موقع المحذور***غزوة بدر الكبرى***

مجمع البحوث

خدمات

منتديات المحذور

الصفحة الرئيسية

غزوة بدر الكبرى

مقدمـة:

ما كاد يستقر النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة حتى بدأت المعارك الحربية بينه وبين قريش ومن والاها من قبائل العرب، وقد اصطلح المؤرخون والمسلمون على أن يسموا كل معركة بين المسلمين والمشركين وحضرها النبي بنفسه «غزوة» وكل مناوشة حصلت بين الفريقين ولم يحضرها الرسول صلى الله عليه وسلم « سرية» وقد بلغ عدد غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم ستا وعشرين غزوة، وبلغ عدد سراياه ثمانيا وثلاثين سرية، و أشهر غزواته- صلى الله عليه وسلم - غزوة بدر الكبرى,وكانت في اليوم السابع عشر من رمضان للسنة الثانية من الهجرة، وسببها أن النبي صلى الله عليه وسلم ندب أصحابه للتعرض لقافلة قريش العائدة من الشام إلى مكة، ولم يكن يريد قتالا، ولكن القافلة التي كان يقودها أبوسفيان نجت بعد أن كان أرسل إلى قريش يستنفرها لحماية القافلة، فخرجت قريش في نحو من ألف مقاتل، منهم ستمائة دارع (لابس للدرع) ومائة فرس عليها مائة درع سوى دروع المشاة، وسبعمائة بعير، ومعهم القيان يضربن بالدفوف، ويغنين بهجاء المسلمين.

أما المسلمون فكانت عدتهم ثلاثمائة وثلاثة عشر أو أربعة عشر رجلا، وأكثرهم من الأنصار، وكان معهم سبعون جملا، وفرسان أو ثلاثة أفراس فحسب، وكان يتعاقب النفر اليسير على الجمل الواحد فترة بعد أخرى، وقبل أن يخوض المعركة، أراد أن يستشير أصحابه، وخاصة الأنصار، في خوض المعركة، فأشار عليهم المهاجرون بخوضها، وتكلموا خيرا، ثم علم الأنصار أنه يريدهم، فقال له سعد بن معاذ وهو سيد الأنصار جميعا: يا رسول الله قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك، فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، ما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا، وإنا لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله. وقال غيره مثل ذلك، فسر الرسول صلى الله عليه وسلم لذلك، وقال: سيروا على بركة الله، وأبشروا، فإن الله وعدني إحدى الطائفتين، إما العير، وإما النفير، ثم سار الرسول صلى الله عليه وسلم حتى وصل أدنى ماء من بدر فنزل به، فقال الحباب بن المنذر: يارسول الله! هذا منزل أنزلكه الله تعالى: لا تتقدمه ولا تتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم بل هو الرأي والحرب والمكيدة، فأشار عليه الحباب بن المنذر أن يسير إلى مكان آخر هو أصلح وأمكن للمسلمين من قطع ماء بدرعن المشركين، فنهض الرسول ص، فنهض الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى وصلوا إلى المكان الذي أشار به الحباب، فأقاموا فيه، ثم أشار سعد بن معاذ أن يبني للرسول صلى الله عليه وسلم عريشا وراء صفوف المسلمين، فإن أعزهم الله كان ما أحب، وإلا جلس على ركائبه ولحق بمن في المدينة، فقد تخلف عنا أقوام يا نبي الله ما نحن بأشد لك حبا منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حربا لما تخلفوا عنك، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر أن يبنى له العريش، ولما التقى الجمعان، أخذ الرسول يسوي صفوف المسلمين، ويحرضهم على القتال، ويرغبهم في الشهادة، وقال: « والذي نفسي بيده، لا يقاتلهم اليوم رجل، فيقتل صابرا محتسبا، مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة» ورجع إلى عريشه ومعه أبو بكر، ويحرسه سعد بن معاذ متوشحا بسيفه، وأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم في الدعاء، ومن دعائه: «اللهم أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن تهلك هذه العصابة (المؤمنون المحاربون) لا تعبد في الأرض» وأطال في سجوده حتى قال له أبو بكر: حسبك، فإن الله سينجز لك وعدك، ثم حمي القتال، وانتهت المعركة بانتصار المسلمين، وقد قتل من المشركين نحو من السبعين، فيهم أشركهم أبو جهل وبعض زعمائهم، وأسر منهم نحو السبعين، ثم أمر بدفن القتلى جميعا، وعاد إلى المدينة، ثم استشار أصحابه في أمر الأسرى، فأشار عليه عمر بقتلهم، وأشار عليه أبو بكر بفدائهم، فقبل الرسول صلى الله عليه وسلم مشورة     أبي بكر، وافتدى المشركون أسراهم بالمال.

وقد نزل في معركة بدر آيات من كتاب الله الكريم، قال الله تعالى في سورة آل عمران:  { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  ،  إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ  ،  بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ  ،  وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ  ،  لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ} [آل عمران: 123-127].

كما نزل العتاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم على قبوله فداء الأسرى، فقال الله تعالى: {  مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ  ،  لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ  ،  فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الأنفال: 67-68].

  # تفاصيل الغزوة:

 1)                           ندب المسلمين للعير وحذر أبي سفيان

لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان مقبلا من الشام ، ندب المسلمين إليهم وقال هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها . فانتدب الناس فخف بعضهم وثقل بعضهم وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حربا وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتحسس الأخبار ويسأل من لقي من الركبان تخوفا على أمر الناس . حتى أصاب خبرا من بعض الركبان أن محمدا قد استنفر أصحابه لك ولعيرك فحذر عند ذلك . فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري ، فبعثه إلى مكة ، وأمر أن يأتي قريشا فيستنفرهم إلى أموالهم ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها في أصحابه . فخرج ضمضم بن عمرو سريعا إلى مكة .

