فلسفة الأدوار في مدرسة الافكار

النسخة الكاملة من كتاب " فلسفة الأدوار في مدرسة الأفكار " لجهاز أنسام الصباح للتربية الفنية

 

بطـــاقة تقنيـــة

العنــوان :

فلسفة الأدوار في مدرسة الأفكار.

سلســلة :

عقول و أفكار.

إنتــاج :

جهاز أنسام الصباح للتربية الفنية.

تاريــخ :

جويلية 2006.

مراجعة و تدقيق :

جهاز نبض الضوء للخدمات الإنشادية.

هـذا الكتـاب :

كثرت المفاهيم و الآراء التي تتحدث عن مدرسة الأفكار، في هذا الكتاب يقدم جهاز أنسام الصباح رؤية شاملة لكل ما يميٌز هذه المدرسة الحديثة، تبيانا لمنهج الأدوار و توضيحا لنظرية الأجهزة الإنشادية، أفكار متوغلة في الأعماق الفلسفية للإنشـــاد كفنٌ قائم بذاته، بعيدا عن ضبابيـة الــــرؤى و التصورات....

 


الفهرس :

  التمهيد

  المطلب الأول : تحليل شامل لمفهوم الدور

               1 - الفكر الفلسفيٌ القاعديٌ.

               2 - الأدوار الإنشاديٌة.

               3 - الدٌور و أسس الإنشاد.

               4 - أثر الأدوار في الإتٌصاليٌة الاجتماعيٌة.

               5 - الدٌور و الطبقيٌة المعرفيٌة.

               6 - ثقافة الدٌور.

               7 - بعض المصطلحات المستعملة في منهج الأدوار.

  المطلب الثاني : النٌظريٌة الإتٌصاليٌة

               مخطط توضيحي لنظريٌة الأجهزة الإنشاديٌة.

               1 - الجهاز الإنشاديٌ.

               2 - الرٌؤية السٌوسيولوجيٌة للمشاكل الإنشاديٌة.

               3 - المفاهيم الحديثة.

               4 - صفاء الرٌواق الفنٌيٌ.

               5 - العالميٌة.

               6 - النسبيٌة.

  المطلب الثالث : مدرسة الأفكار

               1 - البناء الفكري للفرد الإنشاديٌ.

               2 - أثر الفكرة في الوجود.

               3 - الأيديولوجيا الفكريٌة و فكرة الأيديولوجيا.

               4 - فلسفة الأدوار أيديولوجيا فكريٌة بخاصيٌة تكامليٌة.

               5 - التٌوجيه عن بعد.

               6 - الثٌورة الإنشاديٌة ثورة فكريٌة.

  المطلب الرابع : منهجيٌة التٌفكير

               1 - التفكير فطرة في الإنسان.

               2 - التفكير من أجل التٌغيير.

               3 - قناعات التٌفكير الإنشاديٌ.

               4 - خصائص التٌفكير الإنشاديٌ.

               5 - التفكير الاستراتيجيٌ.

               6 - التفكير المنطقيٌ و التفكير العقليٌ.

  الخاتمــة

................................................................................................................................

    التمهيد

    قد يتبادر إلى أذهان أغلبيٌة المطٌلعين على عنوان هذا الكتاب أنهم سيغرقون بين جزر المصطلحات و الجدال العقيم؛ الذي لا يأتي إلاٌ بصداع في الرٌأس، و عداوة بين الأطراف المتناقشة، و ربٌما يرجع هذا للسٌمعة السٌيٌئة لكلمة " فلسفة "، .....لقد أصبحت مرادفا لإرهاق الأعصاب.

    إن الفلسفة نوعان، و الذي رُبط بالأدوار هنا نوع يسمٌى " فلسفة العلم "، أي البحث عن الحكمة لدعم الوجود الإنساني، و ليس مجرٌد التٌحليق بين السٌحب، و نظنٌها الفلسفة الصٌحيحة، مخطئ من يخالها ترفا عقليٌا، بل هي رياضة تقينا الكسل الفكري، و الخمول الذٌهني، أداة مساعدة في عالم التٌجريد بعيدا عن المحسوسات التي سمٌمت عقولنا، فأصبحنا كالرٌوبوهات؛ لا نؤمن إلاٌ بالمعادلات الرٌياضيٌة الجافٌـة.

    فلسفة العلم هي البحث عن المعرفة، باستعمال العقل، مع الوحي الإلهي المجسٌد في القرآن العظيم، و سنٌة رسوله الكريم، و أهل بيته و أصحابه ِرضى الخالق عليهم أجمعين.

    و المعرفة ما كانت أبدا كرسيٌا جاهزا موضوعا أمام طاولة ينتظر من يجلس عليه، إنها مادٌة خام تحت طبقات المشكلات يجب التٌنقيب عنها، فإن لم تفعل؛ لا تتوقٌع صعودها إليك، لأن أداة الحفر معك وحدك، و أنت صاحب الحاجة، و لقد صدق القائل : " إذا كنت كسولا فالمعرفة أكسل منك ".

    و فلسفة العلم يجب أن توظٌف في الفلسفة الإنشاديٌة العالميٌة، و هي مجموعة من الأفكار التي تحاول خدمة النشيد و الأنشودة، جاعلة منهما مثالا فنيٌا يُحتدا به، و شيئا له هيبته التي يتربٌع بها إلى جانب فنٌ التٌغريد على عرش كلٌ الفنون الغنائيٌة الأخرى، رافضة مبدأ التقوقع لأنه انتحارها البطيء، و هلاك الملايين الذين ينفرون منها، و ما يُشاهد في واقعنا الملموس أكبر من أن يُنظٌر له.

    إن الرٌبط بين فلسفة الأدوار و مدرسة الأفكار شيء طبيعي، فهذه الأخيرة من أيديولوجيٌتها سلك منهج الدٌور لأسباب شرحناها بالتٌفصيل، مسلٌطين الضٌوء على توضيح العلاقة بين عدٌة مفاهيم نجدها في التٌفكير، و المدرسة حاملة الاسم، ........... و لا شيء أصفى من ماء النٌبع.

جهاز أنسام الصباح للتربية الفنية

هيئة الإقليد - أكتوبر 2004

المطلب الأول : تحليل شامل لمفهوم الدٌور

    في هذا المطلب نحاول وضع القارئ الكريم في صورة ذات واقعيٌة عامٌة، من خلالها نقرٌب إلى فهمه ما يمكن أن يلاقيه من جوانب تُعتبر ذات قيمة للإدراك العام لمنهج الأدوار، ابتداء من جذوره و انتهاء لغايته.

   1 - الفكر الفلسفي القاعدي : يُستعمل مصطلح " الفكر الفلسفي القاعدي " للدٌلالة على مجموعة ذهنيٌات، تحوٌلت لتصوٌرات ترسخ في عقول الأفراد لمصداقيٌتها الواقعيٌة، و المصطلح كما يتراءى للقارئ؛ مكوٌن من ثلاث مفردات متعمٌدة التٌوظيف هي :

   أ. الفكـــر : و هو ما ينتجه العقل البشريٌ، فالفكرة أوٌلا و قبل كلٌ شيء، و عالم الأفكار هو المحرٌك لعالم اللاٌ أفكار، أي أنه لولا الفكرة التي يتزايد ضغطها في عقولنا ما تطوٌرت الإنسانيٌة إلى ما هي عليه اليوم، و ما ستكون عليه مستقبلا.

   ب. الفلسفي : أي الحكمة المدركة بالعقل، فلكلٌ شيء حقيقة، و البحث عنها أشبه بالتٌنقيب عن ثمين نادر.

   تبنٌي مفهوم الفلسفة لا يعني الاشتغال بما يتعب الفكر و يبدٌد قواه، فالفكرة الفلسفيٌة يجب أن تخدم الواقع، و هي ما أتت في الأصل إلاٌ للمساهمة في صناعة الوجود و الرٌقيٌ به، و على هذا الأساس لا أحد يحتاج لفلسفة الخيال العقيم، التي نتحدٌث فيها و نناظر أكثر ممٌا نفعل، و أكثر ممٌا هو مطلوب، فلا مصداقيٌة يمكن الاعتزاز بها آنذاك.

   ج. القاعدي : المشتقٌ من كلمة " قاعدة "، أي أساس موسٌع السٌطح للزٌيادة في معنى القوٌة الأرضيٌة المسنود عليها شيء آخر.

    بما أنٌ أفكار الأفراد تكون متشعٌبة إن لم نقل متناقضة في أغلب الحالات؛ و الفلسفة التي قد تزيد من اتٌساع دائرة الاختلاف باعتبارها تبحث عن الحقيقة التي عادة ما يُنظر إليها من زوايا متباينة؛ فإنٌه كان لزاما توحيد ما يجب توحيده حفاظا على وحدة الجماعة، وقوفا عند ما يُطلق عليه مصطلح " الخطوط الحمراء "، مثل استعمال الإيقاعات فقط دون آلات العزف، العالميٌة، الدٌور، نبذ الخلافات و الاختلافات غير الجوهريٌة.......الخ.

    و يركٌز الفكر الفلسفيٌ القاعديٌ على مبدأ الدٌور نظرا لتعدٌد المهامٌ و تنوٌعها، و استحالة حصرها في شخص واحد يضمن سيرها العاديٌ.

    2 - الأدوار الإنشاديٌة : قد تتشابك الأدوار عند البعض، و تتجلٌى في استقلاليٌة عند البعض الآخر، لأنٌ المفاهيم المرتبطة بها تتفاوت درجة هضمها من قِبل الأفراد.

   أ. مفهوم الدٌور : الدٌور هو التفرٌد بعمل ما يُطلق عليه اسم " الاختصاص ".

   ب. أنواعه : للدٌور نوعان أساسيٌان هما :

     دور فنٌيٌ : هو شغل اختصاص ما في الفرقة الإنشاديٌة، أو ما يُعرف باسم " الفاعلين الإنشاديٌين "؛ المنشد و المشرف و ضابط الإيقاع و متعهٌد الصٌوت و مسؤول الرٌؤية.

     دور غير فنٌيٌ : هو الدٌور في إحدى المؤسٌسات التٌنظيميٌة حيث لا يُشترط التٌفرٌد فيها، بل هو ميدان رحب لتطبيق مصطلح " تعبيد الطٌريق ".

   ج. الاختصاص و التٌخصٌص : لقد اختلط كلا المفهومين على كثير من الإنشاديٌين، فلم يعودوا يفرٌقون بينهما، رغم أنٌ بناء الكلمتين مختلف ظاهريٌا، فالاختصاص هو تفرٌد كلٌ عنصر بعمل فنيٌ محدٌد في إطار الفاعلين الإنشاديٌين على مستوى الفرقة، و إهمال ذلك قليلا على مستوى المؤسٌسات التٌنظيميٌة.

    أمٌا التٌخصٌص فهو التٌعمٌق داخل اختصاص معيٌن، أي التوغٌل في درب واحد أو شعبة واحدة من دروب أو شعب اختصاص واحد.

   3 - الدٌور و أسس الإنشاد : إنٌ المطٌلع على السٌاحة الإنشاديٌة تطلٌع الغوٌاص يدرك أن هناك 5 أسس يقوم عليها هذا الفنٌ، هي الاستخدام و الاستغلال و التٌوظيف و الاستقطاب و الاحترافيٌة، و يظهر مبدأ الدٌور في كيفيٌة استغلال التٌكوين الشخصي، و استخدام الوظيفة المشغولة، و توظيف المواهب، و استقطاب أكبر عدد من الناس، و احترافيٌة الجهاز ككل تنتج من احترافيٌة كلٌ فرد في دوره الذي يلعبه، بعيدا عن إشكاليٌة الزٌمن التي تُطرح على غير وجهها الصٌحيح عند مدرسة التتابع 1، فالقضيٌة الجماعيٌة هنا لا تتأتٌى إلاٌ بمجموع القضايا الفرديٌة.

    أضف إلى ذلك وجود علاقات تبادليٌة بين الأسس الخمسة يتجلٌى فيها المعنى العام للدٌور و قيمته، فـ " الإلزام " على سبيل المثال؛ و هو انتقال الفرد من التٌكوين إلى العمل، انتقال في الدٌور من تقديم مساهماته بناء على تكوينه و دراسته، إلى تقديم مساهماته الجديدة بناء على استخدام وظيفته التي يشغلها، صحيح أنٌ كلي الدٌورين مهمٌان، لكن نسبة الأهميٌة تختلف من موقف لآخر، و خاصٌة إذا دخل استخدام عنصر معارف العمل من أصدقاء و هيئات و مؤسٌسات، فهنا يصبح الدٌور الجديد أكثر ديناميكيٌة، و ما يُستوعب في هذا الموقف؛ يزداد لمٌا يكون الفرد شاغلا لوظيفتين أو ثلاث أو أكثر، أي " الاستخدام المزدوج " أو " الاستخدام نصف المطلق ".

