|
رواية "كشف المحجوب" عطاء جديد وطريف - في مسيرة القصة الإسلامية الحديثة |
|
محمد حسن بريغش – سوريا |
|
منذ أربعين سنة وأنا أتابع مسيرة الأدب الإسلامي ، وأحرص على قراءة كل ما يصدر من إبداعات ولاسيما في مجال القصة ، لأنني على يقين بأن نجاح هذه المسيرة ، لا يتحقق إلا عن طريق الإبداع الذي يقف شاهداً مضيئاً على وجوده ، وأصالته وتميّزه . وتبقى كل (التنظيرات) عاجزة عن إثبات دليل على هذا الأدب ما لم يكن هناك إبداع . وهذا ما دفعني للاهتمام بما يصدر عن هذا الأدب ، ومحاولة تقديمه للقراء : تعريفاً ، ووصفاً ، وتقويماً ونقداً (1) . ومنذ سنوات ، وأنا ألحظ بروز عدد من المبدعين في المغرب العربي ، في الشعر والقصة ، والدراسات الأدبية ، وكان واضحاً تأثّر عدد منهم بالأساليب الحديثة ولا سيما في الشعر . ولم تأخذ القصة ـ فيما أعلم ـ نصيبها من الاهتمام ، إما لعدم توافر القدرات الفنية التي تجيد هذا الفن ، أو لأنني لم أتوصل إلى معرفة هذه الإبداعات . وخلال الأعوام الثلاثة ، وصلتني بعض الإصدارات القصصية التي تبشّر بالخير ، ورأيت في بعضها تميّزاً في استخدام هذا الفن والاستفادة من الأساليب المختلفة ، لتصوير المواقف والشخصيات ، والإيحاء بالأفكار والمشاعر ، وأسلوب فني يترك أثره العميق في نفس القارئ . * * * * * * * والقصة الإسلامية المعاصرة ، بحاجة إلى مواهب مبدعة ، ترفد مسيرتها وتعزز أصالتها ، وتعطيها دفعة جديدة لتقف إلى جانب الإبداعات القصصية الأخرى بجدارة . وإنها بحاجة لمتابعة ما يصدر منها للتعريف والتقويم والدراسة . ولعل المتتبع لمسيرة الأدب الإسلامي المعاصر ، والقصة بالذات يلمح قلة الإبداعات القصصية والمبدعين ، من الذين تتوافر فيهم عناصر التميّز والقدرة على المنافسة والبقاء . ولا يعني هذا ـ بالدقة ـ انعدام الإبداع ، ولكن يعني ـ بصورة أكبر ـ عدم التعرف على الإبداع ، ونشره ، واهتمام الدارسين به ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، غياب المؤسسات التي تتبنّى نشر الإبداعات الأدبية وتوزيعها ، والتعريف بها ، والعمل على إيصالها للقارئ بالوسائل التي تتقنها المؤسسات المتخصصة . كما إن غياب النقد الأدبي ، أو الدراسات الجادة ، التي تقدم هذه الإبداعات للقراء، وتعرّف بمميزاتها وبأصحابها ، وبأهم ملامحها ، كل هذا أدى إلى الجهل بهذه الإبداعات أو غيابها (2) . وإن معالجة هذا الواقع لا يكون إلا بالاهتمام الجاد بالإبداعات ، وتولّي نشرها ، والتعريف بها ، وإيصالها إلى مختلف البلدان ، وإصدار الدراسات النقدية عنها ، بدلاً من عقد المؤتمرات وكتابة التوصيات . وفي السنوات الأخيرة ، حمل إليّ البريد بعضاً من إبداعات الأدباء الشباب في المغرب العربي ، وكانت في مجملها تفصح عن مواهب شابة أصيلة تتطلّع إلى المستقبل بثقة ، وتود أن تقدم تجربتها الإبداعية مخترقة هذا الحصار بجرأة وجدية ، وكنت أتمنى لو أعطيت هذه الإصدارات الاهتمام المطلوب من قبل الدارسين ، وأن تعقد بعض الندوات المتخصصة لتقويمها ونشر نتائج هذه الدراسة ، لتكون حافزاً للمبدعين ، وتعميقاً لمسيرة الأدب الإسلامي ، وتأصيلاً واقعياً لتجاربه الإبداعية . أقول هذا الكلام ، بعد أن لاحظت توقف هؤلاء المبدعين عن تقديم الجديد ، أو مواصلة السعي لإخراج المزيد ، وتعميق التجربة وصقلها . وهذه الصورة تذكرنا بصور أخرى مماثلة ، لمبدعين من ذوي الاتجاهات الحديثة المستوردة ، التي لقيت الاهتمام ، وتداعى الدارسون من هنا وهناك لتقويمها والإشادة بها ، وقد يصل الأمر إلى نسج هالة من التقدير والإعجاب حولها ، مما يشجع أصحابها على مواصلة الإبداع والمزيد من العطاء . إن هذا يدعونا للسؤال عن سبب إهمال المبدعين ، وعدم الاكتراث بالنتاج الأدبي الذي ينشر على استحياء هنا وهناك ؟ وهل يمكن للأدب الإسلامي أن يزدهر ، إن لم يَحْظَ بالتفاعل والتجاوب من القراء والدارسين والنقاد ، ومن المؤسسات التي يُفترض أنها تهتم به ؟ إن ذلك يدعو جميع الجادين من المبدعين والدارسين ، المدركين لأهمية الأدب الإسلامي وضرورته ، إلى أن يبذلوا الجهد بعد الجهد ، بلا توانٍ أو تردد لكي يفرضوا وجودهم وأصالتهم ، ويؤدوا رسالتهم من خلال هذا الأدب الذي يحمل هموم الأجيال الحاضرة ، ويتطلع إلى المستقبل بثقة وأمل ، ويعالج الواقع بشفافية وحكمة ، لنصرة الإنسان المكرم ، وصيانة القيم التي تجعل للحياة طعماً وقيمة . * * * * * * * ورواية (كشف المحجوب) واحدة من الإبداعات الجديدة المتميزة ، وكاتبها الأديب (فريد الأنصاري) الذي قدّم للأدب الإسلامي بعض إبداعاته ، ومنها هذه الرواية ، لتكون رمزاً جديداً لأدبنا الإسلامي ، لأنها توحي بأن الكاتب موهبة مبدعة ، تدخل عالم القصة بقوة واقتدار . وأعترف أنني وقفت أمام هذه الرواية شهوراً ، قرأتها ، وهي على منضدتي وبين أوراقي الحاضرة ، وعدت إليها ثانية وثالثة ، وسجلت على صفحاتها ، بل مقاطعها كثيراً من الملاحظات والاستنتاجات ، وحاولت الكتابة عنها ، بما يوفيها حقها ، ولكنني في كل مرة كنت أتوقف ، لأن المحجوب يُدخلني في دوامة من الصور والأفكار ، لأنها رواية تجعلك تفكــر في اتجاهــات شتــى ، وتتعـرف أو تكتشف مع المحجوب صوراً نافرة ومفزعـة ، وتظــلّ ـ مع ذلك ـ لدى القـارئ بعض الحجب التي تتفق مع عبارة الكاتب فـي بدايتها " لم أهتد إليها " (3) . وإذا كان الكاتب ، راوي قصته هذه ، ظل يبحث عشر سنوات كاملات لكشف الحجاب دون جدوى ، فمن حق القارئ وواجبه أن يشارك الكاتب معاناته ، ويصحبه في رحلته ولَوْ لأَيامٍ أو ساعات ، وسيكون لهذه المشاركة جدوى إن شاء