدلة والشواهد الممكنة.

2 ــ عبد الله راجع:

            يحذو عبد الله راجع في رسالته الجامعية "القصيدة المغربية المعاصرة؛ بنية الشهادة والاستشهاد" حذوَ رفيقه د.محمد بنيس في تفضيل الغرب وتصوراته ومفاهيمه على ما هو إسلامي عربي. بل ويدعي ــ عن غير علم ــ على النقاد العرب ممارسات نقدية متخلفة، لا لشيء إلا ليزعم استفراد الطليعة بالمعرفة. وكان من السهل، إذ يظهر الانحياز واضحا لرفاق الدرب، أن نكتشف كثيرا من مظاهر التحامل على طائفة من الشعراء، وكثيرا من الأحكام الإيديولوجية وكيل التهم لهم بقصور الوعي والتخلف...مما أثر على أدائه أثناء التحليل إذ عانى كثيرا لتحميل بعض نصوص الخصم ما لا تحتمل ليصل إلى الحكم عليها ب"قانون الاجترار" الذي يعتبر وصمة عار في جبين كل شعر اقتدى بغيره، اللهم إلا أن يكون من شعر شعراء الطليعة؛ فإنه لا حرج عليهم إذا "اجتروا"؛ بل إن الاجترار هنا قد يكون له مغزى عميق لا يدركه إلا الناقد الحصيف!. وهذا ما حاولت تبيينه في الدراسة من خلال تعرض الباحث لنموذجي الأشعري وعنيبة الحمري مثلا.

3 ــ محمد مفتاح:

            يعتبر د.محمد مفتاح أهم باحث عربي خبر مفهوم التناص ووضع له قواعد تؤصله في البيئة الثقافية العربية. وهذا في كتابيه "تحليل الخطاب الشعري؛ استراتيجية التناص" و"دينامية النص". فهو يعرف التناص بأنه فسيفساء من النصوص داخل نص واحد تحكمها به المحاكاة الساخرة والمحاكاة الجدية التي تحدث إما عبر المعارضة(شعر المعارضات) أو المعارضة الساخرة أو السرقة. ويرى أن تناسل الخطاب الشعري نفسه يقتضي التناص؛ لأنه وسيلة من وسائل تمطيط النص الشعري وتقليب معانيه بأشكال مختلفة، ويسمي هذه الطريقة من تناسل الخطاب الشعري بالحوار الخارجي. أما النوع الآخر منه فهو الحوار الداخلي الذي يتعلق بآليات داخلية من حوار سطحي ظاهر(قال، قلت...) وحوار سطحي مضمر(افتراض المبدع بأن شخصا يعترض عليه فيقدر الاعتراض ومن ثم الجواب) وحوار عميق يتعلق بنظرية العوامل الكريماصية. وما يتعلق هنا بالتناص هو الحوار الخارجي الذي لا يخرج عن أن يكون إما للتعضيد أو للسخرية. فما كان للتعضيد قسمه إلى ثلاثة أنواع متراتبة من الأعلى إلى الأدنى: التبجيل-الاحترام-التوقير. وما كان للسخرية فعلى نفس الشاكلة: الاستهزاء-السخرية-الدعابة. وقد ربط هذه العلاقات بالشروط التاريخية، ورأى أن طغيان السخرية على العلاقات التناصية في الغرب راجع إلى الجانب الإيديولوجي الذي تحدثنا عنه أعلاه، ومن ثم فلا دخل له في شعرية الشعر، لأن علاقة التعضيد (التي يسميها بنيس الاجترار احتقارا) لها نفس حظوظ الشعرية التي للسخرية إن وفر لها المبدع وسائل الشعرية. وينتقل د.محمد مفتاح بعد الجانب النظري إلى الجانب التطبيقي فيعالج بعض النصوص معالجة علمية دقيقة تعتمد على استخراج مكونات التناص، أو نقط تقاطع النص اللاحق مع النص السابق، ويسمي كل مكون بأنه خاصية ذاتية، فيصنف الخصائص الذاتية المتماثلة في جانب والخصائص المتشابهة (المشابهة والمماثلة) في جانب آخر؛ ليتوصل إلى درجة العلاقة(غلبة المشابهة أو المماثلة...) ونوعيتها(سخرية، دعابة ، توقير...) وإلى مقصدية المبدع من عملية التناص، وقد نظم ذلك في قواعد تتكون من أربعة عشر نوعا من العلاقات المختلفة على هذا النمط (+ مقصدية النفي ــ المماثلة والمشابهة+ الاستهزاء)...

4 ــ محمد علي الرباوي:

            في استعراضي دراسة الدكتور محمد علي الرباوي للتناص في رسالته لنيل دبلوم الدراسات العليا  "الشعر العربي المعاصر بالمغرب الشرقي" لاحظت شدة الاختزال لديه في الجانب النظري وتركيزه على الجانب التطبيقي. وهذا الاختزال كانت له بعض الآثار السلبية على الجانب التطبيقي بحيث خلط الشاعر بين ما حقه أن يدرج في دراسة المعجم ونظرية التأثيرات من جهة وبين التناص من جهة أخرى. ونوهت مع ذلك بكون دراسته أوفى دراسة في هذا المجال، وإن لم تكن مخصصة للتناص وحده؛ إذ أن الباحث تناول فيها إلى جانبه موضوع الإيقاع.