 2)   رؤيا عاتكة بنت عبد المطلب

وقد رأت عاتكة بنت عبد المطلب ، قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث ليال رؤيا أفزعتها . فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب فقالت له يا أخي ، والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتني ، وتخوفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة فاكتم عني ما أحدثك به فقال لها : وما رأيت ؟ قالت رأيت راكبا أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح ثم صرخ بأعلى صوته ألا انفروا يا لغدر لمصارعكم في ثلاث فأرى الناس اجتمعوا إليه ثم دخل المسجد والناس يتبعونه فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة ، ثم صرخ بمثلها : ألا انفروا يا لغدر لمصارعكم في ثلاث ثم مثل به بعيره على رأس أبي قبيس فصرخ بمثلها . ثم أخذ صخرة فأرسلها . فأقبلت تهوي ، حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار إلا دخلتها منها فلقة قال العباس والله إن هذه لرؤيا ، وأنت فاكتميها ، ولا تذكريها لأحد .

 ثم خرج العباس فلقي الوليد بن عتبة بن ربيعة ، وكان له صديقا ، فذكرها له واستكتمه إياها . فذكرها الوليد لأبيه عتبة ففشا الحديث بمكة حتى تحدثت به قريش في أنديتها .

قال العباس فغدوت لأطوف بالبيت وأبو جهل بن هشام في رهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة ، فلما رآني أبو جهل قال يا أبا الفضل إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا ، فلما فرغت أقبلت حتى جلست معهم فقال لي أبو جهل يا بني عبد المطلب ، متى حدثت فيكم هذه النبية ؟ قال قلت : وما ذاك ؟ قال تلك الرؤيا التي رأت عاتكة ; قال فقلت : وما رأت ؟ قال يا بني عبد المطلب ، أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال انفروا في ثلاث فسنتربص بكم هذه الثلاث فإن يك حقا ما تقول فسيكون وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شيء نكتب عليكم كتابا أنكم أكذب أهل بيت في العرب . قال العباس فوالله ما كان مني إليه كبير إلا أني جحدت ذلك وأنكرت أن تكون رأت شيئا . قال ثم تفرقنا .

 فلما أمسيت لم تبق امرأة من بني عبد المطلب إلا أتتني ، فقالت أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم ثم قد تناول النساء وأنت تسمع ثم لم يكن عندك غير لشيء مما سمعت ، قال قلت : قد والله فعلت ما كان مني إليه من كبير . وايم الله لأتعرضن له فإن عاد لأكفينكنه .

 

قال فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة ، وأنا حديد مغضب أرى أني قد فاتني منه أمر أحب أن أدركه منه . قال فدخلت المسجد فرأيته ، فوالله إني لأمشي نحوه أتعرضه ليعود لبعض ما قال فأقع به وكان رجلا خفيفا ، حديد الوجه حديد اللسان حديد النظر . قال إذ خرج نحو باب المسجد يشتد . قال فقلت في نفسي : ما له لعنه الله أكل هذا فرق مني أن أشاتمه قال وإذا هو قد سمع ما لم أسمع صوت ضمضم بن عمرو الغفاري ، وهو يصرخ ببطن الوادي واقفا على بعيره قد جدع بعيره وحول رحله وشق قميصه وهو يقول يا معشر قريش ، اللطيمة اللطيمة أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه لا أرى أن تدركوها ، الغوث الغوث . قال فشغلني عنه وشغله عني ما جاء من الأمر

 3)                           تجهز قريش للخروج

فتجهز الناس سراعا ، وقالوا : أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي كلا والله ليعلمن غير ذلك . فكانوا بين رجلين إما خارج وإما باعث مكانه رجلا . وأوعبت قريش ، فلم يتخلف من أشرافها أحد . إلا أن أبا لهب بن عبد المطلب تخلف وبعث مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة وكان قد لاط له بأربعة آلاف درهم كانت له عليه أفلس بها ، فاستأجره بها على أن يجزئ عنه بعثه فخرج عنه وتخلف أبو لهب .

 ولما فرغوا من جهازهم وأجمعوا المسير ذكروا ما كان بينهم وبين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة من الحرب فقالوا : إنا نخشى أن يأتونا من خلفنا وكانت الحرب التي كانت بين قريش وبين بني بكر - كما حدثني بعض بني عامر بن لؤي ، عن محمد بن سعيد بن المسيب - في ابن لحفص بن الأخيف أحد بني معيص بن عامر بن لؤي ، خرج يبتغي ضالة له بضجنان وهو غلام حدث في رأسه ذؤابة وعليه حلة له وكان غلاما وضيئا نظيفا ، فمر بعامر بن يزيد بن عامر بن الملوح أحد بني يعمر بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة وهو بضجنان وهو سيد بني بكر يومئذ فرآه فأعجبه فقال من أنت يا غلام ؟ قال أنا ابن لحفص ابن الأخيف القرشي . فلما ولى الغلام قال عامر بن زيد : يا بني بكر ما لكم في قريش من دم ؟ قالوا : بلى والله إن لنا فيهم لدماء قال ما كان رجل ليقتل هذا الغلام برجله إلا كان قد استوفى دمه . قال فتبعه رجل من بني بكر فقتله بدم كان له في قريش ، فتكلمت فيه قريش ، فقال عامر بن يزيد يا معشر قريش قد كانت لنا فيكم دماء فما شئتم . إن شئتم فأدوا علينا ما لنا قبلكم ونؤدي ما لكم قبلنا ، وإن شئتم فإنما هي الدماء رجل برجل فتجافوا عما لكم قبلنا ، ونتجافى عما لنا قبلكم فهان ذلك الغلام على هذا الحي من قريش ، وقالوا : صدق رجل برجل .

