|
كانت " الشورى " هي فلسفة نظام الحكم في
دولة الخلافة الراشدة, وهي فلسفة استقرت منذ عصر النبي, ودعا إليها القرآن
الكريم والسنة النبوية, كمبدأ عام ونهج كلي , ترك أمر التفصيل فيه والتحديد
له لاجتهاد الأمة وفق مصالحها المتجددة وحاجاتها المتطورة0
وليس لأحد أن يدعي أن " الشورى " كانت ابتكارا إسلاميا غير مسبوق, ففي تراث
الإنسانية القديم تجارب عديدة, ونظريات كثيرة طبقتها أو حاولت, ودعت أليها
وحبذتها00لكن يبقى أن "الشورى الإسلامية" كانت اختيارا عربياً إسلاميا,
انحازت به دولة الخلافة لأفضل ما عرفه التراث الإنساني في السياسة ونظم
الحكم, كما كانت تطويراً لهذا التراث انتقل به من ميدان الفكر السياسي
الإنساني إلى حيث صبغه بصبغة الدين, إذ غدت الشورى فلسفة السياسة المحققة
لإرادة الله, فضلاً عن تحقيقها لمصالح المسلمين00فهي وحدها إرادة الله في
السياسة, وما عداها من تفاصيل ونظم قد ترك لإرادة الناس, شريطة أن تحقق هذه
التفاصيل والنظم القدر الأكبر من إرادة المحكومين, أي القدر الأكبر من
الشورى0
ولقد عرض القرآن الكريم لمعنى الشورى في كثير من قصصه, محبذاً أسلوبها
ومزكياً نمط الحكم الملتزم بها00ثم عرض لها بلفظها الخاص في مواطن ثلاث:
أحدها خاص بالحياة الأسرية ومشكلاتها, فجعل " التشاور " وسيلة للفصل في هذه
المشكلات :( والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم
الرضاعة, وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف, لا تكلف نفس إلا وسعها ,
لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده, وعلى الوارث مثل ذلك, فإن أرادا
فصالاً عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما, وأن أردتم أن تسترضعوا
أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف, واتقوا الله واعلموا
أن الله بما تعملون بصير)00
أما الموطنان الآخران فقد عرض القرآن فيها للشورى بصدد الحديث عن السياسة
وشؤون الحكم وقضاياه , فطلب في أحدهما من الرسول (ص) أن يشاور المسلمين في
" الأمر " : (فبما رحمة من الله لنت لهم , ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا
من حولك, فاعف عنهم, واستغفر لهم, وشاورهم في الأمر, فإذا عزمت فتوكل على
الله, ان الله يحب المتوكلين)00
ومصطلح " الأمر " هنا في القران يعني أمور السياسة وشؤون الحكم ومشكلاته-
وكذلك حاله في الأدب السياسي لعصر الخلافة الراشدة- وذلك لعلاقته "
بالائتمار " و " الأمير "00و "الائتمار " يعني: التشاور00فالصلة وثيقة, بل
عضوية, بين السياسة والشورى00وعلى العكس من ذلك علاقة الشورى بأمور الدين ,
وخاصة أصوله, فهي منقطعة00فالدين وضع الهي, نقبله, ونتعبد بتكاليفه, مسلمين
الوجه لله00بينما السياسة أمور تأتمر وتتآمر معاً في قضاياها, ونختار لنا
فيها الأمير القائد, ونسلك سبيل الشورى في هذا الميدان0
ويؤكد هذا المعنى السياق الذي عرض فيه القرآن الكريم لمصطلح الشورى في
الموطن الثالث, ذلك أنه قد جعل منها إحدى الصفات التي تميز المؤمنين , فهو
يعدد صفات (الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون) فيقول: (والذين استجابوا لربهم,