الله . كشف المحجوب ، هذا الاسم الرمز ، والرحلة الشاقة المثيرة تكشف ما في داخل المجتمع وفعالياته ، يبرر لي ولغيري ما يعانيه من التعب والتقصير في عدم الوصول إلى هذا المحجوب بالرواية ، هكذا أرادها الكاتب ، وستبقى هكذا . سينكشف للقارئ أشياء وصور شتى ، ولكنه سيظل كلما أمعن في البحث والكشف والقراءة والتفكير يحسّ باشتداد العطش لمعرفة نهاية المحجوب ، وكل أسرار الحجب ، لكثافة المجهول أحياناً ، وبسبب الانتقال السريع للكاتب من الواقع إلى الحلم ، ومن الحاضر إلى الماضي ، ومن أضواء المدينة اللاهية ، إلى سكون البادية وهيبتها ، ومن الذات إلى الآخرين ، ومن الشر إلى الخير ، ومن النادي إلى الزاوية . ولابد أن القارئ يشعر ـ أحيانا ـ وكأنه يسير بين العتمة والبرق ، العتمة التي تلفّك بسُجُفٍ كثيفة فلا تعرف فيها جهة ولا طريقاً ، والبرق الذي يلمع صاعقاً ، فيكشف لك أسداف الظلام بومضة خاطفة ، ولكنه لا يمكنّك أبداً من أن تهتدي لتحديد الجهات الصحيحة ، والطريق الذي تريد . ومع ذلك فرواية كشف المحجوب ، التي تدعك في هذا الموقف المتسائل والمتلهف دائماً ، وتثير في ذهنك ومشاعرك شتى الأسئلة والاحتمالات ، وترسم لك أنواعاً من الصور الناطقة الخارقة ، وتنقل لك مشاعر تنغرس في وجدانك وعقلك ، وتثير عندك شتى العواطف والرؤى . هذه الرواية ، هي بحق جديرة بالقراءة والدراسة والتقدير ، رواية تدل على كاتب يمتلك طاقة من الموهبة المبدعة ، وأداة التعبير الموحية التي تستطيع اختزال المسافات ، وتدبيج الرؤى والألوان المختلفة ، داخل صورة أو مشهد أو عبارة واحدة ، بل من خلال كلمة ـ أحياناً ـ . كما لديه البعد الثقافي والقدرة على استخدام ذلك بشكل مؤثر ، مما يدل على اطلاع جيد على التراث ، والفكر ، والفنون وعلوم شتى . فضلاً عن معرفته لمصطلحات الصوفية وأحوالها ومقاماتها ، مع القدرة ـ أيضاً ـ على التصوير الدقيق الشيّق ، ونقل المشاهد الناطقة ، بحيوية وطرافة ودقة ، وكشف الحقائق ، ورفع الحجب عما يدور في المجتمع من أفكار وشعارات ومؤثرات ، وبطريقة تدل على قدرته وموهبته ونجاحه . من اليسير على الكاتب الموهوب ، أن يسرد لك الحكايات ، ويصور لك المواقف ، ويرسم لك الشخصيات ، ويأتيك بالعقدة والنتيجة ، التي تفرغ فيها كل ما تجمع في إحساسك من توتّر حتى تستريح ، وعندها ، وبعد أن يمضي وقت ليس بالطويل على قراءتك لمثل هذه القصص أو الروايات ، تستطيع أن تختصرها بكلمات أو تختصرها بسطور قليلة ، تستوعب فيها الموضوع والشخصيات والهدف .. ولكن رواية كشف المحجوب ، تأبى الخضوع لهذه الصورة التقليدية ، وتستعصي على قراءتك السريعة أن تستجمع خيوطها ، أو تدخل إلى لججها وأعاصيرها ، أو تلاحق تنقلات المحجوب وكشوفاته وتجلياته . إنك ـ حقاً ـ تحتاج إلى الصبر ، وإلى أن تستفز طاقاتك على الفهم والمتابعة ، واكتشاف مدلولات الرمز ، وتذوّق العبارة ، وربطها بالدلالات المقصودة منها (الفكرية ، أو الاجتماعية ، أو الدينية ، أو غير ذلك) . كما تحتاج إلى القدرة على امتطاء الريح ، والصبر على لفحها للانتقال من حاضر إلى ماض ، ومن مدينة لصحراء ، ومن ركوب الطائرة لركوب الحمار والجمل ، ومن النادي للزاوية ، ومن السياسة إلى الرقص واللهو ... قد تشعر بالدوار أحياناً ، وقد تتوقف أحياناً أخرى ، وقد يصل بك الأمر إلى الضجر من الراوي والرواية فتستريح من هذا العناء ، ولكنك ـ وأنت صاحب ذائقة أدبية ـ لابد لك من استنشاق هذا العبير الجديد ، وتذوّق الطعم الشهي النافذ وأنت تقرأ هذه الرواية . إنها تجعلك تتفاعل ، حتى تصيح من الإعجاب ـ هنا وهناك ـ وتقف وأنت تتأمل هذه الصورة أو تلك ، وتتملّى تفاصيل المشهد المثير الذي يأخذ بتلابيبك ، ولا يدعك تمضي إلا بعد أن تتفتّح لديك آفاق ورؤى وحجب ، وتتملّى الصورة والمشهد وتستغرق في تلافيف الوصف الجميل العميق ، والصورة البديعة الموحية . * * * * * * * وأحسب أن الرواية تصوير للصــراع الــذي يعيشــه المسلــم ، والفطرة البشريــة السليمة ـ عامة ـ بين الواقع والحقيقة ، وبين الممارسة والقيم ، وبين النقاء والبساطة والطهر والبراءة ، وبين المدينة المستغربة ، المشتعلة بالأضواء ، وسعار الجنس والإغراء ، المصبوغة بالزيف والملوثة لكل الحقائق . إنها رحلة لكشف ما يدور في داخل هذه المجتمعات : في الميادين الفكرية والأدبية والسياسية ، والإنسانية ... ووضع القارئ أمام الشمس لتحرق الحجب وتزيل الأصباغ التي تمثّل التزييف الفاضح للحقائق . وفي الفقرات التالية ، أحاول تسجيل بعض الانطباعات والصور والأفكار التي ترشَّحت لدي من الرواية . * * * * * * * رواية كشف المحجوب ، صور موحية لرحلة بطل القصة القادم من الصحراء إلى المدينة ، وتنقِّله من الدراسة ، إلى العمل الحزبي ، فالوظيفة ، فممارسة هواية الأدب ، فالأعمال الخيرية إلخ ... وهو ـ أثناء رحلته ـ يلتقط صوراً ، ثم يختفي بعيداً ، ويعود بذاكرته إلى منابته الأولى ، وذكرياته التي حفرت في أعماقه أموراً وقيماً وعواطف لا تُنسى ولا تُمحى ، ثم يعود إلى الذات ، وإلى الزاوية والشيخ وذكريات الماضي ، وفي كل هذه المشاهد كانت الفطرة تنتفض لتعبر عن نفسها ، وعن نقائها أمام وقائع الزيف الذي يمر به الناس . ولذلك يمكن أن تكون الرواية تصويرا للصراع الذي تعيشه الفطرة السليمة ، أو بصورة أخرى ، يعيشه المسلم اليوم ، بين صورة النقاء والبساطة ، والطهر ، والقيم ، مع المتاعب والفقر والآلام ، والتخلف المادي ، والحياة البدائية ، وانعدام الوسائل التي تخفف عن الإنسان ما يعانيه ، وبين صورة المدينة المستغربة ، المدينة الجديدة