|
اعلم:
أن الذنوب حجاب عن المحبوب، والانصراف عما يبعد عن المحبوب واجب. وإنما
يتم ذلك بالعلم والندم والعزم، فإنه متى لم يعلم أن الذنوب أسباب البعد عن
المحبوب، لم يندم على الذنوب، ولم يتوجع بسبب سلوكه طريق البعد، وإذا لم
يتوجع لم يرجع. وقد أمر الله تعالى بالتوبة فقال: {وَتُوبُوا إِلَى
اللهِ جَميعاً أَيُّها المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُم تُفْلِحُونِ}
[النور: 31] وقال سبحانه: {يَا أَيُّها الذينَ آمَنُوا تُوبُوا
إِلى الله تَوْبَةً نَصُوحاً} الآية [التحريم: 8]. وقال:
{إِنَّ الله يُحِبُّ التَوَّابينَ وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرينَ}
[البقرة: 222]. وقال النبى صلى الله عليه وسلم: " يا أيها
الناس توبوا إلى ربكم، فإني أتوب إلى الله فى اليوم مائة مرَّة". وفى
"الصحيحين" من حديث ابن مسعود رضى الله عنه، أن رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم قال: "لله أشد فرحاً بتوبة عبده المؤمن من رجل فى أرض
دَوِّيةٍ (1) " مهلكة، معه راحلته، عليها طعامه وشرابه، فنام فاستيقظ وقد
ذهبت، فطلبها حتى أدركه العطش، ثم قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه،
فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ وعنده راحلته، عليها
زاده وطعامه وشرابه، فالله أشد فرحــاً بتوبة العبد المؤمن من هذا
براحلته". والأحاديث فى هذا كثيرة، والإجماع منعقد على وجوب التوبة،
لأن الذنوب مهلكات مبعدات عن الله تعالى، فيجب الهرب منها على الفور.
والتوبة واجبة على الدوام، فإن الإنسان لا يخلو عن معصية، لو خلا عن معصية
بالجوارح لم يخل عن الهم بالذنب بقلبه، وإن خلا عن ذلك، لم يخل عن وسواس
الشيطان بإيراد الخواطر المتفرقة المذهلة عن ذكر الله تعالى، لو خلا عنه لم
يخل عن غفلة وقصور فى العلم بالله تعالى وصفاته وأفعاله، وكل ذلك نقص، ولا
يسلم أحد من هذا النقص، وإنما الخلق يتفاوتون فى المقادير، وأما أصل ذلك،
فلا بد منه.ولهذا قال النبى صلى الله عليه وآله وسلم : " إنه ليغان
على قلبي، فأستغفر الله فى اليوم والليلة سبعين مرة ". ولذلك أكرمه
الله تعالى بقوله: {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما
تأخر}[الفتح: 2] فأما غيره فكيف يكون حاله؟ ومتى اجتمعت شروط
التوبة كانت صحيحة مقبولة، قال الله تعالى: {وهو الذي يقبل التوبة عن
عباده} [الشورى :25] وفى الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم قال : " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر" . والأحاديث فى
ذلك كثيرة.
* شروط
التوبة
واعلم: أن التوبة عبارة عن ندم يورث عزماً وقصداً، وذلك الندم يورث العلم
بأن تكون المعاصي حائلا بين الإنسان وبين محبوبه.والندم هو توجع القلب
عنده شعوره بفراق المحبوب، وعلامته طول الحزن والبكاء، فإن من استشعر عقوبة
نازلة بولده أو من يعزُّ عليه، طال بكاؤه، واشتدت مصيبته، وأي عزيز أعز
عليه من نفسه؟ وأي عقوبة أشد من النار؟ وأي سبب أدل على نزول العقوبة
من المعاصى؟ وأى خبر أصدق من رسول الله؟ ولو أخبره طبيب أن ولده لا
يبرأ من مرضه لاشتد فى الحال حزنه، وليس ولده بأعز من نفسه، ولا الطبيب
أعلم من الله ورسوله، ولا الموت بأشد من النار، ولا المرضى أدل على الموت
من المعاصي على سخط الله، والتعرض بها للنار.وينبغى للتائب أن يتفقد ما
عليه من صلاة فائتة، أو بغير شرطها؟ مثل أن يكون صلاها فى ثوب نجس، أو
بنية غير صحيحة، لجهله بذلك، فيقضيها كلها.وكذلك إن كان عليه صوم، أو
زكاة، أو حج، أو غير ذلك من الموجبات، يقضيها كلها، ويفتش على ذلك
ويتداركه.وأما المعاصى، فينبغى أن يفتش من أول بلوغه عن معصية صدرت منه،
وينظر فيها، فما كان من ذلك فيما بينه وبين الله تعالى، فالتوبة منه الندم
والاستغفار.
