Nouvelle page 1

النقد السياسي في رواية د. نجيب الكيلاني " اعترافات عبد المتجلي "

سميرة الخوالدة- الأردن

 

 

يتبدى لنا المنحى السياسي لرواية الدكتور نجيب الكيلاني " اعترافات عبد المتجلي" من عنوانها ، فكلمة " اعترافات " لها ظلالها السياسية الرهيبة المتولدة من التاريخ القريب في العالم العربي وفي الدول المتقدمة سواء . ورغم أن للكلمة أيضا استخداماً أدبياً في الغرب فهناك اعترافات جان جاك روسو ودي كوينسي وغيرهم ، إلا أنها لم تشتهر في العربية بهذا المعنى ، واكتفى الأدباء العرب حين اللزوم بكلمة أقل دراماتيكية هي "مذكرات " .

في رواية نجيب الكيلاني ترتبط الاعترافات كما ذكرنا بالتاريخ السياسي القريب وفي مصر بالذات . فهي هنا اعترافات مطلوب انتزاعها بقسوة وتحت السياط من سجين سياسي هو عبد المتجلي . لكن عبد المتجلي لم يكن من النوع الذي يخضع للضغوط فيكذب أو يراوغ . فهو أولا لم يكن لديه ما يعترف به ، وهو ثانيا لم يستطع أن يلفق ما ينجي به نفسه من التعذيب . لقد طفق يتحمل أصناف العذاب ـ أو لا يتحمل فلا فرق ـ إلى أن اقتنع جلادوه بصدقه في النهاية وأفرجوا عنه .

لكن القصة ليست بهذه البساطة بل فيها عدة مسارب معقدة . فعبد المتجلي هو الذي أثار حوله الشبهات حين نصب من نفسه باحثا عن الحقيقة ، وقد رمز لها المؤلف " بالونش المسروق " . وحيث أن الونش هو ملك للدولة وسرقته وهو ديناصور من حديد وفي وضح النهار ، بالإضافة إلى عدم تمكن قوات الأمن من العثور عليه فكل هذا ينم عن مؤامرة ما . لكن لماذا يتصدى فلاح بسيط من قرية لا علاقة لها بالقضية غير ما يقرأ من أخبار في الصحف لمثل هذا الأمر ؟ لماذا لا يتصدى له نائب من نواب الشعب ؟ الذي يبدو أن عبد المتجلي ما إن قرأ الخبر حتى تقمصته روح المسؤولية العامة وتصدى لها وكأنه مكلف تكليف عين .

بدأ عبد المتجلي صراعه مع الفساد من هذه النقطة وقد كان من الممكن فعلا أن تتحول الرواية إلى أوديسا أخرى ، ملحمة رمزية يمر البطل فيها بعدة أحداث ويصارع الأعداء الذين يعترضون طريقه من كل جانب ، ويظل ماضيا في طريقه إلى أن يصل غايته . هكذا فعل يوليسيز ومن بعده ـ وهو الأقرب إلى عبد المتجلي ـ دون كيشوت . فالتناقض الكبير بين عقلية دون كيشوت القائمة في زمن الفروسية الماضي وبين واقعه الحقيقي وواقع المجتمع الذي ابتعد كثيرا عن ماضيه واختلفت قيمه ومفاهيمه يثير في النفس نوعا من التندر والابتسام . وتتحول الملحمة إلى ملحمة هزلية كلها سخرية وتناقض .

عبـد المتجلـي هـو دون كيشــوت صعيـدي ، " حـمـل السـلـم بالعــرض" ، بـل حـمــل " الونش"  . من الصعب أن نعتبر هذه بداية معقولة للإصلاح الاجتماعي والإداري والسياسي ، وحتى يكتسب هذا الطرح معقولية كافية يلزم أن يؤخذ على محملين : المحمل الأول هو الرمز ، فالونش ليس إلا رمزا للحقيقة الغائبة ، وسرقته ترمز كذلك إلى الخلل الإداري والسياسي ، وتكشف في الوقت ذاته عن قصور الحس الاجتماعي لدى الأفراد .

والمحمل الثاني هو نقد لاجتهادات المصلحين الذين يدعون إلى إحداث تغيير إيجابي في المجتمع ، إذ السؤال الذي تطرحه الجماعة الإصلاحية على نفسها هو من أين نبدأ ؟ وفي هذه الرواية اجتهد المصلح فتبنى قضية عشوائية من عناوين الصحف جره إليها الانفعال والغضب ، مع أن هناك مئات من القضايا الاجتماعية والسياسية التي يسهل تناولها بل وهي مثار اهتمام وجدل (وقد يكون جدلا خفيا) في الشارع ، لكن عبد المتجلي يختار هذه القضية بالذات ، والصحيح أن القضية هي التي اختارته واستحوذت عليه . (وقد كان لعبد المتجلي من قبل قضايا صغيرة محلية نجح في إحداها وفشل في الأخرى وذاق وبال أمره عندها ضربا مبرحا) . والدليل على هذا المحمل ما جاء على لسان عبد المتجلي إذ يقول :

" ربما لو أمكننا حل القضايا اليومية كقضية الونش وغيرها لأصبح من الميسور أن نشكم إسرائيل بل وأمريكا نفسها " (الصفحة 57 من الرواية ، الطبعة الثالثة 1997 ، مؤسسة الرسالة ـ بيروت) .