    أمٌا " الترقٌي " و هو الباب الذي ينتقل الفرد من خلاله من استخدام تكوينه إلى توظيف موهبته؛ فيزداد الدٌور أهميٌة من الزٌاوية النٌفسيٌة، لأنٌ الفعاليٌة هنا تكون أكبر من السٌابق، فالمحبٌ للشٌيء ننتظر منه جميعا الكثير و الأكثر.

    و يُلمس مبدأ الدٌور أيضا في " الاقتضاء "، و هو التٌزوٌد العلميٌ و التٌأطيري للعامل في الفرقة أو المؤسٌسة التٌنظيميٌة، بغية زيادة كفاءته و تحصينها بالتٌحصيل العلمي المناسب، فيصبح دوره الجديد أكثر حيويٌة، بسبب حصوله على تراكم معرفيٌ يضعه على أرضيٌة ثابتة. كما أنٌ الدٌور الجديد القائم على علاقة " البوٌابة " التي تمثٌل الانتقال من الاستخدام إلى التٌوظيف؛ مبنيٌ على عامل نفسيٌ بأداة استغلال شعور حبٌ الوظيفة، و هذا الدٌافع له من القدرة الميدانيٌة المجرٌبة ما يؤكٌد إحداث قفزات نوعيٌة ذات أثر عميق.

    إنٌ الدٌور الإنشاديٌ المبنيٌ على الموهبة فقط أي " أساس التٌوظيف "؛ قد يشوٌهه نوع من الأخطاء، بسبب نقص التٌجربة و انعدام المخزون المعرفيٌ الملائم، في هذه الحالة تكون علاقة " التٌعزيز " عاملا مهمٌا في زيادة تفعيل الدٌور الجديد، بولوج عالم الدٌراسة و التٌكوين.

    و أخيرا علاقة " السٌبيل "، و فيها يتحوٌل دور الفرد من توظيف موهبته في الإنشاد إلى تولٌي وظيفة يقتات منها، و منها كذلك يفعٌل دوره الجديد من خلال استغلالها لفائدة النٌشيد و الأنشودة.

-----------------------------------------------

1: يتم بلوغ الاحترافيٌة عند مدرسة التتابع مع مرور الزٌمن، فكلٌما زاد عمر الفرقة زادت احترافيٌتها، أما عند مدرسة الاختصاص فتنظر لها كمكسب يصبح حقيقة من أوٌل وهلة باتٌباع آخر الأبحاث و النظريات التي توصٌل إليها العلم، و ليس للزٌمن أي دخل فيها من الباب الذي تنظر منه المدرسة السابقة.

   4 - أثر الأدوار في الإتٌصاليٌة الاجتماعيٌة : الإتٌصاليٌة الاجتماعيٌة هي تنقٌل الرٌسائل من الفرقة إلى الجمهور، ففي معتقد النظرية الإتٌصاليٌة مبدأ يقول أنٌ الإتٌصال المذكور سالفا هو اتصال بين مجتمع أوٌل و مجتمع ثانٍ، سواء كان مباشرا في العروض؛ أو غير مباشر مركٌَزا في التسجيلات السٌمعيٌة و السمعيٌة البصريٌة.

    إنٌ الإتٌصال الذي نحن بصدد الحديث عنه يمرٌ عبر قنوات متنوٌعة كالكلمة و اللٌحن و التٌوزيعات و اللٌباس و مخطٌط التٌموقع....الخ، لا تكون قائمة إلاٌ على قاعدة صلبة تتمثل في الأسس الخمسة للإنشاد، فالإنشاديٌ الذي لا يستعمل أسس الاستخدام و الاستغلال و الاستقطاب و التوظيف و الاحترافيٌة؛ قاعدته هشٌة كمن يقف على الرٌمل، مزعزعة أفكاره، يجهل هو بذاته ماهية دوره، و كيفية تأديته على أكمل وجه.

    يمكن أن تتسلٌل إلى كثير من الناس فكرة مفادها أنٌ الدٌور قد يكون سلبيٌا، و هذا خطأ؛ فالاختصاص ليس التٌقوقع الفكريٌ، أي نختصٌ و نختصٌ حتى نجد أنفسنا في جحر يعسر الخروج منه، هذه هي السٌلبيٌة، التي يجب تحاشيها قدر الممكن و الاستطاعة، فالدٌور الفنيٌ يجب الانفراد به في فرقة واحدة؛ أمٌا الدٌور غير الفنيٌ فيبقى خاضعا لقدرة الإنشاديٌ و المصلحة العامٌة، و يُشترط عند ممارسة دورين فنٌين الالتزام بالفكر الفلسفيٌ القاعديٌ للجهاز الذي تنتمي إليه الفرقة.

    و إذا قلنا الدٌور؛ فإنٌنا لا محالة سنتبعه بمصطلح آخر و هو " المسؤوليٌة " التي يتحمٌلها الإنشاديٌ من خلال تولٌيه مباشرة لدور معيٌن فنٌي أو غير فنٌي، فهي واحدة متساوية بتساوي قيمة الأدوار، و متزايدة بعددها، هذا من جهة؛ من جهة أخرى قد تتعدٌى المسؤوليٌة شخصا بذاته إلى جماعة، كمسؤوليٌة مؤسٌسة الإعلام مثلا، هذا من المنظور الإجماليٌ، لكنٌ الٌذي يتحمٌل المسؤوليٌة أمام قيادة الجهاز هو رئيس هيئة الإعلام، و الذين يتحمٌلون المسؤوليٌة أمام هذا الأخير هم الذين نصٌبهم في مهام متعدٌدة، و نتحمٌل المسؤوليٌة كلٌنا أمام الله، إذن فالمسؤوليٌة مهما بدت جماعيٌة؛ فهي فرديٌة أوٌلا و قبل كلٌ شيء، و متدرٌجة تنازليٌا، مثلما هو الحال في مبدأ الدٌور، و الذي و إن بدا جماعيٌا أيضا إلاٌ أن له نكهة الفردنة.

    إنٌ إسناد دور محدٌد لفرد معيٌن؛ معناه أنٌ هناك ثقة وُضعت في هذا الأخير، ثقة بكافٌة أبعادها في الأخلاق و الكفاءة....الخ، في الأولى من حيث النٌزاهة و الصٌدق و الوفاء...الخ، أمٌا الثٌانية تتمثٌل في قدرته على التٌسيير الفعٌال، أي أنٌه فرد مناسب لهذا الدٌور، يمكن أن يحقٌق فيه نجاحات و تفوٌقات و إنجازات.

    5 - الدٌور و الطبقيٌة المعرفيٌة : إنٌ سلك منهج الدٌور في الجماعة، يدفع الفرد للتٌفاعل داخلها بصورتيه التٌأثير و التأثٌر، فالاحتكاك المستمرٌ بين الطٌرفين؛ سيولٌد يقينا نتائج مختلفة، باختلاف عقول الأفراد التي ستمتلك معرفة إنشاديٌة متفاوتة، تُقاس بالرٌتبة.

    من المؤكٌد و لا اختلاف فيه أنٌ وجود جماعة ما، يتطلٌب وجود طبقات فيها، يحدٌدها في الجهاز التٌفاوت المعرفي، فهو العلم الذي يرفع الإنسان و يضعه، لأنه من غير الممكن القضاء على تمايز الأفراد في أيٌ جماعة، فتلك سنٌة ربٌانيٌة، و حكمة إلهيٌة، لكنٌ المشكلة في مقياس هذا التٌمايز، فكلٌ المقاييس من مال و جاه و سلطة، إلى غير ذلك من المقاييس التٌافهة، لا يمكن أن تفيد هذا التٌجمٌع بقدر ما تضرٌه، تشتٌت قواه و تفكٌك أفراده، إذن فالعلم هو أفضل و أرقى مقياس لتصنيف الأفراد في جماعاتهم، و العلم هنا يٌقصد به المعرفة المتٌحدة بالخالق، باعتبارها نوره و هدايته للبشريٌة.

    و التٌمايز يظهر كذلك في مظهر اختلاف الجنسين، الإختلاف الذي تمليه طبيعة الدٌور الذي يلعبه كلاهما، فلو كان هناك دور واحد متطابق في الحياة اليوميٌة؛ لخلَق الله جنسا واحدا، و منه فالتٌمييز بين الرٌجل و المرأة صورة عدل بينهما، و أيٌ تجاوز لهذه الفكرة يُعدٌ ظلما كبيرا لهما، و خللا في توازن القوى.

    اعتناء منٌا بهذه النقطة المهمٌة؛ يوجد في مدرسة الأفكار سلٌمان للرٌتب، يعكس كلٌ واحد و كلٌ رتبة درجة معرفيٌة في الإنشاد :

   أ - سلٌم الرٌتب للذكور مرتٌب ترتيبا تصاعديٌا :

سوار- رشيد - يمين - مشير - شفق - شاهين - إستبرق - مشير متقارب - جناح - ستار.

   ب - سلٌم الرتب للإناث مرتٌب ترتيبا تصاعديٌا :

سوار - إشراق - إيوان - سندس - سيرة - إيفاد - شعاع - وارف - واحة - ستار.

    إنٌ ابتداء السلٌمين بنفس الرٌتبتين و اختتامهما بأخرتين متطابقتين، يدلٌ على أن للجنسين منشأ واحدا و نهاية واحدة، لكن هناك تباينا واضحا في المسافة بين النٌشأة و النٌهاية، يجسٌده اختلاف تسميات الرٌتب بعد الرٌتبة الأولى، و قبل الأخيرة، إيحاء بتفرٌق الدٌورين رغم أنٌ الهدف واحد.

    تنقســــــم الرٌتب إلى نسقين، مدراء و ضبٌاط، فالأربعة الأولى من أيٌ سلٌم تخصٌ المــدراء؛ و البـــاقي للضبٌٌاط، و الأربعة الأخيرة رتب ضبٌاط سامية.

    6 - ثقافة الدٌور : ثقافة الدٌور هي توعية الإنشاديٌين بضرورة اتٌباع منهج الأدوار، لأنٌه منطقيٌ بالدٌرجة الأولى، فأيٌ جماعة كانت؛ قائمة على فكرة تكاثف الجهود المختلفة، أي تعاون وثيق و اتٌحاد بين أدوار أفرادها، فالفرقة ذات الثمانية أفراد تحوي ثماني قوى ظاهريٌا، مجتمعة بأدوار فنيٌة متعدٌدة، تساعدها قوى مؤسٌساتها التٌنظيميٌة.

    إنٌ عمليٌة تقسيم الأدوار حتميٌة اجتماعيٌة تغذٌيها طبيعة الإنسان الاجتماعيٌ بدوره، و منه فهي ضرورة ملحٌة للٌذي يريد إيصال رسائله للجمهور، و بالتٌالي النٌجاح الذي يشارك فيه الكلٌ، و يقطف ثماره الجميع، و يُستشعر من زواياه طعم جهد الجماعة.

    إنٌ إلغاء مبدأ الأدوار يوصل الفرقة إلى الفوضى الفنيٌة، و هي انحصار عدٌة أدوار فنيٌة مثل التٌنشيد و الإشراف، أو الإشراف و ضبط الإيقاع.....الخ؛ في فرد واحد يستحيل عليه أمام تطوٌر العلوم و تشعٌبها أن يمارس الاثنين معًا، معطيا دفعا قويٌا متجدٌدا، هذا إن اعتبرنا أن لديه من الوقت ما يكفيه لكلٌ ذلك، ممٌا يعرقل الإتٌصاليٌة الاجتماعيٌة، و ينافي فطرة المجتمع، القائمة على تقسيم الأدوار.

    و الفرقة كما تبيٌن سابقا أنٌها مجتمع أوٌل يجب أن يتوفٌر فيها هذا المبدأ، بل و يترسٌخ عميقا في عقول جميع الإنشاديٌين، فبواسطته يمكن تأصيل فكرة الشٌعور بالمسؤوليٌة الحقيقيٌة التي غابت عند كثير من أفراد مدرسة التتابع.

    أضف إلى كلٌ ما سبق أنٌ مصطلح " جهاز " يوحي بشيئين مهمٌين، أوٌلهما الدٌور، فعندما نقول جهاز هضمي مثلا؛ فإنٌنا نتصوٌر مجموعة من الأعضاء كلٌ واحد له دور معيٌن كاللٌسان و المعدة و المعي الدٌقيق...الخ، و اتٌحادهم جميعا يوحي لنا بمفهوم التٌكامل، إذن فالدٌور استرجاع عقلي يأتينا بمجرٌد سماعنا لكلمة " جهاز ".

    إنٌ فكرة جهاز ما أتت إلاٌ لتقضي على الفوضى الفنيٌة بواسطة منهج الأدوار، فالفكر الفلسفيٌ القاعديٌ يشجٌع هذا الأخير باعتباره أداة فعٌالة التٌجديد الذي يخدم فنٌ الإنشاد بفرعيه، بعدما ساد التٌماثل فترة زمنيٌة طويلة، تسبٌب أثنائها في التأخٌر المشاهد في واقعنا، من خلال صورتي الخطأ و المفاجأة نتيجة فوضى الأدوار.

