الفهرس :
توطئة
المطلب الأول :
فن الإنشاد في بداية
القرن 21.
1 - واقع النٌشيد و الأنشودة في نهايات القرن
20 و بداية القرن 21.
2 - ظهور النٌزعة التٌطوٌريٌة الإنشاديٌة.
● ما هي العوامل التي
ساعدت على ظهور النزعة التطوٌريٌة الإنشاديٌة ؟.
المطلب الثاني :
الحركات الإنشاديٌة العالميٌة.
1 - حركة فان ( الفجر الأخضر
).
● أسباب نشوء حركة فان.
● أهداف حركة
فان.
● مبادئ حركة
فان.
2 - حركة المقام الجديد.
● أسباب نشوء حركة المقام الجديد.
● أهداف حركة
المقام الجديد.
● مبادئ حركة
المقام الجديد.
3 - حركة البراعم
( أصحاب الصٌفحة البيضاء
).
● أسباب نشوء حركة البراعم.
● أهداف حركة
البراعم.
● مبادئ حركة
البراعم.
المطلب الثالث :
الجذور الفلسفيٌة للحركات الإنشاديٌة العالميٌة.
1 - فلسفة الإرتقاء الحيوي.
2 - فلسفة التٌغيير المستقبلي.
3 - فلسفة العدوٌ المحتمل.
خاتمــة
................................................................................................................................
توطئة
:
بات من المؤكٌد للجميع أنٌ ما يجري من تحوٌلات و
تطوٌرات في السٌاحة العالميٌة، ما كان ليحدث صدفة أبداً، فلقد لعبت بعض
التنظيمات أدواراً جدٌ حيويٌة في بعث النشيد و الأنشودة،
مجتهدة في إعادة الحياة إلى
مجاريها الطبيعيٌة؛ بعودة الفنٌ إلى مقامه.
و لمٌا
كانت رؤيتنا تعتبر تبيان ما يحدث شيئا ذا قيمة تاريخيٌة؛ و شهادة حقٌ تمليها
الضٌرورة؛ سعينا إلى تعريف الناس و توعيتهم بأهمٌ الحركات الإنشاديٌة
العالميٌة، رغم ما نعرفه عنها من تخفًٌ و تكتٌم
لأسباب جدٌ خاصٌة،
كالرٌياء الذي يمكن أن يصيبهم
كما أصاب غيرهم، فتحبط أعمالهم التي بدؤوها أوٌل ما
بدؤوها بنيٌة التقرٌب لله تعالى، لا يبتغون المال و
البرٌاق.
هذا
الكتاب.... مسحة يد تزيل غبار الجهل و النسيان عن
ثلاثة تنظيمات فنيٌة، اعتنت بالإنشاد عناية الأمٌ برضيعها، حين رأته
بحرقة يغرق وسط
عبث العابثين، وإهمال أهله له، المنقسمين على أنفسهم
تارة؛ و المنشغلين بما رأوه يستوجب الإنشغال تارة أخرى.
و إنٌنا
قد غضضنا الأبصار عمٌا وجدناه غير ذي أهميٌة، مقتصرين فقط على كشف ما قد
تتٌهمنا به الأجيال القادمة إن أخفيناه بالأنانيٌة التاريخيٌة، و الحجب
العلميٌ، سائلين المولى أن يتقبٌل مساهمتنا المتواضعة في إنارة الدٌرب الفنيٌ،
ذخرا لكل غيور على هذا الإنشاد، و مرجعا لجميع الإنشاديٌين عبر العصور و
الأزمنة، ليعلموا أنٌ ما تمٌ الوصول إليه ما كان ليكون إلاٌ بحوله عزٌ و جلٌ
أوٌلاً، و بأولئك العباقرة الذين بذلوا بسخاء كبير دماء من عقولهم ليعيش
الآخرون ثانياً، و حتٌى يعلم كلٌ من لديه عقل على وجه هذه البسيطة؛ أنه عندما يوجد ضوء؛
لا بدٌ معه من وجود من احترق كليٌة....... ليوفٌر
النٌور للجميع.
مع
تحيـٌاتنا الخاصٌة لأسرة شبكة المجرة الإخبارية على جميع المعلومات القيٌمة التي
قدٌمتها لنا.
جهاز أنسام الصباح
للتربية الفنية
هيئة الإقليد -
أكتوبر
2005
المطلب
الأوٌل :
فنٌ الإنشاد في بداية
القرن 21.
1 - واقع
النٌشيد و الأنشودة في نهايات القرن 20 و بداية القرن 21 :
لقد شهد
مطلع القرن 21 عدٌة مظاهر كانت سائدة ابتداء من نهايات
القرن الذي سبقه، مع حدوث تحوٌلات صاحبت التغييرات الحديثة التي عرفتها كثير
من البلدان، كظهور عمليٌات عنف في السعوديٌة، الاستقرار الأمنيٌ
الظاهريٌ في الجزائر،
احتلال العراق، التهديدات الأمريكيٌة لسوريا و إيران، القلق المتنامي بشأن
العولمة، عواقب هجمات سبتمبر.....الخ، ففي مدٌة قصيرة
نسبيٌا؛ وجدت مدرسة التتابع نفسها تظلٌ أغلب
الإنشاديين تحت مظلٌتها، كون كلٌ الأنظمة
الإنشاديٌة المعروفة في هذه الفترة
تُصنٌف ضمنها، كفِرق
"
ريحان
"
الماليزيٌة؛
"
الاعتصام
"
الفلسطينيٌة؛
"
اليرموك
" الأردنيٌة؛
"
الإسراء
" المغربيٌة؛
"
أشواق
" الجزائريٌة، و غيرها، ناهيك عن عمالقة هذا
الفنٌ أمثال
"
أبو راتب
"،
"
أبو دجانة
"،
"
عماد رامي
"،
"
يوسف إسلام
"،
"
أبو خاطر
"،
"
أبو عبد الملك
"...الخ، فلقد تحوٌل كل
المتأثرين بالمدرسة السٌابقة إلى مدرسة التتابع، و هذا التحوٌل لم يكن مفاجئا
كما يعتقده أغلب المهتمٌين؛
بل أسٌست له عوامل شتٌى،
إضافة إلى
دخول عناصر جديدة، كان هدفها الأوحد رفع النشيد و الأنشودة عالياً، و وضع
الأصل في الواجهة.
هذا من
جهة؛ من جهة أخرى كان ارتقاء الفنون الغنائيٌة الأخرى سريعاً على حساب
الإنشاد، الذي بدأ يمشي على رجليه رويداً رويداً، بعدما أنهكته جراح التخلٌف،
و نفرت معظم الجماهير منه، الجماهير التي وجدت ضالٌتها في سواه، و خاصٌة
لمٌا ساهم الإعلام في صعود فنون مثل
"
الرٌاي
"،
"
الشرقي
"،
"
الهيب هوب
"،
....الخ، لأسباب لا يهمٌنا ذكرها في هذا الموقف، لتجد
نفسها بين قمم المجد و الشٌهرة، مقابل
مدرسة إنشاديٌة مثقلة بالهموم و المشاكل، مدرسة وقفت عاجزة عن جذب المزيد من
الجماهير إليها، إن اعتبرنا أنٌ لديها القوٌة على الاحتفاظ بزبائنها القدماء،
و بالتٌالي اندحار النشيد و الأنشودة بوجود مدرسة واحدة فقط
تمثٌل هذا الفنٌ، مدرسة لم
يعرف أفرادها الاتحاد إلا من رحم الله، مع وجود بعض الفِرق الفوضوية التي ظلت
تصرٌ على أنها تنتسب للمدرسة محلٌ الذٌكر.
