|
حول الموقف من رواية " وليمة لأعشاب البحر " ...الأزهر على حق وهذه هي الحيثيات |
|
ياسر الزعاترة - فلسطين |
|
في مقاله الطويل جدا (بيان أزهر هذا الزمان ، المقدمات والضغوط وطبيعة الاستدلالات في قراءة عمل أدبي ـ الحياة 25/5) ، يتحدث الكاتب جابر عصفور عن علماء الأزهر كما لو كانوا جحافل من الأميين الذين لا يفكون الحرف ، وبذلك لا يمكن استئمانهم على النظر في أي شأن يتجاوز حدود فقه العبادات ، خصوصا إذا تعلق بشؤون الأدب . لكأن الأدب الذي يتحدث عنه الكاتب والذي يعجز علماء الأزهر عن التعامل مع عوالمه وفضاءاته العظيمة ، وهو تخصص في علم الجينات الوراثية ، وليس نوعا من العلوم الإنسانية التي تتداخل عوالمها !! وسنسأل الكاتب ، هل إن الجمهور الذي طبعت الرواية في مصر لكي يطلع عليها ، هو أعلى كعبا في فنون الأدب والرواية من أكثر من سبعين عالما من علماء الأزهر ممن تخصص كثثير منهم في علوم اللغة والبلاغة فضلا عن علوم الدين . إن حديث الكاتب ينطوي على استخفاف بالأزهر وعلمائه ، وحشر لهم في قضايا الحيض والنفاس ، على رغم أن المسألة المطروحة هي رواية موجهة إلى أناس من ذوي الثقافة العادية ، وينبغي من باب أولى أن يحسن التعامل معها أناس أكثرهم حاصل على الدكتوراه في العلوم الإنسانية ، حتى لو كان في تخصص فقهي أو شرعي ، فكيف إذا كان كثير من العلم الشرعي يعتمد على مسألة اللغة ومجازها واستعاراتها ، وعلى قصص القرآن الكريم ـ في حال علم التفسير ـ إلى آخر ذلك من قضايا تتداخل مع عوالم الأدب والإبداع . هل كان القاضي الذي حاكم المؤرخ (ايرفنغ) في بريطانيا متخصصا في التاريخ ، وكذلك شأن القضاة الذين حاكموا (جارودي) في فرنسا . ثم هل هناك نهج واحد في قراءة الأعمال الأدبية أم أن هناك مناهج شتى . وما هي حكاية الجمل المنزوعة من سياقها ألا تعني أننا لن نستطيع الحديث عن أي عمل ، عبر الاستشهاد بفقرات منه ؟! خطاب الكاتب (عصفور) يتعامل مع الأزهر ، كما لو كان كنيسة وليس مؤسسة تشكل مرجعية هامة من مراجع الأمة في كل شؤونها ، وفي ذلك ما فيه من شطب لأجزاء أساسية من الدور الذي ينبغي أن يضطلع به في حياة الناس . في المقال الذي جاء نتاجا لأزمة (وليمة لأعشاب البحر) وتعقيبا على بيان الأزهر حول الرواية ، ثمة تجاهل لمسألة الاعتراض على نشر الرواية من قبل مؤسسة رسمية أمينة على ثقافة الأجيال ، ومع \لك ، فسنتجاوز ذلك لنناقش اعتراض الكاتب على قول بيان الأزهر بأن الرواية كلها " تحرض صراحة على الخروج على الشريعة الإسلامية وعدم التمسك بأحكامها " ، حيث عقب على ذلك بالقول : " ودليل ذلك جمل وفقرات منزوعة من سياقها ولم يوضع في الاعتبار ما يقابلها من جمل وفقرات تدعو إلى صحيح الدين " . سأقول وأجري على الله أنني بعد قراءة الجزء الثاني من مقال الأستاذ (جابر عصفور) والمنذور للدفاع عن الرواية ، لم أجد في مخيلتي سوى أحد احتمالين ، الأول أن الكاتب لم يقرأ الرواية ، بقدر ما قرأ عنها أو تصفحها ، أما الثاني ، فهو أن يكون قد قرأها ، فيما يمارس نوعا من (التدليس) على قارئ يعتقد ـ ومعه حق في اعتقاده ـ أنه لم يقرأها . أول بداية أنني من النوع الذي يحب الأدب عموما ، وقراءة الرواية على وجه الخصوص ، وقد قرأت رواية " وليمة لأعشاب البحر " ، بعناية فائقة ، وخرجت تماما ، بذات الاستنتاج الذي لخصته الفقرة المشار إليها في بيان الأزهر . فيما وجدت أن دفاع الكاتب "جابر عصفور" الذي سطره في عشر نقاط ، لا يعدو كونه كلاما قد يصلح في سياق الحديث عن رواية أو روايات أخرى ، وليس عن هذه الرواية . إن المسألة تتعدى حدود عبارات اكفر الواردة في الرواية والتي تأتي على لسان أشخاص ملحدين كما يذهب الكاتب عصفور ، والتي يمكن القول إنها لا ضرورة لها ، أو لا ضرورة لإيرادها أصلا (ما قيمة تكرار عبارة خرا بربك مثلا ؟!) . وبالمناسبة فلو أردنا استقصاء العبارات التي تنطوي على كفر أم مس بالمقدسات (الله ، القرآن ، الرسول