Nouvelle page 1

ما زلت على قيد الحياة"   نظرة ناقدة"

مأمون فريز جرار – الأردن

 

كتاب صدر

 صدر في عمّان ، للأستاذ حيدر قُفّه كتاب بعنوان : (مازلت على قيد الحياة ! قصة وعشرة نقاد) في ثمانين صفحة ، وهو يضم قصة للأستاذ حيدر قفه ، عنوانها : (مازلت على قيد الحياة) ، مشفوعة بعشر مقالات تتناول القصة بالنقد ، بأقلام عشرة كتاب من المشرق  والمغرب ، وهم ، بحسب الترتيب المثبت في الكتاب : حسن الأمراني ـ حلمي القاعود ـ خليل السواحري ـ عبد الله الطنطاوي ـ عدنان النحوي ـ عمر عبد الرحمن الساريسي ـ مأمون جرار ـ محمد القضاة ـ محمد حسن بريغش ـ مصطفى عليان .

ونقدم فيما يلي مقالة الدكتور مأمون فريز جرار : 

 أي حياة لشخص يكون شعاره فيها : ما زلت على قيد الحياة ؟!

وأي خيبة أمل هذه التي تعيشها الشخصية في هذا النص ؟

حياة رتيبة .. وزمن وهموم يفعلان فعلهما في ظاهر الجسد وباطنه ..

زهد في الحياة وخوف من كل جديد .. وزوال لذلك البريق لشخصيات تخطف

الأبصار .. لما كان من تجارب معهم !!

ومجهولة توجه الشخصية إليها الخطاب .. مجهولة حاضرة بهواتفها التي لا تنقطع ، وبحضورها في عقل " الشخصية " ونفسها .. وبأسئلة توجهها إليها ، محاولة تفسير أسباب الزيارات .. أهي للاطمئنان .. أم استجابة لشوق جامح ؟ وهي معاتِبة ومعاتَبة عتابا مرا .. وهي تحت بصر " الشخصية " عبر تاريخ البشرية الطويل ..

ولا تنفك العبارات الدالة على خيبة الأمل تطل علينا في هذا الحوار بين "الشخصية" وبين " المجهولة " : " كل إضاءة جديدة خلفها عتمة مظلمة للروح ودرب موحل " .. ويرجح الظن أن زيارات هذه المجهولة هي للاطمئنان عليه .

إننا أمام شخصية بدأت تحس أن الدنيا أخذت تدير الظهر لها .. وبدأت ترضى بالقليل .. حتى من الزوجة التي كانت تؤثره بالأنفس والأغلى .. ومن أم الحفيدة التي أخذت تبتزه لما رأت من تعلقه بحفيدته منها .. فهي تساوم لكسب المزيد من دراهمه .

أترى هذا الرجل الذي هو الشخصية الرئيسية في القصة يشكو إلى هذه المجهولة حاله وما آل إليه ؟

أنعجب من رجل هذه حاله أن يحن إلى قبر أبيه الذي كان صلبا شامخ الرأس وأن يسعى إلى لملمة همومه لتصبح هما واحدا بعيدا عن ملهيات الحياة ؟

أي شوق إلى هذه المجهولة يقضّ مضجع هذا المعذب فيستغفر الله منه ويقاومه ويلجأ إلى الصوم .. فتلاحقه بهواتفها .. وتقطع دعاءه .. وتأخذ قلبه في غفلة !! ومع هذا يستمر في الشكوى إليها .. وهو يشكو منها !

وما الذي يشكو منه .. ؟ إن مظهر من مظاهر إعراض الحياة عنه !

إنها وظيفته الجديدة في (آخر محطات العمر) .. (سائق خصوصي) !

لقد حاول أن يتمرد على الواقع الجديد .. ولكنه ما لبث أن استسلم !

فقد صار له جدول يومي مقرون بالحوقلة ! وهو في خدمة (سيدة المنزل) ينفذ أوامرها وطلباتها .. من إحضار الخبز من المخبز ، وإحضار البنت من المدرسة .. بعد أن وزعها وإخوانها على أعمالهم في الصباح ..