لقد
عانى أفراد مدرسة التتابع من مشكلة نقص الاتٌصال
فيما بينهم من
ناحية، و بين
جمهورهم من ناحية ثانية، فنجد مهرجانات عقيمة، و إنتاجات مزعزعة الأسس، لكن
- و
الحق يُقال -، لاحظ الجميع نقلة نوعيٌة على الألبومات التي كان لتقنية الصٌوت
فيها نصيب الأسد، و الأناشيد المصوٌرة التي هزٌت كيان روٌاد الفنون الغنائية
الأخرى.
إنٌ
المتابع للشٌأن الإنشاديٌ يلاحظ عدم وجود هويٌة
إنشاديٌة راسخة، فالبعض يدخل
آلات العزف عشوائيٌا، و يعتبرها من الإنشاد، و آخرون ينادون بالتزام آلات
إيقاعيٌة
معيٌنة لا سواها، ..... و هذا ما زاد في قصم
الظٌهر، و الكلٌ
بالطٌبع لديه جمهوره
الخاصٌ بغضٌ النظر عن عدده و طبيعته، المهمٌ وجود من يقتني منتوجاتهم، و يسمعهم
تصفيقات حارٌة، و كلمات كلٌها ثناء و مدح و هتاف.
و أهمٌ
ما يُلمح هو الإغراق في استعمال مفهوم
"
الوطنيٌة
"، حتى أصبحت قوقعة يصعب
اختراقها، ممٌا أثـٌر بدوره على
الطٌبيعة الفكريٌة لأقاربنا، و لا سيٌما في مفهوم
" العالميٌة
"،
لأنٌ ماهيٌتها عند مدرسة التتابع
تختلف عمٌا نؤمن
به نحن أفراد مدرسة الاختصاص.
إنٌ
مواكبة العصر لا تكون عشوائيٌة، بل يجب اعتمادها على مفاهيم تؤسٌس لمجموعة من
الأفكار على شكل أيديولوجيٌ بحت، و هذا ما وقع فيه
أصحاب هذه المدرسة حين أرادوا الخروج من المحليٌة إلى العالميٌة، دون الأخذ
بأسباب هذا المفهوم الأخير، فالعالميٌة تفتٌح مع احترام الخطوط الحمراء، و تتبٌع الحقٌ دون
الاهتمام بمن أخذه أو تركه، و ليست عولمة نعولم فيها رأينا بغضٌ النظر إن كان
صحيحاً أو خاطئاً.
و هناك
من أنكر وجود الإنشاد كليٌة، بقوله أنٌه لم يثبت عن النبيٌ
صلٌى الله عليه و آله و
سلٌم، و أنٌه للنٌساء فقط دون
الرٌجال، و كثير من صنٌفوه في خانة الغناء الذي
يورث نفاقا في القلب، و نسي هؤلاء أنٌ فنٌ الإنشاد هو فنٌ غنائيٌ
بالدٌرجة الأولى،
له أصوله و قوانينه و نظريٌاته، وهو إلى جانب ذلك؛ شكل من أشكال
الدٌعوة إلى
الله، أو ما يُعرف عند روٌاده باسم
"
الدٌعوة الفنيٌة
".
2 - ظهور
النٌزعة التٌطوٌريٌة الإنشاديٌة :
على
أنقاض ما ذُكر سابقا؛ بات من اللاٌزم ظهور نزعة تمهيديٌة تطوٌر الإنشاد، بغية
الخروج به إلى الهواء الطلق، فشملت
بداية بعض الأفراد الذين تنبٌهوا
للثٌغرات، محاولين سدٌها، لكن تبقى محاولاتهم محدودة، في إطار
فوضويٌ أوٌلاً؛ غير منظٌم ثانياً، أدخلوا الموسيقى تارة شيئا فشيئا، و دفعة واحدة تارة
أخرى، تحت ضغط التغييرات الفكرية الطٌارئة، الحاصلة من ماضٍ سقيم، مع
التٌأثيرات الأيديولوجيٌة ذات الاتٌجاهات المتشعٌبة و المتناقضة في أغلب
الأحيان،
و التٌعامل الخاطئ مع الفتاوى التي قضت بجواز استعمال الموسيقى في الأناشيد، ممٌا نتج عنه خلط بين
فنٌيٌ الإنشاد و التٌغريد، مع حوادث يشهد لها
التٌاريخ متحسٌراً كسقوط فِرق
بأكملها، و توجٌه بعض الأفراد إلى فنون غنائيٌة
أخرى بناء على نصائح من أطراف لها مصالح، ممٌا أفقر
السٌاحة من مساهمات هؤلاء و
لو شيئا يسيراً، فالإنشاد بحاجة لكلٌ واحد يمكن أن يلعب دوراً لا يقلٌ حيويٌة عن
الفاعل الإنشاديٌ في حدٌ ذاته.
و ممٌا
ظهر مصاحبا للتطوٌر آنذاك؛ مصطلح
"
العالميٌة
"، التي لم
تستوفِ حقٌها الكامل، اعتُبرت مجرٌد
اتٌصالات هنا
و هناك لإحياء الحفلات، و تنشيد باللٌغة الإنكليزيٌة،
كونها أكثر اللٌغات انتشارا.....الخ.
في
مقابل هذه الكفٌة؛ نجد كفٌة أخرى فهمت الخفايا التي غابت عن الأولى، فأخذت من
شتٌى الفنون الغنائيٌة ما يناسب الدٌعوة الفنيٌة، لكنٌ
أصحابها عجزوا عن تكملة
المشوار، بسبب التٌشويش الذي
مُورس عليهم، و تفتٌت أرضيٌتهم الفكريٌة،
رغم أنٌهم
على النٌهج السٌليم.
لقد كان
لانهيار الكيان الشيوعيٌ و انفراد
القوٌة الثانية بالعالم؛ الأثر البليغ في
تحوٌل الفكر العالميٌ من
النٌظرة القديمة المبنيٌة على الوطنيٌة و التٌقوقع، إلى
الانفتاح و العالميٌة، فالأنظمة الثوريٌة الحاكمة أصبحت في حرج عظيم من
أيديولوجيٌتها، المؤسٌسَة على ثوابت مصطنعة، و هنا حليٌ بنا أن نشير إلى أنٌ هذه التحوٌلات الفكريٌة
ما كانت لتنضج لو ما زال العالم تحت رحمة قوٌتين متناقضتين، تتستٌر بينهما قوٌة
ثالثة خفيٌة، من الصٌعب بما كان فسح المجال لقوٌة رابعة ما زالت تعاني
التٌخدير.
● ما هي
العوامل التي ساعدت على ظهور النزعة التطوٌريٌة الإنشاديٌة ؟.
1 - ظهور بذور النهضة الإنشادية عند
مدرسة التتابع :
بدأ أفراد مدرسة التتابع يشتكون من خلل واضح في عمليٌة
التواصل مقارنة بما يلاحَظ عند نظرائهم في الفنون الغنائيٌة الأخرى، و أصبحت
ظاهرة الاستقطاب تشكٌل مشكلة أساسيٌة، إذ أنٌ الجماهير أصبحت لا تعبأ
بالنشيد و الأنشودة، كما أنٌ بقاء هذا الفن مقتصرا على حقل واسع غامض الملامح و
التصوٌرات؛ أبطأ من سرعة انتشاره، مع انعدام قنوات تربط
الفِرق بالناس عامٌة،
كالصٌحف و المجلاٌت المتخصٌصة، و القنوات الإذاعيٌة و التلفزيونيٌة، لترويج
الإنشاد كظاهرة اجتماعيٌة و نفسيٌة في الوقت ذاته.