عليه الصلاة والسلام ، الإسلام) في صفحات الرواية لوجدناها بالعشرات ، وقد تعبت شخصيا من كثرة التأشير على تلك العبارات أثناء القراءة ، فلم أعد أفعل ذلك إلا لماما بعد تجاوز نصفها الأول . بالمناسبة فإن ألفاظ الكفر أو عباراته في الرواية (أعني المس بالمقدسات) ترد على لسان معظم أبطال الرواية ، كما ترد على سان الكاتب نفسه (الراوي) أيضا . ولو كان السياق يسمح لأوردنا نماذج كثيرة جدا لكل حالة ، مع أننا نشفق على القراء من ذلك العنت . إن سياق الرواية من أوله إلى آخره يشكل طعنا في الدين وترويجا لقيم مناهضة له ، ليس على صعيد أخلاقي فقط ، وإنما على صعيد أيديولوجي أيضا . وهو ما يعيد طرح التساؤل الجوهري ، حول هدف وزارة الثقافة من نشر تلك الرواية ، وما هي القيم التي أرادت زرعها في الأجيال من خلالها ، وسنعود إلى هذه النقطة لاحقا . سياق الرواية من أوله إلى آخره يشكل طعنا في الدين وترويجا للماركسية أو الشيوعية ، وليس ثمة للأشخاص الماركسيين فيها وما يطرحونه من قيم مناهضة للإسلام ، أي معادل موضوعي من شخصيات مؤمنة كما يدعي الكاتب (عصفور) . إذا جاز لنا أن نتحدث عن أبطال الرواية فهم خمسة ، إذ من الصعب القول إن ثمة بطل واحد فيها (مهدي جواد ، مهيار الباهلي ، خالد أحمد زكي (ظافر) ، فلة بوعناب ، آسيا لخضر) . وإلى جانب هؤلاء مجموعة الماركسيين الذين أسسوا الكتيبة المسلحة في الأهوار العراقية وقتلوا جميعا ، باستثناء مهدي ومهيار اللذين رحلا إلى الجزائر ليدخلاها في سياق آخر من عوالم الرواية . في الرواية إضفاء لطابع رومانسي بل نبوي على الأبطال الماركسيين (مهدي ، مهيار ظافر) ، بل إن حديث الكاتب عن ظافر ، يكاد يلقي في روع الكاتب أنه بطل طالع من الأساطير وليس بشرا عاديا (يقول عنه في إحدى العبارات إنه " يتحدث بتوهجات نبوية ") وثمة إشارات كثيرة مشابهة في النص . أما الشخصيات المؤمنة المقابلة التي يتحدث عنها الكاتب عصفور ، فهي بالغة الانحطاط مثل الحاج محمد الذي زار الكعبة ثلاث مرات ويصفه كاتب الرواية بالقول "الحاج محمد المليء كرشه بنور الله وتقواه ..." أو (يزيد ولد الحاج) زوج أم (آسيا لخضر) التاجر الانتهازي البخيل ، عدو الفقراء . الماركسيون في الرواية إذا ، هم الأنبياء الرائعون ، فيما المتدينون هم الأوغاد ، وبالطبع فإن هذا ليس كل شيء في الرواية العظيمة . لقد قرأت عشرات الروايات ، ولم أجد يوما رواية تتحدث عن (الخمر) بهذه الصورة الرومانسية ، مثلما هو الأمر في الرواية (إياها) ، ولا تسأل عن مشاهد السكر التي تزيد عن العشرات ، ودائما ثمة نشوة وروعة لا حدود لها !! المشاهد الجنسية لها نفس الحال ، إذ لا تنطوي على ابتذال في الوصف وحسب ، وإنما ترغب في الممارسة الحرام والعلاقات الحرام ، وتعتبرها أمرا طبيعيا ، وإذا جئت إلى (فلة بوعناب) تلك " العاهرة المقدسة " ، حسب الكاتب ، فإنها ترفع مقام العاهرات إلى درجة ينبغي للناس أن يقيموا لهن التماثيل !! ترى ، هل بعد ذلك ، يأتي من يعترض على احتجاج المسلمين على نشر هذه الرواية من طرف مؤسسة رسمية في دولة دينها هو الإسلام !! بقي أن أشير إلى أن فضاءات الروايــة ربما كانت متأثرة برواية (عبد الرحمن منيف) ـ شرق المتوسط ـ بيد أن الفارق كبير كبير بين هذه الأخيرة ورواية حيدر حيدر ، ولنسأل لماذا كان (منيف) يستبدل العبارات البذيئة في الرواية بنقاط متعددة ويكتب في الهامش (كلمة بذيئة) ، وهل قلل ذلك من قيمة الرواية التي طبعت مرات عدة وبعشرات الآلاف من النسخ ، فيما بقيت (رواية حيدر حيدر) طي النسيان قبل أن تتكرم عليها وزارة الثقافة في بلد الأزهر بإعادة نشرها من جيوب أبناء مصر المحروسة . ويا علماء أزهر هذا الزمان ، اسكتوا عن الواقعة لأنكم غير متخصصين في الأدب الذي لا يفهم فيه سوى السادة من طوائف العلمانية والماركسية !!
|
|
|
رواية : وليمة لأعشاب البحرفــي ميــزان الإسلام والعقل والأدبالدكتور جابر قميحة أستاذ الأدب العربي |