| بـرهــان مـــات |
| عبد الله الطنطاوي - سوري مقيم بالأردن |
|
كنت ألقي درسا على طلاب الشهادة الثانوية في مدرسة الثانوية العلمية في حلب , عندما اقتحم علي الأستاذ غزيل بابه البلوري وقال في تجهم واقتضاب : ـ برهان مات . صرخت في وجهه : ـ ماذا تقول ؟ أجاب في عبوس واقتضاب : ـ نعم مات . . مات . دارت بي الأرض , وظننت أن رأسي سينفجر , فأسرعت إلى الكرسي , وأسندت رأسي بكلتا يدي , ثم اعتذرت عن التدريس بقية هذا اليوم , واستأذنت المدير في الانصراف , وامتطيت سيارتي الصغيرة , وعدت إلى البيت , وأنا في حالة لا تسر إلا العدو . برهان زميلي في كلية الآداب بجامعة دمشق , ثم زميلي في التدريس , ومدير ثانوية البحتري . . برهان الأديب , الأديب , المثقف , الكاتب , الذي يتفجر حيوية ونشاطا وصحة . . برهان يموت ؟ كيف ؟ وبهذه السرعة . قبل شهرين جاء من بلدته منبج ليشاركنا في تصحيح امتحانات الثانوية العامة , وكان زهرة المدرسية , بقامته المياسة , ووجهه الناصع البياض , لولا تلك الحمرة التي تخالط بياضه , وببذلته الأنيقة , وربطة عنقه التي يأبى إلا أن تكون من أجود ربطات العنق , تزهو على صدره الشامخ , منسجمة مع لون شعره الأشقر , وعينيه الزرقاوين , كسائر الشركس الذين وفدوا إلى ديارنا , هربا من القياصرة المتعصبين , ثم هربا من الشيوعيين الحمر . دعوته إلى الغداء , فلبى الدعوة في فرح كعادته . وفي بيتنا المتواضع في حي الكواكبي بحلب , جئته بثوب صيفي , ودعوته إلى الحمام ليتوضأ ويغتسل , لنصلي الظهر معا , فقال لي : ـ اسمع يا أخي . . والله أنا مسلم مثلك , ومؤمن بالله تعالى , ولكني ما أزال شابا مثلك , وعندما أبلغ الستين , سأصلي مثلك أو أكثر منك . . وسوف أصوم , وأحج , وأقرأ القرآن , وأذكر الله كما تذكر وأكثر . قلت له في ابتسام : ـ ومن يضمن بلوغك الستين يا برهان , وأنت ترى الموت يأكل منهم أكبر منا , ومن هم في سننا , ومن هم أصغر منا , من تلاميذنا , ومن هم في عمر أولادنا ؟ قال : وابتسامة عريضة طفحت على وجهه المستدير : ـ اطمئن فأنا من أسرة معمرة . . أبي في الثمانين وأمي في السبعين , وجدي مات وهو ابن مئة وعشرين , وأبوه مات بعد أن أمضى في هذه الحياة مئة وثمانية وعشرين عاما . . هذا من جهة , ومن جهة أخرى , أنا نظيف . . نظيف جدا , ولا آكل إلا طعاما نظيفا ومغذيا , وأبتعد عن المشويات والمضرات , وإذا سرت في الشارع ركبت الرصيف , وإذا أردت قطع شارع , أقطعه في حذر شديد , حتى لو كان ذا اتجاه واحد , فإني أتلفت يمينا ويسارا قبل أن أقطعه , وإذا امتطيت سيارة أجرة , ركبن في الصف الخلفي وعلى اليمين , تحسبا من أي حادث طارئ . . وسكت لحظة وأقبل علي بابتسامته وهو يسألني : ـ فهل تراني بعد كل هذا لا أبلغ الستين ؟ داريت ابتسامة ساخرة ارتسمت على شفتي بالغم مني , ثم نهضت لأدعه يلبس الثوب الصيفي , والمرارة في نفسي وحلقي لهذا الزميل الذي أريد أن أعيده إلى إسلامه , ويأبى علي . . أنا أطمع في عودته إلى دينه , لأن عودته هذه تعني كسبا كبيرا لشاب أديب مثقف ونشيط ومؤثر . . وفيما أنا أسبح مع الذكريات الحلوة والمرة مع برهان , اقتحم علي الأستاذ غزيل خلوتي . . جاءني معاتبا لأنني تركته في الطريق , ولم أدعه إلى السيارة أو البيت , فاعتذرت , وقبل اعتذاري , لأنه قدر وقع الخبر على نفسي . سألت الأستاذ غزيل : ـ ولكن كيف مات ؟ ما سبب موته , وهو ليس مريضا ؟ هو هو حادث سيارة ؟ أجاب صديقي : ـ سأحكي لك قصة وفاته , وهي قصة غربة ومؤثرة . . وركز الأستاذ غزيل نظارته , واعتدل في جلسته , ثم قال : ـ تعرف أن الأستاذ برهان لم يؤد خدمة العلم , لأنه وحيد على تسع بنات , وأخوه صغير . قلت : أعرف . قال : والآن . . بلغ أخوه سن الرشد , فأخذوا الأستاذ برهان إلى خدمة العلم . قلت : معنى ذلك أنه أصيب بطلقة طائشة أثناء التدريب ؟ قال : وأي طلقة . . إنها طلقة قاتلة , ولكنها طلقة معنوية أصابت كرامة الرجل فقتلته . قلت : لم أفهم . . وضح رجاء . قال : ذهب برهان مع زملائه إلى كلية الضباط الاحتياط في جبل السبيل , وبعد انتظار ساعات , أمرهم الضابط بالعودة إلى المدينة , على أن يعودوا في صبيحة اليوم التالي . ـ إيي ! ! ـ فأسرع الشاب في النزول من الجبل , أما الأستاذ برهان , فإنه كان يمشي على مهلـ وماذا في ذلك ؟ ـ هذا المنظر لم يعجب الضابط , فصاح بالأستاذ برهان : ـ هيي . . يا أستاذ يا حمار . التفت الأستاذ برهان نحو الضابط وسأله : ـ هل تكلمني ؟ أجاب الضابط : ـ نعم . . الكلام لك يا حضرة المدير . تقدم الأستاذ برهان خطوات من الضابط وسأله : ـ عندكم في العسكرية . . ألا توجد رتب ؟ يعني . . من أستاذ إلى حمار ومرة واحدة ؟ أليس من الأولى أن تنزل من الأستاذ إلى الحصان فللبغل فالحمار مثلا ؟ أجاب الضابط : ـ أنت حمار وستين حمار . . امش من قدامي وإلا مسحت بك الأرض . صحت يا لطيف . وتابع الأستاذ غزيل يقول : ـ استدار الأستاذ برهان , وراح يخب ويهرول وهو يغادر الكلية , وسباب الضابط تلاحقه . وفي الفندق . . أوصى مدير الفندق , وكان صديقا له , ألا يوقظه إلا صباحا اليوم التالي . وفي اليوم التالي , كان برهان قد انفجر منه شريان أو وريد لا أدري , فقد وجدوه مكبا على وجهه , فوق بقعة دم غامضة , وقد فارق الحياة .
|