 II- في العالم العربي:

            تناولت في هذا المبحث مجموعة من النقاد والدارسين العرب الجامعيين الذين تناولوا مفهوم التناص تنظيرا وتطبيقا في مقالات بالمجلات وفي فصول من كتبهم. ومن هؤلاء ذ.إبراهيم رماني من الجزائر، ود.رجاء عيد من مصر، ود.عبد الله الغذامي من السعودية وذ.عبد النبي أصطيف من سوريا، وذ.حاتم الصكر من سوريا). وكانت أغلب هذه الدراسات إما متأثرة تأثرا بالغا بمنجزات النقاد المغاربة وخاصة بما ورد في رسالة د.محمد بنيس ود.محمد مفتاح، أو معيدة لتضمين الشعراء الرواد قصصا قرآنية بعينها وشعرَ "إليوت" و"شيكسبير"، والأساطيرَ اليونانية والبابلية والفرعونية ...، ورموزَ الديانة المسيحية... مما كان يُدرس إذ ذاك في النقد ضمن ما يعرف بتوظيف التراث، مع انبهام المصطلح لدى بعضهم. وليس بين هؤلاء النقاد من وقف عند التناص وقفة متفحصة تتوخى الفهم العميق عن مصادره إلا د.عبد الله الغذامي في كتابه القيم "الخطيئة والتكفير" الذي كانت مصادره الأجنبية (الإنجليزية) خير معين له على تلمس الدلالات العميقة للتناص، وإن بقي تناوله، في نظرنا، تناولا يتسم بكثير من الإيجاز لطبيعة بحثه المشتمل على قضايا أخرى غير التناص. وقد بدت شخصيته النقدية القوية واضحة في تطبيقاته على قصيدة الشاعر حمزة شحاتة كما حاولنا تبيينه في موضعه. 

الفصل الثاني:                         

مفهوم الأدب الإسلامي

            تناولت في هذا الفصل أربعة مباحث أملاها مايثيره مصطلح الأدب الإسلامي من غموض وجدل لدى فئات من المثقفين الذين تعودوا على المفاهيم الغربية للأدب وقيمه، أو رسخ في أذهانهم ما تداوله الدارسون منذ القديم من علاقة "ضعف" الشعر أو "لينه" بالإسلام...وكانت هذه المباحث في ترتيبها مراعية للتدرج في التعريف والإقناع بفكرة الأدب الإسلامي؛ فخصصت المبحث الأول لعلاقة الدين بالفن، والمبحث الثاني للمقصود بالأدب الإسلامي، والمبحث الثالث للخلفية الفكرية والوجدانية والروحية التي يصدر عنها الأديب المسلم وهو ما اصطلحت عليه "التصور الإسلامي"، والمبحث الرابع تساءلت فيه عن وجود الأدب الإسلامي، إذ لا يمكن معالجة شيء غير موجود أصلا، وقدمت نماذج من الأدب الإسلامي كما قدمت تصورا متقدما لبعض الأدباء المسلمين لمفهوم الأدب.

1- الدين والفن:

            حاولت في هذا المبحث أن أبين العلاقة الكامنة بين الدين والفن باعتبار أن الطقوس الدينية كانت دوما تتخذ طابعا فنيا يستحيل معه الفصل بين هذا وذاك. ولهذا نجد أنفسنا عندما نقبل على دراسة الديانات القديمة وجها لوجه أمام نصوص أدبية. والعجيب أن ذلك ثابت لدى سائر الشعوب. ومن هنا كانت دعوى إبعاد الفني عن الديني عند شرائح معينة من المثقفين، في هذا العصر، دعوى باطلة، لأن الفن نفسه إنما يبحث عن لغته البدائية التي نجدها في بعض النقوش والتراتيل والأناشيد القديمة. وليس أدل على ذلك خلط العرب مثلا بين الشاعر والكاهن والنبي، واستعمال القرآن الكريم، على الخصوص، وقبله الكتاب المقدس للغة فنية بقصد التأثير الديني.

2- الأدب الإسلامي:

            إذا كان الفن ابن الدين، فإن نعتنا ما يكتبه الأدباء الإسلاميون ب"الأدب الإسلامي" يصير أمرا عاديا. إلا أن ما يثار على الأدب الإسلامي من جدل في هذا العصر بالضبط يستدعي التأمل. فقد كان المستشرقون أول المستعملين لهذا المصطلح ولمصطلح الأدب العربي أيضا فنقلنا الثاني وتركنا الأول تمشيا مع وقائع الأمور؛ لأن هذا يعكس ذلك الصراع الذي كان دائرا في المجتمع العربي بين الجامعة العربية والجامعة الإسلامية. فلما تغلب الاتجاه القومي رسخت قدم مصطلح "الأدب العربي" على حساب الأدب الإسلامي إلى يومنا هذا. ولما ذر قرن الصحوة الإسلامية في أيامنا هذه، ظهر مصطلح الأدب الإسلامي من جديد. وإذا قارنا يبن الفترتين فإن ميزان القوى كان لصالح القومية العربية منذ البداية، بالنظر إلى مظاهر الجهل والتدهور الفاحشة التي كان يتخبط فيها مسلمو بدايات القرن، فكانوا سائرين بخطى حثيثة نحو الانكماش إن لم نقل الانهزام، فلم تأت صيحات المصلحين من أمثال الأفغاني وعبده وشكيب أرسلان وغيرهم في الوقت المناسب. أما اليوم، وبعد تجارب القومية الفاشلة، وقومة المسلمين في كل الأرجاء بدءا من القواعد، فإن فرص نجاح المصطلح تبدو مهيأة أكثر، وإن كانت تلقى مقاومة شرسة ليست في الحقيقة إلا مظهرا من مظاهر مقاومة الصحوة الإسلامية بصفة عامة. وهكذا فإن ربط المصطلح بمحيطه العام وبخلفياته يستلزم تأصيل هذا المصطلح وذكر الخصائص التي تجعله يحمل هذا النعت وتجعله يندرج في البرنامج الشامل الذي يطرحه التصور الإسلامي. إذ كيف يكون للإسلام أن يتناول حياة الأفراد والجماعات والقبائل والأمم في أدق جزئياتها وأوسعها، ولا يكون له "الحق"([3]) في إدراج الأدب، وهو نشاط إنساني، ضمن برنامجه؟! إن هذا التساؤل الغرض منه تقرير أن لا أدب ولا فن مستقل عن الميولات والهويات والثقافية، فليس هنالك فن مستقل البتة، وإلا كنا نؤمن بالمطلق في عالمنا النسبي. وهذا ما لا يقره عاقل. وإذا كان المبدع لا يبدع إلا من خلال رؤيته الخاصة للعالم، فإن المبدع المسلم قولا وعملا لا يمكنه إلا الصدور عن التصور الإسلامي الذي يتبناه، أو قل الذي به يحيا ويموت، فكيف يعقل أن "نطالبه" بالصدور عن ذات غير ذاته. وعلى أن التصور ليس مسألة شخصية حسب، وإنما يتصل بتشكيل الشخصية في كافة أبعادها. ومن هنا كان الحديث عن دور التصور في تشكيل العمل الإبداعي أمرا لا مفر منه.

3- من خصائص التصور الإسلامي:

            ليس الأدب، إذن، (والفن عموما) لعبة لغوية يقصد بها مجرد الإمتاع والمؤانسة، وإنما هو كلمة مشحونة بموقف يسعى بها المبدع إلى إعادة تشكيل الفرد وفقا لهذا الموقف عن قصد أو غير قصد. أما القول بغير ذلك فإما أن يكون أتى أصحابَه من ضعف نظر، أو يكون مغالطة وخدعة مقصودة ترمي إلى تحييد الآخر في عملية الصراع على المواقع. ولما كان الأدب "خطابا" موجها إلى متلق تراعى حاله، فإن الأدب الإسلامي بحكم شمولية الإسلام يدخل في التصور الإسلامي. ومن خصائص هذا التصور: التطور والثبات كسنة من سنن الكون تمنع الموجودات من الانفلات من خصائصها الذاتية بحيث لا تصير الشجرة عصفورا مثلا، وانتفاء العبث بحيث لا يتصور أن هذا الكون بكل هذه الشساعة والنظام الدقيق قد خلق عبثا، والصراع. أما الثقافة التي تنبني على هذه الخصائص فينبغي أن تكون ثقافة ربانية، إنسانية، متحررة محررة، واضحة، متوازنة، مسؤولة واعية. وإذا كان الأدب يتصف بهذه الصفات فلا يعني هذا أنه سيفقد بالضرورة أدبيته، أما إذا كانت فيه هذه الصفات ولم تكن فيه أدبية، فإن ذلك لا يشفع له بأن يكون أدبا. فالأدب الإسلامي ينبغي أن يكون أدبا أولا وإسلاميا ثانيا.، فهل هناك أدب إسلامي؟

 4- هل هناك أدب إسلامي:

            إن الحديث عن أدب إسلامي يتطلب وضع آداب الشعوب الإسلامية في الحسبان، ومن ثم إدراج كل أدب إسلامي مهما تكن لغته، وهذا ما لا يستطيعه بحث في هذا الحجم وما لا يستطيعه واحد من الباحثين ولو أتقن جميع اللغات. فغرضنا هنا هو بيان أن الأدب المكتوب باللغة العربية، وكثير مما لا يدخل من الوجهة الثقافية الرسمية في الأدب، من حديث نبوي وسيرة وتراجم وتاريخ وأخبار وشروح على المتون المختلفة وما لا يعد من الكتابات، هو داخلٌ في مجال الأدب، وفيه الكثير من الأدب الإسلامي الذي ينتظر من يتناوله بالدراسة. وهذا ما نبه إليه فضيلة الشيخ أبو الحسن الندوي رحمه الله رحمة واسعة، ونبه إليه د.حسن الأمراني كما بينت في هذا المبحث. أما في المغرب فقد لاحظ الباحثون ارتباط الأدب المغربي منذ القديم بالدين الإسلامي، ولم ينحرف عنه في بعض اتجاهاته إلا في العصر الحاضر نتيجة اتصالنا غير المتوازن بالغرب. فكان الأدب الإسلامي المعاصر في المغرب ( في الشعر على الخصوص) تصحيحا لذلك ودعوة للإبداع في إطار الهوية التي تمتد بنا لأربعة عشر قرنا في الماضي، وليس في إطار ثقافة مهيمنة لم نتصل بها فعليا إلا منذ عقود. حقيقة أنه ينبغي الاستفادة من هذه الثقافة، ولكن ليس من أجل "المحو" وإنما من أجل تثبيت هذه الهوية وتنميتها./.

