Nouvelle page 1

"جارات أبي موسى" - رصد الطوابع والتّحوّلات

أحمد بلحاج آية وارهام – المغرب

 

 

1 ـ الكتابة تفجير لبروق  التآويل

2 ـ بؤرة الحكي في الجارات

3 ـ رصد الطوابع والتحولات

3 ـ 1 ـ إيقاع الصور

3 ـ 2 ـ إيقاع الألفةL’intimité  

3 ـ 3 ـ  شعرية السّرد

3 ـ 4 ـ رمزية الفضاءات

3 ـ 5 ـ التّناظر الزّمني

3 ـ 6 ـ انفجار الحكايات داخل جسد السّرد

3 ـ 7 ـ تنوّع الجنس والعمر والوظيفة

3ـ ـ 8 ــ  سارد عليم بمصائر شخصياته 

4 - مآل الجارات

4 – 1 – بعد موت العارف

4 – 2 – شامة في أرجوحة الزّمن

5- تقدم الرواية وتأخر الواقع :

 

1 ـ الكتابة تفجير لبروق  التآويل : 

الكتابة ؛ هذا التناقض الجميل ؛ سِمَتُهَا ألا تكون عيوناً مستعارة في العتمة الكثيفة ، لأن لذّتها العليا تكمن في تفجير بروق التآويل داخل الامتدادات المتدثرة بثوب وحيد المعنى ، لا يتنفس فيه الدفء ، ولا تتجدد تحته الأحلام .

فهي فعل احتراقيّ ، متجدّدٌ بامتياز . يفجأ المُخيلة دائماً بوجود مفارق آسر ، خاصة إذا كانت من ذلك الجنس المهيمن الذي نسميه بالرواية ، والذي يعلّمنا كيف نقرأ الذات والكون ، وكيف نمد بينهما جسر تواصل لا مرئي ، يجعل الحياة قابلة لأن تكون مسكناً للسؤال ، ومخبراً لتوالد الصّيغ المحلوم بها .

نعتقد أن هذه العتبة تسمح لنا بولوج " جارات أبي موسى " بوصفها متناً سردياً لم يكن متوقعا من الأستاذ الدكتور أحمد التوفيق ؛ الذي عشق حقل التاريخ ، فاستسلم لإغراءاته أعواماً ليست بالهيّنة ، ولمّا التفت إلى ذاته ليستريح من هذا الأسر وقع في أسر آخر هو أسر الإبداع الروائي ، فكانت هذه الرواية التي هي وليده البكر المكتمل المعافى في هذا الحقل .

فمن هنّ هؤلاء الجارات المضافات إلى أبي موسى ؟ وكيف قدّمهنّ المؤلف إلى القارىء ؟ وما الإطار الزمكاني الذي يتحركن فيه ؟ وهل حركتهن نسيج من جدل التواطؤ مع الذات والواقع ؟ أو هروب من الشرطين : الخاص والعام إلى شرط منفي من اللغة والوجود والوجدان ؟

هذا  ما سنقاربه بعيداً عن استحضار الأجوبة ، وتفكيك العلامات ، وتمييز التشابكات والتعالقات ، وضبط مسارب الترميزات . فهاجسنا هو إشراك القارىء في المتعة التي يوفرها هذا النصّ المؤثث فضاؤه بكل باذخ وبهيّ ، سام ورذيل ، موجع وماكر . فمن الضلالة والندامة يأتي المدد ، ومن الشقاوة والظلام يأتي الأيْد ، ومن النفوس المنكسرات يشرق النور الذي تتبدّد به شقوة اليأس .

 

2 ـ بؤرة الحكي في الجارات :

إن السرد في الجارات تحكمه ميتافيزيقا روحية ، ويسكنه صمت لاهب متشكّل من جدل الواقع وما وراء الواقع . بؤرة الحكي فيه هي شامة ؛ التي يصفها السارد بأنها " فتاة شقراء فارهة " (ص8) " نشأت حتى قبل وفاة أمّها بدار القاضي ابن الحفيد " (ص9) بسلا ، فاكتسبت مهارات في التدبير ، وتوقد الذكاء ، ورقة الحديث ، وفنون الأدب والموسيقى ، وعلوم الشريعة ، أهّلتها لـ " تتفوق وتصبح في ريعان الشباب محطّ غيرة النساء غير مولاتها ، ومحطّ  أطماع الرجال " (ص9) وهي في كل هذا " مدينة لكبرى زوجتي القاضي مولاتها الطاهرة التي لم تحرمها لا من حنانها ، ولا من شيء حرصت على أن تكتسبه بناتها ، عدا عدم الالتزام بالأشغال والإغراق في الدّلال " (ص9) .

ستعرف شامة هاته مصائر  درامية ، وحياةً فظّةً مكتظّة بفواجع الواقع ، ونذالة الزمن التي ما تنفك تنسج عباءتها بأيدي السياسي الغاسق يقينه ، والمنتفش سلطانه . فمنذ أن أخبر الْجَوَارِئِي قاضي القضاة بفاس ابن الحفيد قاضي سلا بأنه سينزل في ضيافته بدأت ورطة شامة ، وانكتب سِفْر شتاتها وتحولاتها . فقد أعجب بها الجورائي من تلك اللحظة التي وقع فيها نظره عليها ، وقرر اتخاذها زوجة له ـ رغم كراهية ابن الحفيد لذلك ـ . وبعد طقوس أبدل فيها اسمها من (شامة) إلى (ورقاء) بنى بها في دار ابن الحفيد .

ومن تلك الليلة لم يعرف كيانها الاستقرار ، فقد بدأت رياح التقلبات تتلاعب بها . رحلت إلى فاس مع زوجها الْجَوَارِئِي ، وإلى الأطراف الشرقية مع حملة السلطان ، فشاهدت فظاعة غرق أسطول الحملة . (ص41) ولمّا عادت إلى فاس مع النساء اللائي عدن من هذه الحملة سُجّلت كالمتاع في رسم تركة زوجها المتوفّى الجورائي ، ثم فُوّتت للسلطان الجديد ؛ الذي أمر بأن تكون ضمن خدم كبرى زوجات السلطان المخلوع .