فلهوا عنه فلم يطلبوا به . قال فبينما أخوه مكرز بن حفص بن الأخيف يسير بمر الظهران ، إذ نظر إلى عامر بن يزيد بن عامر بن الملوح على جمل له فلما رآه أقبل إليه حتى أناخ به وعامر متوشح سيفه فعلاه مكرز بسيفه حتى قتله ثم خاض بطنه بسيفه ثم أتى به مكة ، فعلقه من الليل بأستار الكعبة . فلما أصبحت قريش رأوا سيف عامر بن يزيد بن عامر معلقا بأستار الكعبة ، فعرفوه فقالوا : إن هذا لسيف عامر بن يزيد عدا عليه مكرز بن حفص فقتله فكان ذلك من أمرهم . فبينما هم في ذلك من حربهم حجز الإسلام بين الناس فتشاغلوا به حتى أجمعت قريش المسير إلى بدر فذكروا الذي بينهم وبين بني بكر فخافوهم .

لما أجمعت قريش المسير ذكرت الذي كان بينها وبين بني بكر فكاد ذلك يثنيهم فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي ، وكان من أشراف بني كنانة فقال لهم أنا لكم جار من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه فخرجوا سراعا . 

4)                           خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم

خرج- صلى الله عليه وسلم- ( يوم الاثنين ) لثمان ليال خلون من شهر رمضان - واستعمل عمرو بن أم مكتوم - ويقال اسمه عبد الله بن أم مكتوم أخا بني عامر بن لؤي ، على الصلاة بالناس ثم رد أبا لبابة من الروحاء ، واستعمله على المدينة . ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار ,وكان أبيض . وكان أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم رايتان سوداوان إحداهما مع علي بن أبي طالب ، يقال لها : العقاب والأخرى مع بعض الأنصار .

وكانت إبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ سبعين بعيرا ، فاعتقبوها ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب ، ومرثد بن أبي مرثد الغنوي يعتقبون بعيرا ، وكان حمزة بن عبد المطلب ، وزيد بن حارثة ، وأبو كبشة ، وأنسة موليا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتقبون بعيرا ، وكان أبو بكر ، وعمر ، وعبد الرحمن بن عوف يعتقبون بعيرا . وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة أخا بني مازن بن النجار . وكانت راية الأنصار مع سعد بن معاذ ، فسلك طريقه من المدينة إلى مكة ، على نقب المدينة ، ثم على العقيق ، ثم على ذي الحليفة ثم على أولات الجيش. ثم مر على تربان ، ثم على ملل ، ثم غميس الحمام من مريين ، ثم على صخيرات اليمام ، ثم على السيالة ، ثم على فج الروحاء ، ثم على شنوكة ، وهي الطريق المعتدلة حتى إذا كان بعرق الظبية. ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم سجسج ، وهي بئر الروحاء ، ثم ارتحل منها ، حتى إذا كان بالمنصرف ترك طريق مكة بيسار وسلك ذات اليمين على النازية يريد بدرا ، فسلك في ناحية منها ، حتى جزع واديا ، يقال له رحقان ، بين النازية وبين مضيق الصفراء ، ( ثم على المضيق ) ، ثم انصب منه حتى إذا كان قريبا من الصفراء ، بعث بسبس بن الجهني حليف بني ساعدة وعدي بن أبي الزغباء الجهني حليف بني النجار إلى بدر يتحسسان له الأخبار عن أبي سفيان بن حرب وغيره . ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قدمها . فلما استقبل الصفراء ، وهي قرية بين جبلين سأل عن جبليهما ما اسماهما ؟ فقالوا : يقال لأحدهما ، هذا مسلح ، وللآخر هذا مخرئ ، وسأل عن أهلهما ، فقيل بنو النار وبنو حراق ، بطنان من بني غفار فكرههما رسول الله صلى الله عليه وسلم والمرور بينهما ، وتفاءل بأسمائهما وأسماء أهلهما . فتركهما رسول الله صلى الله عليه وسلم والصفراء بيسار وسلك ذات اليمين على واد يقال له ذفران ، فجزع فيه ثم نزل .

 وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم فاستشار الناس وأخبرهم عن قريش فقام أبو بكر الصديق ، فقال وأحسن . ثم قام عمر بن الخطاب ، فقال وأحسن ثم قام المقداد بن عمرو فقال يا رسول الله امض لما أراك الله فنحن معك ، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى : " اذهب أنت وربك فقاتلا ، إنا ههنا قاعدون " ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ، ودعا له به .

 5)   استيثاق الرسول صلى الله عليه وسلم من أمر الأنصار

 ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم    أشيروا علي أيها الناس وإنما يريد الأنصار ، وذلك أنهم عدد الناس وأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا : يا رسول الله إنا براء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا ، فإذا وصلت إلينا ، فأنت في ذمتنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا . فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوف ألا تكون الأنصار ترى عليها نصره إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم . فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له سعد بن معاذ : والله لكأنك تريدنا يا رسول الله ؟ قال أجل قال فقد آمنا بك وصدقناك ، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق ، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا ، على السمع والطاعة فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك ، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ، ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا ، إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء . لعل الله يريك منا ما تقر به عينك ، فسر بنا على بركة الله . فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد ونشطه ذلك . ثم قال سيروا وأبشروا ، فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم

6)   تعرف أخبار قريش

ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذفران ، فسلك على ثنايا . يقال لها الأصافر ، ثم انحط منها إلى بلد يقال له الدبة وترك الحنان بيمين وهو كثيب عظيم كالجبل العظيم ثم نزل قريبا من بدر فركب هو ورجل من أصحابه و قيل أن الرجل هو أبو بكر الصديق, وقف على شيخ من العرب ، فسأله عن قريش ، وعن محمد وأصحابه وما بلغه عنهم فقال الشيخ لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أخبرتنا أخبرناك