    لا يغيب عن عقل المتأمٌل في الطٌبيعة أنٌ منهج الأدوار سائد في كلٌ حياتنا اليوميٌة؛ ففي الأسرة مثلا، كلٌ واحد من الزٌوجين له دور معيٌن يقوم به، و أحيانا نشاهد ممارسة نفس الدٌور، لكن بصورة تختلف عن نظيرتها، لأنٌ الحياة هكذا، فيها أدوار يجب على فرد واحد ممارستها، و يكون مختلفا عن آخر سواء في الجنس أو العمر أو العلم...الخ، و أدوار تمارس من عدٌة أفراد، بشرط اختلاف صورة الممارسة، فالحقيقة واحدة، لكن نظراتنا إليها تختلف، باختلاف زوايا الرٌؤية.

    إن مصطلح " ثقافة الدٌور " يحمل بين طيٌاته مفهوم الرٌؤية الموسٌعة، و هي الاطٌلاع السٌطحي على باقي الأدوار بكلتي نوعيها، حتٌى إذا تطلٌب الأمر؛ يستطيع الفرد ممارسة دور آخر من دون مشاكل تُذكر ضمن مصطلح " تعبيد الطٌريق "، و الرٌؤية الموسٌعة تسمح بوجود مرونة تسهٌل سير عمل الجهاز، أي تضمن سير المياه في مجاريها الطبيعيٌة من دون عوائق.

    ثانيا صورة التٌكامل بين الممارسات المختلفة لكلٌ الأدوار الممكنة، تكامل مصبوغ بصورة التٌكاثف، الذي يُعتبر حالة متقدٌمة من العلاقات التواصليٌة بين أفراد الجهاز الواحد، الرٌاقي بفنٌ الإنشاد من خلال إفرازاته المتنوٌعة.

    و التٌكامل المقصود هنا  يتجاوز التٌكامل الظٌاهري في أجهزة الجسم المختلفة، فهو تكامل ذو درجة لا عديٌة، نحكم عليه من خلال آثاره على السٌاحة الإنشاديٌة العامٌة.

    7 - بعض المصطلحات المستعملة في منهج الدٌور : هناك مصطلحات متنوٌعة نضطرٌ لاستعمالها أثناء حديثنا عن منهج الأدوار مثل :

   تعبيد الطٌريق : يُقصد به تولٌي دور معيٌن؛ حتى إذا وُجد شخص أكفأ تُرك له، و احتفظ الشٌخص الأوٌل بدوره الأوٌل فقط، و هذا المصطلح يكون في الدٌور غير الفنٌي في المؤسٌسات التٌنظيميٌة للجهاز، و يُلجأ لهذه الحالة من التٌسيير عند الضٌرورة.

    يمكن لفرد أن يسيٌر أكثر من ميدان واحد على حسب استطاعته، و هنا نرى و كأنٌه يهيٌئ هذا الميدان للشٌخص الجديد.

   الإدغام : و هو عامٌة تداخل شيئين في وقت واحد، و يُستعمل في منهج الأدوار عند ممارسة شيئين في نفس الوقت، مثل الأدوار غير الفنيٌة، فممارسة دورين هو إدغام بالدٌرجة الأولى، و هو أيضا للضٌرورة، فإذا تُرك الدٌور الثٌاني لشخص كفء آخر؛ يصبح تعبيد طريق.

   الشٌبح : فرد يتولٌى دورا معيٌنا بصفة سريٌة سواء كان من العاملين في الجهاز أو من المتعاملين معه، و يكون في الأدوار غير الفنيٌة، لأنٌ الدٌور الفنٌي علنيٌ.

   المسنٌــن : فرد يتولٌى دورين غير فنيٌين في جهاز واحــد، و لا يُطلــق هذا المصطلـــح إلاٌ في هذه الحالة المشتركة ﴿ عنصر وحدة الجهاز .

   الأقلمة : مصطلح يُستعمل لإظهار حالات التٌكيٌف الاجتماعي في نظام إنشاديٌ ما، و يُوظٌف في منهج الأدوار للتٌعبير عن حالة نفسواجتماعيٌة تنتاب الفرد لمٌا يتولٌى دورا معيٌنا، فهو سيتأقلم مع الجوٌ العام الذي يحيط بهذا الدٌور.

المطلب الثاني : النٌظريٌة الإتٌصاليٌة

    النظريٌة الإتٌصاليٌة أو كما تُعرف باسم " نظريٌة الأجهزة " تقوم على مبدأ الإتٌصال الاجتماعيٌ، فبرغم أنٌها تخصٌ فنٌ الإنشاد بصفة إجماليٌة؛ إلاٌ أنها تتطرٌق إلى كيفيٌة بناء أحد الأنظمة الإنشاديٌة، ارتكازا على فكرة مدرجة ضمن مفهوم التٌواصل.

    الإتٌصال هو اللٌبنة الأساسيٌة في المسيرة الإنشاديٌة، فالجمهور ما يستطيع فهم الرٌسائل المرسلة، و التي تبدو عند فقد هذه الرٌابطة أشياء غريبة مبهمة، حتى في الواقع؛ كلٌ المؤسٌسات الاجتماعيٌة تسعى بكلٌ الطٌرق المتاحة للاتصال بالطٌرف الآخر، حتى تضمن على الأقل بقائها الصٌوري، أمٌا العملي الواقعي فيتكفٌل به مصطلح " التٌواصل " أي الاستمراريٌة عبر الزٌمن المتعاقب، و هذه النقطة يُنظر إليها في فنٌ الإنشاد على كونها محققٌة، فقط في حالة قبول الجماهير بصفة عامٌة الرٌسائل التي تبثٌها الفِرق أو الأجهزة أو المنشدون الفردانيٌون، و هم في الوقت ذاته يمثٌلون أرضاً خصبة لنشر الثٌقافة الإنشاديٌة، هذه الثقافة التي تجعلهم يضعون أنفسهم رهن خدمة فنٌ الإنشاد، لأنٌهم اقتنعوا به كدرب من دروب الدٌعوة، فهم الطٌاقة الجديدة المتجدٌدة التي لا تنضب.

    إذن؛ فالإتٌصال هو الخطوة المبدئيٌة للتٌواصل. ﴿ أنظر الرسم المرفق التالي

مخطٌط يشرح النظريٌة الإتٌصاليٌة

  1 - الجهاز الإنشاديٌ : الجهاز الإنشاديٌ هو النٌظام الإنشاديٌ الجديد الذي قدٌمته النظريٌة الإتٌصاليٌة، لأنٌها رفضت نظام الفرقة، معتبرة إيٌاه معرقلا لعمليٌة الإتٌصال، و بالتٌالي يمثٌل حجر عثرة للتٌواصل، و أهمٌ نقطة ركٌزت عليها هي الاختصاص في دور فنٌي معيٌن، حتى يكون هناك توسٌع معرفيٌ كبير عكس الفرقة في مدرسة التتابع التي تنتهج مبدأ تعدٌد الأدوار، فينشأ عن هذا فوضى فنيٌة تؤثٌر سلبا على العمليٌة الإتٌصاليٌة.

    استحدثت النظريٌة الإتٌصاليٌة في هذا النٌظام مصطلح " المؤسٌسات التٌنظيميٌة "، التي تعين الفِرق في الجهاز على القيام بمهمٌته الرٌئيسة، إيحاء بتوفير الكموليٌة من بابها الأوسع، و هي بهذا تركٌز أيضا على " مبدأ اتٌحاد القوى "، أو " قوٌة الجماعة "، فلكلٌ فرد دور معيٌن يكمل دور فرد آخر؛ و هكذا إلى أن يصبح لدينا نظام قائم على اتٌحاد قِوى الأفراد، فهو نظريٌا له من الفعاليٌة و المصداقيٌة ما يتجاوز مستوى نظام الفِرق.

    و الفِرق في النظام الجديد مثل المؤسٌسات التنظيميٌة تعمل من أجل الإتٌصاليٌة الاجتماعيٌة، متٌخذة واسطة آليات العمل الإنشاديٌ، و هي الإستقراريٌة و البحث عن المعرفة و المرونة و الإشهار و التكيٌف، فالذي يريد العمل و الإبداع يجب أن تكون أفكاره و عواطفه و أوضاعه مستقرٌة، بغضٌ النٌظر عن الدٌرجة، كما يجب أن يبحث عن المعرفة فيوظٌفها في عمله، و يجب عليه أيضا ألاٌ يكون متعصٌبا، بل مرنا متفتٌحا، مشهرا إنجازاته بشتٌى الوسائل المتوفٌرة، غير منعزل، متكيٌفا مع الأوضاع المتغيٌرة باستمرار، من منظور أنٌه يملك قوٌة التٌغيير، بل مساهمته فيها إجباريٌة، فالإيجابيٌة التي يتمتٌع بها تفرض عليه محاولة تغيير الأوضاع بصفة عامٌة، من الحسن إلى الأحسن من خلال فنٌه فقط، فهو فنٌان في نظر العوامٌ قبل كلٌ شيء، و ضميره الفنٌيٌ لا يتركه مرتاحا إلاٌ إذا رأى الأمور تسير على ما يرام.

    و الأجهزة الإنشاديٌة تنقسم إلى قسمين؛ أساسيٌة و قاعديٌة، و لها تأثير واحد يختلف في مظهره فقط، فالأساسيٌة لها فِرق، أمٌا القاعديٌة فهي عبارة عن مؤسٌسات تنظيميٌة ناشطة، تخدم كلٌها فنٌ الإنشاد من زاويتين متكافئتين.

    تستند الفكرة الحديثة للنٌظام إلى تجنيد أكبر عدد ممكن من القدرات، فالفرقة نظريٌا لا تستطيع استيعاب كمٌ كبير من الأفراد، و ميدانيٌا غير مقبول، أمٌا الجهاز فلديه استطاعة لا تخفى على أحد في ضمٌ الآلاف إلى صفوفه، و إنشاء حتٌى 800 فرقة تعمل تحته، و بالتٌالي لا يقصي أحدا، و هذه هي الفكرة الجوهريٌة التي أنشئ من أجلها أيضا.

    2 - الرٌؤية السٌوسيولوجيٌة للمشاكل الإنشاديٌة : تعطي النظريٌة الإتٌصاليٌة مفهوم " المشكلة الإنشاديٌة " لكل ما يعرقل سيرورة العمل الإنشاديٌ، غير أنٌها تحلٌلها برؤية سوسيولوجيٌة، أي عامٌة تتشارك فيها مجموعة من المسبٌبات الحقيقيٌة التي تؤدٌي إلى الخطأ و المفاجأة، و لهذا يجب إحداث حلول، لها من العمق على مستوى الفكر الفلسفيٌ القاعديٌ للنٌظام ما يسمح بالقضاء نهائيٌا و لو نسبيٌا على ما يعرقل الإتٌصاليٌة الاجتماعيٌة.

    تعلٌل مدرسة الأفكار المشاكل الإنشاديٌة بـ " التٌماثل "، و هو التٌقليد الأعمى دون السٌعي وراء المعرفة، أو حتٌى التٌراكم المعرفيٌ، و تأتي بحلٌ مختصر في مصطلح " التٌجديد "، و هو البحث المتواصل الدٌائم.

    ترى بعض فِرق مدرسة التٌتابع أن ٌ تقليد عمل فنٌيٌ تقليدا كاملا نجاح لها، في حين أنٌ هذه الفكرة خاطئة، فالعمل الذي يُنجز يكون الزٌمن جزءأً منه بالضٌرورة، و تقليده بصفة كلٌية مفصٌلة؛ رجوع إلى الوراء، لأنك لا تستطيع حذف عنصر الزٌمن منه، إلاٌ بتطبيق مفهوم البصمة عليه، عندئذ تكون قد أدخلت العمل القديم في الزٌمن الحديث.

    و الخطأ الذي يُنتج لنا مشكلة إنشاديٌة ما؛ هو إتيان الشٌيء على غير وجهه الصٌحيح، أمٌا المفاجأة فهي حدوث ما لم يُتوقٌع حدوثه، نتيجة عدم التٌحضير للأمر بتدبير جيٌد له، و هاتان النٌقطتان هما اللٌتان تعرقلان ما تصبو إليه النٌظريٌة الإتٌصاليٌة، و لذلك فالقضاء عليهما بالقضاء على مسبٌباتهما أولى الأولويٌات، فنحصرهما على قدر الممكن في مساحة ضيٌقة، حتى نتخلٌص من الصٌفة الجماعيٌة لهما، رغم أنٌ الجميع يعلم أنه من المستحيل ألاٌ نخطئ، لكن على الأقل نقلٌل من هامش الخطأ، و مستحيل ألاٌ نفاجأ، لكن على الأقلٌ كذلك نقلٌل من هامش المفاجأة، بأخذ ما توفٌر من سبل الحيطة و الحذر.

    إنٌ الخروج من الزٌاوية السٌوسيولوجيٌة للمشاكل الإنشاديٌة إلى زاوية فرديٌة يقوٌي الشٌعور بالمسؤوليٌة، و هو في نفس الآونة يربٌي الأفراد على تحمٌل مسؤولياٌتهم كاملة في وسطيٌة مثاليٌة.