فأي سيف غيبيّ شطر هذا الكيان المفجوع بوجوده إلى شطرين مأسورين لنوازع متباينة ؟!  وهل انتهت مآسيه أو أنها في أول خطواتها ؟

في الطريق إلى الحج مع أمّ الحرّ تعرّضت شامة للاختطاف ، فأنقذها زاهد مبجّل ، (ص 51) وعند إيّابها أعادها السلطان إلى دار ابن الحفيد بمدينة سلا ، (ص 52)  وهناك تزوجت كَبِكْرِ بعلي سَانْشُو ؛ الذي اختاره لها ابنُ الحفيد كافلُها . (ص 54) فتكالبت عليها وعلى زوجها مؤامرات جرمون عامل سلا حتى اضطرّا إلى السّكنــى في فنــدق الزيــت ؛ (ص 62) ففي هذا المكان تعرّفت على أبي موسى وجاراته . وأبو موسى رجل صالح يعيش من عساليج البحر ، " لا يشتغل عند أحد ، ولا يتكفّف لأحد " (ص 65) .

وعالم فندق الزيت يجمع المتناقضات ؛ فيه تجد أشدّ أنواع الاحتيال ، والظّلم ، والرذيلة ، والانحطاط ، وأشدّ أنواع الصّدق ، والسماحة ، والفضيلة ، والسّمو ، والنقاء . فهو وكر للشرّ يستثمره المتنفّذون كالعامل جرمون ، ومسكن للتّآلف والتآزر ، والمحبّة والتّصافي يقصده التجّار ومن انقطعت بهم السّبل . فيه كانت شامة تنعم بعشق زوجها ، ويتألق وجودها الروحي ، خاصّة حين " تصاحب بوجدانها أبا موسى ، وتعيش على السرّ الذي لم يطّلع عليه أحد بينهما " (ص 181) .

ومرت الأيام على سلا وفندق الزيت ضنكةً قاسيةً ، وأدبرت السماء عن الأرض ، وعمّ الجفاف في الطبيعة وفي النفوس ، فأكل الناس الجيف والصبيان ، (ص 182) ولم يعد يهتمّ بأحد ، اللهم إلا ما كان من أبي موسى ، فهو وحده الذي كان يتعهد جاراته كل أسبوع بسمكتين ، وكلّ شهرين " بمدّ من دقيق عروق بريّة تصلح أن يصنع منها خبز لا أطعم منه ولا ألذّ … لأنه يعرف أنّهنّ معرّضات للهلاك أكثر من غيرهن في هذا البلد " (ص 181) .

طال الجفاف ، ولم تنفع صلوات الاستسقاء التي ثابر الناس عليها مرات عديدة ، فاقترح كبراء البلد أن يؤمر أبو موسى بإمامة الناس في صلاة الاستسقاء علّ الفرج يأتي على يديه ، (ص 185) ولكن الرجل لم يقم بما أمره به العامل فسجن ، ولم يطلق سراحه إلا بعد تشفّع نقيب الشرفاء فيه ، شريطة أن يخرج بالناس لطلب الغيث يوم الجمعة . فهل استجاب الرجل المبارك لذلك ؟ أو أنه سلك سلوكه الأول ؟

لم يخرج أبو موسى لصلاة الاستسقاء في يوم الجمعة ، وإنما خرج في يوم الخميس . ولم يخرج بالرجال والصبيان ، بل خرج بجاراته فقط ، (ص 187) أولئك اللواتي تزدريهنّ المدينة وتمقتهن . وعقب الدعاء وعمارة تواجديّة نزل المطر و " تسابق الناس ليعانقوا أبا موسى … وتهافتت النساء على النساء كما لو كنّ من ملائكة الرحمن ، كلّ تريد أن تفوز بواحدة منهن لتكون ضرّة لها " (ص 189) .

وتوالى نزول الغيث ، وجدّ العامل في القبض على أبي موسى بدعوى الاستهانة بالدّين والخروج بالساقطات إلى المصلّى . لكن الشرطة لم تعثر له على أثر في المدينة ، وبعد البحث في كل اتجاه وجدوه عند " سانية أرشدتهم إليها شامة لأنها تعرف أنه يقيل بها أحياناً في طريقه من البحر " (ص 192) قد أسلم الروح تحت شجرة رمّان ، فدفنوه " في مكان يطلّ على البحر " (ص 192) حسب إشارة شامة .

هكذا أطلّ ربّ الناس على الناس بوجه الرحمة بعد أن علا الحداد على المدينة ، وجاءهم المواسي ، روح رقيق ، أعاد إليهم الأمل والإحساس بالصفاء . ثم مضى مخلفا بعده آية يتأمّلونها إن كانت لهم قلوب يفقهون بها الآيات ، ويستخلصون منها الطريق إلى النعيم الذي لا يبلى .

وهكذا  أيضاً انتهت الرواية بموت العارف ، ودخول الجارات في عصمة أزواج أحبّوا طَهَارَتَهُنَّ . وبقيت شامة في بيت نقيب الأشراف مخلصة لزوجها علي سانشو الذي كان قد هرب منها خجلا لمّا فعل فعلته مع خوليا ابنة بيدرو (1) .

 

3 ـ رصد الطوابع والتحولات :

3 ـ 1 ـ إيقاع الصور :

لعل أبرز ما يمز هذه الرواية هو إيقاع صورها . فقد برع الروائي في ابتكار صور داخل فضاء السّرد براعة هائلة ؛ تكفي وحدها كي ترشحها لمكان الصدارة في السرديات العربية المعاصرة . ففيها إحساس بالغ الدقة والرقة واللطافة والأناقة : الدقة في التفاصيل ، والرقة في المشاعر ، واللطافة في معاني الخيال المبتكر .

إن صورها بشعريتها العُليا تلأم جراحات الوجود ، هذا إلى جانب الإيقاع اللغوي والنفسي والدرامي في معماريتها . وهي كلها خصائص في الرواية تحيل الأشياء المجرّدة إلى امتثالات عينيةٍ تنفعل لها الــحواس انفعالاً لذيذاً . وعلى هذا يقوم جوهر انشداد المتلقي لها .

عناصر الصور فيها تنبني على المجاز ؛ الذي هو سلطة لغير المتخيل لا تنحاز , والذي هو موجود (في) العالم , وليس نتيجة تفكير في العالم . ولذلك نرى الروائي يستخلص هذه العناصر من العالم نفسه , ولا يفرضها عليه أو يلفقها . وهذا هو المميز البارز لنوع المجاز الذي ترتكز عليه إيقاعية النص التصويرية , فهو مجاز في العالم ذاته ؛  لا في مخيال المؤلف ؛مستمدة عناصره من ملابسات الحياة التاريخية و اليومية , والصناعية  والتجارية , والاقتصادية والسياسية , والفنية والدينية . ومن الأحياء ومناظر الطبيعة , وترميزات الأشياء والألوان والوقائع ، والأزمنة والأمكنة ، والأسماء والمسمّيات . ولهذا جاءت الصور المركبة منه معبّرة عن النتاج الطبيعي لقصر رؤية الإنسان ، وفداحة الأمانة التي حملها .