و حتٌى
الأبحاث التي تتناول هذه الظاهرة بالدٌراسة و التٌحليل؛
قليلة تنقصها الفعاليٌة، و هي كلٌها عناصر تؤكٌد أن
النشيد و الأنشودة لا يحظيان بالدٌعم الكافي.
لقد
كانت بداية هذه الصٌحوة بشرى ذات قيمة جوهريٌة، تنبئ بفكرة نهضويٌة فنيٌة محضة
لدى القلٌة من الإنشاديٌين في هذه المدرسة، في حين أنٌ مدرسة الاختصاص لم تكن
وقفت على رجليها بعد، و من غير الممكن أن تظهر في معزل عن المدرسة التي كانت
قبلها، لأنٌ ذلك قد يكلٌفها أثمانا باهضة، إلاٌ أنٌ هذه الخطوة؛ كانت سابقة
للأحداث لو قدٌر الله لها الظهور، فالفكرة التٌطويريٌة لم تكن جليٌة المعالم،
و ما كان أحد يستطيع رسم طريق تسير فيه، أي أنٌ الصٌورة تدور حول محور سؤال
رئيس واحد : يجب أن نطوٌر فنٌ الإنشاد، و لكن..... كيف ؟؟.
2 - ظهور تطوٌرات في أغلب المجالات : يعتقد القسم
الأعظم من الناس أنٌ القرن العشرين هو قرن تطوٌر العلوم، و خاصٌة نصفه الثٌاني
حيث ظهر مصطلح " الثورة التٌكنولوجيٌة "،
و ما صاحبها من تطوٌر مخيف في وسائل النقل و الاتصال و
الصحٌة...الخ، و هي الأشياء التي ساعدت على
تحقيق الرٌفاهيٌة و رغد العيش، حتى أنٌ ضرورة
إحداث ثورة ما في مجال ما أصبحت موضة.
و
التطوٌرات تخدم بصفة عامٌة أهدافا لا يمكن التنبٌؤ بها تحديدا، لأنها تكون
غير مكشوفة، تدخل في طيٌ الكتمان في كثير الحالات، إلاٌ أنها تصبٌ في نقطة
سلبيٌة أكثر منها إيجابيٌة بالنٌظر لفعاليٌة مستخدميها، و قدرتهم على توجيهها
نحو الشرٌ، بل بحثهم عن أيٌة وسيلة كانت لتوظيفها في خدمة المخطٌطات ذات
النيٌة السيٌئة، و هذا سبب كافٍ لوجوب تطوير فنٌ الإنشاد، قصد مجابهة
مخطٌطات
الهدم المستخدمة للفنٌ كأداة ذات كفاءة عالية.
3 - ظهور النٌزعة الرٌوحيٌة
: بعد التقدٌم
السريع لوسائل العيش، و طغيان المادٌة طغيانا؛ كانت
من نتائجه انغماس الناس في
الشٌهوات، زاد الشٌعور العام بفكرة وجود الله، و ضرورة الالتحام به، هروبا من
جحيم الأزمات النفسيٌة و العصبيٌة المتولٌدة من الإقبال المتزايد على
اللٌذٌات المشروعة و غير المشروعة، و أصبحت قولبة الحياة في ظلٌ الرٌقابة
الإلهيٌة واقعا يفرض نفسه، فكان الجانب الفني جزءاً من هذه الحياة العامٌة، و
بالتٌالي تطوير الإنشاد حتى يساير هذه المرحلة أصبح هو الآخر واقعا حتميٌا،
من باب أنٌ الإسلام صالح لكلٌ زمان و مكان، و نشره لا يقتصر على الدٌعاة و
الوعٌاظ، و إنٌما يساهم فيه أفراد يقدٌمونه للبشريٌة من الزٌاوية الفنيٌة
الشٌاملة لكلٌ حياة الفرد، بشموليٌة الدٌين الذي تتخذه قاعدة و أساسا، يقرٌب
الناس إلى الله، و ليس التقرٌب به كعبادة كما يستعمله البعض.
4 - تقدٌم بعض
الفنون الغنائية على حساب فنٌ الإنشاد : كان للتقدٌم
الواضح الذي حقٌقته بعض الفنون الغنائيٌة الأخرى الأثر البليغ في نفس كل غيور
على الإنشاد، هذا الفن الذي يعتبر الملاحظون تطويره أكثر من ضرورة، فحاجة
الناس للطٌرب اُستغلٌت استغلالا سيٌئا، و أضحى الجنسان الرٌجل و المرأة
ينامان و يستيقظان على أغاني الغرام و الخلاعة، وحتى الأطفال أصبحوا يحفظون
كلمات لا تليق حتٌى بالبالغ، يردٌدونها كلٌ حين.
أصبح توفير البديل الشٌامل
أولوية الأولويٌات للخروج من هذا الوحل، باعتبار أنٌ
النٌفس البشريٌة تميل للطٌرب، و
تقديم بديل للناس هكذا دون أن يكون على درجة عالية من الجودة و الشموليٌة؛
أمر لا يُنتظر نجاحه إطلاقا، إذ تكفي مقارنة بسيطة لمعرفة الفارق الكبير بين
الطرفين، ممٌا يستدعي ضرورة رفعه إلى مستوى المنافسة الفعليٌة، بما تحويه
الكلمة من أبعاد؛ التٌصميم و
التٌسجيل و الإشهار و غير ذلك.
5 - توفٌر نوع من الاستقرار في
بعض البلدان : يعدٌ
توفٌر عامل الاستقرار الظٌاهريٌ في بعض البلدان محفٌزا على زيادة النشاط الفكري لتطوير
جانب معيٌن، تقتضي السٌيرورة العاديٌة تناول طيٌاته بالبحث و
التٌحليل، فعودة
المياه إلى مجاريها في كثير من الأقطار التي شهدت أزمات مختلفة؛ ساعد على لفت
النٌظر إلى تكييف الحركة الدٌعويٌة العامٌة بما يتماشى و يناسب الفترة
الرٌاهنة، و بما يرفع الجهود لمواجهة التٌحديٌات الحديثة و المستقبليٌة.
حتى و
إن كان الهدوء يُعتبر مؤقٌتا، إذ من المتوقٌع دائما حدوث مكروه؛ إلاٌ أنٌ ذلك
يفتح ورشة
- و لو متحرٌكة
- لإنجاز ما يساعد على ترقية فن الإنشاد بالخصوص، و
توجيهه لخدمة الهدف المبتغى.
