|
وللتراب عشق آخر ! |
|
نبيلة عزوزي - المغرب |
|
فـــرك كفيه الخشينتيــن ، ففاحت منهما رائحة التراب والنعنع الغض ، كم يعشــق هــذه الرائحة … " عطر يفوق أشهر عطور العالم ! " هكذا تعلق ابنته آمال دائما ، وهي تقبل كفيه ! نظر إلى الساعة المرصع زجاجها بالندى ؛ وضع حزمة النعنع في كيس ورشه بالماء ليظل غضـا ، أحكم ربط الكيس إلى الكرسي الخلفي لدراجته الهوائية ، استدار خلفه بابتسامته العميقة ، مشتل النعنع الأخضر الفواح لا يدع أحداً يغادره إلا بصعوبة ، سمفونية عذبة يمتزج فيها الحفيف بالخرير وتغريد الطيور ، ويتلألأ الندى تحت شمس يوم جديد … لكن ابتسامته تلاشت ، حين رأى أطراف المدينة تزحف وتلتهم كل المساحات الخضراء .. حوقل ، وحملة في كوخه ، إنه أجمل قصر في العالم ، قصر من طين وقصب ، تربع الربوة المشرفة على المشتل ، وحمد الله كثيراً على نعمة الفقر … نظر ثانية إلى الساعة ، وانطلق بدراجته نحو المدينة . لقد تأخر ربع ساعة عن الموعد … دلف كلية الزراعة ، وضع دراجته تحت شجرة ، وسار بين ردهات الكلية ، باحثا عن مدرج (ب) ، رمقه البوّاب ، وسأله مركزا بصره على حذائه المطاطي الطويل إلى ركبتيه ، الموحل : ـ سيدي ، هل ضللت طريقك ؟! أجابه بابتسامة المعهودة : ـ لا ، إني مدعو لحضور مناقشة أطروحة الدكتوراه في الزراعة ، التي تتقدم بها ابنتي آمـــــــــــال . فأشار له بسباته إلى المدرج ، وأعاد النظر إلى حذائه الموحل بامتعاض ، وكاد أبو آمال أن يضحك ، فتساءل : " أيخافون التراب أم يعافونه أم بتناسون أصلهم ؟! يا عجبا ! " . ووجد نفسه واقفا في آخر المدرج ، وآثار خطواته توشح اسفلت المدرج ، وأحس باعتزاز عميق ، إذ أول مرة ، دخل التراب الممزوج بالندى كلية الزراعة ! رمقته آمال من بعيد ، فانفجرت شفتاها عن ابتسامة عريضة … الرؤوس محملقــة حولهـا في اهتمام بالغ ، والأفواه فارغة … لكن فرحته لم تكتمل ، إذ أن كل المناقشة بالفرنسية ، لم يفهم شيئاً ، لكنه طأطأ رأسه ، وأنصت باهتمام . وقفت آمال ، ووقف الحضور ، وتوالي التصفيق ، اقتحم الواقفين ف رفق ، الأنظار تتجه نحوه مشدوهة ، عانقته آمال هامسة في أذنه : ـ أين أمي ؟! ضرب جبينه ، إذ كيف ينسى إحضار أم آمال إلى مناسبة لهذه ، مناسبة لن تعوض ! لكن آمال لم تنتظر الجواب كثيراً ، إذ بادرت قائلة : " أقدم لكم الإنسان الذي غرس في حب التراب … إنه أبي … فلتدنوا منه لتشموا أغلى رائحة ! " وقدم لابنته باقة نعنع مرصعة بالندى وذرات التراب ! كم كانت لحظة سعيدة مميزة من بين أسعد لحظات عمره ، حمد الله كثيراً أن استجاب له ؛ في يوم ممطر ، ارتوت الأرض بعد سنوات عجاف ، فبعثت فيها الحياة ، سجد لفالق الحب والنوى شاكراً ، وجــاءت آمال تحبو أمامه تحت المطر ، فاحتضنها ، ورفع كفيه إلى السماء ودعا : " اللهم أنبتها نباتا حسنا " . وتذكر مولدها ، في