    3 - المفاهيم الحديثة : لا يُقصد من هذه الفقرة تبيان المصطلحات الجديدة التي أتت بها النٌظريٌة الإتٌصاليٌة، و إنٌما من أجل تصحيح بعض المفاهيم السٌابقة، و إعطاء كلٌ واحد منها معناه الحقيقي، بالقضاء على فوضويٌة التٌفاسير و الرٌؤى الضٌبابيٌة للأشياء، و خاصٌة في المصطلحات ذات الاستعمال الشٌاسع، و التي يعتبرها البعض مفتاحيٌة، كونها تحتلٌ جزءاً هامٌا في الرٌقعة الإنشاديٌة، هذا من جهة؛ من ناحية أخرى تحافظ هذه النٌظريٌة على كلٌ المصطلحات منقولة إلى اللٌغات الأخرى، و ذلك حتى تسدٌ إمكانيٌة تحريفها عند الذين لا يقومون بترجمتها على الوجه المطلوب، كما تحافظ على المناخ العقلي الذي أُنشئت فيه هذه المفاهيم و ترعرعت، لأن اللٌغة عبارة عن وسيلة اتٌصال فكريٌ بين الأفراد، و كلٌ مصطلح فيها يدلٌ على فكرة معيٌنة، أبدعتها القدرة العقليٌة، و ترجمة المفهوم معناه نقل صورة القدرة الفكريٌة لشعب نحو شعب آخر، و كثيرا ما تنعدم صور هذه القدرة لدى شعوب معيٌنة، فلا نجد الكلمة المناسبة التي تقابل الكلمة المترجمة، فنضطرٌ لتعويضها بكلمة تقارب المعنى الإجمالي من زاوية عامٌة، أو ضيٌقة، و هنا يكمن الخلل الذي يمكن أن يخرج المفهوم الأصلي عن محتواه الحقيقي، فمثلا مصطلح " النشيد " يختلف عن مصطلح " الأنشودة "، فالأوٌل لا تُستعمل معه أية آلة إيقاعيٌة أو عزفيٌة، أي كلمات ملحٌنة فقط، أمٌا الثاني فهو الاستعمال الشٌامل لمختلف القطع الإيقاعيٌة، و إذا أُضيفت آلات العزف الموسيقيٌة يتغيٌر المفهوم إلى مصطلح " الـتـٌـغريـد "، أمٌا أصوات المؤثٌرات الخاصٌة سواء طبيعيٌة أو اصطناعيٌة، فليست محور الإشكاليٌة بتاتا.

    تحديد هذه المفاهيم و غيرها، له أهميٌة الأوكسجين باعتبارها جوهر العمليٌة ككلٌ، فالتٌعريف المتبنٌى يسمح لنا بمعرفة المساحة التي نتحرٌك فيها، و الحدود التي نقف عندها.

    4 - صفاء الرٌواق الفنٌي : الغاية من النٌظريٌة الإتٌصاليٌة تدور حول محور الإتٌصاليٌة الاجتماعيٌة، و كل ما يعرقل هذا المحور؛ خطر يجب القضاء عليه، و من بين هذه الأخطار التي تهدٌد السٌير العادي للاتٌصال؛ نجد تطفٌل بعض الجوانب غير الفنيٌة، و التي تتحوٌل تحت ظروف ضغوط خارجيٌة إلى بوتقة ضخمة، يُصهر فيها الفنٌ خدمة لها، أي أنٌها تهدٌد شخصيٌة فنٌ الإنشاد، بسبب كون فعاليتها أقوى من فعاليته، كالسٌياسة، و الانتماء لحركة معيٌنة....الخ، هذه الجوانب رغم أنها مفيدة أحيانا؛ إلاٌ أنها تكون ضارٌة في أحيان أخرى، و من الأفضل الفصل بينهما عمليٌا، فالفرد في الإنشاد هو إنشاديٌ قلبا و قالبا، أمٌا عندما يكون في مجالات أخرى؛ فيتقمٌص الصٌورة العامٌة لها، حفاظا على مبدأ " لكلٌ نهر ماؤه ".

    إنٌ المقصود بهذه الفقرة هو الحفاظ على حدود كلٌ جانب حتٌى لا يطغى على الجانب الآخر، أي عدم تدخٌل دور عام ما في آخر يفسد به الهدف المبتغى، و لا نعني به إقصاء أيٌ فرد من فنٌ الإنشاد، بسبب ميولاته، فالنشيد و الأنشودة فضاء رحب يستقبل كل الذين يتمتٌعون بتفكير بنٌاء سويٌ، و تبقى المصلحة العامٌة للجهاز فوق كل اعتبار، فأحيانا نجد أنفسنا أمام إثارة حساسيٌة معيٌنة لدى الجمهور، فمن الأجدر تحاشيها قدر المطلوب، لأنها تمثٌل شيئا سلبيٌا يؤثٌر على الإتٌصاليٌة الاجتماعيٌة، بتكوين حكم مسبق يشكٌل حاجزا يصعب اختراقه، أي أنٌ القناة العامٌة التي نريد من خلالها بثٌ رسائلنا مقطوعة، و التيٌار لا يمرٌ إلاٌ إذا كان السٌلك موصولا بطرفين، و في هذه الحالة لا يقبل الطٌرف الثٌاني إيصال طرف السٌلك إليه، بسبب فكرة متجذٌرة في عقله، فهو كالذي لا يترك لك أيٌة فرصة لتكلٌمه.

    وُضع مصطلح " صفاء الرٌواق الفنٌي " بغية الحفاظ على شخصيٌة الإنشاد مستقلٌة بذاتها، رغم أنٌها تكمٌل جوانب أخرى، إلاٌ أنٌ إعطائها نكهة تميٌزها عن الباقي خير للجميع، و حتٌى تكون هناك قدرة ذاتية على البناء السٌليم الأصول، الواضح الأهداف و الاستراتيجيٌات.

    إنٌ أهمٌ ما يلاحظ ميدانيٌا في إطــــار هذه الفقـــرة؛ هو الخلط بين مصطلحـات : " الإنشاد " و " الإنشاد المسرحي " و " المسرح الإنشادي "، و المشكلة في هذا الموقف توجد في تقارب المفاهيم، ممٌا يجعل الكثيرين لا يقيمون وزنا للفارق الخفيٌ السٌمات، و لكنٌه جوهريٌ في أساسه، رفيع القيمة التي تحدٌد الشخصيٌة القاعديٌة التي يقوم عليها هذا الفنٌ أو غيره، و تشترك كلٌ الجوانب في قاسم مشترك، هو الدٌعوة، لكنٌ فوضويٌة المنهج تسبٌب تحقيق أهداف قاصرة، غير مضمونة في الغالب، و ربٌما لا تتحقٌق مطلقا إلاٌ إذا أُعيد النٌظر في كيفيٌة الوصول إليها.

    5 - العالميٌة : تنادي النظريٌة الإتٌصاليٌة بفكرة التٌفتٌح على كلٌ شعوب المعمورة، و إهمال الحدود السياسيٌة للدٌول، فالإنغلاق في محيط دولة ما يولٌد ضيق الأفق، و تقوقع العقل البشريٌ، الذي خُلق ليتوسٌع لأنٌه قابل لذلك، واسع في أصله، يتقبٌل الرٌؤى البعيدة و الزٌوايا العريضة، و منه نستطيع أن نثق فيه ثقة نسبيٌة ليست كثقتنا بالله طبعا، فتلك ثقة مطلقة.

    يشمل مفهوم " العالميٌة " نقطة نشر الفكر الفلسفيٌ الإنشاديٌ بالإلزام، فالإحتكاك يحوي فكرة الأخذ و البذل، أخذ كل ما هو إيجابي باعتباره من الحكمة التي أوصى رسول الله ﴿ص بتتبٌعها، كالاستقاء من كل الفنون الغنائيٌة المتوفٌرة، و الانفتاح على المدارس الإنشاديٌة، و ترويج فنٌ الإنشاد و فلسفته في كلٌ أنحاء العالم، باعتباره فنٌا راقيا مفيدا لكلٌ من له حاجة إليه.

    و الخروج هكذا إلى الفضاء العالمي يجب أن يكون محميٌا، محصٌنة قلاعه بالارتكاز على ديننا الحنيف، لأنٌ المستكشف لهذا الفضاء و المتوغٌل فيه؛ سيلمس ثقافات شعوب مختلفة، منها المألوف و الغريب، و سيرى عادات و تقاليد متنوٌعة، منها الحسن و المنكر، فهشاشة أساس الفرد المشبٌع بفكرة العالميٌة؛ سبب عظيم في تعريضه للخطر، المتمثٌل في إمكانيٌة الزٌيغ عن الحقٌ، و تأثٌره بأفكار هدٌامة مسمومة، موضوعة بنيٌة الفتك بعقول البشر، و إذا تأثٌر بها سلبا؛ سيساعد لا محالة في نشرها، إمٌا بقصد أو من دون قصد، هذا إن بقي في مجال الإنشاد، فما بالك إذا حطٌ الرٌحال عند فنون غنائيٌة ضررها أكبر من نفعها ؟.

    إنٌ فكرة العالميٌة توحي بحالة الرٌؤية الشٌموليٌة لكلٌ شيء، سواء في الطٌرح أو المعالجة أو التٌعميم، فطرح المشاكل و التٌساؤلات يجب أن يكون من زاوية 360 درجة ضرورة، باعتبارنا بشرا نتقاسم نفس المشاكل، و الأصحٌ نتقاسم نفس أسباب المشاكل ﴿ الأسباب الجوهريٌة ، و نعالجها أيضا من نفس الزٌاوية، محاولين إيجاد حلول عامٌة قدر الممكن، حتى نقلٌل من درجة إقصاء الغير و تهميشهم، و بالتٌالي نستطيع بكلٌ سهولة و راحة تعميم ما توصٌلنا إليه من حلول، مطمئنٌين إلى أنٌ لها نجاعة كافية و فعاليٌة كبيرة بالصٌورة العامٌة للبشريٌة، آخذين احتياطاتنا من البداية، فقاصر الرٌؤية على مساحة ضيٌقة لا يستطيع أن يقول أنه يرى كلٌ شيء، و حتى الكيفيٌة التي يعرضها لحلٌ ما يعرقل سير أموره؛ قد يتحفٌظ هو شخصيٌا في تعميمها على العالم ككلٌ، نظرًا لما سيلقاه من عقبات، لأنٌه لم يجشٌم نفسه عناء النٌظر إليها من الأوٌل، ثم كيف ينظر إليها و هو غير مقتنع بضرورة شموليٌة نظرته ؟، و لأنه من الممكن جدٌا أن يكون ما يسبٌب مشكلة إنشاديٌة ينبع من تلك المساحة التي لم ينظر إليها، تحت فكرة أنٌ المشكلة هنا، و هذا في أصله غير صحيح، نعم المشكلة هنا تأثيرها؛ في حين أنٌ أصلها الذي انبثقت منه هناك، حيث لم ينظر.

    6 - النسبيٌة : إنٌ أسلوب التٌجديد الذي تنادي به النظريٌة الإتٌصاليٌة، و الذي يعوٌض أسلوب التٌماثل الذي ساد قديما؛ هو الطٌريقة الرٌاقية للوصول إلى مبتغى الإتٌصاليٌة الاجتماعيٌة، و التٌجديد الذي يوحي بمصطلح " البصمة "، ينبع من الفكر الفلسفيٌ القاعديٌ للجهاز، الذي هو نتاج أفكار مجموعة من المتمتٌعين بعقول راجحة؛ يجتهدون بناء على تراكم معرفيٌ قديم. فالاجتهاد هو أيضا طريقة عقليٌة للوصول إلى مرحلة فكريٌة أرقى من سابقتها، لكن لا يمكن بأيٌ حال من الأحوال أن يكسب صفة الكموليٌة، لأنٌ المبدع هنا بشر بالدٌرجة الأولى، و النٌقصان خاصيٌة من خصائصه، و ميزة من مميٌزاته.

    إنٌ رفض إطلاق نعت " المطلق " على أعمال البشر لا يخرج إلاٌ من مشكاة النسبيٌة، أي أنٌ كل النٌتائج المتوصٌل إليها ليست بالمنزٌهة عن العيوب، و لا نقصد هنا نقطة الخطأ؛ كما نقصد نقطة الصٌواب الذي له مدٌة صلاحيٌة محدٌدة، مجال زمني معيٌن تحاول نظريٌة الأجهزة إطالته قدر الإمكان، فالتٌعميم الذي يدخل ضمن نطاق العالميٌة هو الامتداد المكانيٌ و الزٌمنيٌ، و إن كانت النسبيٌة المقصودة هنا زمنيٌة بالبغية الأولى.

    فكرة النسبيٌة التي تؤسٌس لها النظرية الإتٌصاليٌة تفتح الباب على مصراعيه للأجيال الإنشاديٌة القادمة حتى تستعمل عقولها لإنتاج أفكار قد لا تخطر على بال أيٌ واحد منا الآن، لأسباب كثيرة، تشجيعا للنشء الجديد على معرفة دوره الرٌيادي العام في إيصال هذا الفنٌ إلى آخرين موجودين في بعد الزٌمن خصوصا، مع المكان طبعا.