وهو طوع أمر أهل البيت يصطحبهم إلى الحفلات والأعراس والمناسبات على كره منه في البداية .. ولكن نفسه طابت من بعد بالاستسلام !

إن الألم والمرارة وخيبة الأمل خيط يربط هذا النص من أوله إلى آخره .. وما يبدو من ذلك ليس كل شيء .. " ما زالت أصابعي تتأبى علي فلا تكتب ما أريد " !!

ومن شكواه وخيبة أمله وإحباطه أنه ترك المحاضرات لغيره .. وانصرف يوحد همه فما توحد .. " هذه سنة كاملة تمر وأنا أراقب هذا الجنون " !! ويستعيد الذكريات .. ثم يعقب عليها .. " أتراه كان وهما هذا الذي يصفق بجناحيه بين الاطلاع وينمو " ؟!

ومن خيبة الأمل إحساسه في مخاطبة تلك المجهولة أنه لم يستكمل الألم العظيم الذي يحتاجه الحب العظيم .. حتى تقطف ثمراته !!

ويمضي في أسئلة ممتلئة بالخيبة والإحباط وهو يرى الشيب يغزو القلب .. والدنيا تفر من بين الأصابع .

ويختم هذا " النص " " الرسالة " أو المناجاة بتلخيص حاله : صوم متتابع وسهر متتابع .. وآيات يحرص ألا تنفلت منه .. ! إنها مكابدة ممتدة .. وهواتف هذه المجهولة لا تني تزوره .. وهو يسأل عن سر ذلك .. ويختم رسالته بعنوان النص : " اطمئني .. ما زلت على قيد الحياة " !!

*    *    *

إننا أمام نص محير .. لقد أحسن الكاتب صياغته .. وجعله في خطين : خط واضح قريب الإدراك .. وهو شكوى من تحدث عنه من واقع آل إليه والخط الآخر : يحتاج إلى وقفة وتأمل .

وقد بث الخط الثاني في مواضع متعددة من بداية النص إلى نهايته .. مما يجعل لهذا النص ظاهرا وباطنا !! فمن هي هذه الزائرة بهواتفها الصامتة التي لا تنقطع زياراتها .. لماذا تقض مضجعه .. وما الذي بينه وبينها ؟!

إنها ليست فيما يمكن أن يبدو للوهلة الأولى .. حبيبة تشغل القلب .. ويمتد إليها الشوق في آخر محطات من العمر .. ! يمنع من ذلك قوله :

.. لكني أتابع مسيرتك منذ أن كنت عصفورة المنصور ، وسيدة حلمي ، وجنية أحمد ، وربما اليوم جارية الوليد .. ؟!

فمن هي هذه المجهولة ؟ وماذا عن هذه الإشارة :

.. دعيني أقف عند ظني الأول غاضا الطرف عن احتمال أن يكون (تموز) بما يحمل بين دفتيه من فتيت الذكرى خلف تكرار هواتفك الصامتة .. ؟! وهل تراه يتحدث عن (ابنته) أو (كنته) التي تبتزه بتعلقه بحفيدته منها ؟ ومن هي هذه الابنة والكنّة التي يعقب على موقفها منه بقوله :

" هيهات .. شب عمرو عن الطوق وتناثرت حبات مسبحة شاء الله أن تجمع بين يديها يوما من التاريخ فما صانتها .. وظنت كل رجل شهابا .. فانفرطت .. " .

وماذا عن يوم المشتل ؟ وما تلك النبتة التي بحث عنها ؟ وماذا عن زرعه الأزهار على الرخام ؟!

إن هذه المخاطبة المجهولة التي كان لها حضور طاغ من بداية النص إلى آخره هي (الدنيا) .. فهي التي تشاغله وتراوده .. وهو في (آخر محطات العمر) ولكنه يظل بشرا للدنيا في قلبه حلاوتها .. ومع هذا نجده يقاوم .. ويجمع همومه في هم واحد .. ويتوجه نحو الآخرة .. هذه الدنيا هي عصفورة المنصور .. وجنية أحمد .. وجارية الوليد .. ولكن يستعصــي علــي فهــم بعـض المواقـف والإيـحـاءات والرموز .. ومن ذلك إشارته إلى (تموز) و (يوم المشتل) .. ولعلها مواقف مستمدة من حياة الكاتب كانت منعطفات فيها .. وكان يتوقع أن يكون لها ما بعدها في مسيرة حياته ..

