| رحلة الشتاء والصيف |
| توفيق الهداني - المغرب |
|
الأفراح قائمة والزغاريد معلنة والأعناق الصغيرة تشرئب من النوافذ , والأضواء منيرة والمطر الغضير المتساقط يكشفه ضوء عمود النور فيزيد الليلة الليلاء افتتانا وبهاء , . . غير أن الصورة البديعة لم تبد واضحة المعالم ومسحة من الضباب تكسو صفاء الزجاج الأمامي لسيارة الأجرة الصغيرة : ـ عفوا سيدي , أظن أن المكان المقصود قد بلغته , فلم تبطئ في الانصراف ! ؟ ـ إنها فرحة الوصول , أولا تعلم أن الفرحة هي الأخرى تقعد الأعضاء عن الحركة ! ؟ . ولكن صدقني أنها لم تكن الفرحة وحدها بل الاستياء أيضاء , . . لقد ذهب بي العقل إلى اللحظة التي حطت فيها قدمي على أرض إسبانيا , ولفحة البرد الأولى التي استنشقتها على الضفة الأخرى , والغربة التي اشتدت قسوتها علي منذ الوهلة الأولى , . . أليس بمقدور هذه الأمور كلها أن تعبث بي فأبطئ في الذهاب ! ؟ ـ يا سيدي , إذا كنت الآن تشعر بعودة الروح والجسد , فلا تنل من وقت عملي ورزق أبنائي حصة الأسد . غادر السيارة لتوه آخذا حقيبته المتواضعة وهو يحول نقلها من يد لأخرى , . . بلغ باب حديقة المنزل وكان مفتوحا , وضع حقيبته في ركن من الحديقة لا يكاد أحد يعيره اهتماما , فالكل في بهو المنزل يتهيأ لتكوين الصفوف والضرب على الدفوف لتزف في الأخير إلى العريس العروس , . . دخل منسلا إلى أحد البيوت , . . لم يحدث أي تغيير , المكان الذي اعتاد النوم فيه مغطى بالأفرشة نفسها , والمشجب المثبت خلف الباب مازال يحتفظ بمكانه , إلا أن معطفا معلقا عليه لم يكن له يوما , . . ما أن لبس المعطف واستدفأ به كمـا يستدفئ الصغيـر بحضـن أمـه حتـى تدافـع مجموعـة مـن الأطفـال داخـل البيت فرحين مرحين : ـ أنـت هنـا أيهـا العريـس ! ألم تلبـس بعـد بذلـة العـرس الأنيقة ! ؟ هيا أسرع , الكل في انتظارك . مسح على رؤوس بعضهم , وداعب بعضهن , وألقى إليهم بكلام لم يعيروه أي اهتمام : ـ إيه ! . . وبّو . . وبّا . . , كميسط ؟ بيين ؟ كانت الحديقة العمومية التي يلجأ إليها في آخر الأسبوع لينفس فيها على نفسه من قهر البعد والغربة والوحشة تستوعب أطفالا كثرا , ذكرانا وإناثا , وكان إذا ما قصدته مجموعة لاعبها وكلمها واستدفأ ببراءتها حتى بات يفتقده الأطفال في عطلة آخر أسبوع . تدافع الأطفال مرة أخرى خارج البهو تؤكد الفرحة في القلوب وتغرس الطمأنينة في الصدر : ـ الصلاة والسلام على سيدنا محمد . . . وتلتها زغاريد حادة المخرج لم ترضخ لبرد الشتاء . اختلس النظرات من باب البيت إلى وسط البهو , كما اختلستها أول مرة من باب البيت الذي احتجزه في أحد الفنادق , عله يكشف النقاب عن وجه تجري فيه دماء عربية , أم تراها امتزجت بدماء غربية حتى انصهرت ملامح العربي وذابت فتحولت إلى قسمات عربية غريبة . وجوه كثيرة تلك التي تعرفت عليها كانت تتوسط البهو , باستثناء بعض الوجوه القليلة التي لم يقف على كشف معالمها , " من يدري ! ؟ ربما كانوا جيرانا جددا ! . . المهم أن الدماء التي تجري في وجوههم دماء عربية . " توقفت النسوة عن الضرب على الدفوف , وحلت الأطباق الفاخرة بما لذ وطاب محل الدفوف , وطافت عليهن فتيات وهن يحملن ما تلذ له الأعين من الأشربة والفواكه . . . لم يستطع مقاومة نفسه أكثر من هذا الحد , فوليمة كهذه يسيل لها اللعاب وتزقزق لها عصافير البطن تحمل كل معاني الوحشة والحنين . استغرب جمع النساء دخول العريس المطبخ , . . وقفت أمه طويلا وهي تلقي إليه بنظراتها الحنونة الجياشة وتتابعه بها في كل حركاته وسكناته , مع كل قدر يفتح طبقه ويشم عبقه : ـ تراك يا ساكن هذا البطن تسعا ,أنت وأخوك التوأم ,حللت علينا ولم ننتبه لقدومك , دخلت علينا ولم نكترث لوجودك , . . حقا , فالمعطف معطف أخيك العريس , . . فإذا حضرت أنت فأين العريس ! ؟ عهد غربته انقضى وذهب , وأنت يا أخ العريس وابن أم العريس كنز وذهب . . . تنبه أخيرا إلى وجود أمه وانكشاف أمره , . . فهل تتيه الوالدة عن مولودها ؟ فهيهات أن يكذب العقل رؤيتها وإن خدع كل النساء , فشتان بين نظرة الأم ونظرة النساء . " ارتمى بين ذراعي أمه وهو يدفن رأسه في أحضانها ودموع الفرح تتساقط على جبينه قطرات قطرات , فشتان بين دمعة الأم وأمطار الشتاء . " استسلم لهدهداتها كما استسلم لها في نعومة أظفاره , حتى امتزجت دموعهما واختلطت أنفاسهما وهما لم ينبسا ببنت شفة . " مازال متعلقا بأحضان أمه لا يكاد يفارقها , فلطالما فارقها وطالما شده الحنين إليها , . .ولكن إذا كانت غربته قد طالت في السنــوات الخوالي وكـان لـهـا أسبابهــا ودواعيها ... كانت سنوات استكمال الدراسات العليا وفوضى العمل , فلم يبق الكثير ولن يفقد الأمل , فشد الرحال لن يطول كما مضى , والهدف الذي في سبيله هــو مغترب قريب كما الله قضى , فالخير لن ينقطع من السماء , وعزم المجيء سيكون كل شتاء وصيف , كل صيف وشتاء .
|