قال أذاك بذاك ؟ قال نعم قال الشيخ فإنه بلغني أن محمدا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا ، فإن كان صدق الذي أخبرني ، فهم اليوم بمكان كذا وكذا ، للمكان الذي به رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغني أن قريشا خرجوا يوم كذا وكذا ، فإن كان الذي أخبرني صدقني فهم اليوم بمكان كذا وكذا للمكان الذي فيه قريش . فلما فرغ من خبره قال ممن أنتما ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن من ماء ثم انصرف عنه

ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه فلما أمسى بعث علي بن أبي طالب ، والزبير بن العوام ، وسعد بن أبي وقاص ، في نفر من أصحابه إلى ماء بدر يلتمسون الخبر له عليه - كما حدثني يزيد بن رومان ، عن عروة بن الزبير - فأصابوا راوية لقريش فيها أسلم ، غلام بني الحجاج وعريض أبو يسار ، غلام بني العاص بن سعيد فأتوا بهما فسألوهما ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي ، فقالا : نحن سقاة قريش ، بعثونا نسقيهم من الماء . فكره القوم خبرهما ، ورجوا أن يكونا لأبي سفيان فضربوهما . فلما أذلقوهما قالا : نحن لأبي سفيان فتركوهما . وركع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد سجدتيه ثم سلم وقال: إذا صدقاكم ضربتموهما ، وإذا كذباكم تركتموهما ، صدقا ، والله إنهما لقريش أخبراني عن قريش ؟ قالا : هم والله وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى , فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: كم القوم ؟ قالا : كثير قال ما عدتهم ؟ قالا : لا ندري ; قال كم ينحرون كل يوم ؟ قالا : يوما تسعا ، ويوما عشرا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم القوم فيما بين التسع مئة والألف . ثم قال لهما : فمن فيهم من أشراف قريش ؟ قالا : عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو البختري بن هشام وحكيم بن حزام ، ونوفل بن خويلد ، والحارث بن عامر بن نوفل ، وطعيمة بن عدي بن نوفل والنضر بن الحارث وزمعة بن الأسود ، وأبو جهل بن هشام وأمية بن خلف ، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج ، وسهيل بن عمرو ، وعمرو بن عبد ود . فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس فقال هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها.

7)   بسبس وعدي يتجسسان الأخبار

وكان بسبس بن عمرو ، وعدي بن أبي الزغباء قد مضيا حتى نزلا بدرا ، فأناخا إلى تل قريب من الماء ثم أخذا شنا لهما يستقيان فيه ومجدي بن عمرو الجهني على الماء . فسمع عدي وبسبس جاريتين من جواري الحاضر وهما يتلازمان على الماء والملزومة تقول لصاحبتها : إنما تأتي العير غدا أو بعد غد ، فأعمل لهم ثم أقضيك الذي لك . قال مجدي : صدقت ثم خلص بينهما . وسمع ذلك عدي وبسبس فجلسا على بعيريهما ، ثم انطلقا حتى أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه بما سمعا .

 8)   حذر أبي سفيان وهربه بالعير

وأقبل أبو سفيان بن حرب حتى تقدم العير حذرا ، حتى ورد الماء فقال لمجدي بن عمرو : هل أحسست أحدا ، فقال ما رأيت أحدا أنكره إلا أني قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل ثم استقيا في شن لهما ، ثم انطلقا . فأتى أبو سفيان مناخهما ، فأخذ من أبعار بعيريهما ، ففته فإذا فيه النوى ; فقال هذه والله علائف يثرب . فرجع إلى أصحابه سريعا ، فضرب وجه عيره عن الطريق فساحل بها ، وترك بدرا بيسار وانطلق حتى أسرع . ولما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عيره أرسل إلى قريش : إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم فقد نجاها الله فارجعوا ، فقال أبو جهل بن هشام والله لا نرجع حتى نرد بدرا - وكان بدر موسما من مواسم العرب ، يجتمع لهم به سوق كل عام - فنقيم عليه ثلاثا ، فننحر الجزر ونطعم الطعام ونسقي الخمر وتعزف علينا القيان وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا ، فلا يزالون يهابوننا أبدا بعدها ، فامضوا .

 9)   نزول قريش بالعدوة والمسلمين ببدر

ومضت قريش حتى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادي ، خلف العقنقل وبطن الوادي ، وهو يليل، بين بدر وبين العقنقل ، الكثيب الذي خلفه قريش ، والقلب ببدر في العدوة الدنيا من بطن يليل إلى المدينة . وبعث الله السماء وكان الودي دهسا ، فأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه منها ما لبد لهم الأرض ولم يمنعهم عن السير وأصاب قريشا منها ما لم يقدروا على أن يرتحلوا معه . فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يبادرهم إلى السماء حتى إذا جاء أدنى ماء من بدر نزل به .

و قد قال الحباب بن المنذر بن الجموح:" يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة" ؟ قال:" بل هو الرأي والحرب والمكيدة" ؟ فقال:" يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم ، فننزله ثم نغور ما وراءه من القلب ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون". فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" لقد أشرت بالرأي" . فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس فسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه ثم أمر بالقلب فغورت وبنى حوضا على القليب الذي نزل عليه فملئ ماء ثم قذفوا فيه الآنية.

10)                     ارتحال قريش

وقد ارتحلت قريش حين أصبحت فأقبلت فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم تصوب من العقنقل - وهو الكثيب الذي جاءوا منه إلى الوادي - قال اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها ، تحادك وتكذب رسولك ، اللهم فنصرك الذي وعدتني ، اللهم أحنهم الغداة .