    تتٌجه النسبيٌة في فلسفة الأدوار الإنشاديٌة إلى درب الوجود الزٌمنيٌ في الوجود المكانيٌ، فباعتبارنا بشرا يُفرض علينا الدٌخول تحت بعدي المكان و الزٌمن، أي أنٌنا نتواجد خلال فترة زمنيٌة معيٌنة في مكان واحد كحتميٌة وجوديٌة، أمٌا في فنٌ الإنشاد فيمكن إلغاء المكان المخصٌص و تعويضه بالمكان العام، و هو العالم، فالعنصر الذي يدور الحديث عنه ليس الفرد، بل هي المادٌة الإنشاديٌة المنتجة التي تخضع لعامل الزٌمن بصفة خاصٌة، أما المكان فلا يخصٌنا هنا، لأنٌ المادٌة ليست في نسخة فريدة واحدة كالإنسان، بل عدٌة نسخ موزٌعة عبر العالم، و حتى و إن كانت نسخة واحدة؛ فهي في مجال افتراضي، يستطيع البشر أن يلجوه بفضل تطوٌر وسائل الإتٌصال.

    إذا كانت العالميٌة هي النظرة الشٌاملة لأيٌ منطقة يعيش عليها بشريٌ؛ فإنٌ النسبيٌة الزمنيٌة هي المساحة التي يستطيع أيٌ إنسان التحرٌك ضمنها، و هي دون شك صعبة الحصر، من وقت كتابة هذه السٌطور إلى يوم القيامة، فهذا زمن آت لا محالة، و سيستغرقه الأفراد، لسنا نحن، إنٌها الأجيال القادمة، الأجيال التي نريد توعيتها بضرورة صناعة مستقبلها بالتٌحكٌم في الزٌمن القادم.

المطلب الثالث : مدرسة الأفكار

    مدرسة الأفكار هي الاسم الثاني الذي تُعرف به مدرسة الاختصاص، لأنها تهتمٌ بالفكرة أوٌلا و قبل كلٌ شيء، ظهرت في بداية القرن 21، و هي مدرسة نظريٌة ميدانيٌة في آن واحد، تهتمٌ بالجانب النظري من دون أن تهمل الناحية الميدانيٌة، و تختلف عن سابقتها ﴿ التتابع في كثير من النقاط، أهمٌها الاختصاصيٌة في الأدوار الفنيٌة، كما تنظر لسير العمليٌة الإنشاديٌة نظرة مبنيٌة على الإتٌصال، بين الفرقة أو المؤسٌسة التٌنظيميٌة كطرف أوٌل و بين الجمهور، إضافة إلى كونها تستخدم مصطلح " الإنشاديٌ " بشكل موسٌع، بدل " المنشد " الذي له دور حصره التقدٌم المعرفي في مجال محدٌد، إلى غير ذلك من النقاط.

   1 - البناء الفكريٌ للفرد الإنشاديٌ : إنٌ الفرد الإنشاديٌ باعتباره يملك عقلا؛ يتحتٌم عليه بموجبه إنتاج أفكار متكاتفة في بناء متكامل مهما كانت الصٌعوبة، و مهما كلٌفه ذلك، و البناء الفكريٌ يجب أوٌلا و قبل كلٌ شيء أن يكون ملتحما بأصل قوٌته ﴿ الله ، و لا جدوى لعكس هذا، فالمؤمن يرى بنور الله الذي يمثٌل أصل إشعاعه الفكريٌ، و إلاٌ كانت إنتاجاته العقليٌة خالية من المعنى الحقيقي للحكمة، مجرٌد هلوسات أقرب للشرٌ منها للخير.

    و إذا كان الله القوٌة الغيبيٌة المساندة للفرد؛ فإنٌه من الضٌروريٌ أن يعرف هذا الأخير طريقه السٌببيٌ المنتهج للوصول إلى الحقيقة، و هو البحث العلميٌ اللاٌ نهائيٌ في مختلف فروع شجرة المعرفة الوارفة، فدور الفرد في الجهاز الإنشاديٌ يصنٌف إلى نوعين، فنيٌ أو غير فنيٌ، و كل له معرفته الخاصٌة به، لكن يجب على المنتمين للإنشاد أن يتمتٌعوا بمرونة تسمح لهم بالانتقال من دور لآخر بيسر، فتوسٌع عالم المعرفة يجعل من المستحيل الإلمام بكل أقانيمه، فوقت الإنسان و عمره لا يكفيان لتحصيل جميع العلوم بتشعٌباتها، كما أنٌ التٌقوقع في ميدان علميٌ واحد ينشئ عند الفرد خبرة أكثر منها ثقافة مطلوبة التٌحصيل.

    يقوم البناء الفكري للفرد في مدرسة الأفكار على الاستقلاليٌة، أي شقٌ عصا الطٌاعة لكل ما يجعله يرزخ في المباذل و التفاهات، يشرئبٌ بعنقه إلى قمم المثاليٌات التي و إن لم تصل يداه إليها؛ يكفيه شرفا أنه كان قاب قوسين أو أدنى، مساعدا آخرين على الوصول، و يبقى قضاء الله و قدره فوق كل اعتبار، و إذا قلنا الاستقلاليٌة فلا نعني الحريٌة، لأنٌ هذه الأخير فكرة نظريٌة أكثر منها واقعيٌة، فالتٌفكير الاستقلالي أقرب للملموس منه للتٌفكير الحرٌ، و الذي يمكن تفسيره بأوجه مختلفة حسب مرجعيٌة كل مفسٌر.

    ناهيك على أنٌ البناء الفكري يجب أن يكون آمنا من كل محاولات الاختراق، فالأفكار المسمومة خطر يهدٌد بنية البناء، و يجعله عرضة للتٌحطيم أو التٌدمير، ووجود فرد في الجماعة ذو أفكار مخترقة؛ يعني أنٌ اختراق فكر الجماعة ككل شيء وارد، و منه فتأمين الفكر الفلسفيٌ القاعديٌ ينشأ من تأمين فكر كل إنشاديٌ، و حتى و إن عُزل الفرد المخترق تفكيره عن صناعة القرار؛ يبقى عبوة ناسفة نجهل التٌنبٌؤ بوقت انفجارها.

    و أمن البناء الفكريٌ مرتبط باكتساح بؤر التفكير المعادي، و هذا لا يكون إلاٌ بالاطٌلاع على المساحة الفكريٌة العامٌة للأفراد و الجماعات المختلفة، و توجيهها توجيها يقوٌي أهداف أفرادنا بعد امتلاك رؤية ثاقبة موسٌعة على طول و عرض هذا العالم، بتناقضاته و تكاملاته و انسجاماته، فلا أمن مع الانغلاق، و حتى و إن كانت هذه فرضيٌة؛ مستحيل أن تتحقٌق لأنها تناقض فطرة الإنسان المجبول على حبٌ الفضول المعرفي.

   2 - أثر الفكرة في الوجود : عراقة الوجود البشريٌ و توغٌله في التٌاريخ عامل مهمٌ يبرهن على قيمة الفكرة في جوهرها، و دورها في تغيير الواقع إمٌا إلى الأحسن أو إلى الأسوء، و ملاحظة الأثر قد لا تكون مباشرة، فتستغرق سنوات و سنوات، أي أنه لا وجود لفكرة معدومة الفعل، فهو إمٌا ظاهريٌ أو مخفيٌ، قصير المدى أو بعيده، و منه فدور أيٌ واحد منٌا هو التفكير، و ليس التفكير في دورك فقط، فكٌر و ادع الله أن يريك ثمرة تفكيرك قبل أن تموت، فالفكرة تجسٌد من صاحبها أو من غيره، لكن يُشترط ترويجها بدل أن تظلٌ حبيسة العقول و الأدراج، و ترويجها معناه محاولة تربية أفراد آخرين على تبنٌيها، فهي استهلاكيٌة ذاتيٌة الإنتاج، في حركة دائريٌة مفرغة إيجابيٌة، إنتاج فتبنٌي و إنتاج فتبنٌي، و هكذا تبقى هذه العلاقة الجدليٌة بين الفكرة و ترويجها، أشبه بالخليٌة التي تنقسم لتعطي خليٌة أخرى.

    إنٌ حياتنا حاصل أفكارنا، حتميٌة لا مناص منها، فحتـٌى الانعزاليٌ الذي يفكٌر غيره في مكانه؛ لديه فكرة بنت حياته، تتلخٌص في تقوقعه و رضاه بالأفكار الواردة، فلا يقول أحد أنٌ حياتي من صنع أفكار غيري، فهذا مفهوم سطحيٌ سرعان ما يتلاشى إذا سبرنا عمق القضيٌة.

    و التٌفكير الإنشاديٌ تفكير شامل لكلٌ ما يسمٌى فنٌ الإنشاد، من الدٌرجة الأولى أو الدٌرجة الثالثة، لأنٌ وجودك في هذه الدٌنيا يفرض عليك التفكير لإعطاء فعالية أكبر له، هذا إن افترضنا أنٌ وجودك فعٌال مسبٌقا، و إلاٌ لتحتٌم عليك التفكير من القواعد، حتى لا تكون شبيها بالدٌمية، موجودة في الوجود، و لكنٌها في اللاٌ وجود موجودة أكثر.

    و الأثر المترتٌب من أيٌة فكرة يجب أن يكون مدروسا، حتى لا تكون الفكرة سلبيٌة من أصلها، فكم من فكرة لها من الصٌورة الإيجابيٌة ما يرفعها إلى مصافٌ أفكار الحكماء، لكن أثرها غير المدروس كان كفيلا بالقضاء على مصداقيٌتها، كوسيلة لتحقيق منفعة الجماعة، و لذلك فالفكرة في ذاتها لا تمثٌل النٌجاح بقدر ما يلعب فيها الزٌمن المناسب لتحقيقها الدٌور الفاصل المحوري، و الزٌمن المقصود هو الزٌمن مجال توقٌع ردٌة الفعل، من طرف الهدف المستقبل للأفكار، و ليس زمن التٌرويج بالضٌرورة، فأيٌة فكرة تظهر و يُروٌج لها؛ إلاٌ و يُنتظر منها إحداث ردود أفعال.

    إنٌ الأثر الذي تناولناه في أوٌل هذا العنصر لا ينطبق تماما مع ردٌ الفعل، فهذا الأخير يكون صادرا من فرد، أمٌا الأوٌل فنراه في كل شيء عدا الأفراد، أو بعبارة مغايرة يمكن لنا أنٌ نعتبر أنُ ردٌ الفعل شيء جدٌ مهمٌ، فهو اللٌبنة التي تساهم في بناء فكرة أخرى أكثر من الأثر الذي يكون على واقع اللاٌ عقلاء، و هنا لا نقلٌل من أهميٌة الأثر، بل نوجٌه النٌظرة العامٌة إلى الاهتمام بردٌة الفعل أكثر من الاهتمام بالأثر، من باب المردوديٌة، و من باب الحرص على توجيه النٌظر إلى من يمكن أن يكونوا مصدراً شاملا للأفعال.

   3 - الأيديولوجيا الفكريٌة و فكرة الأيديولوجيا : إنٌ الأيديولوجيا باعتبارها نظرة فلسفيٌة حياتيٌة تمسٌ الناحية الفكريٌة بالدٌرجة الأولى؛ تقوم على مجموعة من الأسس، و التي يُطلق عليها مصطلح " الخطوط الحمراء "، فلا يمكن تجاوزها بأيٌ حال من الأحوال، و هذه الأيديولوجيا يجب أن تكون لدى الإنشاديٌ قاعدة حيويٌة لفنٌه، منها يستمدٌ الاستمراريٌة، شاقٌا طريقة نحو الحقيقة، فما هي في الواقع سوى بناء فكريٌ يسعى للتٌكامل، مشتقٌ من الدٌين كوسيلة لسدٌ كل الثٌغرات، التي يمكن أن توجد إذا كان مصدر الاشتقاق مرجعيٌات غير إلهيٌة، و الأيديولوجيا الإنشاديٌة يجب أن تكون ذات شخصيٌة مستقلٌة عن باقي الأيديولوجيات التي تكاد تسيطر عليها كالموسيقى و الدٌين، من دون أن تخرج عنهما، لأنٌهما جزءان لا يتجزٌآن من الأيديولوجيات المفروض توفٌرها عند كلٌ فرد إنشاديٌ، فالفكرة كلٌها تتلخٌص في ضرورة إحداث أيديولوجيا جديدة في فنٌ الإنشاد على إقنيمي الدٌين و الموسيقى.

    إنٌ علم الأفكار هو الذي أنتج لنا الجهاز الإنشاديٌ كنظام بديل عن الفرقة في مدرسة التتابع، و هو الذي طوٌر و أحدث نظريٌات نستطيع القول عنها أنها نظريٌات خاصٌة بفنٌ الإنشاد، أي أنه بعث النشيد و الأنشودة من جديد، لها قواعدها و قوانينها.....الخ، بعدما كانت طفيليٌة على غيرها، ذات شخصيٌة متداخلة أخفت لعقود طوال ملامحها التي تُعرف بها حقيقة المعرفة.