ثم ينظر
إلى مقادير ذنوبه، فيطلب لكل معصية منه حسنة تناسبها، فيأتي من الحسنات
بمقدار تلك السيئات. قال الله تعالى :{إن الحسنات يذهبن السيئات}
[هود: 114] وقال النبى صلى الله عليه وآله وسلم :"أتبع السيئة
الحسنة تمحها".مثال ما ذكرنا: أن يكفر سماع الملاهي بسماع القرآن
ومجالس الذكر، ويكفر مسح المصحف بغير طهارة بإكرامه وكثرة القراءة فيه، وإن
أمكنه أن يكتب مصحفاً ويقفه فليفعل، ويكفِّر شرب الخمر بالتصدق بالشراب
الحلال. وعلى هذا فاسلك سبيل المضادة، فإن الأمراض إنما تعالج بضدها،
فهذا حكم ما بينه وبين الله تعالى.وأما مظالم العباد، ففيها أيضاً معصية
الله تعالى، لأنه نهى عن ظلم العباد، فالظالم لهم قد ارتكب نهيه تعالى،
فيتدارك ذلك بالندم والعزم على ترك مثل ذلك فى المستقبل، والإتيان بالحسنات
المضادة لتلك المظالم كما تقدم فى القسم الأول.فيقابل إيذاء الناس
بالإحسان إليهم، ويكفر غصب الأموال بالتصدق بماله الحلال، ويكفر تناول
أعراضهم بالثناء على أهل الدين، ويكفر قتل النفوس بالعتق.هذا فيما يتعلق
بحق الله تعالى، فإذا فعل ذلك، لم يكفه حتى يخرج من مظالم
العباد.ومظالمهم إما فى النفوس، أو الاموال، أو الأعراض، أو إيذاء
القلوب.
أما
الأول: فإنه إذا قتل خطأ أو أوصل الدية إلى مستحقيها، إما منه أو من
عاقلته، وإن قتل عمداً، وجب عليه القصاص بشروطه، فعليه أن يبذل نفسه لولى
الدم، إن شاء قتله، وإن شاء عفا عنه، ولا يجوز له إخفاء أمره، بخلاف ما لو
زنا، أو سرق، أو شرب الخمر، أو باشر ما يجب فيه حد لله تعالى، فإنه لا
يلزمه فى التوبة أن يفضح نفسه، بل عليه أن يستر نفسه، فإن رفع أمره إلى
الولي حتى أقام عليه الحد، وقد ذلك موقعه وكانت توبته صحيحة مقبولة عند
الله تعالى، بدليل قصة ماعز والغامدية.وكذلك حد القذف، لابد فيه من تحكيم
المستحق فيه.
الثاني: المظالم المتعلقة بالأموال، نحو الغضب، والخيانة، والتلبيس فى
المعاملات، فيجب عليه رد ذلك إلى أصحابه والخروج منه.وليكتب إلى أصحاب
المظالم، وليؤدِّ إليهم حقوقهم، ويستحلهم، فإن كثر ظلمه بحيث لا يقدر على
أدائه، فليفعل ما يقدر عليه من ذلك، ولم يبق له طريق إلا الاستكثار من
الحسنات، لتؤخذ منه في القصاص يوم القيامة فتوضع فى موازين أرباب المظالم،
فإنها إن تفي بذلك أخذ من سيئاتهم، فتوضع فوق سيئاته.هذا حكم المظالم
الثابتة فى الذمة والأموال الحاضرة، فإن كان عنده أموال من شئ من ذلك لم
يعرف مالكه ولا ورثته، تصدق به عنه، وإن اختلط الحلال بالحرام، عرف قدر
الحرام بالاجتهاد، وتصدق بمقداره.
الثالث: الجناية على الأعراض، وإيذاء القلوب، فعليه أن يطلب كل واحد
منهم، وليستحله، وليعرفه قدر الجناية، فإن الاستحلال المبهم لا يكفى، وربما
لو عرف ذلك لم تطب نفسه بالإحلال، إلا أن تكون تلك الجناية إذا ذكرت كثر
الأذى، كسبته إلى عيب من خفايا عيوبه، أو كزنى بجارته، فليجتهد فى اللطف به
والإحسان إليه، ثم ليستحله مبهماً، ولابد أن يبقى فى مثل ذلك مظلمة تجبر
بالحسنات يوم القيامة، وكذلك من مات من هؤلاء فإنه يفوت أمره، ولا يتدارك
إلا بكثير الحسنات، لتؤخذ منه عوضاً يوم القيامة، ولا خلاص إلا برجحان
الحسنات.