المشتعلة بالأضواء ، وسعار الإغراء ، وصنوف التزييف ، مع التقدم المادي ، والوسائل الحديثة ، مع التقليد الأعمى للغرب ، والانبهار المميت ، مما جعل سكانها وأصحابها يطحنون في رحى هذا الصراع ، ويتمزّقون بين دواعي الحاجة الملحة ، والإغراء الآسر . وكذا بين الشوق إلى الطمأنينة والسعادة الداخلية ، أو الجنس والأضواء والشهرة والوجاهة الكاذبة ، والمال الحرام ، والمركز المرموق . كما إنها يمكن أن تمثل نوعاً من الصراع بين الريف والمدينة ، والصراع بين الثقافة الإسلامية والثقافة الغربية . كل هذا يترشح من الرواية ، وإن لم يسلك فيها الكاتب الأسلوب المباشر ، ولكن القارئ المتأنّي لابد له من تلمس ذلك من خلال الأحداث والصور المتقابلة . * * * * * * * الكاتب لم يكثر من الشخصيات في روايته ، بل جعلها تدور حول عدد قليل ، أهمها بطل الرواية ، وناقل أحداثها (المحجوب) ، ثم صديقه (علي) الذي كان كالصديق المرافق للشاعر في القديم ، يحادثه ، ويبث إليه بعض أفكاره وأحاسيسه ، ويبوح له ببعض ذكرياته . ثم السكرتيرة التي تأخذ أسماء متعددة (سيدة النادي ، وسيدة الفن والأدب ، أو الكاهنة ، وسيدة النقابة ، أو الحزب ... إلخ) . وكلها تمثل المرأة في صورتها المعاصرة ، واستخدامها للإغراء والجنس وتنفيذ الأغراض المريبة . وهناك شخصيات أخرى ثانوية ما عدا شخصية اليهودي الذي يظهر بصورته المريبة ، يحرك الأحداث ، ويستخدم المال ، والنفوذ ، والمنصب ، والسياسة ، والأدب والحزبية وغير ذلك لتنفيذ أغراضه البعيدة . والشخصيات الأخرى ، مثل رئيس المصلحة ، أو رئيس النقابة أو الحزب ، أو الأديب ، والناقد . والكاتب يذكر بعض الشخصيات هنا وهناك لإضاءة بعض المواقف ، أو إعطاء صورة معينة للبيئة ، أو الزاوية ، أو التعليم ، أو المرأة . فهو يذكر الشيخ الذي كان يمحضه النصح ، ويبذل له ولغيره الحكمة والموعظة ، ووالده الذي يعطي صورة للجيل السابق بأفكاره وأخلاقه وعاداته وقيمه ، وكذلك إخوانه من البنين والبنات وعمته ، ومعلم القرية ، ووالدته ، وابنة المعلم وغيرهم . كمــا ذكــر أسمـاء كثيـرة لعلمـاء وشعـراء ، وفلاسفـة ، ومفكريـن ، وذكـر بعض الصحابــة ـ رضوان الله عليهم ـ مثل علي بن أبي طالب وسعد ابن أبي وقاص ، وأبي عبيدة بن الجراح ، وخالد بن الوليد ، ومن الشعراء قيس بن الملوح ، وعروة بن حزام ، وديك الجن الحمصي ، ومن المشهورين كانت ، ونوال السعداوي ، وسيف بن ذي يزن ، وعنترة ، وعبلة، وبنو عبس . وهذه الأسماء ، وإيراد ذكرها في الرواية ، وطريقة طرحها ، والإيحاءات المتعلقة بها ، تدل على ثقافة الكاتب ، وسعة اطلاعه على التراث ، وعلى بعض النواحي الفكرية والثقافية، واهتماماته الأدبية . كما تدل على قدرته في توظيف هذه الأسماء أو المواقع لخدمة الهدف من الرواية ، وفي إبراز الصورة المطلوبة ، أو تصوير أحداث معينة أو معنى يريد الإيحاء به . وهي في أكثر الأحيان تذكر لدلالتها الرمزية أكثر من عرض موقف لها . * * * * * * * يبني الكاتب روايته على تصوير تجربة البطل الذي أسماه (المحجوب) القادم من بيئة صحراوية في الجنوب ، تمثل البساطة والبداوة وشظف العيش مع قيم وتقاليد راسخة ، تترك آثارها في أعماق الأحياء جميعاً . ويلتقي المحجوب مع صديقه علي القادم من بادية الشمال ، والذي يشاركه في المعاناة ، ويعينه على الخوض في هذه التجربة . ويبدأ البطل في تصوير العاصمة ، بعد أن أصبح موظفاً صغيراً عقب انتهاء الدراسة ، فيعطيها صورة نافرة لتقابل صورة بيئته الصحراوية البسيطة التي نشأ فيها : " العاصمة تحتضنك الآن بهولها وعهرها ... فاركض بفيافيها أيها البعير المبهوت بالكثافة والصراخ " (4) . ولكنه يقف أمام هذا العالم الجديد متحدياً ومصمماً على اكتشافه ، ومستعداً للصراع مع الآتي المجهول ، وهو يودّ " أن أكسر الأبواب العاتية الشاهدة على أكبر زور ... " (5) . ومن ذلك تتوضح ملامح شخصية المحجوب ، البدوي العنيد ، والمتطلع إلى المجهول بتصميم وثبات ، المتأهب لتحمل قساوة التجربة . أما صديقه علي ، فهو ابن الثماني والعشرين عاماً ، كأنه طفل وديع بريء ، ذو فكر ديني وإن لم يكن من أهله ، ولم يكن يؤدي الصلاة . هكذا تتوضح شخصية المحجوب ، الذي يتحدّى المدينة ، والحداثة ، والأضواء ، ويمضي مصمماً على كشف عوارها ، وعرض أسرارها : " ها أنذا زاحف إليك يا هياكل الدخان ، أكشف دجلك واحداً واحداً ، حتى أعثر على موقد النار " (6) ، فهل يصل إلى الحقيقة ؟ * * * * * * * المحطة الأولى لرحلة المحجوب كانت في الوظيفة ، ثم في النادي الذي يجمع الموظفين ، ويأخذ في شكله صورة مبهرة ، فهو يشبه الكنيسة لأن كليهما يجري فيهما ما يجري هنا ، بعد أن فقدت الكنيسة معناها الروحي والتعبدي . والنادي يجتمع فيه كبار الموظفين في الوزارة بما فيهم رئيس المصلحة (الوزير أو غيره) والسكرتيرة ، وكثير غيرهم . ويصور الكاتب جو النادي ، وبعض ما يجري فيه بعبارات شفافة تصرخ بالمضامين الحقيقية لما جري : " ضج النادي بالتصفيق فجأة ، وقبل أن نتساءل عن السبب ، كان الواقفون يوسّعون الطريق لامرأة دخلت اللحظة فقط .. كانت الألوان قد اشتعلت في كل مكان ، وانطلقت الترانيم هامسة في خشوع ، هذه عطور باريس تجتمع الآن بكل عهرها .. تطلق ضحكات مغرية من خلال اللآلئ والفساتين الكاشفة المشتعلة ... تاج المجون الأنثوي يعرض الساعة خطابه الشارح ، فاستمعوا له وأنصتوا ... يلعنكم الله " (7) . هذه الصورة الصارخة بالإثارة التي استخدم في تصويرها اللون والضوء والصوت والإثارة ، وجعل الجمادات تصرخ وتتكلم ، والنزوات تئن وتنحني أوضحت طبيعة المكان ، والناس الذين فيه ، وأوضحت طبيعة مجتمع الوظيفة الذي يعمل فيه . ويزيد الصورة إيضاحاً عندما يتحدث عن السكرتيرة مباشرة ، فهي : " مرؤوسة شكلاً في الإدارة ، رئيسة فعلاً في النادي " وأما تأثيرها ومكانتها عند رئيس المصلحة الذي " يركع لها بالذل أمام الجميع ، ويوسّع لها مكان الصدراة " ثم يتحول النادي ومن فيه إلى غابة يرقص فيها هؤلاء (8) . ولكي ينقل لنا أحاسيسه مع صديقه علي وهو يرى هذا الجو المثير جرى هذا الحوار: " أين أنت الآن ؟ في الخريف السابع من جهنم !! كان الدخان كثيفاً نتناً لا يُطاق ، وكان الاحتراق يعتقل الأشباح بتخدير رهيب ، رائحة أشبه ما تكون برائحة المطاط المشتعل في عجلات تفجّرت في حادثة سير ، فكانت شواءً مخيفاً ! هذه أغصان الأجساد المنتنة تفوح بروائحها الآن فيختنق المكان ، تتلوّى في عنف الحمى هائجة في جنون الشبق ، يسيل العرق الأسود على الصلصال المختمر فتفور رائحة العلق المسنون ، وترفع الحمير رؤوسها بالنهيق ، ثم تقضم في شره مجنون الفاكهة الحرام من هنا وهناك !! ها هو الجسد يتكلم من تحت نهميته السفلى ، هزة أو هزتان وتنتفخ بطون الحمير بالزعيق !! كنا معاً ـ أنا وعلي ـ نتسلق أشجار النار بقدر ما نشعر بالعذاب الرهيب ، بقدر ما نشعر بالرغبة المجنونة في الاستزادة " . ثم يصف حالهم بعد كل هذا : " أنا الآن خشبة وكفى ، خابية من ماء وطين تعلن شهوتها للشمس فتتبخر كل الأنداء ، ولا يبقى فيَّ غير الفخار ... " (9) . الإغراء ، والجنس ، واقتراف كل حرام ، وإحراق القيم كلها في هذا الجو المنتن المثير ، جو الجنس المدنّس ، التي تصبح السكرتيرة فيه " سيدة النادي ، هي مفتاح النجاح لكل الموظفين ، وهي سبب الهلاك لهم ... فبيدها مفاتيح كل شيء ، هي التي صنعت عظمة السيد الرئيس ، لو سخطت عليه لما بات في منصبه ذاك ليلة واحدة ... ! بَسمَتُها ، إشارتها ، عبارتها ، كلماتها هي مدرج السلم الإداري للترقية السريعة ! وبالاختصار يمكنك اختصار الأسرار والأخبار في معادلة واحدة هي : الإدارة هي السكرتيرة ، .. وهل رأيت عظيماً في حياتك لا يحتجب خلف سكرتيرة ، فهي كل شيء ، وعبر أصباغها تمر جميع الملفات ... " (10) . وأما الذين يؤمنون بجدية العمل من الموظفين ، ممن يأتي من المناطق البعيدة بفطرهم وقيمهم السليمة ، يظلّون على هامش الحياة الإدارية ويعانون من الظلم لأنهم لا يتقنون طَرق الأبواب ، ويؤمنون بالعمل الجاد ، وفكرة المواطن الصالح وسط عصابات المافيا (11) . * * * * * * * هذه المحطة الأولى التي يكشفها المحجوب ، مما يجعله يتذكر بيئته الصحراوية النقية التي لا تعرف الغش . وهذه البيئة ذاتها هي التي غرست في أعماقه الأنفة والكبرياء ، وحب الاستمرار في البحث عن المجهول للوصول إلى تلك الواحة التي تروي ظمأه . وكلما اشتد عطشه ، وزادت سطوة القيظ اللافح ، والأفق الممتد بلا حدود ، زاد هو في الإصرار على البحث والاستمرار في الرحلة . ويتوقف عند محطة أخرى ، في نادي الإبداع ليكشف الحجب عن أهل الفن والأدب والثقافة والإبداع ، ويبرز صور المبدعين الذين يرتقون في عالم الشهرة . والنادي الجديد لا يختلف عن نادي الموظفين ، حيث تأخذ (سيدة الفن والأدب) فيه مكان الصدارة ، فهي كاهنة أخرى وراء الشهرة والظهور ، وأكثر الأسماء للمبدعين في هذا الزمان ، تركع في تذلل أمام معبدها " (12) . ويتوقف الكاتب عند اليهودي الناقد الروائي ، الذي قدمته الكاهنة ، ومن مميزاته أنه يكتب بالفرنسية ، ويتحدث للصحافة بالعامية ، وهو نموذج لطبيعة اليهود وخبثهم وتغلغلهم في كثير من الأوساط الاجتماعية ، والثقافية والأدبية والسياسية ، وتوجيههم للأمور والمرتبطين بهم من وراء ستار . ولكن المحجوب ، الذي أرادت الكاهنة تقديمه للناقد الهودي ليكتب عنه ، يرفض ذلك ، ويقول لها : " إني أرفض أن يكتب عني ذلك اليهودي شيئاً " وأضاف : " أعترف لك أنني علماني وحداثي ، بعيد كل البعد ـ كما تعلمين ـ عن الدين وأهله ، لكني كرهت اليهود منذ صغري ، إني لست عنصرياً .. إني أكره رائحتهم حتى الموت ... تلك الرائحة التي كنت أشمّها في ـ مَلاّحهم ـ وفي دروبهم ودكاكينهم .. كانت تثير الغثيان ، هي نفسها ما زالت تنبعث من هذا الذي ... ربما لأنها مرتبطة بأفكارهم وأحلامهم ، مثل الإوز لا يحلو لها العيش إلا في المجاري الآسنة " (13) . ولكن سيدة النادي أجابته : " ما زلت بدوياً حتى النخاع " وأضافت : " إنك تفوّت عليك فرصة العمر ، أترى هؤلاء ؟ إنهم جميعاً يتمنّون أن يباركهم بكلمة ، أو بإشارة في هامش صغير ، لذلك فهم لا يفتؤون يكتبون عنه ، ويصنفون تمجيداً لهرائه ، فلعل وعسى أن يرد التحية بأقل منها ، ولكنه لا يفعل أبداً ، إلا أن تكون له مصلحة ما ، لا يعطي شيئاً بالمجّان ، وحدي أنا التي أمامك لا يرد لي طلباً " (14) . ويمضي في تصوير هذا الوسط الآسن أيضا ، ليبين كيف يصنع المشاهير ، ويبرز المبدعون . وها هي الكاهنة تأمر واحداً آخر (كاهنهم الأكبر) أن يكتب عن قصة بطل القصة ، فيصغي الكاهن " وهو ينحني لها يقدم آيات الطاعة بين قدميها !! " ثم يضيف الكاتب: " أحسست أني دخلت التاريخ من باب النساء " (15) . ويصف الكاتب هذه الأجواء التي تحاط " بجو من العربدة الجسدية والأضواء والأصوات ، والكلمات الجوفاء " . * * * * * * * بعد أن يصور هذه المشاهد المثيرة ، تعود به الذكريات إلى منبته الصحراوي مرة أخرى ، وترجع به ـ عن طريق التداعي ، واللاوعي ـ إلى تلك القيم والتقاليد التي عرفها في بيئة البسيطة التي لم تزيفها يد المدنية الحديثة ، ولم تفسد رائحتها الصافية ، روائح باريس . وفي