    و الأيديولوجيا الإنشاديٌة يجب أن تكون واضحة غير ضبابيٌة بالنسبة لأفرادها، فالوضوح عامل جوهري لإجمال الرٌؤى من زاويـــة 360 درجة ﴿ العالميٌة ، ممٌا يؤدٌي قطعا إلى القضاء على عوامل الخطأ و المفاجأة، بل حتى يدرك الإنشاديٌون أنٌهم في مسار مدروس مقنٌن، لا تطاله عشوائيٌة الأفكار و شطحات العقول غير الرٌشيدة، ممٌا يجعل الدٌرب محفوفا بعدٌة مخاطر، لا نقدر ساعتها الجزم بأنٌا في مأمن من الأفكار المعادية.

    تتكوٌن الأيديولوجيا من ذهنيٌات تنشأ في عقل الفرد، ثمٌ تتطوٌر شيئا فشيئا حتى تصل إلى فكرة مجسٌدة في الميدان، و أوٌل ذهنيٌة يجب السٌعي حثيثا لبذرها في العقول هي ذهنيٌة ضرورة الاعتناء بالأفكار، لأنها الخطوة الأولى لبناء فرد إنشاديٌ صلب العود، راسخ الجذور، لا يزعزعه شيء، و ما الزٌلزال الفكري الذي يُنادى به؛ إلاٌ خطوة مبدئيٌة لاستصلاح الأرض العقليٌة، تمهيدا لغرس شجرة فكريٌة ماؤها العلم، و هواؤها الرٌعاية الإلهيـٌة.

   4 - فلسفة الأدوار أيديولوجيا فكريٌة بخاصيٌة تكامليٌة : تعدٌ فلسفة الأدوار من المناهج المعتمدة في حياتنا اليوميٌة، فهي واقع مشاهد و أمر لا مفرٌ منه، فالله لمٌا خلق آدم و حوٌاء أنشأ مفهوم الدٌور، و عزٌزه لمٌا أنزلهما إلى الأرض، إضافة إلى أنٌ العقل و المنطق لا ينكران فضله، و حياتنا كلٌها لا تقوم إلاٌ على هذا المبدأ لاستحالة جمع كلٌ الأعمال عند فرد واحد، يقوم بكلٌ الأدوار في الوقت ذاته، خذ مثلا الأدوار الفطريٌة كالزٌوج و الزٌوجة، حتى أنٌ العقل لا يتقبٌل اللاٌ دور، فكلمة زوج توحي بالدٌور و قس على ذلك، متجاوزين إلى الأدوار في العمل، في الشٌارع،.......الخ.

    في الجسم البشريٌ دليل آخر، فكل عضو له دور فريد يقوم به وحده دون غيره، اليد و الرٌجل و الأذن و اللٌسان، و غص معنا للرٌئة و الكبد و الكلية.....الخ.

    و بهذا تكون فلسفة الأدوار عبارة عن أيديولوجيا قائمة على مبدأ التٌكامل، لوجود النٌقص الذٌاتيٌ في هذا الوجود، و أيٌة معارضة هي معارضة الفطرة.

    إنٌه لمن المحتٌم على كل إنشاديٌ أن يولي اهتماما رئيسا لفلسفة الدٌور، و يعطيها نصيبًا من الكتلة الإجماليٌة لأيديولوجيٌته، لأنٌها جزء من الحقيقة، و أيٌ تهميش أو إهمال يؤثٌر سلباً على النٌظرة الكليٌة للحقيقة الإنشاديٌة، فالرٌؤية القاصرة تؤدٌي إلى الاصطدام بشيء، أو السٌقوط في حفرة، أو...

    و إذا كان النٌقص السٌاكن في فطرة الإنسان يكمٌل بمنهج الأدوار؛ فإنٌه من المؤكٌد ضُعف، يُستلزم القضاء عليه بإبداله بقوٌة ما، و التي تُصنع من تجمٌع عدٌة أدوار بالصٌفة العامٌـة، بمبدأ التـٌكامل كأساس.

    و للتٌكامل قوٌة تُأخذ في الحسبان كذلك، فقوٌة الفرد 1 + قوٌة الفرد 2 = ق1 + ق2 + ق ﴿ ق1 + ق2 ، و كلٌما زاد عدد الأفراد في المعادلة؛ تزيد قوٌة التٌكامل.

    على هذه اللٌبنة نذهب لنقطة أخرى تدخل في الأيديولوجيا الإنشاديٌة، و هي ما تتلخٌص في مفهوم قوٌة الجماعة العالميٌة، فالفلسفة الإنشاديٌة الحديثة تركٌز على الاتٌحاد بين كلٌ أطراف فنٌ الإنشاد عبر كلٌ أقطار العالم، مذلٌلين كلٌ العوائق التي تمنع التٌكامل و التٌكاثف، و إزالة كل الحواجز التي من شأنها التٌفريق بين أفراد العائلة الإنشاديٌة، مثل القوميٌة و الوطنيٌة و العرقيٌة.......الخ، و هي في الحقيقة أقنعة تخفي ورائها خططا عظيمة لتفكيك وحدة المسلمين، و بعبارة صريحة نقول أنٌ الاتٌجاه الجديد للفلسفة الإنشاديٌة الحديثة يرفض كلٌ ما يمسٌ وحدة الأمٌة الإسلاميٌة، داعيا كل الفعاليٌات إلى قولبة الجهود لإثبات قوٌة الوجود، باتٌخاذ درب الدٌعوة الفنيٌة قناة متكاملة مع قنوات أخرى، لكن من دون أن يكون هناك خلط بينهم، فلكلٌ دوره الفريد.

   5 - التٌوجيه عن بعد : إنٌ فتح المجال برمٌته أمام عدد كبير من العقول البشريٌة؛ كتحفيز لإنتاج المزيد من الأفكار الإنشاديٌة، قد يؤدٌي إلى ملأ السٌاحة الفكريٌة بما لا يُعدٌ و لا يُحصى من الإسهامات، التي قد تبدو في ظاهرها متناقضة، لا سبيل للتٌأليف بينها، في حين أنٌ هذا التٌنوٌع محمود أكثر منه مذموم، يدلٌ على الثٌروة العقليٌة المحقٌقة من جرٌاء الاستخدام الجيٌد و المتكرٌر لأداة العقل، و حتى من الجانب المنطقيٌ يستحيل أن تكون إسهامات الإنشاديٌين برمٌتهم واحدة متطابقة، و إلاٌ ما الفائدة المرجوٌة من فتح المجال للجميع ؟، و ما الدٌاعي لذلك ؟، إن لم تكن الغاية هي الاستفادة من قدرات الكمٌ الهائل من العقول الجبٌارة، التي إن أُحسن استخدامها؛ حقٌقت نتائج مبهرة.

    و المشكلة الواجب تفاديها أصلا عند هذه الحالة هي صدام الأفكار، بل من الأفضل محاولة استغلال مختلف إنتاجات العقول الإنشاديٌة، كل منتوج في زاوية، سالكين درب الاعتدال الفكريٌ من خلال جعل فكرة تخدم أخرى، و ارتباطهم جميعا يخدم الهدف الأسمى للدٌعوة الفنيٌة، و بهذا فإنٌنا نكرٌس مبدأ الأدوار من جهة؛ و نجهض كل محاولات الاختراق.

    و التٌوجيه عن بعد لا يُقصد به خداع النٌاس و استغلالهم للمصلحة الشٌخصيٌة، بل هو أداة جوهريٌة ذات فائدة جمٌة، و سلاح يُستعمل للقضاء على أيٌة فتنة، يمكن أن تظهر بوادرها بظهور أفكار تدعو إليها، فهي تحوير الفعاليٌة من خانة السٌلبيٌة إلى خانة الإيجابيٌة، و هذا التٌحوير لا يكون فوضويٌا، فهو أشبه بتحريك خيوط الدٌمية الصينيٌة؛ كلٌ حركة تؤدٌي وظيفة معيٌنة، و أيٌ خلل كفيل بعرقلة السٌير العام للعمليٌة، إذن فالصٌورة الكليٌة تبدو صعبة لا يستطيع أيٌ واحد القيام بها وحده، و هنا أيضا تعزيز لمبدأ الأدوار.

    عبارة جعل فكرة تخدم أخرى؛ يجب أن يلعب فيها الزٌمن دورا لا يمكن لأحد الاستهانة به، فالخدمة هنا زمنيٌة و مكانيٌة، فالأولى مسح المجال لإحداث تغيير واحد في عدٌة نقاط من العالم، لا يكون في الأصل هو الهدف المنشود، بل يساعد على تحقيق هدف آخر لا يمكن الوصول إليه مباشرة من دون المرور على هذا التٌغيير الآنيٌ، و الثٌانية إحداث تغييرات متباينة قد تظهر متناقضة أحيانا في عدٌة أماكن من مناطق شتٌى، بهدف الوصول إلى هدف شموليٌ واحد، لا يتحقٌق كذلك إلاٌ باتٌباع هذه الاستراتيجيا.

   6 - الثٌورة الإنشاديٌة ثورة فكريٌة : على مرٌ العصور، حدثت ثورات متعدٌدة من السٌلميٌة في مختلف المجالات إلى المسلٌحة، و كانت كلٌها من بذور أفكار متنوٌعة على حسب طبيعة كلٌ ثورة كالصٌناعيٌة و الإتٌصاليٌة و الإلكترونيٌة، أي أنٌ كلٌ واحدة كانت لها فكرة تدعو لتجسيدها ميدانيٌا، فما يحدث في أيٌ مجتمع من تفاعلات و تغيٌرات إلاٌ و هناك أطراف تقف وراء المشاهد، من منطلق أنٌها تملك القدرة على الفعل، فهي تجسٌم الفكرة التي تؤمن بوجوب تحقيقها.

    و على غرار ما سبق ذكره، فإنٌ التحوٌلات الفكريٌة لدى الإنشاديٌين؛ آتية من الاقتناع بضرورة إحداث زلزال فكريٌ، يُهدف من خلاله إلى تمحيص كلٌ ما يتوفٌر منها على مستوى السٌاحة الإنشاديٌة، إبقاء للأصلح و تخلٌصا من البالي، و هذه الفكرة هي التي تحرٌك الميدان الفنٌيٌ على ثلاثة نطاقات؛ الأفكار و العواطف و الأوضاع.

    يجب أن يعلم كلٌ فرد إنشاديٌ مهما كانت مدرسته التي ينتمي إليها؛ أنٌ له دورا - حتى و إن بدا ضئيلا - يساهم بواسطته في إثراء التٌراث الفكريٌ الإنشاديٌ، و لا بدٌ أن يستشعر قيمة فكرته من حيث أنٌها عمليٌة إنتاج عقليٌة، يمكن أن تُبنى عليها عدٌة أفكار أخرى تساهم هي بدورها في ترقية فنٌي النٌضيد و الأنشودة، إن لم يكن الآن؛ فبعد مدٌة لا يعلمها إلاٌ الله.

    و الثٌورة الفكريٌة لا بدٌ لها من تواصل إشعال، فهي في طريق لا ينتهي إلى يوم لا تبقى فيه على وجه الأرض حياة، و أيٌ توقٌف على هذا المسار؛ معناه خمود الثٌورة، فالفكرة يجب أن تبقى في حلقة إنتاج لا نهائيٌة، فإذا حدث وقوف؛ دلٌ ذلك على فساد آلة التٌفكير، و لا يأخذ مفهوم التوقٌف معناه فحسب؛ بل يتعدٌاه إلى مفهوم التٌراجع، لأنٌ البشريٌة في صورتها العامٌة تتقدٌم، و الإنشاديٌون يجب عليهم أن يتقدٌموا، فإذا وقفوا ساروا إلى الخلف، لأن حالة السٌتاتيكيٌة تحمل معنىً ضمنيٌا يتجاوزها إلى مفهوم التـٌقهقر، و بهذا يكونون قد خرجوا من دائرة الفعاليٌة التي تتناولها الفلسفة الإنشاديٌة الحديثة في مبدأ القوٌة الخفيٌة.

    إنٌ قيام ثورة إنشاديٌة يهدف إلى تطوير هذا الفنٌ تطويرا شاملا، ماسٌا كلٌ الجوانب المحيطة بالنشيد و الأنشودة، و نحن بحاجة دائما لمفكٌرين يمهٌدون الطٌريق للذين يأتون من بعدهم، تكون لديهم القدرة الفذٌة على إقناع الأفراد بضرورة تبنٌي أفكار جديدة متجدٌدة، تملك الحيويٌة في ذاتها، من أجل استنهاض الهمم، و فلاسفة يتمتٌعون بعبقريٌة رائدة، ينظرون للفكر الإنشاديٌ الحديث نظرات كلٌها تفاؤل و دراية، و نقٌاد نوابغ يصحٌحون ما يرونه تحت المجاهر.