 

-الباب الثاني:               التناص في المجال الديني

                         - الفصل الأول:             القرآن الكريم

قدمت في هذا الفصل بحديث القدماء عن أهمية حفظ القرآن الكريم والاقتباس منه ومن الحديث الشريف، وآرائهم في ذلك، ثم حددت المقصود بمصطلح الاقتباس واتصاله الوثيق بالمرجعية الدينية وعلاقته بالمصطلحات الأخرى مثل التضمين والأخذ...وأنواعه من اقتباس مقبول ومباح ومردود مع التمثيل لكل نوع. ولما كان الفن في تصوري موقفا من العالم، فإن الاقتباس من القرآن الكريم أو التناص بصفة عامة لا يمكن إلا أن يعكس موقف المبدع بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. وإذ كان الأمر كذلك، فإن التناص عموما والاقتباس، على الخصوص، لا يمكن أن يكون مجرد زينة لفظية يحلي بها الشاعر أجياد قصائده. هذه الرؤية جعلتني أخالف الدارسين الذين يدرسون القرآن الكريم باعتبار اقتباس الشاعر منه الكلمة أو الجملة أو القصة مما يؤدي إلى النمطية في التحليل والعجز عن استيعاب المادة المستخرجة والتحكم فيها. لهذا قسمت ما استخرجته من آيات القرآن الكريم، وهي كثيرة، إلى موضوعات (تيمات) حصرتها في ست، ورتبتها ــ قدر المستطاع ــ بحسب تدرجها من التناص البسيط الظاهر للعيان إلى التناص الذي لا يمكن اكتشافه إلا بعد التأمل والرجوع إلى أسباب النزول، مثلا، للترجيح بين الآراء. وقد جعلت هذه الموضوعات تندرج تحت ستة مباحث:

1.    المبحث الأول: التناص مع أسماء القرآن الكريم وأسماء سوره.

2.    المبحث الثاني: التناص مع آيات بها ذكر لذاته تعالى وصفاته.

3.    المبحث الثالث: التناص مع آيات بها ذكر لأعلام القرآن الكريم وقصصهم.

4.    المبحث الرابع: التناص مع آيات بها ذكر للإنسان.

5.    المبحث الخامس: التناص مع آيات بها ذكر للإنسان المسلم.

6.    المبحث السادس: التناص مع آيات بها ذكر للإنسان الكافر.

 - المبحث الأول: التناص مع أسماء القرآن الكريم وأسماء سوره:

            وردت أسماء القرآن الكريم وأسماء سوره عند الشعراء ثلاثتِهم في أكثر من ست وعشرين قصيدة؛ يحتل فيها بنعمارة المركز الأول من حيث عدد المرات التي وظف فيها هذه الأسماء، يتلوه الأمراني ثم الرباوي. وقد تعاملت مع هذه الأسماء باعتبارها خطابات، أو علامات دالة تحيل على عالم واسع وتكثفه. واكتفيت في التحليل ببعض النماذج رابطا بين النص اللاحق والنص السابق، مراعيا علاقة الاسم بمسماه، محاولا استكناه الدلالات التي يتوخاها الشاعر من اقتباس اسم معين دون آخر. ولم أغفل التنبيه إلى الاستعمالات غير الموفقة من المنظور الإسلامي لدى الشاعر بنعمارة على الخصوص. وعلى العموم فقد كان التناص لدى هؤلاء الشعراء وسيلة لتعميق التجربة عبر الاستعانة بالدلالات الخاصة التي يحيل عليها اسم القرآن (القرآن، الكتاب، الفرقان...) أو اسم السورة المستدعى في خطابهم الشعري. ولتبين وظيفة التناص، في هذا المجال أكثر، مثلت بنصوص لشعراء آخرين مغاربة ومشارقة، خاصة أولئك الذين يخالفون شعراء المتن في رؤيتهم ويوظفون اسم القرآن الكريم وغيره توظيفا إيديولوجيا أمثال (محمد بنيس، سميح القاسم، أدونيس...).

 - المبحث الثاني: التناص مع آيات بها ذكر لذاته تعالى وصفاته:

            كانت الآيات، التي رصدتها في ما يفوق الثلاثين موضعا من شعر المتن، تتمحور حول ذكر الله تعالى، وقدرته على الخلق، وملكه كل شيء، وإرساله الغيث. وقد حاولت أن أبرز الخصائص الذاتية لكل من النص الشعري والآية المستدعاة ملاحظا عناصر التشابه الاختلاف، محاولا التوصل إلى دلالات تنسجم وسياق النص كما تنسجم مع السياق التاريخي. فقد كانت الآيات المتعلقة بإرسال الغيث، مثلا، هي المهيمنة، اقتبس منها الشعراء الكلمة الواحدة والكلمتين والجزء مما يدل على إلحاحهم المقصود أو غير المقصود في استحضارها لما يلحق مجتمعهم من مكاره.

            إلا أن هنالك شعراء آخرين استمدوا، هم أيضا، من القرآن الكريم، غير أنهم "حاوروه" حوار سخرية وانتقاص وفقا لما يتحكم فيهم من خلفية إيديولوجية مخالفة مثل عبد الله راجع، وأحمد بلبداوي، وسميح القاسم... وقد حاولنا بيان ذلك بما يلزم من الدقة والموضوعية.