ذكرياته هذه يصف البيئة ، وعمته صاحبة القصص الدافئة في ليالي الشتاء الطوال ، ويذكر الحكايات الأسطورية الممزوجة بسحر الطبيعة وطهارة الحياة التي كانت تحكيها له . كما يصف المرأة هناك ، هذه الدرة التي يفوح منها الطهر والعفة والفطرة النقية ، ويصف البساتين والأريج والعشب والشجر والطير ، والدالية والرمان ، والشيح والماء ، ويمتزج وصفه بعاطفة وحب يشدانه إلى تلك البراءة ، وكأنه يجد فيها ملاذاً يهرب إليه ـ في اللاوعي ـ كلما اختلطت عليه الأمور ، أو تاه في أصباغ المدينة الزائفة ، والأندية والعربدة الجسدية التي تفوح منها رائحة النتن الحرام والزيف المصبوغ بشتّى الألوان (16) . ومن خلال هذه الاستراحة اللاوعية لبطل القصة ، يعطينا صوراً حية وجميلة للبيئة الفطرية التي لم تعبث بها يد الإنسان ، وينقل لنا الحياة هناك ببساطتها وصفائها وطهرها ، فيصف البيوت وسكانها ، ويتحدث عن أسرته ـ عن والديه وإخوانه ـ عن القيم والعادات التي يخضع لها الجميع بطواعية ، وينقل لنا صورة مدرسة القرية أو (الكتّاب) وطريقة التعلّم ، ومكانة المعلم والفقيه ، وخبرات المعلمين ومزاياهم . كما يتحدث عن تقاليد الأسرة ، ومكانة الرجل فيها ، والحالة المادية التي تتجلى في ندارة الأشياء المتوافرة للطعام واللباس . مع القناعة والرضى ، ويتطرق إلى أهل البلدة ، وطريقة عملهم في الزراعة ، ونماذج بيوتهم البسيطة في بنائها وأساسها ، المنفتحة لِتَسَعَ بِحُنُوٍّ جميع أفراد العائلة ... هذه الصور ، وما فيها من دلالات مهمة وعميقة عن الريف والبادية ، والحياة البسيطة المهملة ، مع القيم الراسخة ، وكذلك نقل الحكايات التي تتعلق بأعمال بطولية في هذه البيئة ، وبعضها أقرب ما يكون للأسطورة ، كل ذلك يحمل عبق الفطرة التي تقف على طرفي نقيض مع هذا الزيف والبهرجة التي عرض لها في المدينة وأنديتها المختلفة (17) . * * * * * * * ويتوقف الكاتب عند المرأة في جميع المحطات التي مرّ بها ، ليرسم صورتها في الوظيفة ، والأندية المختلفة ، حتى في أعمال الخير ، التي تظل هدفاً وألعوبة بيد الرجال ، بل بيد اليهودي وأعوانه الذين يتوارون خلف الألقاب والأعمال المختلفة ، وتظهر كوسيلة للإغراء والتأثير وتنفيذ المآرب الظاهرة والمختفية ، ويستمتع الرجال بجمالها ونضارتها وإثارتها ، وينفّذون من خلالها أموراً ويحققون أهدافاً وأغراضاً يستحيل أن تتحقق بدونها. وعندما تذوي نضارتها ينبذونها بمكر وخسة وقساوة ، ويستبدلون بها أخرى أكثر جاذبية ونضارة وإثارة " هؤلاء الثعالب يتمرّغون أمامي ما دامت النضارة في وجهي ... " (18) . ومع ذلك تشعر المرأة في أعماقها بالخوف ... لأنها تدرك أنها وسيلة ولولا بذلها ما تبذل لما كانت على ما هي عليه ، وهي تتمنى أيضاً أن تعيش مستقرة مطمئنة ... " هذه حاكمتهم التي ينبطح عند قدميها كهان الفن والإبداع ، وسدنة الحداثة ، هي ذي الآن تركع لي ذليلة كالأتان ... " (19) وبذلك يصور انهزام الأصباغ والزيف والانحرافات والأفكار الدخيلة ، والحداثة ، والمدنية الفاجرة ، أمام الفطرة التي تتمرد على كل هذا ، فتستجدي هذه المرأة ، صاحبة المجد البطل ، وتتمنى أن يستقر بها العمر زوجة لرجل يحفظها ويحترمها . " كانت الدموع قد غمرت عينيها ، فسالت تجرف الأصباغ الكاذبة في خليط وسخ ، مسجلة بذلك هزيمة الحداثة في قلب باريس " (20) . ولكن بطل القصة القادم من الصحراء، من الأرض البكر والطبيعة العذراء ، من سهب الشِّيح البرّيّ ، والواحة الظليلة ، من بين الفسائل العفيفة ، من أحضان الريف الذي يتناغم مع دفء محبته الإنسانُ والحيوانُ والنبات، هذا البطل يرفض أن يتزوج هذه السيدة ، صاحبة النفوذ والسلطان ، برغم الإثارة والإغراء لأنه " لا يستطيع أن يجمع بين بخور الجنة ودخان جهنم ... " (21) . * * * * * * * والكاتب حين يصور بيئته ، ويصف ما فيها من عادات وتقاليد ، يلجأ إليها كملاذ عندما تتوفّزُ أعصابه ، وتنتفض فطرته من هذه الصور المشوهة للحياة والطبيعة والمرأة وعلاقات الناس ، فتهتزّ صورة الحياة عنده ، ويشعر بالقلق والضجر والشرود : " نظرت في الأفق الممتدّ أمامي فأبصرت المدينة تحترق في أضوائها ، وأنا كالبعير ، إذ يشرد في تأملاته ، أمد ّعنقي تجاهها حائراً ... آه ما هذا اللغز في حياتي " (22) . ولكن نداء الفطرة يتغلب على هذا الشرود والزيف ، فيصرخ البطل : " إيه يا مدينة النفاق والبهتان ، قادم إليك بقوائمي الأربع أجوس خلال الديار ،وأمرّغ شهواتك بالتراب ، ولي سحري الذي يبطل كل طلاسمك البليدة ، بخوري يا سيدتي هو الريح والشيح والنفس المستريح " (23) . ينتقل الكاتب إلى محطة أخرى ، في رحلة كشف المحجوب ، هذه المحطة تمثل الجانب السياسي ، والنقابي ، والعمل الطلابي . ومن خلال ما ينقله في هذه المحطة ، يحكي تجربته ويتحدث عن ذكرياته في النضال مع اليسار فيقول : " نظرت إلى عصابة المناضلين ، تلك المافيا الحمراء المتكالبة على الجنس باسم النضال والتحرر ، ونظرت إلى وجوه الرفيقات البئيسة ، وهن يلقين كلماتهن الجوفاء ، وجوه أشبه ما تكون بالأحذيـة القديـمة أو الاسفنجـات الوسخـة المتهالكة " (24) . وكذلك يعرض ، في هذه المحطة ، صورة النضال الحزبي والسياسي ، وهي لا تقل إثارة وزيفاً عن الصور الأخرى في المحطتين السابقتين ، حيث تبرز في هذا الوسط المرأة عاملاً رئيساً في إثارتها ، واستغلالها وتأثيرها . ويشير من خلال الأحداث والصور إلى تأثير فرنسا والفرنسية ، ابتداء من استخدام الألفاظ والمصطلحات الفرنسية ، إلى التقاليد والأخلاق ، والأزياء والعادات ، والروح التي تخيم على هذا المكان كله ، يقول