وقد اختار المؤلف الونش رمزا لجهد الحركات الإصلاحية فهو الذي يحمل الأثقال ، أي الأعباء ، وهي هنا عبء مواجهة عالم مختل الموازين . وارتباط آخر بين الونش والدعوات الإصلاحية أنه أكثر استخداما ـ وبالتالي أكثر تواجدا ـ في مواقع إنشاء المباني الضخمة ـ وهذه الدعوات إنما تهدف إلى البناء . ومن هنا يتضح لنا المعنى الأعمق لتبني المصلح الاجتماعي لهذه القضية فهي قضية سعي للحصول على أداة بناء وإصلاح .

يعرف عبد المتجلي ـ كما يعرف المثقف والجاهل في مجتمعه ـ أن " هناك من يسرقون الأضواء والشهرة والسلطة والانتخابات " (ص : 5) لكن الفرق في حالة الونش هو أن الونش أصلا غير قابل للسرقة أو الإخفاء و " تلك هي القضية " (ص :6) الخروج عن المعقول لم يبدأ إذن عند عبد المتجلي ، بل جاء في الخبر المنشور في الصحيفة عن حادثة السرقة هذه . وتتحول القضية عند عبد المتجلي منذ البداية إلى رمز ، فسرقة ما لا يسرق هو " تحد خطير لإرادة الأمة " ، و " مأساة قومية لها دلالاتها الخطيرة " (ص : 6) .

يمكن القول بعبارة أخرى إن الرمز أصبح ذا مستويين : في المستوى الأول يتخذ عبد المتجلي من سرقة الونش رمزا لتفاقم الوضع السياسي ، والثاني قد يتبناه القارئ وهو أن الونش رمز للحقيقة الضائعة والبحث عنها أمر لا مفر منه ولا يحتاج إلى تبرير . والباحث عن الحقيقة هو الفيلسوف الحقيقي بمعنى الفلسفة الأصلي : حب الحكمة . حب الحكمة هذا أمر كاد يختفي من عالم عبد المتجلي ، ولذلك يتخذ هذا العالم من بطلنا موقف السخرية والأذى ، فهو لا يفهم دوافعه الحقيقية ، ما معنى أن يضحي الإنسان بحياته من أجل أن يبحث عن الحقيقة ؟ " أنتم في واد وأنا في واد آخر ... القضية خطيرة "  (ص : 7) وقد يؤخذ الونش على أنه آلة تمثل التكنولوجيا ، حلم الدول النامية .

ويكثف من قوة الرمز هنا التوحد الكياني الذي ينشأ بين عبد المتجلي والونش ، فقد صار يطلق عليه اسم " عبده الونش " (ص : 9) والونش نفسه تدب فيه الحياة ، وكأنه يستمد حياته من فكر عبد المتجلي وخياله :

أسوأ ما في الونش أنه صامت لا يتكلم أويُعبر عن ذاته وهمومه إلا إذا سرت الحيوية في محركه عندئذ يزأر كالأسد وينفث من قلبه أبخرة الزفير الذي طال احتباسه ، ثم يمد ذراعيه العملاقين ليحتضن الأشياء ، ويعلو ويهبط بها ، كأنه فارس فارع الطول لهو بطفل صغير في خفة ورشاقة (ص : 68) .

لكن هذا اللقب الذي يطلق على عبد المتجلي له أبعاد أخرى : فالذي أطلقه عليه هو العالم المضاد ، الذي يرى فيه عبد المتجلي تجسيدا للمادية والفساد . وهذا العالم بدوره يرفض الاعتراف بإنسانية عبد المتجلي وتخفى عليه معاني الأحداث ، فالآلة مجرد آلة والذي يتبنى قضيتها لا شك أن وجوده من نفس مستوى وجودها . هذه الفكرة يطرحها الكيلاني في كتاباته السياسية غير الروائية :

إن المادية تحاول أن تجعل الإنسان مجرد آلة أو شبه آلة تحركه ظروف اقتصادية وطبقية معينة . (الكيلاني ، الإسلامية والقوى المضادة ، 81) .