ومن هنا يمكننا أن نعتبر أنّ الإنسان في هذه الرواية صامت رغم غرقه في ماء الكــلام ، وأنّ الصور هي التي تتكلّم ، وهي وحدها التي تملك القوة على مجاراة نبضات الزمن والتاريخ ، والواقع والطبيعة ، والوجدان والذاكرة .

وإذن ، فهي روايةُ صُوَرٍ تخرج وقائعُها عن كل معايير البرهنة المستمدّة من الخارج ، سواء على مستوى التاريخ أو على مستوى الوجود الخاص لمكونات عالمها . ففي الفنّ تعتبر كل قيمة أو موضوعةٍ  Thèmeيبرهن عليها قيمةً وموضوعة وضيعتين . فما لم يحدث أبداً ، ولا في أي مكان محدّد ، هو وحده ـ في نظرنا ـ الذي ينسج عوالم هذه الرواية ، وهو وحده الذي يضمن لها أن لا تشيخ أبداً .

 

3 ـ 2 ـ إيقاع الألفةL’intimité  :

يدعّم إيقاع الصور في هذا العمل إيقاع آخر هو إيقاع الألفةL’intimité  الذي هو طابع مميز له . وهي ألفة تتسم بالطرافة ، وبالتّمنّع . ولذا أتى الأسلوب المعبّر عنها محايثاً لهــا ، وكان من النوع الذي يقتحم المشاعر بأناقته ، والحافظة بسهولته الممتنعة .

ويتواشج هذا الإيقاع مع إيقاع الدّينامية السّردية ، والملحمية ، والشعرية . الأمر الذي نتج عنه نزوع لدى السّارد إلى وصف الحركة ، والتغيّر ، والاضطراب ، والسيرورة . وإلى التعامل مع النص كجنس روائي ينتج معرفة خاصّة مجسّدة في بنيات خيالية فنية ، ليس من الضروري أن ترضي كل ميولات الفن ، وإنما ينبغي أن تخلخلها .

3 ـ 3 ـ  شعرية السّرد :

استطاعت الرواية أن تحقق الجوهر الحقيقي للسرد ، ألا وهو صفاء الوجدان الجمالي للجارات ، وشمول رؤية السارد لأمكنة وأزمنة غير مُنْسجِنَةٍ في التواريخ والجغرافيات ، وخرق المألوف على مستوى التركيب والسياق والدلالة ، وتقاطعات الحكي . وبذلك تحققت للسرد شعريته .

وتنضاف إلى هذه الشعرية شعرية الفنون المتناغمة التي وظّفها المؤلف في فسحة موسيقية لاحبة . فالتنوع الموسيقي في الرواية يتمظهر في : اللغة ، والصّنائع ، والطقوس ، والعوائد ، والمعمار ، والأسماء . وهو تنوّع ينبع من العمق الحضاري ، ومن فكرة الروح الديني والثقافي ، ويرمز إلى الاختلاف بين نسق حضاري وآخر .

وإلى جانب هذا التنوع ، هناك تنوع آخر يتمثّل في السّرود التي تعدّ الرواية مجمعاً لها . فكلما اندغم القارىء في سرد وتآلف معه فاجأه السارد بسرد آخر  مثير ، كسر به ما يتوقعه أفق انتظاره ، ويجذبه إلى محراب دلالات ذلك السرد التي طرّزتها يد اللغة ، وعطّرتها إغراءات الشعرية … وهكذا تتتابع السرود في الرواية ، وتتناظر مع بعضها ، وتتناسل، وتتعالق . فالسرد الذي يتخلق به عالم شامة ليس كالسرد الذي يتخلق به عالم أبي موسى ؛ وإن كــان بينهمــا تنافذ وتجاذب . وكذلك السرود التي تضفــر عوالـــم الجــارات الأخريات (= يطّو ، إيجّا ، ممّاس ، خوليا ، تُودَة ، بِيّة ، ملاّلة ، رَقّوش ، كْبيرة) . (ص 165) فهي كلها سرود تحتفل برسم شخصيات هؤلاء النسوة بطريقة تمزج بين التشكيل والإيحاء اللغوي ، حيث نرى الكلمات تتحول في ريشة الأستاذ التوفيق إلى ألوان متباينة النصاعة والقتامة والإشراق ، والكثافة والشفوفة ؛ هاجسها رسم البعد الجمالي والأدبي والنفسي والوجودي لهاته الشخصيات . وهو هاجس أعطى للرواية (عمقا استراتيجيا فنّيا) ميزها من كثير من الروايات التي انطمست فيها ملامح شخصياتها إلى الحدّ الذي لا تدرك فيه وجودها إلا من خلال ما تقوم به من أدوار ، أو تحمله من أسماء . والوظيفة والتسمية لا تخلقان الشخصية لا في جغرافية الواقع ، ولا في جغرافية التخييل .

3 ـ 4 ـ رمزية الفضاءات :

فضاءات الرواية متعددة تشمل البر ، والبحر ، والسماء ، كتعدد شخصياتها وأزمنتها . وخلف هذا التعدد يكمن سرّ الرواية وهو سرّ يمتاح ظلال معانيه من (التدبير الرّبّاني) ؛ الذي إذا أدركه المرء تحلى بـ (جميل الصبر عند الابتلاء)  .

ولذا ينبغي الاحتراز من مكر هذه الفضاءات ؛ فإنها تغري عن طريق أقنعتها بوهم التماهي مع التاريخ ، واعتبار المكان الرئيس الذي ينظم أحداث الرواية " مدينة ما تزال تتنفس رئتاها من فضاءات سماوية ، متحدّية كل العقبات والأزمات ، زادُها معقّبات تحفظها من براثن أسود جائعة ، وتسبيحات تصونها من هواجس ثورات عارمة ، فتسبح في ملكوت خالقها مفوضة أمرها إليه بثقة واطمئنان " (2) .