**[في
شروط التوبة]
ومن
شروط التوبة الصحيحة العزم على أن لا يعود فى المستقبل إلى تلك الذنوب، ولا
إلى أمثالها، ويعزم على ذلك عزماَ مؤكداً.مثال ذلك المريض الذي يعلم أن
الفاكهة تضر فى مرضه، فيعزم عزماً جزماً أن لا يتناول شيئاً من الفاكهة ما
دام فى مرضه ذلك، فإن هذا العزم يتأكد فى الحال وإن كان يتصور أن تغلبه
الشهوة فى ثاني الحال، ولكن لا يكون تائباً ما لم يتأكد عزمه فى الحال، ولا
يتصور أن يتم ذلك للتائب فى أول مرة إلا بالعزلة، والصمت وقلة الأكل
والنوم، وإحراز قوتٍ حلال، ويترك الشبهات والشهوات من المأكولات
والملبوسات.قال بعضهم: من صدق فى ترك الشهوة، وجاهد نفسه فيها سبع
مرات، لم يبتل بها، وقال : من تاب من ذنب واستقام سبع سنين، لم يعد إليه
أبداً.
*بيان
أقسام العباد فى دوام التوبة
الناس
فى التوبة أربع طبقات:
الطبقة
الأولى: تائب يستقيم على التوبة إلى آخر عمره، ويتدارك ما فرّط من أمره،
ولا يحدِّث نفسه بالعودة إلى ذنوبه، إلا الزلات التي لا ينفك عنها البشر فى
العادات، فهذه هي الاستقامة في التوبة، وصاحبها هو السابق بالخيرات.وتسمى
هذه التوبة: النصوح، وتسمى هذه النفس: المطمئنة، وهؤلاء يختلفون منهم
من سكنت شهوته تحت قهر المعرفة ففتر نزاعها، ومنهم من تنازعه نفسه وهو ملئ
بمجاهدتها.
الطبقة
الثانية: تائب قد سلك طريق الاستقامة فى أمهات الطاعات وكبائر الفواحش،
إلا أنه لا ينفك عن ذنوب تعتريه، لا عن عمد، ولكنه يبتلى بها فى مجارى
أحواله من غير أن يقدم عزماً على الإقدام عليها، وكلما أتى شيئاً منها لام
نفسه، وندم وعزم على الاحتراز من أسبابها، فهذه هي النفس اللوامة لأنها
تلوم صاحبها على ما يستهدف له من الأحوال الذميمة، فهذه رتبة عالية أيضاً،
وإن كانت نازلة عن الطبقة الأولى، وهى أغلب أحوال التائبين، لأن الشر معجون
بطينة الآدمى، فقلما ينفك عنه، وإنما غاية سعيه أن يغلب خيره شره، حتى يثقل
ميزانه، فترجح حسناته، فأما إن تخلو كفة السيئات، فبعيد.وهؤلاء لهم حسن
الوعد من الله سبحانه وتعالى، إذ قال :{الذين يجتنبون كبائر الإثم
والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة} [النجم: 32] والى هذه
الرتبة الإشارة بقوله صلى الله عليه وآله وسلم :" إن الله يحب المؤمن
المُفتّن التواب"
الطبقة
الثالثة: أن يتوب ويستمر على الاستقامة مدة، ثم تغلبه شهوته فى بعض
الذنوب، فيقدم عليها لعجزه عن قهر الشهوة، إلا أنه مع ذلك مواظب على
الطاعات، وترك جملة من الذنوب مع القدرة عليها والشهوة لها، وإنما قهرته
شهوة واحدة أو شهوتان، وهو يود لو أقدره الله على قمعها، وكفاه شرها، فإذا
انتهت ندم، لكنه يعد نفسه بالتوبة عن ذلك الذنب، فهذه هي النفس المسؤولة،
وصاحبها من الذين قال الله تعالى فيهم :{وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا
عملاً صالحاً وآخر سيئاً} فأمر هذا من حيث مواظبته على الطاعات وكراهيته
لما يتعاطاه مرجو لقوله تعالى :{عسى الله أن يتوب عليهم}
[التوبة: 103] وعاقبته خطرة من حيث تأخيره وتسويفه، فربما يختطف قبل
التوبة، فإن الأعمال بالخواتيم، فعلى هذا يكون الخوف من الخاتمة، وكل نفس
يمكن أن يتصل به الموت، فتكون الخاتمة، فليراقب الأنفاس، وليحذر وقوع
المحذور.
الطبقة
الرابعة: أن يتوب ويجرى مدة على الاستقامة، ثم يعود إلى الذنوب منهمكاً
من غير أن يحدث نفسه بالتوبة، ومن غير أن يتأسف على فعله، فهذا من المصرين،
وهذه النفس هي الأمارة بالسوء، ويخاف على هذا سوء الخاتمة.فإن مات هذا
على التوحيد، فإنه يرجى له الخلاص من النار، ولو بعد حين، ولا يستحيل أن
يشمله عموم العفو بسبب خفي لا يطلع عليه، إلا أن التعويل على هذا لا يصلح،
فإن من قال: إن الله تعالى كريم، وخزائنه واسعة، ومعصيتي لا تضره، ثم
تراه يركب البحار فى طلب الدينار، فلو قيل له: فإذا كان الحق كريماً
فاجلس فى بيتك لعله يرزقك، استجهل قائل هذا وقال: إنما الأرزاق بالكسب
فيقال له: هكذا النجاة بالتقوى.
|