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - ( وقد ) رأى عتبة بن ربيعة في القوم على جمل له أحمر - إن يكن في أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر إن يطيعوه يرشدوا وقد كان خفاف بن أيماء بن رحضة الغفاري ، بعث إلى قريش ، حين مروا به ابنا له بجزائره أهداها لهم وقال إن أحببتم أن نمدكم بسلاح ورجال فعلنا . قال فأرسلوا إليه مع ابنه أن وصلتك رحم قد قضيت الذي عليك ، فلعمري لئن كنا إنما نقاتل الناس فما بنا من ضعف عنهم ولئن كنا إنما نقاتل الله كما يزعم محمد فما لأحد بالله من طاقة .

فلما نزل الناس أقبل نفر من قريش حتى وردوا حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم حكيم بن حزام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوهم . فما شرب منه رجل يومئذ إلا قتل إلا ما كان من حكيم بن حزام ، فإنه لم يقتل ثم أسلم بعد ذلك فحسن إسلامه . فكان إذا اجتهد في يمينه قال لا والذي نجاني من يوم بدر .

 11)                      تشاور قريش في الرجوع عن القتال

لما اطمأن القوم بعثوا عمير بن وهب الجمحي فقالوا : احزروا لنا أصحاب محمد ، قال فاستجال بفرسه حول العسكر ثم رجع إليهم فقال ثلاث مئة رجل يزيدون قليلا أو ينقصون ولكن أمهلوني حتى أنظر أللقوم كمين أو مدد ؟ قال فضرب في الوادي حتى أبعد فلم ير شيئا ، فرجع إليهم فقال ما وجدت شيئا ، ولكني قد رأيت يا معشر قريش ، البلايا تحمل المنايا ، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع قوم ليس معهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلا منكم فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك ؟ فروا رأيكم . فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في الناس فأتى عتبة بن ربيعة ، فقال يا أبا الوليد إنك كبير قريش وسيدها ، والمطاع فيها ، هل لك إلى أن لا تزال تذكر فيها بخير إلى آخر الدهر ؟ قال وما ذاك يا حكيم ؟ قال ترجع بالناس وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمي ، قال قد فعلت أنت علي بذلك إنما هو حليفي ، فعلي عقله وما أصيب من ماله فأت ابن الحنظلية- أم أبي جهل - .

 12)                      المناوشات

خرج الأسود بن عبد الأسد المخزومي ، وكان رجلا شرسا سيئ الخلق فقال أعاهد الله لأشربن من حوضهم أو لأهدمنه أو لأموتن دونه فلما خرج خرج إليه حمزة بن عبد المطلب ، فلما التقيا ضربه حمزة فأطن قدمه بنصف ساقه وهو دون الحوض فوقع على ظهره تشخب رجله دما نحو أصحابه ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه يريد ( زعم ) - أن يبر يمينه وأتبعه حمزة فضربه حتى قتله في الحوض . ثم خرج بعد عتبة بن ربيعة ، بين أخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة ، حتى إذا فصل من الصف دعا إلى المبارزة فخرج إليه فتية من الأنصار ثلاثة وهم عوف ومعوذ ابنا الحارث - وأمهما عفراء - ورجل آخر يقال هو عبد الله بن رواحة ، فقالوا : من أنتم ؟ فقالوا : رهط من الأنصار ، قالوا : أكفاء كرام إنما نريد قومنا. ثم نادى مناديهم يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قم يا عبيدة بن الحارث ، وقم يا حمزة وقم يا علي ، فلما قاموا ودنوا منهم قالوا : من أنتم ؟ قال عبيدة عبيدة وقال حمزة حمزة وقال علي : علي ، قالوا : نعم أكفاء كرام . فبارز عبيدة وكان أسن القوم عتبة ( بن ) ربيعة ، وبارز حمزة شيبة بن ربيعة ، وبارز علي الوليد بن عتبة . فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله وأما علي فلم يمهل الوليد أن قتله واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين كلاهما أثبت صاحبه وكر حمزة وعلي بأسيافهما على عتبة فذففا عليه واحتملا صاحبهما فحازاه إلى أصحابه .

13)                      التقاء الفريقين

تزاحف الناس ودنا بعضهم من بعض وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن لا يحملوا حتى يأمرهم وقال: إن اكتنفكم القوم فانضحوهم عنكم بالنبلز ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش معه أبو بكر الصديق. فكانت وقعة بدر يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من شهر رمضان.

و يقال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عدل صفوف أصحابه يوم بدر ، وفي يده قدح يعدل به القوم فمر بسواد بن غزية حليف بني عدي بن النجار فطعن في بطنه بالقدح وقال استو يا سواد فقال يا رسول الله أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل قال فأقدني . فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه وقال استقد قال فاعتنقه فقبل بطنه فقال ما حملك على هذا يا سواد ؟ قال يا رسول الله حضر ما ترى ، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك . فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير وقاله له. ثم عدل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفوف ورجع إلى العريش فدخله ومعه فيه أبو بكر الصديق ، ليس معه فيه غيره ورسول الله صلى الله عليه وسلم يناشد ربه ما وعده من النصر ويقول فيما يقول اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد وأبو بكر يقول يا نبي الله بعض مناشدتك ربك ، فإن الله منجز لك ما وعدك . وقد خفق رسول الله صلى الله عليه وسلم خفقة وهو في العريش ثم انتبه فقال أبشر يا أبا بكر أتاك نصر الله . هذا جبريل آخذ بعنان فرس يقوده على ثناياه النقع.

 وقد رُمي مهجع مولى عمر بن الخطاب بسهم فقتل فكان أول قتيل من المسلمين ثم رمي حارثة بن سراقة أحد بني عدي بن النجار وهو يشرب من الحوض بسهم فأصاب نحره فقُتل.

خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس فحرضهم وقال والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا ، مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة . فقال عمير بن الحمام ، أخو بني سلمة وفي يده تمرات يأكلهن بخ بخ أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء ثم قذف التمرات من يده وأخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل.