إن فضاءات الرواية تنحو نحو الترميز المنفتح ؛ الذي يتأبّى على الانغلاق في قراءة واحدة مهما كانت آليات اشتغالها . ذلك أن كثافة كل فضاء ورمزيته تستفزّان المخيلة ، وتدعوانها إلى فكّ الشفرات ، والدخول في لعبة التأويل التي لا تكتمل بهجة الحكي إلا بهــا . فالماء كفضاء رمزي في الرواية يتخذ أبعاداً متحولةً ومصعّدة للصراع ، فهو مرة مخصب ، ولكنه مفتقد (كما عند الجورائي في علاقته بشامة) ، ومرة قاتِلٌ وَمُفْنٍ (غرق أسطول الحملة في البحر) ، ومرة مُحيٍ ومُسْعدٌ (نزول الغيث عقب دعاء أبي موسى مع جاراته .

وتؤشّر رمزية الماء هاته على اختلاف الينابيع ، واختلاف وظائفها ، واختلاف وارديها . فإذا كان في صميم قلبك نبع يروي ظمأك ، وتنسجم معه روحك فلا تَقْسُ على الذين اضطرتهم صروف الحياة إلى أن يستسقوا من برك آسنة ، فالنبع الداخلي ؛ كما الحب والحقيقة ؛ لا قيمة له إذا لم يعانق صفاؤه الآخرين .

إن حركة الماء واليابسة هي في الحقيقة هدم وبناء متواصلان ، وصورتان شبيهتان بما يتكرّر في حياة الإنسان على مستوى الواقع ، وفي الرواية على مستوى المنظومة التخييلية . وبهذه الحركة الجدلية تدخل الرواية بالمتلقي فضاءات رمزية غير متوقعة وغير مألوفة ، وترجّ أفق انتظاره في كل محطّة من محطاتها .

3 ـ 5 ـ التّناظر الزّمني :

" جارات أبي موسى " رواية لها أمكنتها الخاصة التي لا تُحيل ـ ولو عن طريق التشابه في الأسماء ـ على أي مكان في الخارج . فالمكان الروائي هو في الأساس تخييليّ متعال ولا علاقة له مع المكان الواقعي . وكذلك لها أزمنتها الخاصة التي لا تتشابه مع الأزمنة التاريخيـة والسيكولوجيـة ، وشخصياتها المفارقة لشخصيات الوجود العيني في ماضيه وحاضره . وكل محاولة لإرغام هذه الجوانب الثلاثة (= المكان ، الزمان ، الشخصيات) على اللصوق بالتاريخ أو الواقع لن تكون سوى عملية توليد قيصرية ، تشوه جمالية الرواية حين تتوهم أنها تستخلص منها وليداً ذا ملامح أصيلة في شجرة الهوية .

وانتئاءاً عن الحفر في هذا الاتجاه ؛ نقول إن زمن الرواية يبدأ من طريق وجود المكان فيها . وهو عبارة عن الحركة التي تقوم بها كل شخصية من الشخصيات داخل تضاريس السرد ، سواء أكانت هذه الحركة ماديةً ، أم نفسية ، أم معنوية ، أم خيالية .

وبقياس هذه الحركة تبرز لنا تشكيلة الزمن في الجارات ، وهي تشكيلة تناظرية ، ذات دلالات رمزية ، لا تنحصر وظائفها في البعد الكرونولوجي ، وإنما تتعدّى ذلك إلىأبعاد زمنية عديدة : نفسيّة ، ما ورائية ، قُدسية ، آنية ، ماضوية .

إنها تشكيلة زمنية لا دورية ، ولا انغلاقية . تتجسد رمزيتها في محاور دلالية ، تتغيّا إذابة الوجود قصد إعادة صياغته بصورة أكثر اكتمالاً  ، وأسطع نقاءاً ، وأعمق إنسانية . وهذا  التتناظر الزمني تكشف عنه اللغة في تجلّياتها : التشكيلية ، والشعرية ، والإيحائية ، والتّناغمية ، والروحية . وتعمّقه الشخوص والأحداث والمحكيات .

والربّان أو المايسترو الذي يقود هذه التشكيلة الزمنية المتناظرة ، ويقرأ بوصلة اتجاهاتها ، هو أبو موسى المهمّش مظهراً ، والقابض على الحركة مخبراً . فرغم أنّ مياه السّرد متلاطمةٌ دوافقُ ، وليالي الضّنك مشتدّة حوالكُ ، والسفين متهالكٌ متآكل على مرفأ الوقت ، فإن النفوس تشعر بأنّ هناك ربّاناً   سوف يهدي الضّاليّن التائهين إلى شطّ الصفاء الذي ينشدونه ، وأنّ السفين سوف يهتزّ بالحياة حين يلمسه هذا الربّان ، وسوف يسرع الخطو إلى الأمام . كل المنكسرين من شخوص الرواية ؛ وحتى المستكبرين منهم ؛ يعرف أنّ الطريق لا يعقله أحد غير أبي موسى .

3 ـ 6 ـ انفجار الحكايات داخل جسد السّرد :

للفنّ في الرواية طرفان : أحدهما ينصبّ على الجوانب التي تثير الجمال في النّفس وتربطها بالحياة في حميميتها ، والآخر ينصبّ على المواطن التي تشعر بالقبح وتنفر منه . وكل منهما يكمّل الآخر ، ويتوازن معه ، فالأول يبرز المعاني السامية في الإنسان ، وفي الكون ، فيبهجك ، ويطير بك إلى عالم الأثير ، ويقودك إلى ما تتحقق به إنسانيتك ، ويتم به كمال شخصيتك . والثاني ينصب أمامك صوراً تمثّل منتهى البشاعة والقبح ، والنذالة وَالجبروت ، ومنتهى الضعف الذي يسقط فيه الإنسان حين يُبتر وجدانُه ، وتتدجّى روحه .

وهذان الطرفان الفنّيان يؤدّيان وظيفة التّناظر في التصوير ، ووظيفة التوازن في الأداء السردي ، ويضفيان عليه ظلالا تتلاءم مع الميول البشرية عامة ، ومع ميول شخصيات الرواية خاصةً . وبهذه القدرة على تصوير مختلف صور الحياة دخلت الرواية إلى مشاعر المتلقي واستوطنتها . فهي رواية أشخاص يتقاسمون الأدوار ، لا رواية بطل مهيمن على الأحداث ، كل عضو من أعضائها له حضوره الفاعل ، وسماته المميزة التي لا يمكن أن يلفّها النسيان أو تذوب في تلافيف الذاكرة .