6 - بداية تلاشي فكرة
الوطنية : مع بداية
القرن 21، سرعان ما بدأت تتلاشى إحدى الشٌعارات
القديمة التي ظهرت مع حركات التحرٌر في العالم، و هي عبارة "
الوطن أوٌلا و قبل كلٌ شيء "، و التي هدٌدت
الدٌين في عقر داره، و الأصح " الإسلام أوٌلا و
قبل كل شيء "، و ما الوطنيٌة إلاٌ إفراز من
إفرازات النظام العالمي القديم، لأن الاشتراكيٌة الثوريٌة التي تُصنٌف كنظام
فاسد من أساسه؛ يتٌخذ الوطنية أداة طيٌعة في يده من أجل ضرب وحدة الأمٌة
العالميٌة، و كانت ما اصطلح على تسميتها أناشيدا وطنيٌة، وسيلة إلهاء
الشٌعوب، و أيديولوجيا سياسية بالدرجة الأولى، يُهدف من ورائها إحراز مكاسب على
حساب العقيدة، بدءاً بتقييدها بمبادئ مفبركة، و الحقيقة أنها نوع من الغناء
اتٌفق على إعطائه مفهوم الأناشيد، و حصرها كل الحصر فيه، بغية تضييق الخناق
على فن الإنشاد ككل، مع إطلاق مصطلح " المدائح
" إطلاقا نفهم من خلاله أن لا وجود إلاٌ للأناشيد
الوطنيٌة؛ و المدائح التي تهتمٌ بسيرة
الرٌسول﴿ ص
﴾.
و
الغريب ألاٌ يلبث أبناء الوطن الواحد
حتٌى يُعاد تقسيمهم إلى قسمين فأكثر، مشكٌلين
دويلات تحت غطاءات كثيرة كالقوميٌة و المذهبيٌة و الطٌائفيٌة، معطين لكلٌ قسم
اسم " وطن "، و حديث
الرٌسول ﴿ ص ﴾ حين أخرجه قومه من
مكٌة؛ و الذي يضعه الوطنيٌون حجٌة إسلاميٌة لهم؛ ما كان بالمنظور الذي
يعكس الحقيقة،
فالنبيٌ ﴿ ص ﴾ أحبٌ مكٌة مدينته
إن صحٌ التٌعبير، لأنه عاش و ترعرع فيها، مثل
أيٌ
واحد يحنٌ لقريته و حيٌه،
و ما عنى السعوديٌة كدولة أبداً،
و كيف يهيٌئ صلى الله عليه و آله و سلم ما يوهن أمٌته مستقبلا ؟!.
7 - انتشار مفهوم العالمية كرد فعل على العولمة
: مع بداية القرن
21 أخذ مصطلح " العولمة
" يتقوٌى شيئا فشيئا، و هو الذي ينادي برضوخ كلٌ
دول العالم للنٌمط الأمريكيٌ، باعتباره آخر ما توصٌلت إليه الحضارة
الإنسانيٌة
من رقيٌ و تقدٌم على كافٌة الأصعدة، و بالتالي طمس الثقافات الخصوصيٌة
الأخرى، و سلك منهج ثقافيٌ، حضاريٌ، اقتصاديٌ .... واحد شامل، و هي الفكرة
التي نبذتها معظم الشٌعوب، لأنها تهدٌد الشخصيٌة القاعديٌة لكلٌ مجتمع، و تقضي
على المميٌزات التي يفرضها الاختلاف الطبيعيٌ لشعوب الكرة الأرضيٌة.
و كردٌ
فعل لهذا الحدث؛ بدأ مفهوم آخر في الانتشار، يشابه الأوٌل في الحروف، و يختلف
معه في المعنى، فتبنٌته كثير من الأطراف الفاعلة، باعتباره حتميٌة فرضها
النظام العالميٌ الجديد، هذا المفهوم هو "
العالميٌة "،
و ما لبث أن دخل إلى الفكر الإنشاديٌ الحديث، و أخذ صورة الطٌرح الشمولي
للمشاكل و المعالجة و التٌعميم، فهو
النٌظرة العالميٌة الشٌاملة الحاوية لنشر
الفلسفة الإنشاديٌة في كلٌ الأرجاء التي يعيش فيها
البشر، باعتقاد خلاصته أنٌ النشيد و الأنشودة صالحان للجميع،
فجذراه الدٌين و الموسيقى.
8 - ظهور فنٌ التغريد :
التٌغريد هو ما يُعرف في بعض الأوساط بالغناء الإسلاميٌ، اُصطلح
على تسميته تغريداً نظرا لاستعمال آلات العزف الموسيقيٌة فيه، و لم يُقتصر على
توظيفها فقط كما حدث و يحدث في الإنشاد، لكنٌ اختلاط المفاهيم و غياب ثقافة
تفسٌر ما يحدث أدٌى إلى الخلط بين المصطلحات، و ذهب البعض إلى اعتبار
التٌغريد إنشاداً، تارة يسمٌونه نشيدا، و تارة أخرى أنشودة، أي
أنٌهم سلكوا
طريقا آخر يشبه طريق الإنشاد، إلى حدٌ يصعب التٌفريق بينهما، رغم أنٌ نقطة
استعمال آلات العزف أو توظيفها هي الجوهر الذي غاب عن أذهانهم، فاستعمال أيٌة
آلة عزف في الأنشودة و لو بنسبة يسيرة جدٌا؛ يخرجها عن دائرة الإنشاد، ليدخلها في دائرة
التٌغريد، لأنٌ
إضافة أيٌ شيء يختلف عن الموجود؛ له أثر على القيمة الكليٌة للمضاف إليه.
و إذا
استمرٌت الحالة كما هي؛ فسيفقد فنٌ الإنشاد على مرٌ العصور
و الأزمنة كلٌ سماته و صفاته التي تميٌزه عن
شبيهه، و لذلك كان العمل على تبيان الحقيقة؛ المخرج الوحيد من هذه المعضلة.
المطلب الثاني : الحركات الإنشاديٌة العالميٌة.
من كلٌ
التٌراكمات و الأحداث السابقة؛ ظهرت حركات فكريٌة فنيٌة لها
نزعة عالميٌة،
تحمٌلت مسؤوليٌة إعادة إحياء النشيد و الأنشودة، و خاصٌة من
الزٌوايا التي رأت
خللا فيها، فمنها من ركٌزت على الأطفال، من منطلق سهولة تنشئتهم على القيم
الفنيٌة، و أخرى رأت أنٌ المشكلة تكمن في العزلة عن الجمهور،
...... إلى غير ذلك من
الحركات ذات الأسس الأيديولوجيٌة.
و تشترك
كلٌ هذه الحركات في اهتمامها بالنشيد و الأنشودة فقط دون فنٌ التٌغريد، أو دمج
ميدان دعويٌ آخر في الفنٌ، منهجها المنهج العالميٌ ذي الأفق الوعٌاد، ناهيك
عن إهمال كلٌ القيم الدٌخيلة السٌاعية لتفكيك وحدة الأمٌة العالميٌة ذات
الثابت الوحيد.
كما
يُجهل الأشخاص الحقيقيٌون الذين أسٌسوا هذه الحركات، و
حتٌى المناطق الجغرافيٌة
التي احتضنتها تحديدا، لكن نستطيع الجزم أنٌ حقبها
الزٌمنيٌة متقاربة؛ إن لم نقل
أنٌ نشاطها الحقيقيٌ كان كلٌه في بداية هذا القرن خصوصا.
توحي
الأسماء التي اتخذتها بتركيزها على الجانب الفكريٌ أوٌلا و قبل أيٌ شيء، فهي
حركات فلسفيٌة توجٌهت لخدمة الإنشاد في مظهريه النٌشيد و الأنشودة، في
الجانبين النظريٌ و الميدانيٌ.