 - المبحث الثالث: التناص مع آيات بها ذكر لأعلام القرآن الكريم وقصصهم:

            ترتبط أعلام الأشخاص في القرآن الكريم بالقصص الديني الذي قصه الله سبحانه وتعالى على نبيه وعلى المسلمين والناس كافة لأغراض كثيرة، وكان لجمال عرض هذه القصص وأهدافها النبيلة كبير الأثر في كل من قرأ القرآن قراءة متدبرة. أما الشعراء فقد تأثروا بها منذ القديم، بل إن منهم من وظف هذه القصص في العصر الجاهلي مستفيدا من التوراة والإنجيل. أما شعراء العصر الحاضر فقد استفادوا من قصص الأنبياء والأصفياء عبر طريقين؛ طريق تقليد الشعراء الغربيين في استحضارهم هؤلاء الأعلام من خلال الكتاب المقدس، وهذا ما غلب على الشعراء العرب منذ بوادر التجديد، فلم يلتقوا، في الحقيقة، مع القرآن الكريم إلا عرضا. والطريق الآخر هو الطريق الذي أعاد رسمه الشعراء الإسلاميون منذ أحمد شوقي، وخاصة في الوقت الراهن، بعد أن اكتسح التغريب كل مجال. فإن العودة مباشرة إلى القرآن الكريم متصلة اتصالا وثيقا بسياق الصحوة الإسلامية المعاصر. وكانت الشخصيات المستمدة من القصص القرآني إما شخصيات أنبياء أو شخصيات أصفياء أو شخصيات منبوذين في أكثر من ستين موضعا؛ مما يشكل وحده رصيدا كافيا لإنجاز بحث عن هذه الشخصيات في شعر هؤلاء، وخاصة في شعر الأمراني والرباوي. وقد تبين أن الشخصيات الأكثر دورانا في شعرهم هي شخصيات الأنبياء، فالأصفياء ثم المنبوذون الذين جاءوا منبوذين فعلا بالنظر إلى الهيمنة والسياق. فالمجتمع العربي بصفة خاصة والمجتمع الإسلامي والإنساني، بصفة عامة، أحوج ما يكون إلى هدي الأنبياء. وقد أولينا كل صنف ما يستحقه من اهتمام في حدود ما يسمح به البحث من حيز، محاولين الكشف عن طريقة كل شاعر في التعامل مع القصة المستدعاة من حيث الذكر والحذف، والإزاحة والإحلال، والتشابه والاختلاف، والزيادة و"الصمت الفني"، وطريقة التصوير ونوع الأساليب...وغير ذلك مما يتلاءم ودراسة كل نوع من التناص مختارين فهما آخر أكثر علمية وإجرائية لمصطلح التحويل الذي يعني أن التحول في الشكل يؤدي إلى التحول في المبنى، متجاوزين بذلك مفهوم التحويل ذي المعنى الواحد هو "الحوار" لدى بنيس الذي يركز على الجانب الإيديولوجي فاصلا بذلك بين اللغة والفكر. ولم ننس في الوقت نفسه أن نمثل لهذا الاتجاه من إبداعه فنبين كيف يسخر من انتظار الأنبياء الفرج الآتي من الغيب، وكيف يُحَمّل مسؤولية تخلف المجتمع للدين والإيمان بالغيب.

 - المبحث الرابع: التناص مع آيات بها ذكر للإنسان:

            نقصد استدعاء شعراء المتن الآيات القرآنية التي تخاطب الإنسان كإنسان في طبيعة خلقه وضعفه وكدحه وغفلته ومعاناته...بغض النظر عن اهتدائه أو ضلاله وفقا للمنهج القرآني الذي يعرض هذه النفس البشرية على ما هي عليه من الاشتراك في تلك الخصائص في الأصل. وقد حددت الآيات القرآنية التي تم التناص معها في هذه الموضوعة فكانت بحسب أهميتها سِتّاً رجع إليها شعراء المتن كل حسب حاجته الوجدانية والفكرية والاجتماعية مع التقديس الدائم للقرآن الكريم. وقد جاءت موضوعة الإنسان شعر الشعراء الآخرين، إلا أن التعارض فيها قليل حسب النصوص التي استطعت الرجوع إليها.

- المبحث الخامس: التناص مع آيات بها ذكر للإنسان المسلم:

            وهي الآيات التي يخاطب فيها الله تعالى المسلمين أو يخبر عنهم...ولما كانت الآيات كثيرة فقد اضطررت إلى تصنيفها بحسب موضوعها إلى ست مجموعات مرتبة بحسب أهميتها وهيمنتها في النص الشعري:

1.    مجموعة يُوجَّه فيها الخطاب إلى الرسولr أو يُخبَرُ عنه فيها.