ففي جسد السّرد المشكّل لشخصية شامة تنفجر حكايات الجارات ، وتتوالد شخصياتهن . وتبدأ لعبة التشابكات والتعالقات والتقاطعات في نسج جبة الحكي بوتائر وخيوط سحرية سميكة . وهذا الانفجار الحكائي يعتبر  بمثابة انخطاف واقتلاع من مركز الحكي إلى هوامشه لتجلية ما نبذته نقطتا التّراكز في دوائر  الزمان ، ودوائر المكان ، اللتان ليستا بالضرورة نقطتين حاكمتين على السّلوكات ، وإنما هما علامتان موشومتان في أطواء الذاكرة ، يوقظهما الحلم والتّذكّر ، ويستدعيهما الغياب ، والإبابةLa nostalgie ، والفقدان ، والسّمو ، والسقوط ، والموت ، والارتحال . وهذه الدوائر ، وإن تراكزت ؛ فإنها تتعادل فيما بينها ، وتتوازى فنّيّاً … ولكنها عند توتّر الحكي تنحلّ وتنفكّ استجابة لدواعي الحدث . فكما أنه عند حلول الكوارث تنحلّ أقدس الروابط ، فيحطّم الأخ أخاه ، ويخون الصديق صديقه ، ويدوس الابن أباه ، ويبيع المرء نفسه وقيمه لأول مشتر ، ولا يسلم إلا من كان جوهره ربّانيّاً مفطوراً على الإمساك بالجمر في راحته . فكذلك في الرواية تحدث هذه التحولات كمعادل موضوعي وفنّي .

3 ـ 7 ـ تنوّع الجنس والعمر والوظيفة :

الرواية تفصح عتبتها عن جنس واحد ، ولكنها في طواياها تنغل بشخوص متنوعين من ناحية الجنس (ذكور ، إناث) ، ومن ناحية الأعمار (أطفال ، شباب ، كهول ، شيوخ) ، ومن ناحية الوظائف (ولاة ، قضاة ، فقهاء ، عدول ، قواد ، جنود ، تجار ، بحّارة ، حرفيون ، خدم) ، ومن ناحية الدّين (مسلمون ، مسيحيون ، يهود) ، ومن ناحية الأماكن (سلا ، فاس ، زناتة ، زمّور ، تامسنا ، تِفلفلت ، الأندلس) . وهذا التنوع الجنسي والعمري والوظيفي والديني والمكاني هو الذي أخصب الرواية ، وأعطاها نكهة وجاذبية وشمولية تتشابك فيها الرغائب والعلاقات ، والطموحات والنزوعات ، وتتقاطع فيها المشاعر والأحاسيس ، وتتصادى الوقائع والحدوسات . الشيء الذي جعلها رواية مجسدة للحياة في مشتركها  البشري بصورة أكثر عمقا , وأشد خصوبة . ورواية مفارقة في حقل السرديات .

   8 ــ  سارد عليم بمصائر شخصياته  :

يتسم السارد في هذا العمل بنوع من اللباقة المزدوجة تارة تظهر ه محايدا لا يتدخل في مصائر شخصياته , وتارة أخرى تبرزه متحكما في هذه المصائر وموجها لها . فأي هذين الموقفين  كان وراء "جارات أبي موسى " ؟

إ ن لباقة السارد العليم هي المهيمنة , فهو الذي يخطط مسار  الحكي وعوالمه , ويضبط خطوات سكان هذه العوالم , وتموقعات مكوناته , وآليات الحياة فيها , إلى  حد يتخيل معه القارئ أن حرية السارد الموغلة في الذهاب بعيدا ليست سوى فخ منصوب لكائناته السردية حتى لا تتمرد على سلطته . . فخ مفتوح على الحرية وملجم لها في الوقت ذاتـــــــه .

فبإعادة ترتيب المحكي , وتتبع الخيط الناظم له تلوح لنا براعة السارد الخفية , وعلمه ببواطن شخوصه ومصائرها . فما يسرده يكون بنية خطابية موشومة بالمكر الفني , والدهاء المحكم النسج , تعطي في ظاهرها تصورا يوحي بأن الشخوص أحرار يمارسون حياتهم بتلقائية , ويصنعون مصائرهم داخل الرواية بإرادتهم ودون تدخل خارجي . ولكنهم في الباطن مشدودون إلى إرادة خارجية , هي إرادة السارد الذي يصمم تحركاتهم, ويوجههم نحو العوالم التي يرسمها لهم . فهو سارد عليم بمصائرهم , لا يترك لهم فرصة للسير عكس مشيئته , يحرك كل واحد حسب الدور المرسوم له .

إنه سارد مخرج , يعْرِفُ مساحة الركح , وقوانين التحرك عليه , يقود خطى السرد للإيقاع بالمتلقي في شرك سرده , والزج به في اللعبة بطرق مواربة , وصور , وأضواء , ومشاهد , وظلال , تستثير الجلال والرعب , والمقت والنفور , والإشفاق والتعاطف , والتندر والتنفيس , والتجلة والتقديس . . . كل ذلك يتم في لوحات مؤثثة , وسرد يتجدد كلما صار أليفا .

وحين تصل السرود إلى نقطة نهايتها يختفي السارد ليرى ردود فعل المتلقي , ويرصد درجة الزلزال في أعماقه . فالمتلقي الذي لا يثور  على نزعاته السفلى لا يعرف المثل العليا ، والذي لا يثور على الشرّ لا يعرف الخير ، والذي لا يثور على الطلاح لا يعرف الصلاح ، والذي لا يثور على الحمق لا يعرف الحكمة ، والذي لا يثور على البغض والكراهية لا يعرف الحبّ ، والذي لا يثور على الأوثان لا يعرف الله .

وكي يقيس السارد كلّ هذا بثّ في بعض مشاهد سرده كاميرات تسجّل نماذج من كرامات المتقين ، وتجليات أهل اليقين (3) (*) . 

4 - مآل الجارات :

 4 – 1 – بعد موت العارف :

حين يصل الإيمان في أعماق الإنسان إلى درجة الإحسان يصبح عنده الابتلاء نعمة (ص 79) . وهذا ما تجسّده شامة ، فهي " هبة من السماء " (ص 62) ليس لزوجها علي سانشو فقط ، وإنما لكل من حولها ، و " هي طاقة خيرة ، ونفس زكية وبراءة لم تفسدها عوادي الزمان " (ص 63) ، لا تعرف إلا الحبّ الطاهر المعطاء ، وهو " حب مصيريّ قيّضته لها يد القدر التي تعاملها بعناية " (ص 96) .