تُعتبر
الحركات الإنشاديٌة العالميٌة المشارب المختلفة لأغلبيٌة الإنشاديٌين
الناشطين في الميدان، بتنوٌع اختصاصاتهم و هياكلهم
﴿
فِرق، أجهزة، مواقع انترنيت، جمعيٌات فنيٌة.....الخ ﴾،
فلقد تمٌ أخذ أحد القواعد الفكريٌة، ثمٌ شُرع في العمل على ضوئها، و لذلك نجد
أنٌ أهداف و مبادئ و أسس
الطٌرفين متشابهة إلى حدٌ كبير، أو تطابق التٌصوٌرات
بتطابق زاويتي النٌظر تطابقا غير مقصود، هو السٌبيل الثاني الذي أدٌى إلى ظهور
إنشاديٌين يمكن تصنيفهم بالتدقيق في مشوارهم الفنٌي.
و هذه
نبذة عن أهمٌ الحركات التي كان لها أثر في الأخذ بيد الإنشاد إلى المستويات
الرٌاقية :
1 - حركة فان
( الفجر الأخضر ) :
هي حركة
فكريٌة فنيٌة ذات طابع سرٌي، تنادي بضرورة إحداث زلزال فكريٌ على
مستوى كلٌ الإنشاديٌين، حتٌى يعيدوا النٌظر في مشوارهم الفنٌي،
تقييما فتقويما، مضيفين ما
لاحظوه ينقص النشيد و الأنشودة، و نازعين ما
رأوه يشوٌه الشخصيٌة الحقيقيٌة لفنٌ الإنشاد.
ظهرت
الحركة في السٌنوات القليلة الأولى للقرن 21، على يد
منشدين سابقين يُجهل عددهم و أسماؤهم، كما لا يُعرف تحديدا المنطقة
الجغرافيٌة التي انطلقت منها، و إن كانت بعض الآراء تشير إلى أروبٌا كمهد
أوٌلي لهذه الحركة.
إتٌخذت من الحروف التي تشكٌل عبارة
" الفجر الأخضر الإنشاديٌة "
اسما هو فان، و
ركٌزت على الزٌمن أيٌما تركيز، موظٌفة كلمة "
الفجر "، رامزة بها للزٌمن الجديد القادم،
مفضٌلة اللٌون الأخضر، قاصدة به لون الأمل و الطٌبيعة الفطريٌة في الإنسان.
أ . أسباب نشوء
حركة فان : نشأت
حركة
"
فان
" بسبب :
1.
الخلط بين فنٌ الإنشاد و فنٌ التٌغريد :
لم تكن بذور النٌهضة
الإنشاديٌة فكريٌة لدى كلٌ الإنشاديٌين، ممٌا ولٌد فوضى في استخدام المفاهيم،
و طغيان الرٌأي القائل باستعمال الآلات الموسيقيٌة في الأنشودة، كمحاولة
لإلحاقها بركب التطوٌر، و بالتٌالي تمٌ الخلط بين فنٌين من الفنون الغنائيٌة
المتشابهة، فن الإنشاد و فن التٌغريد، و كما ساعد هذا في كسب جمهور جديد؛
ساهم في نفور الجمهور القديم، و بالتٌالي تطوٌر الأمر إلى غاية مقاطعة المنشد
أو الفرقة.
إنٌ
إطلاق العنان لاستعمال آلات الموسيقى دون ضبط حقيقيٌ لها، كان سببه فتاوى
علماء الدٌين الذين اجتهدوا فأباحوها للفِرق، التي لم
تتردٌد في إدخالها
الواحدة بعد الأخرى، مٌما ميٌع الأنشودة، و أخرجها من صورتها الحقيقيٌة
المألوفة، أي أنٌهم عوض أن يساهموا في تطويرها؛ زادوا في تأخٌرها، بل أعدموها
في حدٌ ذاتها، و لا لوم على رجال الدٌين بتاتا، فهم أدٌوا واجبهم بناء على
اجتهاداتهم المأجورون عليها بإذن الله، فالمشكلة في الفِرق التي لم تتعب
نفسها في البحث العلميٌ، و لم يطرحوا
السٌؤال : ماذا سيحدث يا ترى لو استعملنا
آلات الموسيقى في الأنشودة ؟.
2 -
سوء فهم مصطلح العالميٌة :
مفهوم
"
العالميٌة
" من المفاهيم
الصٌعبة، كونها تشبه مفهوما آخر له نفس حروفها، لذلك نجد كثيرا من الأوساط
تنادي بفكرة العالميٌة؛ لكنٌها في حقيقة الأمر تفرض نمطها الخاصٌ بها على
العالم، أي أنٌها تمارس العولمة، غير منتبهة للخطأ الذي وقعت فيه، فالعالميٌة
تقوم على اشتراك جميع البشريٌة في قواسم يمكن استغلالها بهدف الوصول إلى حالة
أكثر رفاهيٌة و رخاء، أيٌا كان ميدانه، عكس العولمة التي تفرض نمطا وحيدا تحت غطاءات رثٌة، مهملة كلٌ الأنماط الأخرى،
حتٌى و لو كانت سليمة.
إذن
فبدل اتٌخاذ العالميٌة مطيٌة لاتٌحاد كلٌ الإنشاديٌين؛ و إنشاء أجيال تكمل
الدٌرب الفنٌي؛ أضحى هناك تهميشا و قطيعة.
3
- تفرٌق الإنشاديٌين :
رأت حركة
"
فان
"
أنٌ الإنشاديٌين
متفرٌقون مهما بدا أنٌهم في هيكل واحد، إمٌا طائفيٌا أو
مذهبيٌا أو غير ذلك، و قواهم مشتٌتة حتٌى في الفرقة الواحدة،
و أرجعت ذلك إلى غياب قاعدة فكريٌة صلبة تجمعهم، فهم في حالة شديدة من الضٌعف
الذي طالما انعكس على مصداقيٌتهم كرموز لاستقطاب الجماهير المختلفة، و تواجد
انشقاقات مجسٌدة في تفكٌك الفِرق، و توقٌف بعضها كليٌة عن النٌشاط.
ناهيك عن غياب مفهوم
"
قوٌة الجماعة
"،
فيركٌزون على فرد أو فردين فقط من متوسٌط عدد 8
أفراد، و يصل الأمر إلى استنزاف طاقة المشرف أو الفرديٌ، أمٌا باقي الأفراد
فكأنٌهم غير موجودين في الواقع.
4 - غرق
الإنشاديٌين في فوضى عارمة :
تعتبر حركة
"
فان
"
أنٌ كلٌ
الإنشاديٌين غارقون في فوضى كبيرة متعدٌدة
الأبعاد، ليست لهم قيادة تجمعهم، لها من الفاعليٌة ما تبرهن بها على
المصداقيٌة التي تتمتٌع بها، و حتى تلك الاتٌحادات و الجمعيٌات لا تعدو كونها
أجسادا بلا أرواح، فهي إمٌا صوريٌة فقط؛ أو قليلة النٌفوذ، أو محصورة في إقليم
معيٌن لا تخدم الفكرة الشٌاملة.
و تصل الفوضى إلى عمق
النٌظام
الإنشاديٌ ﴿
الفرقة ﴾،
فتقسيم الأدوار الفنيٌة شيء لا يتصوٌره البعض، مقتصرين على الأدوار الإداريٌة،
من علاقات عامٌة و تنظيم أوراق، فالصٌورة
الكليٌة يكتنفها ضباب منهج الأدوار.
ب . أهداف
حركة فان : عندما تأسٌست حركة "
فان " أرادت تحقيق هدفين مهمٌين هما :
1
- الرٌقي بفن الإنشاد و إعطائه استقلاليٌة شاملة تمهيدا لجعله علما شاملا
قائما بذاته.