يعرض الكاتب الأفكار السياسية في النص بشكل سافر وبوفرة . ولو اقتطعناها ورتبناها لتشكل لدينا ملخص لتصور سياسي واضح ، وهذا يجعلنا نتساءل عن مدى الدقة في تصوير شخصية بطل الرواية عبد المتجلي : هل هو قادر حقا وهو الفلاح البسيط على استيعاب مثـل هذا الفكر المتكامل ؟ أم أن المؤلف يستغل بطله من أجل بث فلسفته السياسية الخاصة به ؟

وتجدر الإشارة هنا إلى بعض التشابه بين هذه الرواية ومسرحية هنريك إبسن " عدو الشعب " التي تتحدث عن صراع طبيب البلدة مع جميع مراكز القوى فيها ومن خلفهم العامة ، دفاعا عن قضية تتعلق بالصالح العام تبناها هذا الطبيب ودعا إليها بشجاعة . لكن يجب أن نوضح هنا أن إبسن يتفوق في تقديم نموذج إنساني معقول ، فهو طبيب يملك المعرفة وهو بهذا يتحدث عن نفسه وليس عن المؤلف . وبهذا لم يحتج إبسن إلى أية فقرة خطابية مباشرة . أما تصوير الصراع في رواية الكيلاني بين قوة الحق وقوى الظلام فقد كان تصويرا مباشرا .

... أعجبه (أي عبد المتجلي) النشاط الصناعي والعمراني في الغرب ، تمتم : "إسرائيل هزمت العرب بالتكنولوجيا " قالت : " ولم لا نشتريها ؟ " همس : " إنها لا تشترى كما تشترى " الكوسة " ، لابد أن تنتج محليا ، وإلا فستظل ناقصة وستقولين ولماذا لا نفعل ؟ وأنا أقول هناك ألف سبب وسبب ، لكن ليس من بينها الاستعمار ، ولكن من المؤكد أن غفلتنا هي العلة . دائما نعيش ماضينا أو يومنا ، ولكننا لا نفكر في غدنا " (ص : 83) .

وهذه الفكرة التي تجعل للاستعمار جانبين أحدهما هو القابلية للاستعمار ـ كما يسميها علي شريعتي ـ وهي أساسية في فكر الكيلاني ، وقد شرحها بالتفصيل في فصل "أعداء أنفسنا " في كتابه " الإسلامية والقوى المضادة " .

رغم قسوة التجربة يخرج عبد المتجلي منتصرا لم يضعف أو يستكن ، لكن النظام انتصر أيضا إذ جعل عبد المتجلي يتخلى عن مشروعه الغريب : البحث عن سارقي الونش .

ويمكن تلخيص الفكرة الرئيسية في الرواية بأنها مسؤولية الفرد الاجتماعية ، فالتصدي للظلم والفساد في المجتمع أمر  تم قمعه بالحديد في معظم دول العالم الثالث ، ومن هنا جاءت ندرة النموذج ّ عبد المتجلي " . وتبرز هذه الشخصية كبطل دون كيشوتي حقيقي على خلفية المجتمع اللامبالي الذي يتجاهل كل ما يدور أمام عينيه طلبا للسلامة الفردية . إن الرواية إدانة للعقلية الأنانية السلبية ولأخلاق الحفاظ على المصلحة الشخصية بأي ثمن . ويشير إلى ذلك أن " الاعترافات " الوحيدة التي أدلى بها عبد المتجلي والتي ربما يشير إليها العنوان هي إدانة للشخصيات البارزة في مجتمعه الصغير ، حيث بدأ بذكر مساوئهم وفسادهم واحدا واحدا . هناك تفاوت كبير بين مثالية عبد المتجلي و " واقعية " من حوله جميعا ، حتى رجال الدين . هذه الواقعية التي تجعلهم يرون الذكاء والحصافة في الصمت عن المنكر .

لقد نجح د. نجيب الكيلاني في عرض وجهة  نظر سياسية في إطار روائي ، وجهة  نظر ناقدة إصلاحية إسلامية . 

 

 

من أخبار مكتب المغرب الإقليمي لرابطة الأدب الإسلامي العالمية :

 

1- في أدب الأطفال ، فاز الأستاذ حسن الفشتولي ، من المغرب ، بالمرتبة الثالثة .

2- فازت الأستاذة أمينة المريني ، من المغرب ، بالمرتبة الثانية في الشعر .

3- فازت الأستاذة سكينة قدور ، من الجزائر ، بالمرتبة الثانية في القصة .

4- فازت كل من الأستاذة صورية مروشي والأستاذة آمال لواتي ، من الجزائر ، بالمرتبة الثالثة في القصة ، مناصفة بينهما .

5- فازت الأستاذة خديجة فشتالي ، من المغرب ، بالمرتبة الأولى في الرواية .