ولذلك نراها هي والجارات الأخريات يتقبّلن قدرهن بنفس لا يشرخها التضجر ، ولا يشوّهها اليأس . فما سرّ هذا الرّضاء بالواقع ؟! وهل التدبير الكامن خلفه دليل على إسقاط التدبير ؛ الذي هو أعلى مراحل السلوك ؟! ولماذا تتعقب الرواية خطاهن في هذا المنعطف الروحي ؟ هل لِتَهْجِسَ بالصّبر الجميل ، والتحمّل الأمثل في لحظات الشقاء والبؤس والمتربة والمعاناة ، ووسط بيئة يتسلّط عليها أشرار الذّروة وأشرار القاع ؟! أم لتسطّر المحجوب والمكنون في الطّوايا العميقة لنفوس هؤلاء النسوة اللائي يمثّلن شريحة ؛ هي في الظاهر من القاع البئيس ، وفي الباطن من الجوهر الأنقى النفيس ؟

أسئلة كهاته لابدّ أن يَلْتَظِي بها الذهن بعد الإتيان على آخر صفحة في الرواية ، وبعد الاطمئنان والارتياح إلى المآل الذي آلت إليه مصائر الجارات . إنه مآل مقنع ومتمشّ فنيّاً ومنطقيا وجماليا مع أفق انتظار المتلقي ، ولكنّ المؤلف لا يريد له أن يستنيم إلى هذه الجرعة المكثّفة من المتعة .

فهل انتهى الحكي ؟

وهل تمّت رحلة الخيال ووصلت إلى أقصى مجرّاتها ؟

وهل وجود الجارات ينتهي بانتهاء وجودهنّ السّردي ؟

المؤلف يقول : لا

فقد فاجأنا بسرد آخر عن الجارات ، (4) أطلق فيه العنان " لروح السّارد فيه " ، وقلب خاتمة الرواية رأساً على عقب ، وزج بالنسوة اللائي انعتقن في سراديب أخرى لا تقلّ روعة وإدهاشا .

فشامة التي كانت راجحة العقل ، نقية السريرة ، شفافة الروح ، مرتبطة بالسماء أكثر من ارتباطها بالأرض قد اضطهدها الجميع بعد موت العارف أبي موسى ، وموت حاميها شريف المدينة ، فالعُصّاب أخرجوها من دار الشريف ، ولمّا لم تجد ملجأ تأوي إليه " تقدّمت بطلب لكراء بيت أبي موسى في الفندق ، فرفض المحتسب الطلب ، لأن الربع موقوف على البله لا غير ، وهي وإن كانت في نظرهم بلهاء حقا ، ليست من البله الكمّل ، فلا يجوز أن يعترف لها بالكمال في أي شيء حتى لا تستحق هذا البيت " (5) .

أما الجارات الأخريات " فقد فسد ما بينهن وبين الذين أشفقوا عليهن ، وتزوجوهن من الرجال ، لأن الأزواج ؛ بدون استثناء ؛ لم يطيقوا القيل والقال حولهم في المدينة ، ولأنهم ؛ بدون استثناء ؛ كانوا يذكّرون النساء بماضيهن في الفندق " . وهكذا ارتدّت المدينة ، وكفرت بكرامة الجارات وطهرهن ، وأشهرت في وجوههنّ الازدراء والاحتقار بعد الغفران ، وقذفتهن في يمّ البطالة الهائج .

فكيف سيتصرّفن ؟ وفي أيّ طريق سيسرن ؟ وما الذي يخبئه لهنّ الزمن ؟! أتكون دائرة المستقبل نسخة من دائرة الماضي ؟!

طوّحت بهن الحاجة إلى الاشتغال في معمل ، ولمّا أُغلق رجعن إلى البطالة من جديد ، فلم يجدن أمامهن للعيش إلا العمل كـ " خادمات عند القناصل الأجانب ، والدخول في حمايتهم . وكنّ أول من شوهد من النساء في العدوتين يروح ويجيء بدون خفير ، ولا مخافـة إذاية من أحد ، لأنهنّ محميات من القناصل . كنّ يعرفن أن الحماية بالأجنبي خيانة ، ولكنهنّ أكرهن على ذلك ، لأن الرجال في البلد لم يغفروا لهنّ أخطاء الحياة ، فعلن ذلك لأنّ الرجال يحاسبون الملائكة على الخطايا التي يمكن أن يرتكبنها لو قدّر الله أن تسقط عن الملائكة العصمة " (6) .

وماذا فعلت شامة في خضمّ هذه التحولات ؟ هل احتمت بالقناصل إسوة بالجارات ؟ أم أنّ وجدانها يتجه بها اتجاها مغايراً لكل ما يرتبط بشجون الأرض ، وعسعسات الذات ؟!

كان تفكيرها مسحوبا منها صوب علي سانشو زوجها ، وكانت تأمل في الهجرة علّها تلتقي به ؛ فقد رأته في الحلم حيّاً يرزق ، معافىً من علته ببركة أبي موسى ؛ فحين سيراها سيتأكد أنها قد غفرت له خطيئته . فهل تحقّق لها هذا الأمل ؟ وهل غادرت موطنها ؟

يبدو أنّ الإحباط قدر من أقدارها فيما يتعلّق بحظوظ الدنيا . فقد رفض قنصل بلاد زوجها طلب التأشيرة الذي تقدّمت به إليه رغم التدخلات ، فبكت وتألّمت ، وقرّرت الانهماك في تطريز الملابس حتى توفّر ما تصنع به فلكاً يقطع بها البحر إلى وطن زوجها في الضفة الأخرى (7) . 

4 – 2 – شامة في أرجوحة الزّمن :

بالأحلام نكنس أحياناً فظاعة الواقع ، وبالاستيهامات نرمّم شقوق النفس ، ولكنّ  بعض الانفلاتات اللاّموزونة شعوريّاً وعقليّا قد تتحوّل إلى أحبولات دامية . أفكّر في هذا ، وفي قوارب الموت السرية كلّما تخيّلت شامة دائبة على التطريز بجنون ، لتوفير ثمن قارب ينقلها من ضفة يتقرّر مصير البشر فيها على يد حفنة من المفتونين بغرور الدّنيا ، المصروفين عن حقائقها إلى ما تنطوي عليه النفوس من أطمـاع وخلائق دامسة شرسة ، إلى ضفّة المحلوم به ؛ الذي يختزل كيانها إلى ذرّة صفاء مضيئة بعشقها السامي .