يونيو 67 ، كان يريد ذكراً ، يسميه صلاح الدين ، وحين أخبرته القابلة أنها أنثى ، حمد الله ، ودعا : " اللهم اجعلها لأمتها ولا تجعلها عليها " ! واحتضنها ، وأذن في أذنها ، وجثا على ركبتيه ودعا الله ضارعاً … وابتسم وتمتم : " حينها شمت رائحة التراب والنعنع والعرق … أتراها تعشق التراب حتى النخاع ! " لا يدري لماذا انزوت امرأة شقراء بابنته ، كانت تتابع المناقشة باهتمام ملحوظ … وطال الحديث بينهما ، وطال انتظاره لآمال . دنـت السيـدة الشقـراء منـه ، وقدمـت له نفسها : " دكتورة ناتالي ، خبيرة زراعية في منظمة دولية " . وتولت آمال الترجمة ، فهز الأب رأسه مبتسما : " أهلا وسهلا " . وفهمت آمال من نظرات أبيها ، أنه تساءل عم تريده هذه المرأة ؟ ضغطت على كفه وقالت : ـ يا أبت ، الدكتورة ناتالي معجبة جداً بموضوع أطروحتي ، وترغب بل وتلح علي أن أطبق المشروع على أرض فلسطين المغتصبة . ضرب أبو آمال كفا بكف ، ولبلع ريقه ، ثم غمغم : ـ ماذا تول … ؟ أين ؟! وحاول أن يبدو هادئا ، لكن الكلمات تطايرت من فيه كشظايا بركان : ـ ابنتي تطأ أرضا مدنسة ، وتعيش بين القردة والخنازير ، وتتعاون معهم ؟! آه يا صلاح الدين ؟! " صلاح الدين " كلمة ليست غريبة عن ناتالي … حدقت في الأب مليا ، وحاولت ـ هي أيضا ـ أن تحافظ على برودة ابتسامتها ، فتدخلت قائلة : ـ يا سيدي ، منظمتنا بصدد اعداد شامل لمشروع الأمن الغذائي . تضاحك وتنهد : ـ أمن غذائي ؟ أين ؟ وأي أمن غذائي على أرض مغتصبة ، على أنقاض الأمن والأرواح والبيوت والآمال … وناتالي كجبل ثلج ، لا تستفزهــا أي كلمة ، والابتسامة الباردة لا تفارق ثغرها ، وبرودة أكثر قالت : ـ آمال لن تقتل أو تجوّع أحداً هناك ، إنها ستنقذ آلاف الجياع ، وستؤدي رسالة إنسسانية سامية ، فما شأننا نحن بالسياسة ؟! أحسن أبو آمال أن رأسه يغلي كبركان ثائر ، وإن تظاهر بالهدوء وسادت فترة صمت، كسرتها بتدخلها : ـ فلنترك لها الفرصة ، وإلا فسيظل مشروعها نظرية على الأوراق … المنحة مغرية ، وستحقق كل طموحاتها … إن منظمتنا تقدس العقول ، وترعاها بأي ثمن . وإنتاجها إحساس إنه أمام نخاسة عقول … لم يخطر على باله يوما إن ابنته ستحط من موقف كهذا … كل شيء يباع ويشترى حتى العقل ! أما آمال ، فقد اختلطت أمامها كل الأوراق ، وأحست بغصة في حلقها ، ونفسها تسائلها في إلحاح : " إنك تعشقين الخضرة والماء والتراب ، فهل تستطيعين العمل بين أربعة جدران ـ إن وجدت عملا ـ تكتم أنفاسك ، وآمالك … تتعاملين مع أوراق وأرقام صماء بكماء في رتابة مملة ! " لكن ناتالي أفاقتها من غفوتها ، وهي تتأسف : ـ الذهاب إلى " إسرائيل " فرصة ثمينة لي تعوض ، على كل ، بإمكانك الالتحاق بإحدى معاهدنا المتعاون مع المنظمة في دول أخرى ! فركت آمال كفيها كعادة أبيها ، قائلة في تؤدة : ـ يا دكتورة ، لدينا التربة والماء