2.    مجموعة يستغرقها موضوع الجهاد

3.    مجموعة فيها توجيهات لإقامة أوجه من العبادة والمعاملة

4.    مجموعة فيها وضعيات مختلفة للمسلم بين الاطمئنان والابتلاء

5.    مجموعة تتعلق بوصف الأرض بين الضيق والسعة

6.    مجموعة تتعلق بوصف الجنة التي وعد بها الله المتقين

            ورغم اختلاف هذه المواضيع فإنها تؤول في النهاية إلى مخاطبة الإنسان المسلم أو الإخبار عنه. وقد تعامل الشعراء جميعهم بمشاعر إسلامية مع كافة الآيات القرآنية معبرين عن آمالهم وآلامهم على نحو لا نجده في الشعر العربي المعاصر. فقد ربطوا كيانهم وكيان المتلقي، ومن ثم الشعر، بهوية الأمة، فكانوا بذلك مصححين لخط سير الأدب المغربي بصفة خاصة والأدب العربي بصفة عامة. ولما كان من الإطالة الحديث عن كل مجموعة على حدة، فإننا نكتفي بالإشارة الموجزة إلى المجموعة الأولى بالقول إن الرسول r ، ومن خلال الآيات القرآنية، قد اتخذ في شعرهم نموذجا أعلى يُقتدى به في يقينه الراسخ بوعد الله تعالى ووعيده، وفي تعامله مع الآخر، وفي التنفيذ الفوري لأوامر الله عز وجل، وفي تحمل المشاق، التي تنوء بها الأنفس، في سبيل الدعوة، وفي التضرع واللجوء إلى خالقه جل وعلا في الأوقات العصيبة داعيا مستغيثا...وهذا بخلاف بعض الشعراء الذين اتخذوا من سيرة الرسول r مادة للاستهزاء، ومن مظاهر التدين رمزا للتخلف، كما هو الشأن عند أحمد بلبداوي وسميح القاسم مثلا.

- المبحث السادس: التناص مع آيات بها ذكر للإنسان الكافر:

            خصص هذا المبحث للتناص مع آيات فيها ذكر للمشركين وأوليائهم، وضلالهم وما  يقعون فيه أو ينتظرهم من عقاب. على أن المضامين الأصلية لهذه الآيات وقعت تحت تصرف النصوص الشعرية فتغيرت المقاصد والأغراض. وكان مجموع النصوص المستعرضة في هذا المبحث خمسين نصا لم نحلل منها إلا الشيء اليسير. وكما هي العادة فإن رصد التناص لا يتم بمعزل عن السياقات التي يرد فيها؛ فإن تشابك النصوص والخطابات مع بعضها لمما يضفي تعقيدا وعمقا على النص الشعري وعلى الآيات المقتبسة نفسها. وعلى كل حال فقد تعامل شعراء المتن مع هذه الآيات بما لا يتنافى والتصور الإسلامي، كما كان الأمر كذلك بالنسبة لبعض الشعراء المغاربة وغير المغاربة، غير أن بعضهم عمل على خرق أفق انتظار القارئ وجاء في شعره بما ينال من العقيدة الإسلامية، بل وتأخذه العزة بالاثم فيفتخر بأنه من المغضوب عليهم...كما نجد عند الشاعر المغربي عبد الله راجع.           

- الفصل الثاني:  الحديث والدعاء

ـ الحديث:

             وضحت، تمهيدا للتحليل، المفهوم الذي اخترته لمصطلح الحديث اعتمادا على المصادر والمراجع، وبينت قيمة الحديث عند النقاد والأدباء القدماء بحيث كانوا أكثر اعتناء بحفظه واقتباسه من المعاصرين في صورة التناص المقتدي وصورة التناص "الحواري" على حد سواء. وأبرزت قيمة توثيق النص الحديثي والرجوع إلى أصله لإدراك المقتبس منه في سياقه الخاص المتعلق بالنص، وسياقه التاريخي. واستعرضت بعض الدراسات التي عنيت بالتناص مع الحديث في بعض ما تعرضت له من شعر، فلم أجد دراسة واحدة في العصر الحاضر تقف طويلا في تحليلها لهذا المكون التناصي. وقد قسمت الحديث إلى ثلاثة أنواع: حديث قدسي، حديث شريف، حديث الصحابة. فكانت نسبة الهيمنة للحديث الشريف على حساب النوعين الآخرين. وفي هذا المبحث وحده من هذا الفصل، قمت بتحليل أغلب أنواع التناص مع الحديث علما بأنني استخرجت أكثر من خمسين نصا شعريا. ولما كان الحديث الشريف هو الغالب، فقد قسمته إلى موضوعات كما سبق أن فعلت مع القرآن الكريم، فكانت الموضوعات التي استأثرت باهتمام الشعراء، بحسب الهيمنة، على الترتيب التالي: الغربة والابتلاء- الجهاد- توجيهات عامة- أحاديث خاصة بشخص الرسول r فحللت أحاديث كل موضوعة على حدة، مبررا سيطرة مثل هذه الموضوعات على المتن الشعري.

- الدعاء:

            تناولت مفهوم الدعاء بالتعريف من حيث علاقته بالعقيدة الإسلامية ومكانته العالية فيها وأهميته في تربية النفس، وقواعد تأديته، وأنواعه، وأساليبه التي تخول له الانتساب إلى الأدب...وسجلت اهتمام القدماء وبعض  المعاصرين به، وقلة انشغال الشعراء المعاصرين به مما جعل شاعرا من شعراء المتن وهو محمد علي الرباوي يعتبر نفسه، محقا، أول شاعر مغربي يعنى بالأدعية، وجعل دراسته أمرا لا يخلو من جدة. وقمت بالتمييز بين أدعية الرسول r وأدعية غيره من الصحابة رضوان الله عليهم أو من الصالحين. وحاولت دراسة كل ذلك وفقا للمنهجية التي يقتضيها التناص.