2
- إعادة الاعتبار لجميع المشتغلين في الإنشاد، و جعلهم
فعٌالين في القضايا
العالميٌة، يُؤخذ بآرائهم و أفكارهم النيٌرة، و وضعهم في
وفد أقطاب الفكر
الإنسانيٌ العالميٌ.
ج . مبادئ حركة فان : تستند حركة
"
فان "
إلى
جملة من المبادئ تراها أسسًا ذات قيمة، من أجل النٌهوض بفنٌ الإنشاد هي :
1 - التركيز على النوعيٌة - الكميٌة
:
رأت
حركة " الفجر الأخضر "
أنٌ ما يحدث في السٌاحة الإنشاديٌة من تحوٌلات بطيئة تؤثٌر سلباً على النشيد و
الأنشودة، و أهمٌ صورة من هذا التٌأثير السلبيٌ تركيز مدرسة التتابع على النٌوع و إهمال الكمٌ،
هذا إن غربلنا فِرقها، و ميٌزنا الجيٌد منها مهملين الفِرق الفوضويٌة، التي لا
رؤية واضحة لديها و لا استراتيجيٌات، فهي تقلٌد
فقط، أمٌا الجانب الإبداعيٌ فلا حظٌ لها فيه، و نلمس هذه النٌقطة السلبية في
قلٌة الفِرق المستقطبة للجمهور، أي أنٌ هناك فِرقا قليلة مقارنة
بالطٌبقات الجماهيريٌة السٌميكة و فئاتها
العريضة، و بتعبير آخر لو حسبنا نسبة الجمهور إلى الفِرق؛ لوجدناها قيمة
ضئيلة جدٌا، و منه نستطيع القول أنٌ فِرق مدرسة
التٌتابع في عزلة عن
التٌأثير المطلوب بالكميٌة المطلوبة، و متى كان ذاك في الواقع؛ انحرف الجمهور
إلى فنون غنائيٌة أخرى مخدٌرة لوعي الشٌعوب.
من متن
كلٌ ما سبق، وجب التٌفكير في نظام إنشاديٌ جديد يتفوٌق على نظام الفرقة، يكون ذا نجاعة كبيــرة، يحقٌق شيئين هامٌين في وقت واحد، "
النوعيٌة "
و "
الكميٌة "،
طمعا في اغتنام كلٌ فرصة قد تحقٌق مكاسب هامٌة للإنشاد، مثل
التٌجنيد الإنشاديٌ،
الذي يُعتبر شريانا حيٌا للسٌاحة الإنشاديٌة، يزوٌدها بالدٌم لضمان بقائها في
حالة انتعاش مستمرٌ.
الفكرة
التي قدٌمتها حركة
"
فان
"
القائمة على مبدأ النوعيٌة و الكميٌة في وقت واحد؛
تترك الباب مفتوحا لكلٌ ما يجسٌد في الواقع من اجتهادات،
خدمة لها من الناحية الجوهريٌة، فاسحة المجال للعقول و إبداعاتها الواسعة.
2 - انتهاج فن الإنشاد أداة دعويٌة :
ممٌا لا
شكٌ فيه أنٌ النٌشيد و الأنشودة مرتبطان بالدٌين الإسلامي وجوبا فهما
بعيدان كلٌ البعد عن نقيض ذلك، و مواضيعهما متنوٌعة باختلاف حقولهما ﴿
العقائديٌة - المدائح - الأفراح - الطفوليٌات - النسويٌات - الوطنيٌات
﴾، و غنى حقولهما مرتبط بشساعتهما، فلا
يتركان مجالا يهمٌ
الإنسان إلاٌ و عالجاه، سواء في الدٌنيا أو في الآخرة، و تأمٌل إن شئت تعريف
فنٌ الإنشاد، فقد أخذ على عاتقه فكرة الدٌعوة إلى الله من خلال الجانب
الفنٌي،
بعبارة أخرى اتٌبع أسلوب الفن كطريق إلى دعوة الناس إلى الله، مثلما يتٌبع
الدٌعاة أسلوب الدٌروس و المواعظ، و عندما نقول الفن؛ فإنٌنا نقول الجمال،
فالفن جميل في جوهره، جذٌاب للنٌفوس، و الجاذبيٌة هنا يجب استغلالها
على أكمل وجه، و توظيفها بغية نيل المراد، إنٌها الكيفيٌة التي ينبغي دعوة الناس بها إلى عبادة
إله واحد، نشرا للإسلام، عند الأفراد المنحرفين عنه مثل العصاة،
أو معتنقي الأديان الأخرى.
و لدعوة
شخص ما يُشترط توفٌر رسالة موجٌهة إليه، كذلك بالنسبة للجمهور الذي يُعدٌ
مستقبل الرٌسائل التي يبثٌها النٌظام،
فالدٌعوة عند حركة فان تتمٌ من خلال فن
الإنشاد، بواسطة رسائل متنوٌعة، سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة، المهمٌ صبغها
بالصٌبغة الفنيٌة، و لا صبغة أخرى، حتى تكون هناك استقلاليٌة عن باقي
الجماعات المختلفة، التي تتخذ عدٌة طرق مطايا لتبليغ أفكارها إلى الغير.
إنٌ
اتٌخاذ طريق معيٌن لتوصيل أفكار محدٌدة، يتطلٌب تتبٌع معالمه بدقٌة، و من هذا
المبدأ يجب التٌخلٌي نهائيٌا عن طرق أخرى، حتٌى لا تضيع الجهود بتشتيتها هنا
و هناك، لكن يمكن أن تكون معالم الطٌريق الواحد تفرض سلك طرق متعدٌدة، و
هذا أحيانا لا نستطيع إعطائه صفة القانون الشٌامل.
3 - البحث العلميٌ التطويريٌ :
ممٌا لا يدعو مجالا
للشكٌ أنٌ ما من شيء في هذه الدٌنيا؛ إلاٌ و يقوم على العلم حتى الحياة
الآخرة، و العلم اسم يُطلق على جملة من المعارف الواسعة المنظٌمة المقسٌمة
إلى مجموعة علوم، تمثٌل نور الله لعباده، بها يُطوٌر كل شيء.
عند
تفحٌصنا جيٌدا لمدرسة التتابع، نجد أنٌها أوغلت في العمل الميدانيٌ على حساب
الجانب النٌظريٌ، رغم أنٌه من الجهل أن نفصل بين الاثنين، فالكتلة النظريٌة
تقوم أساساً على تطوير الأفكار، أي البحث الفكريٌ المتواصل، أمٌا الكتلة
الميدانيٌة فلا تعدو أن تكون موقعا على الطبيعة، رحبا لتطبيق ما وصلت إليه
العقول، و هذا لا يمنع من استغلالها محرٌكا فعٌالاً حقيقيٌا لإيجاد ما
الإنشاد بحاجة إليه، أمٌا
التٌركيز على الأفكار فقط و إهمال الميدان؛ فسلبيٌ
أيضا، لأنٌ بحار أفكار دون تطبيقها؛ لا يعدو أن يكون مجرٌد هلوسات في اللاٌ
محدود، و تحليق عشوائيٌ ليس منه بدٌ، و لهذا يجب أن يكمٌل أحدهما الآخر، كطائر لا
يطير إلاٌ بجناحين، فمدرسة الأفكار لم تأتِ إلاٌ من قاعدة الفجر الأخضر
الإنشاديٌة، تصحيحا لما يحدث في العالم من تحوٌلات و تطوٌرات تخصٌ فن
الإنشاد، محمٌلة بفكرة جوهريٌة منطقيٌة، تقول أنٌه لا مجال للارتقاء
بالأناشيد؛ إلاٌ إذا ركٌزنا على الجانب الفكريٌ دون إهمال الميدان، فالأوٌل
يلمٌح إلى استعمال البحث العلميٌ بهدف التٌطوير، أمٌا الثاني فهو أداة لإيصال
رسائلنا إلى الطٌبقات الجماهيريٌة.