لقد استطاع الكاتب أن يقدم لنا نصا غنيا ينبض بالواقعية التي تعنى بتفصيلات الحياة .. وتقدم لنا مشاهد من (حياة إنسان) .. وأضاف إلى ذلك العمق .. وقد كان لذلك أثر على لغة الكاتب وأسلوبه ، ففي الجانب الواقعي نجد اللغة الواضحة المباشرة القريبة الإيحاء ..

" اطمئني ما زلت على قيد الحياة ، آكل إذا جاء ميعاد الأكل ، وأنام إذا جاء ميعاد النوم .. " إلخ .

" كانت زوجتي إذا قسمت الطعام تخصني بأجود الحصص وأكبرها ، واليوم ـ يا ويح اليوم ـ أصبحت هذه من نصيب غيري .. " وهكذا ..

ونجد في المقابل اللغة الغنية بالصور .. الثرة بالإيحاءات التي تعتمد الصورة التي لا يلين قيادها بيسر لمن يريد أن يستكنه ما وراءها ! ولنقرأ :

" وقد صدمت كثيرا في النماذج الرائعة من الناس بعد أن اقتربت منها ، ونقرتها بأصابعي نقر الفخـار فانكســرت حدة الألق في نفسي ، وورثت الخوف من الجديد أي جديد " ! 

" إن كانت زياراتك الصامتة للاطمئنان علي فقد أخبرتك أني مازلت على قيد الحياة ، وإن كانت استجابة لشوق قديم جامح أقضَّ المضجع فأي شوق هذا الذي استل (نصاله) وطعن الظهر على رؤوس الخلق في ظل تصفيق وأضواء تشع ... " .

" لكني ألج مساحة الصدر الحنون الذي احتضن رأسي ذات ضحوة وجفف الدمع من مؤقي ووعدني بسعادة غامرة ، واسترد وعده إذ لاح له برق خلب " .

" أينا ضل الطريق ؟ أينا أشعل الحريق ؟ أينا أغواه البريق ؟ والعمر يركض ألهثته       إحباطات الحياة ، فاستسلم للشيب يغزو القلب .. " .

إنه عالم مثقل بالهموم هذا العالم الذي أدخلنا فيه الكاتب .. وكأنه يقدم لنا مشاهد من  ليل طويل .. إننا نكاد نشاهد ذلك الوجه الذي كساه الشيب ، وعلته الكآبة لما يعانيه في واقعه .. وبما أحسن الكاتب تصويره في كلماته ومشاهده ..

إنك مع هذا الهم الثقيل الذي يبثك إياه الكاتب تحس بالتعاطف العميق مع الشخصية التي صورها .. لا لأنها تقص عليك بعض همومها .. بل لأنك تقرأ نفسك فيما جسده الكاتب وصوره .. بل تقرأ حيوات كثير من الناس فيها .

إن في هذا النص مقومات النجاح .. من التجربة العميقة ، والتعبير الذي يصور التجربة بكل تفصيلاتها .. من غير أن يغرق القارئ في الملل !

ولك أن تسأل بعد ذلك .. هل صور الكاتب في هذه القصة بعضا من سيرته الذاتية ؟! 

 

 

صدر حديثـا

 

    حرقة الأسئلة (مجموعة قصصية) : بشرى حيدر ، هذا هو الإصدار الخامس لأديبة واعدة لم تتجاوز العشرين من عمرها إلا قليلا ، فهي من مواليد الدوحة ، قطر في 25/05/1980 .

وقد صدرت لها المجموعة الأولى بعنوان : " حكايات من بلدي " وهي يومئذ في الرابعة عشرة من عمرها .

تضم مجموعتها الجديدة هذه عشر قصص قصيرة .

متمنياتنا لبشرى حيدر بمزيد من العطاء والتألق .