            وختمت هذا الفصل بإيراد نصوص من شعر شعراء آخرين تعاملوا بكيفيات مختلفة مع نصوص الحديث بأنواعه الثلاثة السابقة الذكر، فكانت نصوص كل من محمد بنيس وعبد الله راجع ومحمد بنطلحة ومحمد الشيخي ومحمد الخمار الكنوني وأخمد الطريبق وأحمد بلبداوي ومحمد الأشعري وأمل دنقل وفاروق منجونة...وروعي في اختيار هذه النصوص اشتراكها، غالبا، في الاقتباس من نفس الأحاديث، غير أن التركيز في التحليل تم على النصوص التي تستدعي الحديث بغرض النقض أو السخرية أو البعد الإيديولوجي. 

- الفصل الثالث:  التصوف

            قبل الخوض في تحليل النصوص المتناصة مع الخطاب الصوفي حاولت التعريف بالتصوف مصطلحا ومفهوما وربطته بأصوله الإسلامية وغير الإسلامية، فكانت في نظري الأصول غير الإسلامية ( الهرمسية والنصرانية والفارسية...) هي الغالبة، مما جعل الشكوك تحوم حول أهله فيلحقهم ما نعرفه جميعا من تنكيل وقتل. وقد ترك الصوفية زادا ضخما من الإبداع الشعري وغير الشعري غاية في الجمال والغرابة بالإضافة إلى تصادم الكثير منه مع الشريعة أو مع ظاهر الشريعة كما يحب المتصوفة أن نفهم عنهم. وكان من أخطر أقوالهم القول بوحدة الوجود والاتحاد مع الذات الإلهية والقول بالذوق والتأويل بالباطن والتحلل من طقوس العبادة أو احتقارها وتفضيل الولاية على النبوة...وكانت هذه الإشارات مقدمة لمعرفة بعض علاقات التقاطع بين الشعري والصوفي عند الغرب وعند العرب في العصور الحديثة والمعاصرة حيث نجد ميلا شديدا نحو المتصوفة عبر التناص أو عبر تقليد عباراتهم وشطحاتهم وتأويلاتهم الباطنية إلى حد جعل أحد رموز الشعر العربي المعاصر(وهو أدونيس) يعتبر أن القيم التي يمكن أن تعتبر إضافة فيه إنما هي مستمدة من التراث الصوفي العربي([4]) دون أن يعني ذلك عنده نقل الشاعر لرؤيا غيبية شبيهة برؤيا الصوفي، بل إن الشاعر قد يعبر بطريقة الصوفي عن رؤيا مغرقة في المادية، وهذا ما جعله يجمع بين الصوفية والسوريالية تأسيسا لصوفية وثنية في الشعر كما نبه إلى ذلك أحد مريديه. فالتصوف بهذا خاضع لرؤية الشاعر، أو مرجعيته وتصوره للعالم، ومن هنا فإن إخضاع الشاعر الإسلامي رؤى التصوف للتصور الإسلامي ولخصائص الشعرية أمر بدهي يدخل في حرية الإبداع من جهة، وينسجم والمجال التداولي للحضارة الإسلامية من جهة أخرى مما يضمن له قدرا من التناغم في التلقي مع شريحة واسعة من المجتمع العربي ومستقبلا مع المجتمع الإسلامي بصفة عامة.

            إن موضوع التناص مع الخطاب الصوفي في الشعر المغربي بصفة عامة، وفي شعر الأمراني والرباوي بصفة خاصة، يشكل وحده، في الحقيقة، مجالا لبحث مستقل. والشاهد على ذلك أنني لم أستطع أن أتناول منه في هذا الفصل إلا الشيء القليل؛ تحت مبحثين مختارين هما اصطلاحات ورموز الصوفية، وأعلام ونصوص التصوف. وعلى أني لم أولهما بدورهما العناية الكافية لما تحتاجه قضية واحدة من قضايا التصوف من تأن في التناول يجعل إدراكها في مجال الشعر أجلى وأدق. ففي اصطلاحات ورموز التصوف، اكتفيت، بعد أن عرفت بالمفهومين، بمصطلحين هما العشق والنور، وبرمز واحد هو رمز الأنثى مع أني عدّدت مصطلحات ورموزا كثيرة استدعاها الشعراء وليس في إمكان هذا البحث تناولها كلها. فبعد وضع كل من المصطلحين والرمز في السياق الصوفي وضعت اليد على أماكن ورود هذه العناصر، وحاولت أن أبرز أوجه التشابه والاختلاف بين الاستعمال الصوفي والاستعمال الشعري مع تبرير استعمالها من قبل الشاعر في شعره بصفة عامة، وتوضيح الدور العقدي لدى شعراء المتن في تنقيح وتحويل هذه العناصر لصالح الأسس الحضارية وخصائص الشعرية. أما في مبحث أعلام ونصوص التصوف فسردت الأعلام بحسب الهيمنة، وحللت نماذج مما اشترك فيه الشعراء ثلاثتهم، فما اشترك فيه الاثنان، ثم ما انفرد به كل شاعر. أما النصوص فكانت نصوصا نثرية وشعرية عرضتها واكتفيت كالعادة بتحليل نماذج منها. وفي الأخير عرضت التناص مع الخطاب الصوفي في شعر شعراء آخرين، وخاصة في شعر عبد الله راجع وأحمد بلبداوي الذي يبدو فيه تسخير الخطاب الصوفي وسائر الخطابات الأخرى لصالح أطروحة اليسار. 