والعقل والفوسفاط واليد العاملة والسدود ، فلماذا لا أجرب المشروع في بلدي ؟! ناتالي ضاحكة ضحكتها الباردة : ـ لن تجدي منحة للبحث ولا مختبرا ولا ظروفا مساعدة … آمال : ـ إذن ، إذا كانت منظمتكم ذات أهداف إنسانية ، تسعى إلى الأمن الغذائي للإنسانية جمعـــاء ، فلتتعاون معي . ناتالي : ـ فتحنا لك الأبواب على مراعيها للتعاون ، لكنك أوصدتها كلها . وكانت آمال تنتظر هذه الإجابة الباردة ، لكنها استدرجت ناتالي إلى ذلك عمدا . وبعد فترة صمت وجيزة ، تململت ناتالي في جلستها ، وقالت : ـ ما رأيك تبيعين بحثك هذا للمنظمة بأي ثمن خيالي تريدين ، وتصبحين عضوا شرفيا في منظمتنا ؟! لا تردي علي الآن ، فكري … هذه بطاقتي ، اتصلي بي ، إني في انتظارك ! * * * * * * * * تعود آمال كل يوم قبيل المغرب ، حيث موعد الشاي ، تجلس القرفصاء بين والديها ، يقدم لها الأب كأس الشاي المنعنع ، ولا يسألها أي سؤال ، تنظر إليه ، تنتظر منه دائما أن يسألها ، إلا أنه يظل صامتا ، ينظر إلى الأوراق الكثيرة التي تتأبطها ، يسرق إليها النظر ، يحاول قراءة ولو كلمة منها ، إلا أنه لا يفهم الفرنسية ، فيطرق ببصره إلى الأرض … يخيم الصمت على البهو الصغير ، فتدخل آمال غرفتها وتسهر إلى ساعة متأخرة من الليل على ضوء المصباح الغازي … يشعر أبوها بالحسرة ، أنه يريد أن يقول لها الكثير ، لكن لسانه يخذله … وحين عاد من صلاة العشاء ، هالته حقيبة ابنته المحزومة وأوراقها الكثيرة وحذاؤها المطاطي الطويل ، شعر أن قلبه ينتفض كطير جريح ، حوقل وتساءل : " ترى إلى أين ستذهب آمال ؟ " واستبد به قلق يضاهي قلقة حين مخاض أم آمال في يونيو 67 … وكاد لا يصدق حين انتصبت أمامه آمال تحمل حقيبة أخرى ، بادرته بالسلام ، لكنه لم يسمع ولم يرد ، فقالت له مبتسمة : ـ مفاجأة أليس كذلك أيها الأب الطيب ؟! ستذهب معي ؟! وخرجت الكلمات متثاقلة من فيه : ـ إلى أين ؟! ـ إلى منطقة السد الجديد ، حيث يهدد التصحر كل الأراضي الخصبة … سيرى مشروعي النور هناك … سأعمل رفقة تقنيين زراعيين بوسائل بسيطة ، لمست فيهم حماس الشباب والوطنية ، وستقدم لنا الدولة كل التسهيلات ، ستكون بجانبي طبعا ، وبعد سنتين ، ستعمم وزارة الفلاحة المشروع على كل الفلاحين في مناطق مماثلة ، وسيحقق بلدنا اكتفاء ذاتيا في مزروعات أساسية وبتكلفة أقل ، وسنوفر فرص شغل لليد العاملة … ولن نتردد عن إهداء تجربتنا لدول شقيقة ، تهددها المجاعة ! ظل صامتا والدموع تنساب من عينيه ، وتخضل لحيته البيضاء ، وابنته تقبل كفيه ، وتشمهما بعمق قائلة : ـ أتدري يا أبت كم أعشق التراب حتى النخاع ؟! واستدارت نحو النافذة المفتوحة ، أغمضت عينيها ، واستنشقت الهواء بملء رئتيها ، وقالت : ـ وكم أعشق رائحة التراب … عطر تناسته نساء كثيرات ورجال كثر ! حينها ، أدرك أنه فعل قد أحب التراب وأخلص له الحب !
|