المطلب الرابع : منهجيٌة التٌفكير

    لا نعير اهتماما في هذا المطلب إلى الكيفيٌة السٌليمة لتفكير الأفراد الإنشاديٌين؛ بقدر ما نريد تبيان نقطة لها من الأهميٌة ما يضعنا في حرج نتفاداه بالكشف عن درب التٌفكير، من أنه فطرة في أوٌله إلى كونه ينقسم إلى قسمين.

   1 - التفكير فطرة في الإنسان : يُخلق الإنسان أوٌل ما يُخلق جنينا في الرٌحم، ليخرج إلى النٌور بعد 9 أشهر من الظلام، مجهٌزا بكلٌ ما يحتاج إليه في هذا العالم، و العالم الآخر، و من بين هذه المعدٌات التي أمدٌه بها الله - و إن كانت غير مطوٌرة بعد - نعمة العقل، ليفكٌر فيهتدي لوجود الله، و يدرك أنٌه ما خُلق عبثا، و لا جاء صدفة، بل لديه مهمٌة يجب القيام بها، ثم يرجع للقاعدة التي تنتظره في السٌماء.

    إنٌ مجرٌد استعمال العقل هو نعمة أخرى بعد نعمة هذا الأخير، و الاشتغال بتفعيل قواه شيء أقرب إلى كماله، فالتفكير أمر ضروري مجبول عليه كلٌ ابن أنثى، فلا بدٌ أن يفكٌر كلٌ إنشاديٌ، و إن خالف و تنكٌر؛ فسيفكٌر شخص آخر مكانه، و محتمل جدٌا أن يكتسح هذا الأخير مجال تفكيره، فلا يترك له قيد أنملة.

    إنٌ الميدان الذي يجول فيه العقل ليس له حدود ينتهي إليها، اللٌهمٌ حدود عجزه عن بلوغ ما ينعت بسببه بالنٌقصان، فهو العلم الجدٌ واسع الشٌطآن، و من الجهل أن نفكٌر في أنٌه سيصل إلى نقطة يقف عندها، فحياة الفرد عامة لا تكفي لتحصيل كلٌ العلوم، و حياته أيضا لا تكفي لإيجاد حلول لجميع ما ينغٌص عليه معيشته.

    و إذا ربطنا هذه النٌقطة مع النٌقطة التي سبقتها، نستخلص إلزاميٌة جوهريٌة : من يطرق باب العلم أوٌلا ؟، لأنٌ ذلك سيؤدٌي إلى الإنفراد بمفاتيح نادرة، قد لا يحصل عليها أطراف آخرون، و منه سيكون علما محصورا على جهة معيٌنة، يُتوقٌع بنسبة تفوق 80 ٪ أنها عدوٌ يهدٌد المسيرة الإنشاديٌة، و أفرادها من الخطر الذي يعرفه أغلبيٌة البشر، إلى ما يخطر وقوعه.

    على هذا الأساس يجب على الأفراد الإنشاديٌين باختلاف مدارسهم؛ أن يكتسحوا المجالات اللاٌ نهائيٌة للعلوم، حتى يملكوا المبادرة في تحريك الأحداث، و يمسكوا زمام الأمور مسكاً لا يفلت من أيديهم إلى يوم القيامة، مدركين دورهم في نشر المعرفة باعتبارها نورا، تسعى الإنسانيٌة جمعاء للاقتباس منه، حريصين كلٌ الحرص على ألاٌ يقع منه شيء ذو قيمة في يد العدوٌ، فيحوٌل القضيٌة من خاصيٌة النٌفع إلى خاصيٌة الضٌرر.

    و التٌفكير يجب أن يكون منظٌما، بعيدا عن خبط العشواء الذي يهدر هذه الطاقة العقليٌة، مانعا استغلالها على الوجه المناسب و الأكمل، و التٌنظيم نقصد به مؤسٌسة مكلٌفة باستغلال أفكار الإنشاديٌين، دون حصر عمليٌة التٌفكير في أفراد معيٌنين، فالجهاز يزخر بعدٌة مؤسٌسات تنظيميٌة؛ كالإعلام و الثٌقافة و البحث، و هذه التكتٌلات مسؤولة عن رفع الفِرق إلى مستويات عالية من النٌجاحات.

   2 - التفكير من أجل التٌغيير : إنٌ التٌفكير باعتباره فطرة في الإنسان يبدأ استعمالها منذ الصٌغر؛ تربية عقليٌة ينشأ عليها الفرد الإنشاديٌ إلى اللٌحظة الأخيرة من حياته.

    و التٌفكير الذي هو النٌشاط العقليٌ المهتمٌ بحلٌ المشاكل الإنشاديٌة بالدٌرجة الأولى؛ يجب أن يكون له هدف قاعديٌ جوهريٌ، يمكن تشخيصه في إحداث تغيير ما، من أجل الارتقاء بفنٌ الإنشاد في إطار زمنيٌ مستقبليٌ، لأنٌ المستقبل هو الزٌمن الوحيد الذي يستحقٌ أن نعالج خباياه، قبل أن يصبح واقعا معاشا يستحيل تغييره.

    و للتٌقرٌب أكثر من العقل، نستعمل هنا مصطلح " صناعة المستقبل "، و هو المفهوم الذي يقدٌم الفكرة محلٌ المعالجة، فالتفكير هو من أجل تغيير الواقع إلى الأفضل، باستخدام قوانين التٌحكٌم في الزٌمن القادم، سواء كان قريبا أو بعيدا، لأنٌه من النٌاحية الفلسفيٌة لا نحسٌ بالزٌمن الحاضر مطلقا، و يستحيل ذلك، و الواقع الذي نعيشه ما هو إلاٌ مجرٌد إحساس نفسيٌ، له من العموم ما ليس له من الخصوص، فإذا أردنا تغييره؛ لا بدٌ لنا أن نخرج ممٌا لا يُدرك إلى ما يُدرك، أي توجيه النٌظر إلى المجال الزٌمنيٌ القادم، قصد صناعته صناعة تلائم ما يجب أن يكون في المجال الزمنيٌ الحاليٌ، فالمستقبل زمن ما زال لم يُستغرق بعد، و إنه كلٌما كان قريب الاستغراق؛ صعب التحكٌم فيه، فإن أصبح مستغرقا ﴿ زمنا حاضرا يكون التحكٌم فيه مستحيلا، لأنٌ الشٌعور به غير محقٌق في الأصل، فكيف يتمٌ التحكٌم في شيء لا يُشعر به ؟.

    يمكننا هنا أن نتطرٌق للحواسٌ السٌتٌ التي منحها الله لنا، خمسة حواسٌ مشهورة و هي : الشمٌ و الرٌؤية و السٌمع و اللٌمس و الذٌوق، مع حاسٌة سادسة هي الإحساس بالغيب في صورته العامٌة، أي الإحساس ببعض ما غاب عن حواسٌنا الخمس السٌالفة الذٌكر، و الزٌمن الحاضر في جوهر القضيٌة زمن يغيب إدراكه حتى بالحواسٌ السٌتٌ، مجتمعة، أمٌا المستقبل فغائب عن حواسٌنا الخمس فقط، أمٌا شعورنا به فموجود، و لذلك من الضٌروري مدٌ الأيدي إليه لصناعته على ما نرغب به، و إلاٌ لوصل إليه أعداء هذا الفنٌ، و من غير المنطقيٌ ساعتها أنٌ أمثال هؤلاء سيتركون الباب مفتوحا لكلٌ من أراد اللٌحاق بهم.

    بنـــاء على ما سبق؛ فإنٌ التفكير يجب أن يكون في معزل عن الجدال العقيم، و في مأمن من خطر المستنقعات الفكريٌة، التي لا تدع أيٌ شيء حيٌ  داخلها، وإذا مات العقل فلا وجود للمسيرة الإنشاديٌة على الوجه الشٌامل، ذلك لأنٌ المستنقع الفكريٌ يستنزف قوى العقول، فيدمٌرها مستغلاٌ طاقتها الذٌاتيٌة، في لياكة أفكار لا نخرج منها بنتائج، كالحلقة المفرغة المتعبة لقوٌة الجسد من كثرة الدٌوران، ....إنٌه الجدال العقيم.

   3 - قناعات التٌفكير الإنشاديٌ : إعطاء الضٌوء الأخضر للإنشاديٌين في استعمال عقولهم؛ لا يعني بأيٌ حال تركهم يتخبٌطون في لجج الأيديولوجيٌات المختلفة المتناقضة، بل يجب أن يكون تقدٌمهم الفكريٌ قائما على دعائم، تمثٌل أرضيٌات صلبة لهم، و قناعات تكوٌن قيما فكريٌة يستحيل التٌخلٌي عنها، لأنٌها الحقيقة الموصلة للحقيقة.

    و قناعات التفكير الإنشاديٌ هي مجموعة من القواعد الجوهريٌة المسلٌم بها استناداً إلى أدلٌة عقليٌة و وحييٌة، هي :

    1 - النسبيٌة : هي الاقتناع أنٌ ما تصل إليه المعرفة البشريٌة لا يرقى أبدا إلى درجة الكمال، و حتى و إن توفٌرت هذه النقطة؛ لا يمكن بأي حال استمرارها إلاٌ في مدٌة زمنيٌة، فالنتائج ليست مطلقة أبدا، و إنٌما هي مؤقٌتة ليوم نجهل متى سيكون، و بالتٌالي فالبحث العلميٌ لا يتوقٌف، لأنه مازال لم يصل إلى خطٌ الوصول، و لن يصل أبدا، بل يبقى دائم الاستمرار و التٌقدٌم، كلٌما وصل إلى حدٌ ما؛ أدرك أنٌ هناك حدٌا آخر يجب الوصول إليه.

   2 - الأثريٌة : هي الاقتناع أنٌ كلٌ ما يصدر من الأطراف الإنشاديٌة له أثر في الوجود، حتى و لو كان أثرا بسيطا قد لا يغيٌر شيئا ذا أهميٌة في الأحداث، و الأثر عموما هو ما يخلٌف بالمعنى العام للكلمة، و هو يشمل ردٌ الفعل، لأنٌ هذا الأخير يكون من شيء يملك القدرة على فعل شيء ما، حيٌا، فالجماد لا ردٌ فعل له إلاٌ ما كان عفويٌا، و هذا لا يسمٌى ردٌ فعل في جوهره.

    أحيانا يتعجٌل الإنشاديٌ استقبال ردٌ فعل، أو انعكاس أثر معيٌن، و هنا يكمن الخطأ، فمن فكرته أنٌ ما يقوم به ليس له نتائج؛ فلا فائدة تُرجى منه، في حين أنٌ أثره لم ينعكس فقط أو تأخٌر، لكنٌه حدث.

    و بما أنٌ الوجود يضمٌ العنصر البشريٌ؛ فإن الفعل الاجتماعيٌ صادر منه، مشكٌلا تغييرا في هذا الوجود، و لذلك فردٌ الفعل منتظر، و لو لمدٌة طويلة و بصورة مجهولة لا ينقشع عنها الضٌباب إلاٌ نادرا.

   3 - العدائيٌة : هي الاقتناع بوجود عدوٌ في حالة تربٌص دائمة، حتى و لو كان غير ظاهر، لكنٌه في الواقع موجود، نظرا لأنٌ العداء حتميٌة تاريخيٌة، كلٌ واحد إلأٌ و له عدوٌ، فالكثيرون يؤرٌقهم تطوٌر فنٌ الإنشاد، و يتمنٌون زواله إلى الأبد، و بما أنٌ الإنشاد هو الطٌرب ذو الجذور الإسلاميٌة؛ فإنٌ الأعداء حتما سيكونون مجموعة مشتركة بين الطٌرفين.

    و الاقتناع بفكرة وجود عدوٌ يفرض عامل الحذر، فترسانة الأسلحة الممكن استعمالها ضدٌ الإنشاديٌين متنوٌعة، من الفكرة المسمومة إلى تأليب الجهٌال، إلى التٌصفية الجسديٌة في آخر المطاف، لأنٌ الحرب قائمة في الأصل و لا ينكرها عاقل، أمٌا أشكالها فتأخذ أوجها مختلفة حسب ما يسمح به الوضع العالميٌ العام، حربا اقتصاديٌة، فكريٌة، إعلاميٌة، مسلٌحة...الخ، إستناداً إلى فكرة وجود صراع دائم بين الخير و الشرٌ.

   4 - التٌدريجيٌة : هي الاقتناع أنٌ الوصول إلى مركز متقدٌم لا يكون إلاٌ تدريجيٌا، خطوة بخطوة من دون تعجٌل، فأيٌ خطأ قد يأتي بويلات ندفع ثمنها كلٌنا، و يتأخٌر تحقيق النٌتيجة المرجوٌة سنوات و سنوات.