 

الخاتمة

            في الخاتمة، دون أن أنسى الحديث عن المادة والتصميم والمنهج، ذكرت أن من أهداف هذا البحث التعريف بالشعر الإسلامي من خلال نظرية معاصرة هي نظرية التناص، مستهدفا من خلال كل مراحل التحليل بيان الإسلامية في التصور والتعبير على حد سواء، دون أن يكون ذلك عائقا، كما يتوهم بعضهم، بين النص وتحقيق القدر الكافي من الشعرية. وبالعكس، فإن ما لا ينسجم والسياق الحضاري الإسلامي هو الذي يصدم المتلقي المسلم ولا يرى في ما يحسبه صاحبه شعرا-وهو عنده لا شك كذلك- غير اعتداء على شخصيته. فإن الشعرية، في الشعر وغير الشعر، ليست قيمة كونية مطلقة ينبغي أن تحظى بالتقديس كما يفهم من كثير من طروحات الطليعة والحداثيين، وإنما هي قيمة نسبية تخضع لهذا المجال الحضاري الذي ذكرنا به؛ فما يعد شعرا عند مذهب من المذاهب أو عقيدة من العقائد لا يمكن أن يشمل بالضرورة غيرها. أما الاستفادة من الآخر فلا مناص منها. وذكرت في الأخير بعض آفاق البحث في نفس الموضوع، خاصة وأني تركت تناول مادة ضخمة من الخطاب التاريخي  والشعري وغيرهما مما استدعاه شعراء المتن، مع العلم أن كل الفصول والمباحث التي تناولتها بالتحليل لم تكن فيها الكلمة شافية لشساعة الموضوع. 

- ملحق: تعريف بشعراء المتن:

            عرفت في هذا الملحق بكل شاعر على حدة؛ ذاكرا سنة ولادته والمحيط الأسري والاجتماعي المؤثر فيه، ومراحل تعليمه والمهام التي قام ويقوم بها حاليا، والدرجات العلمية التي أحرز عليها، والأنشطة التي يزاولونها بموازاة مع المهنة الأصل (التعليم)، والأعمال الشعرية التي صدرت لهم...

 - الفهارس:

- فهرس آيات القرآن الكريم:

            ذكرت في هذه الفهارس الآيات القرآنية التي ذكرت بالنص، وأغفلت ما تمت الإشارة إلى أرقام آياتها أثناء الإحالة على النصوص الشعرية التي تستدعيها. وكان ترتيب الآيات في هذا الفهرس خاضعا لترتيبين، الأول يراعي رقم السورة التي وردت فيها الآية، والثاني يراعي رقم الآية نفسها. وقد اعتمدت في البحث رواية حفص لتوافر هذه الرواية على معجم مساعد على البحث هو "المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم" الذي وضعه محمد فؤاد عبد الباقي([5]).

 - فهرس الأحاديث والآثار:

            مزجت هنا بين الأحاديث والآثار لقلة بعضها، ولتوسيعي مفهوم الحديث أثناء التعريف. وقد رتبت كل ذلك ترتيبا ألفبائيا يراعي أوائل الأحاديث والآثار مقصيا السند للاهتداء مباشرة إلى موضوعهما.

- فهرس المصادر والمراجع:

            كانت المصادر والمراجع عديدة ومتنوعة اقتضاها البحث، ورغم هذه الوفرة والتنوع فقد قسمتها توخيا للاختصار إلى ثلاثة أقسام؛ مصادر عربية ومترجمة، ومراجع باللغة الفرنسية، ثم مجلات وجرائد. ورتبت كل ذلك ترتيبا ألفبائيا جاعلا اسم الكتاب كاملا هو الأول[ مع التنصيص على نوعه إذا كان شعرا] يليه صاحبه، فمحققه أو مترجمه إن كان تحقيقا أو ترجمة، فرقم الطبعة ودار النشر، ثم مكانه وسنة نشره. أما المجلات والجرائد فذكرت اسم المجلة أو الجريدة أولا، ورقم العدد الذي اعتمدته منها، وسنة الصدور ومكانه. 

- المحتويات:

            وفي الأخير أوردت مسردا لأهم المحتويات، من مقدمة وأبواب وفصول  ومباحث مختلفة.

والله من وراء القصد

 وهو ولي التوفيق.

المختار الحسني

 


 [1] -  آثرنا البدء بالمفهوم الغربي لمصطلح التناص لكون الغرب مصدر الاهتمام به في العصر الحاضر والقائد للدراسات حوله.

 [2] - العمدة؛ 1039.

 [3] - دلائل الإعجاز؛ 487.

 [4] - دون أن نتساءل عمن له الحق في أن ينصب نفسه وصيا على الأدب وحاميا لحياضه يمنحه لهذه الجهة ويمنعه عن تلك...

 [5] - مقدمة للشعر العربي، 130-133.

 [6] -المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، وضع محمد فؤاد عبد الباقي، ط:2 دار الحديث، القاهرة؛ 1408/1988.