وأقاموا الصلاة, وأمرهم شورى بينهم, ومما رزقناهم ينفقون) 00 ففي الجانب
الديني : استجابوا لله فآمنوا به, ثم أقاموا الصلاة تصديقاً ودلالة على هذا
الايمان00وفي أمورهم, أي سياستهم وشؤونهم الدنيوية: التزموا الشورى كفلسفة
وسلوك00وفي الأموال: سلكوا طريق الإنفاق, بعد أن اقتصروا في الكسب على(ما
رزقناهم), أي الكسب المشروع والحلال0
وعلى فلسفة الشورى أكدت, كذلك, السنة النبوية00فغير الأحاديث الكثيرة التي
تحبذها وتمتدحها - من مثل حديث :" والمستشير معان, والمستشار مؤتمن "- نجد
أن التراث السياسي لدولة الرسول, في المدينة, حافل بالنماذج التي تجسد
الشورى, كفلسفة في السياسة, فكل قراراته السياسية والحربية كانت خاضعة
للتشاور, وكثيراً ما عدل عن رأيه عندما كشفت المشاورة عن خطئه, وكثيراً ما
سأله صحابته عن رأيه أو موقفه :أوحي هو ؟ أم الرأي ؟00فإن قال لهم : انه
الرأي00قدمواما عندهم, وكانت الشورى سبيلاً لتعديل الرأي أو الموقف00كما
يبرز لنا في تراث هذه الفترة تلك التوجيهات التي قصد الرسول بها أن يعلم
صحابته السلوك الشورى في أدارة أمور الحرب والسياسة00فهو عندما يرسل أحد
الجيوش للقتال, يوصي الجند : ان القائد فلان, فإن أستشهد ففلان, فإن أستشهد
ففلان, فإن أستشهد فالجيش يختار قائده , وهو بذلك يضع الشورى , كفلسفة,
للحكم والقيادة, موضع التطبيق0
وإذا كان القرآن والسنة وتجربة الرسول السياسية قد زكت الشورى, فلسفة لنظام
الحكم, فإنها قد وقفت عند المبدأ والاجمال00كما أن الطابع البسيط لمجتمع
دولة الخلافة قد وقف بتطبيقات الشورى , شكلاً ونطاقاً, عند حدود تجاوزتها
بعد ذلك العصر احتياجات الحياة وضرورات الأمم والشعوب00وهذا الأمر لا يعيب
الشورى الإسلامية , بل على العكس يزيدها قيمة وخطراً00فهي تقرر المبدأ,
وتؤكد عليه, ثم تترك الحدود والنطاق والقوالب والأشكال لإبداع الحقل
الإنساني الذي يجتهد كي يلبي المصالح المرسلة والضرورات الطارئة ومستحدثات
الامور0
ولقد وقفت تجربة دولة الخلافة بالشورى, في البداية, عند النطاق الذي عرفته
تجارب " الدولة المدينية " في تراث الإنسانية السياسي القديم فالذين
تشاوروا لاختيار الخليفة كانوا هم وجوه سكان العاصمة من المهاجرين
والأنصار, ولم يدخل في الشورى من وراء حدود العاصمة من عرب الحواضر أو
أعراب البوادي00وأيضاً, ففي نطاق وجوه سكان العاصمة كانت هناك ميزة وامتياز
لتلك الهيئة الدستورية القيادية, التي لعلها أول هيئة , أو حكومة, في تراث
العرب المسلمين , وهي (هيئة المهاجرين الأولين)00فهي:
*قد تكونت من عشرة كانوا يمثلون أهم البطون في القرشيين الذين هاجروا من
مكة إلى يثرب00أبو بكر, وطلحة بن عبيد الله-(من تيم)-00وعمر بن الخطاب,
وسعيد بن زياد-(من عدي)-00وعبد الرحمن بن عوف, وسعد بن أبي وقاص-(من
زهرة)00وعلي بن أبي طالب-(من هاشم)-وعثمان بن عفان-(من أمية)-00والزبير بن
العوام-(من أسد)-00وأبو عبيدة بن الجراح-(من فهر)0
*وهؤلاء العشرة كانوا أسبق من أسلم من أشراف قريش00فلقد كانوا " أولين " في