النظريٌ
لنا، نطوٌر فيه و نؤسٌس قواعدنا الفكريٌة المأمونة، فهو الجوهر، أمٌا
الميدانيٌ فعبارة عن الشٌكل الخارجيٌ الذي يراه الجمهور،
إنٌه القالب الذي ما يكون
سليما إلاٌ إذا سلم القلب.
4 - العالميٌة :
تركٌز
حركة "
فان "
على مبدأ العالميٌة انطلاقا
من عالميٌة الدٌين الذي يدور في فلكه الإنشاد، و تقوم الفكرة أساسا على إهمال
الحدود السياسيٌة، باعتبارها مصدرا للتٌقوقع الفكريٌ و ضيق الأفق، فالنشيد و
الأنشودة لا وطن لهما مثل الإسلام، و لذلك لا معنى
للتٌقسيمات بين البلدان،
فتجزئة العالم لدول و دويلات؛ أمر لا يخدم فن الإنشاد، بل يقيٌده و يعرقل
تقدٌمه، فقد تجد بلدانا لا يستطيع النشيد و الأنشودة الحياة فيها
بشكل طبيعيٌ، بسبب
المناخ السياسيٌ و الثٌقافي السٌائد، و من هذا المنطلق؛ فإنٌ الفكرة العليا لا
يمكن لها أن تتحقٌق إلاٌ إذا نُشرت ثقافة الإنشاد، و عمٌت أطراف المعمورة، و
في أثناء ذلك؛ يجب الاستيقاء من كلٌ الفنون الغنائيٌة الأخرى الموجودة، و
توظيف ما يلزم توظيفه من أجل الاستمرار و الرٌقي الداٌئم، مثل الإيقاعات و
المقامات و التٌدريبات...الخ، ممٌا يُرى عامل الأهميٌة فيه، و شموليٌة الفن
الرٌاقي، تنشئ لنا بالضٌرورة عدٌة مدارس من تراكم عدٌة أفكار متباينة، فلا
داعي لأخذ موقف متزمٌت منها و مناصبتها العداء، بل يجب الانفتاح على جميع هذه
الاختلافات، و توظيف الإيجابيٌات منها قصد الوصول إلى الكمال الإنشاديٌ
الملموس في الفكرة و التٌطبيق.
إنٌ
الإنسان باعتباره اجتماعيٌا؛ عليه أن يعيش في بيئة عالميٌة، فأيٌ أرض فيها
إنسيٌ ينبغي الوصول إليها، و إلاٌ لما كان هذا العالم الواسع الأرجاء، فكيف
إذن نحبس أنفسنا بين حدود نحن أوجدناها و أسميناها أوطانا
؟، و أطلقنا عليها
أسماء ؟، و رحنا نبالغ في تقديسها
؟، و هي في الأصل لا شيء، أشبه بالصٌنم
الذي كان يُنحت من الحجر ثمٌ يُعبد و تُنحر له القرابين، و الأخطر من ذلك
تكييف عقول الناشئة على ما يخدم التٌقوقع، رغم أن عقول بني البشر مجبولة على
العالميٌة، و تأمٌل إن شئت آيات كتاب الله، كلٌها تحثٌ على الانفتاح على
الغير و نبذ الاعتزال السلبيٌ، الذي يولٌد الانغلاق الفكريٌ العاجز عن
إتيان
الجديد، مجترٌا ذكريات الماضي.
يختلف
مفهوم العالميٌة عن الشٌموليٌة الضيٌقة لأسلوب فني محدٌد، الذي يهمٌش باقي
الأساليب، فهذا لا يختلف عن مبدأ العولمة التٌافه منطقيٌا، و لذلك
كان لمس معنى
الزٌلزال الفكريٌ الذي تريد حركة فان إحداثه؛ غير متأتٌٍ بجلاء إلاٌ في هذه
النقطة، فهو ضرورة إعادة النٌظر في البناءات العقليٌة للإنشاديٌين، قصد إنتاج
الجديد المطوٌر، و ليس الذي يعيد إلى الوراء، فإقصاء أفكار الآخرين عن تمثيل
الدٌور الإيجابي الفعٌال، يُعتبر تقهقرا من النٌوعيٌة الممتازة.
2 - حركة المقام الجديد :
هي حركة فكريٌة فنيٌة ذات
طابع سرٌي كذلك، لكنٌها لا تنادي بزلزال فكريٌ، بل تؤمن أنٌ هزٌات عقليٌة خفيفة
متوالية تكفي لإيقاظ الإنشاديٌين من سباتهم الذي تولٌد من مرور الزٌمن،
فهي
تعارض مبدأ الزٌلزال الذي تريد حركة فان إحداثه دفعة واحدة،
لأنٌه قد يحدث فتنا و صراعات بين الإنشاديين، و الطٌريقة
السٌليمة من
منظورها هي ضرورة التٌنبيه ببطء، و لهذا يمكن ملاحظة أنٌ الذين ينتمون لهذه
الحركة؛ أكثر جرأة و اندفاعا في اقتحام الوسط الفنيٌ،
ما داموا لا يخشون أيٌة ردٌة فعل سلبيٌة، ففعلهم في واقع الأمر خفيف الأثر.
ظهرت حركة
"
المقام الجديد
"
متزامنة مع حركة
"
فان
"،
في السنوات الأربعة الأولى من القرن 21،
و تبلورت بسرعة متٌخذة من مفهوم التأقلم مرتعا خصبا لأفكارها، و لم تكن أبدا
في يوم من الأيام فرعا منشقٌا عن حركة فان مثلما اعتقده البعض،
ناهيك عن أنٌ
الذين ساهموا في تشييد بنائها ثلٌة ممٌن يعملون في الإعلام الإنشاديٌ، بحكم
تمتٌعهم بقدرة فائقة على التجوٌل بين مختلف الأفكار التي تزخر
بها ساحة النشيد و ميدان الأنشودة.
أ . أسباب نشوء حركة المقام الجديد :
نشأت حركة
"
المقام الجديد
"
بسبب :
1 - الخلط بين
فن الإنشاد و فن التٌغريد :
لاحظت هذه الحركة كنظيرتها
أن هناك غيابا كليٌاً لمجموعة القواعد التي تحفظ لفنٌ الإنشاد ميزته، و
شخصيٌته التي ينفرد بها عن سائر الفنون الغنائيٌة الأخرى، فرغبة اللٌحاق بركب
التطوٌر فرض على الإنشاديٌين إدخال آلات العزف بصورة لا مدروسة، فأصبح فنٌ
التٌغريد جزءاً من الإنشاد، و هو في الأصل بعيد عنه، و أكٌدت أنٌ استمرار
الوضع على ما هو عليه سوف يؤدٌي إلى انقراض الإنشاد على مراحل زمنيٌة طويلة،
و قد تحدث فتن و صراعات من أطراف ستحاول إرجاع المياه إلى مجاريها بعد فوات
الأوان، حين ستكون غالبيٌة الناس
مقتنعة بالأغاريد على أنٌها أناشيد، حينئذ
يكون من الصٌعب جدٌا إرشاد الجماهير و الإنشاديٌين، و إعادة المفاهيم الصٌحيحة
إلى أذهانهم، نظرا لأنٌهم سوف يكونون قد تلقٌوا تنشئة طويلة على مرٌ السٌنين،
من غير المعقول إعادة صياغتها بين ليلة و ضحاها دون بذل
تضحيات جسام.