فهل ستبحر شامة في أمواج المجهول كما أبحرت من قبل ؟ وكيف تبحر الهشاشة ، وتغامر في أدغال الشكّ المناويء ليقينها ؟! سارد هذا الفصل الجديد ـ الذي لا ندري أهو فصل إضافي للرواية يفتح خاتمتها على احتمالات خيالية أخرى ممكنة ؟ أم هو مشروع خطوة في جزء ثان من الرواية ؟! ـ يضع أمامنا شامة مسافرة في الحلم بدلاً من السّفر في الماء . وبين الأحلام والماء وشائج رمزية ، وشفرات سرّيّة متبادلة كما يؤكد غاستــون باشلار (1884-1962)  Gaston Bachelard؛ كلّما تمكنّا من تفكيكها وإدراك خفايا وملاببساتها أمكننا القبض على آليات اشتغال الخطاب ، وفهم ميكانيزماته وإواليّات خُدَعِهِ .

في حلمها رأت شامة ذات ليلة أبا موسى بلباسه الذي خرج فيه للصلاة ، تتقدمه أنوار وأسراب من الحمام ؛ قد أقبل عليها قائلاً : (ما لقومك ينكرون الآيات ؟ سأعيد عليهم القحط من جديد ، وسأدخل الكلاب إلى مدينتهم لتنهش لحومهم ! … وأنت ؛ أراك تريدين عليّاً ، يا قرة العين ! عليّ مات منذ وافى الخجلَ الأجلُ . تعالي يا قرة العين إلى بلدي ، فهو وحده يصلح لك وطناً) (8) هل هذا هو أبو موسى الرجـل الطيب الذي كان لا يفعل إلا طيباً ؟! لمــاذا عاد فـي الحلم بوجه المتوعّد ؟! ولم قطع خيط الأمل الذي يربط شامة بضفة زوجها ؟ وهل الدعوة في الحلم إلى بلد العارف إرهاص بحلول أجل مريدته ؟ وإنقاذ لها من زمن تتربّص به النقمة بعد الكفر بالنعمة ؟!

أمسك بيدها ، وسار بها إلى ضفة الوادي بين الرباط وسلا ، حتى أوقفها في الضفة الأخرى على حلقة من الناس (9) . فماذا في هذه الحلقة ؟ رجل يحكي قصة شامة قبل وفاة أبي موسى بلُغَةِ العرب . فعجبت شامة ، وقالت : يحكون أسرارنا ولم يُظْهَروا عليها ! . فقال أبو موسى : ويقصّون الفضائح في أطباق رخوة يسمّونها الجرائد ، ويطل عليهم المعلنون عنها بأعناقهم من نوافذ للكلام يسمّونها التلافيز  (10) .     

وفي هذا المشهد الحواري بين المريدة والشيخ يفضي أبو موسى إلى شامة بأن الأشخاص والأمكنة في الرواية لا تاريخية ، ولا واقعية , وأن من ظن ذلك سابح في كثبان الأوهام , فالناس " قد سلخوا الاسم من سلطانه ليحشوه بتبن التاريخ " (11) ** . وفيه كذلك تظهر  (مماس ) تدخن سيجارا مثل الرجال الضخام , وتستمع إلى قصة شامة . فتعجبت شامة من وجودها , فقال لها أبو موسى : إننا قد " دخلنا في أرجوحة الزمن , نمضي إلى الأمام قرونا ونتأخر أخرى , وقد نلتقي بأناس من مختلف القرون " (12) .

ولما رآها منخرطة في طقس الحلقة أخرج لها فانوسا يكشف عن قلوب من تراهم, فضحكت تارة , وبكت أخرى . فتبسم أبو موسى , ‎‎‎‎وقال لها : " ها أنا أنصرف عنك , فتمتعي إلى حين , ها أنا أتركك في أهل الحطام , ما تزال فيك عقدة السبب , تحرري منها , وبعد يوم أو أيام تأتيك تذكرة الإياب " (13) .

هذه القفزة بالسرد انتقلت إلى فضاء مرآوي تشاهد فيه شامة وقائع حياتها في الرواية. في دائرة الحلقة ؛ كما في دائرة المرآة ؛ ترى بالأذن نفسها وأسرارها موضوعا للقصً , والتسلية , والعبرة , وإذابة الوقت القاسي ؛ فهي سيرة من السير التي يتحلق العامة لسماعها وكأنها حقيقة لها جذور .

إن هذا التوظيف للحلقة , واستدعاء شخصيات من الرواية إليها  كمشاهدين ومستمعين , يؤشر على :

1 – إبراز الفضاء الذي تتكون فيه الثقافة الشعبية , وتجد فيه الذات الجماعية المقهورة فسحةً لاستيهاماتها , وتعويضا عن البطولة المفتقدة في واقعها , وتنفيسا عن مكبوتاتها المزمنة .

2 – نزعة السرد المتغلغلة في الإنسان العربي منذ أول الدم , أليس الحكيُ ــ في الحلقة التي وقفت فيها شامة ـــ  بلغة العرب ؟ ! .

3 – إشهار التحولات العميقة لبعض الشخوص ؛ التي انتهت منها الرواية ؛ في فضاء مفتوح للجميع , وليس كالحلقة فضاء يصلح لهذا الإشهار .

وإلى جانب الحلقة ؛ هناك هذا " الفانوس الذي يكشف عن القلوب " , إنه فانوس أبي موسى , لا أجرؤ على مقاربته حتى ولو غمزني للقيام بذلك فانوس ديوجين الإغريقي , وفانوس علاء الدين , وفانوس رمضان , وغيرها من الفوانيس , لأن هذه من أرض قد تكون أسطورية , وقد   تكون خرافية , وقد تكون طقسية شعائرية , ولكنها مع ذلك يمكن استكشافها , والحفر فيها بأدوات مفاهيمية إجرائية فاعلة مستمدة من منظومات معرفية متعددة . أما ذلك فلا تسمح طبيعته بما تسمح به طبيعة تلك . فهو من شاطئ الغيب , والغيب لا تفلح في أرضه ( أركيولوجيا المعرفة) .

 " جارات أبي موسى " تستنفر في المتلقي شهوة احتضانها من زوايا مختلفة للاستمتاع بتضاريس جسدها , واستقصاء أسرارها التي لا تنضب , واستنشاق عبير الروحانيات الذي يضوع بين تفاصيلها .