و قد أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حفنة من الحصباء فاستقبل قريشا بها ، ثم قال شاهت الوجوه ، ثم نفحهم بها ، وأمر أصحابه فقال شدوا ، فكانت الهزيمة فقتل الله تعالى من قتل من صناديد قريش ، وأسر من أسر من أشرافهم . فلما وضع القوم أيديهم يأسرون ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش وسعد بن معاذ قائم على باب العريش الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم متوشح السيف في نفر من الأنصار يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم يخافون عليه كرة العدو ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلمفي وجه سعد بن معاذ الكراهية لما يصنع الناس فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم والله لكأنك يا سعد تكره ما يصنع القوم قال أجل والله يا رسول الله كانت أول وقعة أوقعها ( الله ) بأهل الشرك . فكان الإثخان في القتل بأهل الشرك أحب إلي من استبقاء الرجال

 14)                      نهي النبي أصحابه عن قتل ناس من المشركين

قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه يومئذ إني قد عرفت أن رجالا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها ، لا حاجة لهم بقتالنا ، فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم فلا يقتله ومن لقي أبا البختري بن هشام بن الحارث ابن أسد فلا يقتله ومن لقي العباس بن عبد المطلب ، عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يقتله فإنه إنما أخرج مستكرها.

قال فقال أبو حذيفة أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخوتنا وعشيرتنا ونترك العباس والله لئن لقيته لألحمنه السيف ويقال لألجمنه ( السيف ) - قال فبلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لعمر بن الخطاب يا أبا حفص - قال عمر والله إنه لأول يوم كناني فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي حفص - أيضرب وجه عم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف ؟ فقال عمر يا رسول الله دعني فلأضرب عنقه بالسيف فوالله لقد نافق . فكان أبو حذيفة يقول ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ ولا أزال منها خائفا ، إلا أن تكفرها عني الشهادة . فقتل يوم اليمامة شهيدا .

وإنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل أبي البختري لأنه كان أكف القوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة وكان لا يؤذيه ولا يبلغه عنه شيء يكرهه وكان ممن قام في نقض الصحيفة التي كتبت قريش على بني هاشم وبني المطلب . فلقيه المجذر بن ذياد البلوي ، حليف الأنصار ، ثم من بني سالم بن عوف فقال المجذر لأبي البختري إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهانا عن قتلك - ومع أبي البختري زميل له قد خرج معه من مكة ، وهو جنادة بن مليحة بنت زهير بن الحارث بن أسد ، وجنادة رجل من بني ليث . واسم أبي البختري العاص - قال وزميلي ؟ فقال له المجذر لا والله ما نحن بتاركي زميلك ، ما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بك وحدك ، فقال لا والله إذن لأموتن أنا وهو جميعا ، لا تتحدث عني نساء مكة أني تركت زميلي حرصا على الحياة . فقال أبو البختري حين نازله المجذر وأبى إلا القتال يرتجز

لن يسلم ابن حرة زميله

 

حتى يموت أو يرى سبيله

فاقتتلا ، فقتله المجذر بن ذياد . وقال المجذر بن ذياد في قتله أبا البختري

إما جهلت أو نسيت نسبي

 

فأثبت النسبة أني من بلي

الطاعنين برماح اليزني

 

والضاربين الكبش حتى ينحني

بشر بيتم من أبوه البختري

 

أو بشرن بمثلها مني بني

أنا الذي يقال أصلي من بلي

 

أطعن بالصعدة حتى تنثني

وأعبط القرن بعضب مشرفي

 

أرزم للموت كإرزام المري

فلا ترى مجذرا يفري فري

 

15)شهود الملائكة وقعة بدر

قال رجل من بني غفار ، قال أقبلت أنا وابن عم لي حتى أصعدنا في جبل يشرف بنا على بدر ونحن مشركان ننتظر الوقعة على من تكون الدبرة فننتهب مع من ينتهب . قال فبينا نحن في الجبل إذ دنت منا سحابة فسمعنا فيها حمحمة الخيل فسمعت قائلا يقول أقدم حيزوم فأما ابن عمي فانكشف قناع قلبه فمات مكانه وأما أنا فكدت أهلك ثم تماسكت .

قال أبو داود المازني وكان شهد بدرا ، قال إني لأتبع رجلا من المشركين يوم بدر لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي ، فعرفت أنه قد قتله غيري

كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيضا قد أرسلوها على ظهورهم ويوم حنين عمائم حمراز

و قال علي بن أبي طالب العمائم تيجان العرب ، وكانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيضا قد أرخوها على ظهورهم إلا جبريل فإنه كانت عليه عمامة صفراء

و هكذا انتصر المسلمون وغنموا بدرا واسروا من أسروا من قريش.

 

16)                      أسرى بدر

ولما حبس الأسرى ببدر - استعمل عليهم شقران وكان المسلمون قد اقترعوا عليهم - طمعوا في الحيا فقالوا : لو بعثنا إلى أبي بكر فإنه أوصل قريش لأرحامنا ، ولا نعلم أحدا آثر عند محمد منه فبعثوا إلى أبي بكر فأتاهم فقالوا : يا أبا بكر ، إن فينا الآباء والأبناء والإخوان والعمومة وبني العم وأبعدنا قريب . كلم صاحبك فليمن علينا أن يفادنا .
فقال نعم إن شاء الله لا آلوكم خيرا ثم انصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . قالوا : وابعثوا إلى عمر بن الخطاب فإنه من قد علمتم فلا نأمن أن يفسد عليكم لعله يكف عنكم . فأرسلوا إليه فجاءهم فقالوا له مثل ما قالوا لأبي بكر ، فقال لن آلوكم شرا ثم انصرف إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوجد أبا بكر والناس حوله وأبو بكر يلينه ويفثؤه ويقول يا رسول الله بأبي أنت وأمي قومك فيهم الآباء والأبناء والعمومة والإخوان وبنو العم وأبعدهم منك قريب فامنن عليهم من الله عليك ، أو فادهم يستنقذهم الله بك من النار فتأخذ منهم ما أخذت قوة للمسلمين فلعل الله يقبل بقلوبهم إليك ثم قام فتنحى ناحية وسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبه .

ثم جاء عمر فجلس مجلس أبي بكر ، فقال يا رسول الله هم أعداء الله كذبوك وقاتلوك وأخرجوك اضرب رقابهم هم رءوس الكفر وأئمة الضلالة يوطئ الله عز وجل بهم الإسلام ويذل بهم أهل الشرك فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبه وعاد أبو بكر إلى مقعده الأول فقال يا رسول الله بأبي أنت وأمي قومك فيهم الآباء والأبناء والعمومة والإخوان وبنو العم وأبعدهم منك قريب فامنن عليهم أو فادهم هم عترتك وقومك ، لا تكن أول من يستأصلهم يهديهم الله خير من أن تهلكهم . فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرد عليه شيئا .

وتنحى ناحية فقام عمر فجلس مجلسه . فقال يا رسول الله ما تنتظر بهم ؟اضرب أعناقهم يوطئ الله بهم الإسلام ويذل أهل الشرك هم أعداء الله كذبوك وقاتلوك وأخرجوك يا رسول الله اشف صدور المؤمنين لو قدروا على مثل هذا منا ما أقالوناها أبدا فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبه فقام ناحية فجلس وعاد أبو بكر فكلمه مثل كلامه الذي كلمه به فلم يجبه فتنحى ناحية ثم قام عمر فكلمه كلامه فلم يجبه .

ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل قبته فمكث فيها ساعة ثم خرج والناس يخوضون في شأنهم يقول بعضهم القول ما قال أبو بكر وآخرون يقولون القول ما قال عمر فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما تقولون في صاحبيكم هذين ؟ دعوهما فإن لهما مثلا ; مثل أبي بكر كمثل ميكائيل ينزل برضاء الله وعفوه عن عباده ومثله في الأنبياء كمثل إبراهيم كان ألين على قومه من العسل أوقد له قومه النار وطرحوه فيها ، فما زاد على أن قال أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون
وقال فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ومثله مثل عيسى إذ يقول
إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم

 

# أهم المعاني المستفادة من غزوة بدر الكبرى

 

1)                        الأمة التي تجهل ماضيها لا تعرف مستقبلها

لا توجد أمة في التاريخ مهما بلغت من العزّ والقوة تمتلك رصيداً تاريخياً كالذي تملكه الأمة الإسلامية، فإن المتتبع للتاريخ الإسلامي يجده حافلاً بالعزّة والرفعة.

إن الأمة التي تجهل ماضيها لا تعرف طريق مستقبلها، ولكي تكون أحداث العزّ والفخار التي تمتلئ بها صفحات النصر عبر التاريخ الإسلامي نبراساً يدفعنا إلى إعادة أمجاد أولئك الذين بنوا بجهدهم ودمائهم صرح الإسلام العظيم، يسرنا أن نعرض لغزوة بدر الكبرى التي أسماها المولى عز وجل يوم الفرقان، قال تعالى: (إن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ ومَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الفُرْقَانِ يَوْمَ التَقَى الجَمْعَانِ واللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

2)                        فرقان بين عهدين

لقد كانت غزوة بدر التي ابتدأت وانتهت بتدبير الله وتوجيهه ومدده فرقاناً بين الحق والباطل إجمالاً، وفرقانًا بمعنى أدق وأشمل وأوسع وأعمق كثيرًا، كانت فرقاناً بين عهدين في تاريخ الدعوة الإسلامية، عهد الصبر والتجمع والانتظار، وعهد القوة والحركة والمبادأة والاندفاع.

هذه الغزوة التي وقعت في السابع عشر من رمضان للعام الثاني من الهجرة كان عدد المسلمين فيها ثلاثمائة وأربعة عشر رجلاً، وعدد المشركين ما بين التسعمائة والألف.

3)                        ذكرى النصر وآلام الواقع

تأتي مناسبة هذه الغزوة في وقت الذلة والمهانة، والاستكبار الصهيوني والعالمي على النيل من قضايانا وكرامتنا، والتآمر على أبناء الشعوب الإسلامية.

تجيء هذه المناسبة المباركة وأولى القبلتين وثالث الحرمين مسرى الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم يرزح تحت نير الاحتلال البغيض، ويحال بين المسلمين والصلاة فيه في هذا الشهر العظيم المبارك.

تأتي هذه الغزوة في ظل احتلال بغيض للعراق المسلم وتقتيل وترويع وتشريد للآمنين من أبناء شعب العراق المسلم.

تأتي ذكرى هذه الغزوة الفاصلة في وسط هذا الظلام الدامس، لتكون شعاع نور وأمل لهذه الأمة رغم ضعفها واستكانتها. قال تعالى: (ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأَنتُمْ أَذِلَّةٌ).

فوعد الله نافذ لأوليائه المتقين: (إنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ويَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ).

4)                        "ليحق الحق ويبطل الباطل"

إن الدافع الأصيل لخروج المسلمين لم يكن القتال، وإنما كان الدافع قصد الاستيلاء على عير قريش القادمة من الشام تحت إشراف أبي سفيان، غير أن الله تبارك وتعالى أراد لعباده غنيمة أكبر، ونصرًا أعظم، وعملاً أشرف، وأكثر انسجامًا مع الغاية التي ينبغي أن يرنو المسلم في حياته كلها، فأبعد عنهم العير التي كانوا يطلبونها وأبدلهم نفيرًا لم يكونوا يتوقعونه. إن هذه التربية الإلهية لنفوس المسلمين لتتجلى بأبرز صورها في قوله تعالى: (وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ ويُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ ويَقْطَعَ دَابِرَ الكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ البَاطِلَ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ).