    إنٌ خطور فكرة على العقل أمر سهل مقارنة بتنفيذها ميدانيٌا، فقد تواجهنا صعوبات جمٌة، ممٌا يضطرٌنا إلى التفكير في تنفيذ مقبٌلات، تساعد شيئا فشيئا على تخطٌي العراقيل، إلى غاية الوصول إلى مرحلة تنفيذ الفكرة الأولى دون عناء، أو خسائر كبيرة، و العراقيل التي تقف دون تحقيق الهدف كثيرة متعدٌدة، تستلزم دراستها دراسة متأنيٌة، و من ثمٌة وضع خطوات تدخل في استراتيجيا أو سياسة يُسار عليها منذ البداية، مترجمة كلتي الطريقتين إلى تكتيكات ميدانيٌة.

   4 - خصائص التٌفكير الإنشادي : و كما للتفكير الإنشادي قناعات يعتقدها؛ فإن له مميٌزات كذلك تضفي عليه سمات الخصوصيٌة عن باقي الفنون الغنائيٌة الأخرى هي :

   1 - الاتٌحاديٌة : و هي خاصٌية فريدة من نوعها، تحمل معنى الإتحاد مع الله، أي أنٌ التفكير في مجمله لأيٌ فرد إنشادي من شتى المدارس؛ يجب ألاٌ يكون بمعزل عن الخالق أبدا، فمنه يستمدٌ البشر قوٌتهم، و إذا استهدوه يهديهم، و لا إنتاج فكري يمكن أن ينجح في الواقع؛ إلاٌ إذا توفٌرت فيه هذه الميزة، خاصيٌة الاتٌحاد الرٌبٌاني، و من هذا المنطلق؛ نرفض أيٌ تفكير يقصي الله من محتواه، لأنه يكون قد حكم على هذا الإنتاج بالفشل، جرٌاء ابتعاده عن الحقيقة المطلقة المتجسٌدة في الله.

   2 - الارتقائية : تستند هذه الخاصيٌة إلى فلسفة الارتقاء الحيوي، الآخذة بكل الإمكانيٌات المحيطة بالفرد، مهما بلغ ضعفها و كانت قلٌتها، من أجل تحقيق التقدٌم في كل مجالات الحياة، و محصورة في فن الإنشاد على الإنشاد فقط، فلا يُشترط وجود إمكانيٌات ضخمة حتى يكون هناك عمل و اجتهاد، فهذه فكرة غير ناجعة، لأنه من المفروض أنٌ الإنسان هو الذي يتحدٌى الطٌبيعة ليحقٌق وجوده، و إن كان العكس فلا معنىً لوجوده مطلقا، فالعالم الدٌنيوي الذي نحن بداخله؛ يميٌزه الصٌراع من أجل البقاء، و الصٌراع كما هو معروف عمليٌة تحقيق ربح دائم في الوسائل التي يجابه بها الطٌرف الثٌاني، ابتداء من أقلٌ حجم.

   3 - الشٌموليٌة : إنٌ التفكير الإنشادي باعتباره ذا جذور متينة صلبة ﴿ الدين ؛ يحمل صفة المشتقٌ منه ضرورة، و باعتباره فنٌا غنائيٌا دينيٌا؛ فهو يهدف إلى ما يهدف إليه الدٌين في حدٌ ذاته، لكن من سبيل آخر، إذن فالطٌرح الشمولي للمشاكل التي تعترضه، خاصيٌة من الخصائص التي يتميٌز بها، و حتى فكرة نشر الفكر الفلسفي الإنشادي؛ يجب أن تحمل صبغة العالميٌة كذلك، و نذهب إلى الاستقاء من كل الفنون الغنائيٌة التي تزخر بها حضارة العالم الواسع، و التفتٌح على مختلف مدارس الإنشاد، و كذلك تقبٌل كل الاختلافات في وجهات النظر، لأنٌ قوى العقول تختلف كما تختلف زوايا نظرها.

   4 - التٌوحيديٌة : إشكاليٌة التفتٌح على العالم و ما يحويه من تناقضات، تستلزم توحيد ما يجب توحيده، و ما كان ممكنا، سدٌا لجميع سبل الفُرقة و الانشقاق، بمعنىً آخر يجب الاعتماد على مبدأ الاعتدال الفكري، فالوسطيٌة قوٌة بعينها، و هذه الخاصيٌة إذا استعملت على النٌحو المناسب تنجب لنا فكرا إنشاديٌا له من الصٌلاحيٌة ما ترشٌحه لبلوغ أقصى بقاع الأرض، و لا عجب في ذلك، فكلٌما كان مجال الوسطيٌة عريضا؛ كلٌما زادت مساحة الانتشار، و من جهة أخرى يلعب فن الإنشاد هنا دور موحٌد الصٌفوف، التي مزٌقتها الفلسفات المبنيٌة على قواعد متطرٌفة، لها من التشدٌد و التزمٌت ما يُحكم عليها من الأوٌل بمحدوديٌة التٌجاوب و القبول.

   5 - العلميٌة التٌوفيقيٌة : هي الخاصيٌة الخامسة من خصائص التفكير الإنشاديٌ، الذي يجب أن يكون علميٌا لا خرافيٌا، مبنيٌا على البحث و العلم، و ليس على الأساطير و الأوهام، فالعلم هو السٌبيل الدنيويٌ لتطوير أيٌ شيء كان، لأنٌ كل شيء في هذا الوجود مُقام على قوانين علميٌة، يجب السٌعي جديٌا للتٌحكٌم فيها، فمتى توفٌر ذلك تمٌت السٌيطرة على الشيء الهدف.

    و العلم كطريق مسلوك يجب أن يكون ميدانه ميدانين متكاملين، لا غنى لأحدهما عن الآخر، فالنظريٌ ليس كل شيء، و التطبيقيٌ كذلك ليس كل شيء، و كلاهما واقع، و أي فصل بينهما تطرٌف، لأنٌ الفكرة لا فائدة منها إذا لم تطبٌق، و مجرٌد التٌفكير فقط من أجل التفكير؛ أمر غير محمود، فلا يمكن عندئذ تطوير الإنشاد.

   6 - النٌظر في الأفق : تعتبر خاصيٌة النٌظر في الأفق من أهمٌ خصائص التفكير لدى الإنشاديٌين، إذ أنها مقياس وعي ممتاز، فالتغيير المرتقب حدوثه، و الذي هو في نفس الوقت حتميٌة لا يمكن حدوثه مطلقا في الوقت الآني، لأنه باختصار لا وجود للإحساس بالزٌمن الحاضر، فهناك الماضي و المستقبل، و سرعة إدراكنا مهما بلغت؛ من العبث أن تكون مطلقة لما يحدث حاليٌا.

   5 - التفكير الاستراتيجي : نستبعد التفكير العشوائيٌ من فنٌ الإنشاد استبعاداً يفسح المجال من خلاله لنمط مدروس من التفكير يسمى " التفكير الاستراتيجيٌ "، و يُقصد به مفهوما يستند إلى مفهوم مصطلح " استراتيجيا "، و هي خطٌة موضوعة سائرة في منهج مقنٌن وفق زمن محدٌد، و التفكير المتميٌز بهذه الصٌبغة يجب أن يكون شاملا، في كل ميادين العلم، محاولا القضاء على المشكلة قضاء مبرما و ليس جزئيٌاً، بالقضاء على أصلها حتى لا تُبعث فيها الحياة من جديد، إذن فهو تفكير يسعى للإحاطة بكل الجوانب التي تكون قد ساهمت و لو بجزء هيٌن في إحداث مشكل ما، ناهيك عن المعالجة بأقلٌ الأضرار الممكنة، فاجتثاث أسباب المشكل الإنشاديٌ لا يكون كيفما اتٌفق، بل بتفكير يساعد على الاحتفاظ بالمكاسب المحقٌقة، غير محدث مشكلة أخرى.

    و التفكير الاستراتيجيٌ يعتمد كثيرا على التـٌراكم المعرفيٌ، فهو الطٌاقة التي تسيٌره دافعة إيٌاه للأمام، مستفيدا من خبرات سابقة لاختصار الزٌمن، و استغلال القيمة المتوفٌرة فيه من أجل إنتاج الجديد من الأفكار، التي تُضمٌ إلى سابقاتها مشكٌلة رصيدا معرفيٌا يُستغلٌ بدوره في الإنتاج القادم، و هكذا دواليك.

    إنٌ موقع التفكير الاستراتيجيٌ من الوجود يسمح له بمسايرة كل الأحداث على المحاور الزمنيٌة الثلاثة، و المحور المكاني الواقعيٌ و الافتراضيٌ، و لهذا فهو استراتيجي في حدٌ ذاته، و خاصيٌة عقليٌة ينبغي على كل الأفراد أن يتحلٌوا بها، إن لم نقل أنٌه مفتاح الفعالية التي تنادي بها مدرسة الاختصاص.

   6 - التفكير المنطقي و التفكير العقلي : يختلف التفكير المنطقيٌ عن العقليٌ اختلافا جوهريٌا، فالمنطق و العقل ليسا وجهين لعملة واحدة كما تظنٌ الغالبيٌة من الناس.

    يُعتبر التفكير العقليٌ أرقى من نظيره المنطقيٌ، فالعقل أداة يمكن زيادة كفاءتها و تحسين أدائها، لأن نشاطه في ذاته محدود، لكنه قابل لبعثه من جديد دون مشاكل، و التـٌربية واسطة هذه العمليٌة، و عدم وجود مشاكل تخصٌ العقول السليمة التي تتٌخذ من الفطرة حقلا خصبا لها، باعتبارنا أنٌنا متٌفقون من البداية أنٌ العقل يتقبٌل كلٌ شيء صحيح، و هو بهذا يكون مثل الكرٌاسة التي تتجدٌد صفحاتها البيضاء باستمرار، لننسخ عليها كل ما من شأنه ضمان الرقيٌ الفكريٌ، و النٌهضة التي لا يأفل نجمها على مرٌ العقود و القرون.

    إذن فخلاصة القول أن التفكير العقليٌ هو تفكير متجدٌد في حدٌ ذاته، غير ساكن، متحوٌل من درجة إلى غيرها، أما التفكير المنطقيٌ فشيء آخر.

    لا نتحدث هنا عن أنواعه، بل نأخذ المفهوم في مجمله، فالمنطق أقرب للثٌبات و الجمود منه للتٌغيٌر و التحوٌل، و أحيانا يناقض العقل، و أحيانا أخرى يوافقه، و لذلك لا يُعتمد عليه كثيرا، فحالته الزٌئبقيٌة تمنع أخذه أداة لتحقيق التٌقدٌم للإنشاد.

    و التفكير العقليٌ ليس مجديا إذا كان بمعزل عن الشٌرع، و لا يُعتبر بمنأى عن الخطأ، فالعقل يظلٌ دائما في قصور، و لكن على الأقلٌ نقلٌل من درجة قصوره بربطه دائما بالله، فلا توجد ثقة مطلقة في الآلة الفكريٌة، فأحيانا يخطئ المفكٌرون، و التـٌاريخ مليء بمثل هذه الحوادث، و مع هذا من غيـــر الممكن الامتناع عن استعمالها بدعوى أنٌها غير آمنة، و أنٌها عرضة للخطأ، فهي سبب التٌكليف، و سبب دخول الجنة و النار، فكيف نلغيها ؟.

    الخاتمــة :

    ختاما؛ لا بد أن نشير إلى العلاقة بين مدرسة الأفكار و منهجيٌة التٌفكير، فالنٌظرة الحديثة لفنٌ الإنشاد تعتبر الفكرة هي الأساس و الجوهر و القاعدة، و الفكرة ما هي إلاٌ المنتوج الذي يستطيع العقل صناعته.

    إنٌ العمليٌة الإنتاجيٌة إن لم تكن تحوي مفاتيح نورانيٌة تبدٌد عتمة الجهل، فإنٌها و لا شكٌ ستكون غير طبيعيٌة، ممٌا يجعل ثمرتها ذات نكهة رديئة.

    و حتى نعطي أفضل نكهة لأفكارنا؛ يجب طرق أبواب كثيرة تُعتبر في واقع الأمر مبادئ و أسسا و مميزات تجعل الفكرة منفردة المذاق، لأنٌها تمثٌل زاوية نظر مجموعة أفراد تجاه الحقيقة.

    كان هذا الكتاب الذي هدانا الله إليه، درجة سلٌميٌة تعرٌف الإنشاديٌين باختلاف مذاهبهم بالدٌرب الصٌحيح للارتقاء بهذا الفن، و نوظٌف كلمة " صحيح " هنا متحفٌظين غير متعصٌبين للمدرسة التي نعمل تحت مظلٌتها، فالاعتدال يدخل ضمن المنهجيٌة الفكريٌة المسلوكة، و نحذٌر أفراد مدرستنا من التٌطرٌف أيٌا كان نوعه.

جهاز أنسام الصباح للتربية الفنية

هيئة الإقليد - جويلية 2006

 1024 × 768، مركز المجرة للإعلام الإلكتروني / فرع شبكة المجرة الإخبارية، إطلاق مذبذب منذ 2002 * معا لبناء إعلام إنشادي

تطوير شبكة المجرة الإخبارية بمساعدة جهاز نبض الضوء للخدمات الإنشادية - جميع الحقوق متنازل عنها