فهي مثلا  تغري بمقاربة على المستوى اللسني الأمازيغي . فأسماء معظم الأماكن والشخصيات النسائية فيها أمازيغية , تختلف دلالتها باختلاف النطق بها تفخيمـا أو ترقيقــا  , فـــ  (ئجٌــا) ـ وهو اسم لإحدى الجارات ـ حين تنطق بجيمها رقيقة تعني : الرائحة الزكية الطيبة , وتعني حين تنطق بها مفخمة : الرائحة الكريهة . (14) والدلالتان معا ضروريتان لقراءة الروايــة , إذ لكل منهما سياقها الخاص , فصاحبة هذا الإسم لما كانت في فندق الزيت كانت رائحتها مقرفة وكريهة كحياتها , ولما صلت صلاة الاستسقاء مع أبي موسى أصبحت رائحتها عطرة فاغمة كحياتها الجديدة .

وهي ثانيا نص ـــ  بالإضافة إلى أدبيته العالية ـــ  يتوفر على كل المواصفات الجيدة التي تؤهله ليكون حقل اشتغال مخرج سينمائي مهووس بالأعمال السردية الخارجة عن السرب . وكأني بالأستاذ التوفيق قد كتبه بحس سينمائي عال, ففيه مهارة تشي بسيناريست عارف بأصول الحرفة .

وإذا كان الإنـسان ـ حسب إمانويل كانط  Emmanuel Kant(1724 م ـ 1804 م) ـ يَعْمَدُ إلى تعقيل الوجود بواسطة اللغة , فإن هذه الرواية تؤسس الوجود بلغتها الخاصة , وتقذف بنا فيه لنسامر المهجوس به ,ونجلس لحظة مع المحلوم به بعيدا عن جاذبية التاريخ المدوّخة , وأحابيل الواقع التي تختصر الألوان كلها في ليلها ونهارها .

وإني لأعتقد أن هذا العمل إضافةٌ جديدةٌ ومتميزة إلى السرديات  المعاصرة المكتوبة باللسان العربي , وأنه سابق على متخيٌل عصره . ولكن اعتقادي يحاصره سؤال جارح : هل معنى هذا ببساطة أن عصره متأخر عنه ؟ ! وهل حين تتقدم الرواية , عندنا نحن الثالثيين ؛ يتأخر العصر بنا ؟!  

 

 

الهوامــــــش

* " جارات أبي موسى " رواية , للأستاذ أحمد التوفيق , ط 1 , منشورات دار القبة الزرقاء , مراكش 1997 م , 192 صفحة.

( 1 ) انظر القراءة التي أنجزناها عن هذه الرواية ؛ فيما يتعلق ببناها وعوالمها ومحمولاتها  ؛ بعنوان " انعتاق المنكسرة قلوبهن "  في ( العلم الثقافي ) ليوم السبت 13 سبتمبر 1997 .

 ( 2 ) , ( 3 ) نجاة المريني " شامة أو معاناة أهل اليقين " , العلم الثقافي  السبت 18 أكتوبر 1997 م , ص : 2 .

* وهذه الإشارة إلى مدينة سلا كفضاء تاريخي تمارس فيه الرواية عنفوانها وحيويتها تزكيها الأستاذة نجاة بإشارة أخرى في نفس المقالة , حيث تقول إن ضريح أبي موسى ـ الذي هو شخصية من شخصيات الرواية  ـ  ما يزال قائما , تلتجئ إليه النساء خاصة لقضاء حوائجهن , وتحيي عنده الطوائف الدينية ليالي الأذكار والأمداح  في خشوع وقنوت . وكذلك الشأن بالنسبة لــ  "ممٌاس " , فهي الآن أكثر نساء الرواية شهرة بمدينة سلا , وضريحها ما يزال قائما , وما يزال ذكرها مدويا , ويسمى الحي الذي يقع فيه ضريح لـلاممٌاس باسمها في السجلات ا لإدارية , وباسمها يعرف الحي . فهي رمز للطهر والعفاف في الذاكرة الشعبية السلاوية , يتبرك بزيارتها السكان  نساء ورجالا , يقصدونها لتمسح عن جباههم  آثار ما يعانونه من قلق وأرق , ويعودوا إلى ممارسة حياة يومية في هدوء وسعادة , وما تزال الحكاية الشعبية تردد : ( لـلا ممٌاس, اعطينا النعاس بالقياس) .  يحمل إليها الأطفال الصغار والمسنون الكبار لتهدئ روعهم , وتخفف من بلواهم , فتجدهم يشعلون الشموع عند ضريحها ليلة كل خميس . وتضيف الأستاذة الدكتورة إلى هذا كله إشارة أخرى تتعلق بفندق الزيت الذي هو مأوى أبي موسى وجاراته , فتقول إن اسمه في الواقع هو فندق "أسكور " , كان في العهد المريني وما بعده مارستانا ومستشفى , ثم صار اليوم مقرا للمحكمة الشرعية  بسلا . فهل هذه الإشارات  ـ  وغيرها كثير ـ  تشد الرواية إلى التاريخ , وإلى واقع كان ؟ أم أنها قراءة من القراءات قد تتفق وقد تختلف مع نوايا المؤلف ؟ ! . وإذا تعارضت هذه النوايا مع إجراءات القراءة  , فبأي منها نأخذ ؟ . الغالب في الدراسات السردية أن نوايا الروائي لا يعبأ بها, وإنما يعبأ  بالنص وما يقوله وما يضمره .

(4) إلى (11) أحمد التوفيق " مآل الجارات بعد أبي موسى " جريدة العلم , العدد 17357 , الصادر يوم الثلاثاء 03 رجب 1418 هـ / 04  نونبر 1997 م , ص: 12 . ففي هذا النص تحدث المؤلف عن مصير الجارات بعد أبي موسى, وذلك في الأمسية التي نظمها بالرباط فرع اتحاد كتاب المغرب , ونادي الأسرة التابع لمسرح محمد الخامس يوم الجمعة فاتح نونبر 1997 م بنادي اليخت احتفاء بهذه الرواية .

 ** قارن رفض أبي موسى هنا ربط الرواية بالتاريخ بما جاء في الملاحظة التي سقناها عقب الهامش الثاني والثالث .

(12) , (13) المرجع السابق , ص / 12 .

(14) عمر تقي " اللغة الأمازيغية ومصطلحاتها القانونية " , ط 1 , مطبعة فضالة , المحمدية 1997 م , ص : 15 .