5)                           "وأمرهم شورى بينهم"

استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بعد نجاة قافلة أبي سفيان، وعلمه بعزم المشركين على القدوم إلى مياه بدر ليقيموا ثلاثة أيّام، لينحروا الجزور ويطعموا الطعام، وتغني عليهم القيان، حتى يهابهم العرب، ويتحدثوا عن جمعهم هذا.

استشارهم في أمر المضي لهذه المعركة، فأبدى المهاجرون على لسان كل من أبي بكر وعمر والمقداد الاستعداد الكامل للمضي في هذه المعركة، وقال المقداد بن عمرو لسان حال المهاجرين: "يا رسول الله امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون، والذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه".

وقال سعد بن معاذ لسان حال الأنصار: "قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنّا لصُبر في الحرب صُدق في اللقاء، ولعل الله يريك منّا ما تقرّ به عينك فسر بنا على بركة الله".

وفي ذلك بيان لأهمية الشورى، والسماع للرأي الآخر، والاستفادة من ذلك في تقويم مسيرة العمل، فقد كان صلى الله عليه وسلم يستشير أصحابه في كل ما لا نص فيه.

ولذلك أجمع المسلمون على أن الشورى أساس تشريعي دائم لا يجوز إهماله، ما لم يثبت نص من كتاب أو سنة.

6)                           إخلاص وتفان في نصرة الحق

وفي الاستعداد الفائق من المهاجرين والأنصار للمضي في هذه المعركة، دلالة واضحة على إخلاص النية لله تعالى، والحب الشديد لرسول الله صلى الله عليه وسلم والتفاني في الجهاد في سبيل الله. لذلك لمّا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرًا محتسبًا مقبلاً غير مدبر إلا أدخله الله الجنة)؛ أخرج عمير بن الحمام تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال: "لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل".

7)                           ضراعة تجلب النصر

ثالثاً: توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله بالدعاء مساء ليلة المعركة، وهو يقول: (اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحآدّك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني، اللهم أحنهم الغداة…) وظل يناشد الله متضرعاً وخاشعًا وهو يبسط كفيه إلى السماء حتى أشفق عليه أبو بكر رضي الله عنه، فالتزمه من ورائه وقال له: يا رسول الله أبشر فوالدي نفسي بيده لينجزن الله لك ما وعدك، وأقبل المسلمون أيضًا يستنصرون الله ويستغيثونه، ويخلصون له في الضراعة.

فكان المدد الرباني بالملائكة، وكانت الاستجابة بتحقيق النصر، فقتل سبعون من المشركين وأسر سبعون، وما ذلك إلا بفضل إخلاصهم وشدة استغاثتهم وتضرعهم إلى الله، ولتحقيق مبدأ العبودية لله الذي هو الثمن الحقيقي للنصر.

قال تعالى: "إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) ومَا جَعَلَهُ اللَّهُ إلا بُشْرَى ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ومَا النَّصْرُ إلا مِنْ عِندِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10) إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ ويُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ ويُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ ولِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ ويُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ (11) إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلَى المَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ واضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ".

فكان التأييد بالملائكة معجزة من أعظم معجزات التأييد والنصر للمسلمين الصادقين، فمتى أخلص المسلمون في جهادهم، وحققوا معنى العبودية، استحقوا النصر والتمكين، "ولن تجد لسنة الله تبديلا".

وفي تقييد الله الملائكة بعدد معين، حتى يبطل شبه المبطلين والزاعمين بالدعم المعنوي والروحي في معركة بدر، هروباً من التسليم بمعجزة إنزال الملائكة.

8)                           "قل الأنفال لله والرسول"

لقد عالجت الحكمة الإلهية تجربة رؤية الغنائم والأموال -مع الحاجة والفقر- بوسائل تربوية دقيقة، تجلى أثر هذه التجربة في مشهدين على أعقاب هذه الغزوة.

المشهد الأول: حينما انهزم المشركون وتركوا أموالهم كاد المسلمون يختلفون فيما بينهم بشأنها فنزل قول الله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وأَطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (1) إنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذَا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وإذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إيمَانًا وعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ).

فصرفهم عن المطالبة بالموضوع كله، فإن الأنفال ليست لأحد منهم، بل هي لله ورسوله، أما هم فعليهم إصلاح هذا الشقاق الذي وقع بينهم وطاعة الله في أوامره، واجتناب نواهيه، فلما التزم المسلمون بهذا نزلت بعد ذلك آيات توضح كيفية تقسيم الغنائم فكان التدرج في علاج هذه المشكلة بوسيلة تربوية ناجحة.

المشهد الثاني: عندما سكنت نفوس أصحاب رسول الله للفدية مقابل الأسرى عندما استشارهم، نزل قول الله تعالى: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ).

وروى مسلم عن عمر بن الخطاب أنه قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد أن قضى بافتداء الأسرى فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدان يبكيان، فقلت يا رسول الله: أخبرني من أي شىء تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبكي للذي عرض على أصحابك من أخذهم الفداء. لقد عرض علىّ عذابهم  أدنى من هذه الشجرة (شجرة قريبة من النبي صلى الله عليه وسلم).

فالحكمة الإلهية لم تُرد للمسلمين أن يجعلوا من النظرة إلى المال ميزانًا للحكم في القضايا الكبرى التي قامت على أساس النظرة الدينية وحدها مهما كانت الأحوال والظروف.

 

 # المراجع:

السيرة النبوية لابن هشام

المغازي لأبو عبد الله بن عمر الواقدي

السيرة النبوية دروس وعبر لمصطفى السباعي

في ظلال غزوة بدر لـ د. إسماعيل سعيد رضوان

 

 

Nutri System Coupon

الحقوق غير محفوظة بشرط ذكر المصدر