الكاتب على لسان بطله : " هذه حوافر قصر الإليزي تدوس أسطـورة الاستقـلال ، وتبصـق في وجه التاريخ الكاذب ! من قال إننا قد خرجنا ؟! بـل الآن فقـط يمكنكـم أن تقولوا إننا قد دخلنا ! نسقيكم من خمورنا ، ونحميكم بعهرنا ولغتنا " (25) . وهي صورة تعبر عن هيمنة الاستعمار الغربي (26) على حياتنا وثقافتنا وتقاليدنا ، وتغلغلهم في أدق الأمور وأعظمها عندنا ، ورضوخنا لهذه التبعية بمبررات كثيرة زائفة لها مسميات العلم والتطور والتقدم والتواصل ، والعولمة .. كما يوضح المؤلف ـ هنا أيضاً ـ تأثير يهود وتغلغلهم في الحياة السياسية والحزبية ، وقدرتهم على التوجيه والتخطيط ، مع التنفيذ بأي هؤلاء المناضلين . فاليهود يوزعون الأدوار ، ويقفون وراء الستار ويحركون الممثلين على خشبة المسرح ، وفق فصول معروفة ومقررة . وفي هذا النادي الجديد يظهر اليهودي ذاته الذي كان يظهر في نادي الأدب والإبداع ، ويدفع بالمرأة (الصنيعة) لتكون هي الحاكمة ، ويجعلها مصدر القرارات ، وهذا ما تصرح به هذه المرأة ، حينما أرادت أن تتقرب إلى بطل القصة ، طامعة أن يصبح لها صديقاً حيث قالت : " فليكن في علمك أن كل القرارات السياسية تخرج من هنا ... !! وأشارت إلى باب الجحيم ! " وعندما أبدى البطل استغرابه قالت له : " يظهر أنك لا تعيشن عصرك ، شعور قرأتُ عنه في وصف الشعوب البائدة ، وما كنت أصدّق أنه لم يزل منه شيء على قيد الحياة حتى رأيتك ، ثم لا تَنْسَ زوجي أستاذ للفرنسية رفيع المستوى ... والفرنسية يا صديقي العزيز طريقة حياة قبل أن تكون لغة " (27) . وهي صورة تعبر عن هذا الوسط الذي تعيش فيه المرأة ، بعيدة عن الفطرة ، جاهلة بما تحويه الحياة من طهارة ونظافة واستقامة ، غارقة بما هي فيه ، مما عرفته من الفرنسية ، والحياة الغربية . * * * * * * * وبعد هذه المحطة ينتقل البطل إلى ملاذه الآمن ، وإلى البيئة التي خرج منها ، حيث الفطرة السوية ، والأصالة والبساطة ، وإلى الحقائق الفطرية التي لا تزال هي هي ، وإن كانت فجّة أحيانا . وهذه الاستراحة الجديدة تأتي بعد رحلة متعبة من الضياع وسط الأجواء الحديثة الغربية ، استنزفت من البطل كل شيء ، أخذت منه الخلق والدين ، والكرامة والعفة ، والصدق والثقة والاستقامة ... وعاش تلك التجربة وسط الأجواء الحديثة التي نقلت من الغرب واستوطنت في المدينة حتى أخذت فيها كل شيء ، لذلك عاد بعدها يصرخ : " ها أنا ذا غرب قادم إليك سيدتي ، متوسلا إليك أن تبقي لي على جنوبك الميمون ، ها أنا ذا بركة آسنة ، تجمعت أمواهها من صبيب المجاري النجسة ، والأوحال القذرة الآتية من كل خمارة وناد ، آتية بكل فكرة وقرار ، فكنت هذا الذي تشهدين .. بركة علاها الطحلب الوسخ والخضرة الكاذبة .... غابة تضرب بأغصانها في الفضاء ، لكنها غابة غضة وأدغال خانقة .. نار هذه الصحراء أولى بها ، فتبخري يا عروق وتفجري ، هذه الرمال كفيلة بإتلاف كل الخطايا القديمة والجديدة .. " (28) . ولا تنتهي تجربة المحجوب ورحلته الشاقة إلا بعد أن يمر على محطة غريبة ومريبة ، هي ناد ولكنها من نوع آخر ، يتخفى وراءه الخبثاء حين ينكشفون في السياسة ، والثقافة والإبداع والعمل النقابي ، ويتجمّعون ، وهم فارغون ـ باسم البر والإحسان وعمل الخير ـ لخداع البائسين ، واصطياد اليائسين من الغرب وأهله ، ولكن الجمعية ، كما يكشفها المحجوب ، ناد آخر ، كالحزب ، والنقابة ونادي الإبداع . وتقاليدها ومحركها ذات الأشخاص ، والمرأة هي الواجهة لهذه الجمعية ، لذا نرى البطل يصرخ : " أتكون هي ، هي سيدة الثقافة ، وصاحبها ، سيء الذكر ، اليهودي ، أكرمكم الله ؟ لا .. لا مستحيل ، رئيسة لجمعية البر والإحسان ، وهو كاتبها العام !!؟ أي خبل هذا الذي أصاب دوران الحياة في الأفلاك ، فانقلبت إلى عكس الاتجاه ؟ " (29) . ولكن البطل يكتشف أن هذه النماذج تحيط به في كل مكان ، وهي التي تهيمن على مختلف جوانب النشاط السياسي والثقافي والأدبي والحزبي " هذه مجاري النجاسة ، أهرب منها فتتبعني أينما حللت وارتحلت ، وتحاصرني في كل مكان " (30) . وهذا هو حال المواطن العادي ، في البلدان المتخلفة ، أي التي رضخت لغزو الثقافة الغربية ، وأفكار الحداثة والتطور الزائف ، وتخدرت إرادتها وطموحها ، بتكريس الأشياء الجديدة ، واستخدام المقتنيات الحديثة ، فبقيت في جهل مركب ، وقعدت عن النظر في ملكوت الله عز وجل . * * * * * * * ويقف البطل بنا مع مشهد مثير بينه وبين سيدة الجمعية الخيرية ، ويصل معها إلى توضيح حقيقة هذا الرجل والزيف فتقول : " ولكن الذي ترى إنما هو مجمع الفاشلين .. الفاشلين في ميادين شتى ... هذه دار العجزة . هذه مزبلة المجتمع . العاملون هم العجزة المستقاطون في حلبة الصراع الاجتماعي ، القوي الوحيد هو ذاك اليهودي ، إنه المستفيد الأول والأخير من كل هذه الحركة . الأموال والاختيارات كلها بيده ... ما يسمح بإنفاقه من المال ما يبلغ المعشار من الرصيد الحقيقي ... إنه يلتهم المال وكأنما يهلكه في اللهيب ، أو كأنما يصرف لجهات أخرى مثل إسرائيل .. " (31) . وتزيد الأمر وضوحا فتقول : " أحواله وعلاقاته الخفية ، بعض مراسلاته التي اطلعت عليها بالصدفة .. أشياء أخرى ، كلها تشير إلى ذلك بوضوح ، أي علاقته بإسرائيل ، خيوطه أبعد من أن ترى ولو لأقرب أصدقائه ، إنه رجل غامض غريب الأطوار .. " (32) . وعندما يبدي البطل استغرابه ، ويتساءل عن مسؤولية الحكومة في هذا ، وعدم إخبارها عنه وعن نشاطاته تجيبه : " الحكومة ؟ هذا أهم عندها عشرات المرات مني وأفيد ، فهو على الأقل يزاحم الجمعيات الإسلامية في أهم مواقعها الاجتماعية البر والإحسان ، ثم أي حكومة هذه التي تستطيع الإحاطة به ، وهو يستند إلى طابور من الأشباح الرهيبة ... " (33) . * * * * * * * ومرة أخرى يقف أمام المرأة التي تتصدر جميع الأوساط ، وتظهر سيدة لهذه المجتمعات ، تأمر وتنهى ، وتقرر فتطاع . ويوضح من خلال الحوار والمكاشفة معها حقيقتها ، وحقيقة المأساة التي تعيشها ، كما يوضح حقيقة هذه المظاهر والمواقف التي تظهر فيها سيدة ، بينما هي ألعوبة أو وسيلة ، تُرمى حين يخفت بريقها ، ويضعف تأيرها المثير ، فينصبّون أخرى ، بل قد تكون السيدة الجديدة يهودية ، تفعل ما تفعل جزءا من رسالة لها : " تقتحم بجسدها المندفع كالنار ، كبرياءهم السياسي الكاذب ، فتفضحهم بفضح نفسها ، تكشف كل الحجب والأستار ولا تبالي ، الجميع يعرف تفاصيل جسدها شبرا شبرا ، هناك اندست أنوفهم تلتهم المخدر الذي ركب فيهم ذلة الإدمان ، فعبدوها " (34) . وتعترف المرأة التي استخدمت بالأمس سيدة آمرة ناهية ، فإذا هي اليوم تطرد من مملكتها ، لتحل محلها أخرى تصنفها بأنها " لم أر أكثر منها جرأة على الاستهتار بكل الأعراف والكرامات " (35) . وإزاء ما وصلت إليه ، تفكر بالانتقام لنفسها ، وتستخدم الأساليب القذرة التي يستخدمونها ، وتبرر ذلك بأنه " لم يبق في الحياة شيء اسمه المبدأ ، أو الوطن !! المنفعة الشخصية هي بوصلة الحياة ، هذه هي فكرة ما يسمى اليــوم (بالثقافـة السياسيـة الجديـدة) " ... ثم بالنسبة لي يمكن أن آتي بالجديد دائماً في هذا المجال ، رغم أني فقدت جاذبية الجسد ... جعبة الشيطان لن تعجز عن إسعافي بكبائر التحدي " (36) . * * * * * * * وتنتهي هذه التجربة الشاقة للمحجوب ، بعد أن يمر بهذه المحطات ويكشف حقيقتها، ويعود مرة أخرى ، وهو يائس من كل ما رأى إلى الفطرة ، إلى البيئة القاسية ، والصحراء الآبدة ، ليجد الدواء " جرّبت كل الأدوية يا سيدي ، لكن دون جدوى ، دائي حيّر كل الأطباء والصيادلة ، هؤلاء المتكبرين الكذبة !! أخذت بكل ما وصفوا ، وما أكثر ما وصفوا ! وما أكثر ما كذبوا ! أمس فقط خرجت من آخر مصحاتهم الواهمة خاسئاً يائساً " . ويرتمي في أحضان بيئته ، يبحث عن محبوبته التي فقدها ، عن سعادته ، عن آماله التي يحلم بها ، ولكن هذه البيئة القاسية محرومة إلا من أطباق الرماد ، ولفح الريح ، وقيظ الشمس المحرقة ، ولكنها تحمل طهارة الفطرة ، وعبق الحياة البكر التي لم تدنس بالغرب ، وفي هذا الجو يسمع الأذان ، فتتنتعش روحه ، وتنتفض فطرته " هذا أذان الفجر ، ولقد مضى عليّ الآن عشرون عاماً ما سمعته خلالها قط !! أبيت الليل سارحاً بين المزابل كالخنازير ، حتى إذا كان السحر غطست في القمامة ، فارتفعت عني المدارك كلها . عجباً عشرون عاماً كاملة وأنا لا أعرف كيف يبتدئ الصباح ، ولا كيف تولد الحياة " (37) . وهذا هو البعد الحقيقي بين هذه الحياة التغريبية ، وبين الفطرة السليمة والبيئة العذراء . وفي النهاية يرى الحقائق ، رغم القسوة والريح واللفح الحارق ، يرى الحقائق جميلة طاهرة عفيفة " وهنا فقط رأيت الأنوثة يا سادتي فضاء يفيض بالخصب والنماء ، ويمنح الحب الذي لا يطاق " (38) . وبدأ ينظر إلى الحياة نظرة صحوة روحية حقيقية فيرى جمالها وجلالها " أي جمال هذا وأي جلال ؟! بل أي غباء هذا الذي شغلني عن لحظة ولادة الحياة كل هذا الزمان ؟ آه .. أي ضياع هذا الذي ألقى بك يا كبدي في متاهة الجدل المزيّف بين الجنوب والغرب ، فلم أرفع بصري قط نحو الشرق ... " (39) . والشرق منبع النور " فقد كان صبيب النهر متدفقاً من الشرق نحو الغرب " (40) . وهو مبعث الأنبياء ، ومناهج الهدى ، وطريق الإنسانية المكرّمة . * * * * * * * وبعد : فهذه الرواية تكشف حقيقة الصراع بين الحداثة الزاحفة من الغرب نحو البلاد الإسلامية ، باسم التقدم ، والتطور ، والتجديد ، والعلم ، والتقنية ، وبين القيم الراسخة ، والفطرة السليمة التي تتطلع إلى الحياة السعيدة ، والتطور الصحيح مع المحافظة على هذه القيم . إنها رواية شاقة ومشوقة ، قد يصعب على من لم يتزود بالثقافة أن تابع حلقاتها ، ويتذوق تجربتها ، وحبذا لو حرص الكاتب على المسير خطوة أخرى في مجال الإبداع والرواية ، ليعرض صور تجاربه ، ويتابع طرح موضوعاته بشكل يتيح لغالبية القراء والمثقفين التفاعل معها ، وفهم رموزها . وليس ذلك صعباً على المؤلف الذي تبدت موهبته وقدرته في كل صفحة من صفحات الرواية . * * * * * * * والرواية زاخرة بالصور والمواقف عن الحياة المعاصرة ، والبيئة ، فهي تصور واقع الإنسان المعاصر وما يعانيه من هموم وآلام للحصول على ما يكفيه للعيش الكريم ، وتصور المدينة الجديدة التي تشكلت على النمط الغربي ، ليس بشكلها الظاهري ، وزخارفها ، وتعقيداتها فقط ، بل بروحها وفكرها وخلقها . وتصور الأفكار والمبادئ التي سادت المجتمع ، مبادئ النفعية المادية ، والتسابق على المال والجاه والمتعة بدون النظر إلى أي قيم للحصول عليها : " كل الأوراق تسقط من جسمي الآن يا محجوب ! كل الأفكار ، أسمعت ؟ قلت لك : كل الأفكار ، الخير والشر ، والظل والحرور ، أنا الآن خشبة وكفى ، خابية من ماء وطين تعلن شهوتها للشمس ... " (41) . وتصور البيئات المختلفة في المجتمع ، ليعرف القارئ مدى البعد بين هذه البيئات : البيئة الريفية الفطرية البسيطة ، بفقرها وحاجاتها ، وقيمها وبساطتها وجمالها الطبيعي .. والبيئات الجديدة ، في المدينة الحديثة : بيئة المثقفين ، والسياسيين والأدباء والمبدعين ، وأصحاب المهن ، والمناضلين ، وبيئة الجامعة ، ومظاهر الخير والبر والإحسان . وتصور المرأة العفيفة الطاهرة ، التي فطرت على الحياء ، والخلق ، والقيم ، الصادقة في العطاء ، الممتلئة بالحب والصدق . والمرأة التي غدت مظهراً ووسيلة للإغراء ، والإفساد ، وبلوغ الغايات الدنيئة ، والاستمتاع الدنس " بل هنا تحققت عندي لأول مرة في التاريخ : سيدة النادي هذه يا أحمق ، هي مفتاح النجاح لكل الموظفين ، وهي سبب الهلاك لهم أيضاً " (42) . وهي تصور نماذج من الانحرافات المتقابلة ، الانحرافات في ترك القيم والأخلاق ، والركض وراء الشهوة والمظاهر والمادة في المحطات المختلفة (النادي) والانحرافات في الزوايا التي دخلتها تقاليد وعادات ليست من الدين ، وأصبح لها تقاليد وأوضاع وأشكال ومظاهر ، ضاعت معها القيم ، والمبادئ وتعاليم الشريعة التي هي منهج الحياة ، وهذه هي المأساة التي يعيش المسلم العادي بين طرفيها . ويصور الكاتب بيئته في مقاطع كثيرة ومتعددة ، بعد كل محطة من محطات تجربته ، وفي كثير منها جمال ودقة ، تعرفنا بما في هذه البيئة من خير وقيم وفطرة سليمة ، كما تعرفنا بما فيها من تأخر وفقر ، وعادات دخيلة ، وحاجات لم يلتفت إليها أحد ، ولكنه يذكر كثيراً من الأسماء المحلية التي يصعب على القارئ معرفتها . ويصور التعليم ، كيف كان وكيف صار ، بكل أساليبه وأهدافه ، حيث نستخلص أن وسائل التعليم وتقنياته تطورت كثيراً ، ولكن أهدافه انحرفت أيضاً . ويصور بعض المؤثرات الخلفية العميقة لما يحدث على سطح المجتمع الحديث ، مؤثرات بعيدة عن قيمنا ومصالحنا ، مرتبطة بمخططات تأتي من هنا وهناك ، وتسخر في سبيل الوصول إلى هدفها الفعاليات المختلفة ، وتظهر بمظاهر متنوعة . ويصور كيف تنتفض الفطرة من تحت الركام الآسن العفن ، وتصرخ وتتوجع ، وتحن وتشتاق إلى المودة والطهارة مهما تكاثرت فوقها الأصباغ ، وتزاحمت عليها الأفاعي والسموم . * * * * * * * الرواية هذه تجربة ثرية حقاً ، حشد فيها المؤلف كل ما لديه من إحساس مبدع ، وشعور متيقظ ، وكل ما عنده من ثقافة واسعة ، استخدمها كلها على لسان بطله ليكشف الحجاب ، ويصل إلى الحقيقة ، استخدم ثقافته التاريخية ، والدينية ، والفلسفية ، ومعرفته بأحوال الصوفية ، ومصطلحاتها ، وثقافته عن البيئة ومسميات الأشياء والعادات فيها ، وكانت كثير من فقراته صوراً جميلة وأخاذة لجلاء موقف ما ، أو مشهد ما ، أو فكرة ما . كالبيئة ، والحيوان ، والصحراء ، والمرأة ، و ... والكاتب يجيد استخدام المعارف ، والأسماء التاريخية وغيرها ، وأسماء الأبطال والمشهورين ، واستخدام أسماء الحوادث المهمة كرموز موحية ترسم مشهداً كاملاً ، وتختصر في كلمة ، أو مصطلح ، أو فكرة صورة بعيدة الدلالات والأثر ، وبدون أن تستعصي على القارئ . وتعابيره دقيقة وموحية ، الرمز عنده مليء بالعطاء ، لا يصعب على القارئ فَهْمُ دلالاته، بل يزيده وضوحاً وشوقاً لمعرفة المزيد ، ويتركه في فسحة من التفكير والتعمق في المشهد ، والتجوّل في حنايا المجتمع ليكتشف صوراً أخرى مشابهة . ولا أريد أن أمضي هنا في الاستشهاد ، لأن ذلك يطول وأترك للقارئ أن يستمتع في الوصول إلى هذه الأمثلة الجميلة . والكاتب ـ بعد هذا ـ يخرج عن إطار الرتابة ، ويستخدم أساليب متعددة في تناول الرواية ، بين التصوير الواقعي ، والحكاية المسرودة ، وين التصوير الإيحائي ، والرجوع إلى الأحلام ، والغوص في اللاشعور ، والعودة إلى النقيض ، والتمازج بين الأشياء ، واستخدام الرمز . لا يهمه أن تظل معه على طريق واضحة ، يضع لك معالم ورموزاً ، ولكنه يخفيها ويتركك حائراً لا تعرف كيف اتجه في المسير ، وينشط خيالك وذهنك لكي تلحق به ، وتشعر بالفرح حين تلتقي به وتكتشفه بعد حين . تجربة تدل على موهبة أديب مبدع ، يتسلح بالوعي والثقافة والجرأة ، ويخوض تجربته هذه ، لتظل بعدما تقرأ الرواية تشعر بأنك حقاً تمضي لكشف المحجوب .
|
|
|
|
الهوامــــش (1) نشرت الكثير من المقالات والموضوعات والدراسات حول إبداعات شعرية وقصصية لم يكتب عنها أحد ، وكنت ـ بفضل الله ـ من أوائل الذين كتبوا عن الدكتور نجيب الكيلاني ودراسة بعض إنتاجه القصصي والشعري . انظر كتاب (في الأدب الإسلامي المعاصر) وكتاب (دراسات في القصة الإسلامية المعاصرة) (وفي القصة الإسلامية) . (2) نسمع من حين وآخر بانعقاد الندوات واللقاءات عن الأدب الإسلامي ورابطته ولكن بدون أن يكون لهذه الندوات والمؤتمرات آثار تذكر في مسيرة الأدب الإسلامي ، وتحمل البيانات الصادرة عن هذه المؤتمرات الخطب والتصريحات والقرارات التي يجيد صياغتها بعض المتخصصين في صناعة مثل هذه المناسبات . (3) كشف المحجوب /7 وهي أول عبارة من الرواية . (4) رواية كشف المحجوب / 11 . (5) الرواية / 13 . (6) الرواية / 13 . (7) الرواية / 15 . (8) الرواية / 16 . (9) الرواية / 17-18 . (10) الرواية / 23 . (11) الرواية / 27 . (12) الرواية / 39 . (13) الرواية / 40 . (14) السابق / 40-41 . (15) الرواية / السابق . (16) الرواية / 19 . (17) الرواية / من 27 إلى 39 . (18) الرواية / 45 . (19) الرواية / 46 . (20) الرواية / 46 . (21) الرواية / 46 . (22) الرواية / 61 . (23) الرواية / 46 . (24) الرواية / 62 . (25) الرواية / 83 . (26) مصطلح الغرب يعني أوربا وأمريكا وكل من يأخذ بطريقهم . (27) الرواية / 97 . (28) الرواية / 105 . (29) الرواية / 109-110 . (30) الرواية / 110 . (31) الرواية / 116 . (32) الرواية / 116 . (33) الرواية / 117 . (34) الرواية / 119 . (35) الرواية / 118 . (36) الرواية /120 . (37) الرواية / 125 . (38) الرواية / 126 . (39) الرواية / 127 . (40) الرواية / 128 . (41) الرواية / 17 . (42) الرواية / 23 .
|