الإسلام, و " مهاجرين " فيمن هاجر, ومن هنا جاءت تسميتهم وتسمية هيئتهم
ب(المهاجرين الأولين)0
* وهم كانوا أشبه بحكومة الدولة على عهد الرسول, فبيوتهم كانت تحيط
بالمسجد- وكان دار الحكومة ومقرها- ولبيوتهم هذه أبواب تفضي إلى المسجد,
دون غيرهم من المسلمين00كما كان مكانهم, في الصلاة: خلف الرسول, وفي الحرب:
أمامه0 فهيئة (المهاجرين الأولين) هذه احتكرت لنفسها حق الترشيح,من بين
أعضائها, لمنصب الخلافة, وحق البيعة الأولى التي تميز الخليفة وتقدمه إلى
الأنصار- (الوزراء00بمعنى المستشارين)- والى وجوه العاصمة وقادة الرأي فيها
كي يعقدوا البيعة العامة لمن اختارته وبايعت له هيئة (المهاجرين الأولين),
فكأنها كانت لجنة ترشيح, أو الهيئة التشريعية, أو التنظيم السياسي الذي
يختص بالمسعى إلى نصف الطريق المؤدي لتنصيب رأس الدولة في المجتمع00
ولقد كان هذا الحق لهذه الهيئة موضع جدل وموطن خلاف في سقيفة بني ساعدة يوم
وفاة الرسول, عليه الصلاة والسلام, ولكن أبا بكر قال للأنصار الذي يمارون
في امتياز (المهاجرين الأولين) هذا: " إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من
قريش :00وبعدها مارست (هيئة المهاجرين الأولين) سلطاتها الدستورية
هذه00فرشح اثنان منها-عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح -ثالثاً منها
أيضاً- أبو بكر- ثم بايعه أهل المدينة, من بعد, بيعة عامة00وعندما حضرت أبا
بكر المنية تشاور مع بقية هذه الهيئة , ثم عقدوا لعمر بالخلافة من بعد أبي
بكر, ولما توفي أبو بكر بايع سكان المدينة لعمر, تصديقاً على بيعة
(الهاجرين الأولين)00وقبل أن يسلم عمر روحه لبارئه جعل بقية هذه الهيئة
مجلس الشورى الذي يختار الخليفة من بعده, وأوصى بأن يتسع نطاق شورى الهيئة
وتشاورها - وكان قد بقي من أعضائها ستة - فاشترك عبد الله بن عمر في
عضويتها, له الرأي والمشورة دون إبرام القرار ودون حق الترشيح
للخلافة00وذهب عبد الرحمن بن عوف يشاور سكان المدينة فيمن يخلف عمر في منصب
الخلافة " فما ترك أحداً من المهاجرين والأنصار وغيرهم من ضعفاء الناس
ورعاعهم إلا سألهم واستشارهم, أما أهل الرأي فأتاهم مستشيراً, وتلقى غيرهم
سائلاً : من ترى الخليفة بعد عمر ؟00وأمضى أياماً ثلاثة يستعلم من الناس ما
عندهم " في أمر خلافة المسلمين00فلما اكتملت لهيئة (المهاجرين الأولين)
المشاورة, عقدت بالخلافة لعثمان بن عفان, وبايعته البيعة الأولى والخاصة ,
ثم دعت أهل العاصمة وبايعته البيعة الثانية والعامة0 وبعد الثورة على عثمان
, ومقتله, أراد الثوار عقد البيعة لعلي بن أبي طالب , فأنبأهم أن الترشيح
والبيعة الأولى إنما هي حق (المهاجرين الأولين) ولم يكن قد بقي منهم في
ميدان السياسة سوى طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام - فجاء الثوار يهما
, حيث عقدا البيعة لعلي, ثم بايعه الناس من بعدهم0 تلك هي الحدود التي
بلغتها تطبيقات الشورى , كفلسفة لنظام الحكم في دولة الخلافة00وهي حدود
حددتها طبيعة المجتمع والعصر, وان يكن المبدأ قد ظل قائماً, وظلت له
صلاحيات الامتداد إلى ما هو أبعد من هذه الحدود. |