2 - انعدام
الاتٌصال و التٌواصل بين الإنشاديٌين :
إنٌ
الإتٌصال شيء ضروريٌ بين
كل العاملين في الميدان الإنشاديٌ، فهو الحلقة الرٌئيسة التي بها يُحقٌق الهدف
الكلٌي، و فقدانها معناه حدوث شروخ و تشقٌقات تهدٌد بناء
فنٌ الإنشاد برمٌته، أي أنٌ الاتٌحاد لا يتمٌ إلاٌ بالاتٌصال بين
صنٌاع الأناشيد باختلاف مواقعهم، كذلك؛ بينهم من جهة، و الجمهور من جهة ثانية.
و
الإتٌصال يتجلٌى في عدٌة
مظاهر مفقودة، مثل القنوات المتخصٌصة سواء السٌمعيٌة أو السٌمعيٌة البصريٌة،
أو مواقع إنترنيت.....الخ، و هذا الاتٌصال الذي يفتقده النشيد و الأنشودة ليس
اتٌصالا كلاسيكيٌا، بل حركيٌا يشمل آخر الإنتاجات الإنشاديٌة المتنوٌعة،
المهرجانات، الملتقيات، النٌدوات و الأبحاث و الدٌراسات، إلى غير ذلك من
المظاهر المشجٌعة على إنشاء أجيال لا ينضب نبعها و لا
يتعكٌر.
3 - تفعيل
العولمة ضد العالميٌة :
تعتقد حركة
"
المقام الجديد
"
أنٌ ما يحدث في السٌاحة الإنشاديٌة موصوم بصبغة
المحليٌة، و من تفطٌنوا لهذا؛ أرادوا الخروج إلى العالميٌة من أجل كسب نجاحات
واسعة، و لكنٌهم وقعوا في العولمة، أو بتعبير آخر عولموا محليٌتهم، فبدل الانفتاح على العالم، و
قبول الجيٌد منه؛ فرضوا إنتاجهم، بصرف
النٌظر عن جودته، مقصين الجهات
الأخرى، و جاعلين عدٌة طاقات على الهامش، رغم أنٌها يمكن أن تساهم و بفاعليٌة
في إنجاح فن الإنشاد، لأنٌ الحقيقة الإنشاديٌة يستحيل أن ينظر إليها شخص وحيد
في هذا العالم بشساعته، و بالتٌالي تختلف المساهمات و تتنوٌع بتفاوت عقل كلٌ
فرد، و تتجسٌد في مبادرات أساسها الأفعال و ردودها.
4 - انتشار
الذٌاتيٌة الفنيٌة :
تُعتبر الذٌاتية الفنيٌة
إحدى أهمٌ الأخطار التي تهدٌد الإنشاد، و هي الميل إلى إنشاديٌ معيٌن، أو نظام
كالمنشد الفردانيٌ أو الفرقة أو الجهاز، جاعلة من الإخوة أعداء، و الميل
المشار إليه ليس لدى الجمهور، فهذا شيء جدٌ طبيعيٌ و لا يشكٌل عائقا، أمٌا
لدى الإنشاديٌين فالأمر يختلف، لأنٌ المبادرة دائما في أيديهم، و المبادر
الذي تفوح منه رائحة التٌعصٌب؛ لا يُنتظر منه ترجيح كفٌة النٌجاح مطلقا، و لا
يستطيع بناء شيء قويٌ من قاعدة ضعيفة، قولبتها رؤيته المجاليٌة الضيٌقة.
أمٌا الجمهور فيميل لمن يشاء
و يريد، لأنٌ عاطفته تغلب عقله، و هو من جهة أخرى ينجذب إلى سماع النشيد و
الأنشودة إعجابا، ينطلق من نفسه، و النٌفس تتوق لكلٌ جميل.
5 - شيوع
النٌزعات الشٌاذٌة :
كان شيوع نزعات شاذٌة عن
الحقٌ سببا آخر لقيام حركة المقام الجديد، فقد ظهرت أفكار خاطئة لا تخدم
الصٌالح الإنشاديٌ العام، سواء سياسيٌة أو فلسفيٌة مثل الرٌمزيٌة و الواقعيٌة
و الوطنيٌة....الخ.
إنٌ هذه النٌزعات أثٌرت على
النشيد و الأنشودة، فكانت مثالا للفوارق غير المؤسٌسة على قواعد صحيحة، فهي
عنصريٌة بالدٌرجة الأولى، مشتٌتة للجماعة العالميٌة ذات الدٌين الواحد،
مستنزفة لطاقة الاتٌحاد الشٌامل، فاسدة لا يمكن تبنٌيها عن عقل رشيد.
و هذا
شرح مختصــر لأهمٌ النزعات الشٌاذة :
●
النزعة الرمزيٌة : هي اتٌخاذ رمز
معيٌن يوضع في النشيد و الأنشودة، يُعتبر دالاٌ على مرموز له، و المشكلة ليست
في الرٌمزيٌة بشكلها العام، بل في اتٌخاذ ما قد يأخذ مسارا سلبيٌا في
المستقبل.
●
النزعة الوطنيٌة :
هي حبٌ قطعة أرض تحت شعار الوطن، فالكلٌ يحب بلاده التي ولد فيها، لأنٌ له
فيها ذكريات، كالرٌسول ﴿
ص ﴾
لمٌا أحبٌ مكٌة، و لكنٌ امتداد هذا
الحبٌ إلى حدود سياسيٌة وهميٌة؛
شيء لا أساس له في
العقل، لأنٌه يساعد على تقسيم المسلمين إلى دول
مختلفة، و ما أسهل أن يوقع العدوٌ
بين دولتين، مثلما وقع بين الكويت و العراق، العراق و
إيران، المغرب و الجزائر، المغرب و الصحراء
الغربيٌة.....الخ، و
إيقاع العداوة بين وطنين معناه تجزئة قوٌة المسلمين إلى قوى كثيرة،
هناك
احتمال ضعيف لاتٌحادهم.
●
النٌزعة الواقعيٌة :
هي قبول الواقع كما هو، و رفض أيٌ تدخٌل من الإنشاديٌين لتغييره، أي فكرة
"
الفنٌ من أجل الفنٌ
"،
و هي رؤية تخرج فن الإنشاد عن جوهره، جاعلة منه وسيلة لا تسمن و لا تغني من
جوع، يؤكٌد الواقع مهما كان.
إلى غير ذلك من النزعات
السلبيٌة.
ب . أهداف حركة
المقام الجديد : وضعت حركة
"
المقام الجديد
"
هدفين مهمٌين سعت لتحقيقهما :
1
- الرقيٌ بفن الإنشاد و جعله علما قائما بذاته، بعيدا عن كل التٌأثيرات، أي
وضعه في موقع يؤثٌر و لا يتأثٌر.
2
- تمهيد الطٌريق شيئا فشيئا أمام الإنشاد حتٌى يعمٌ كلٌ العالم.
ج . مبادئ
حركة المقام الجديد : تستند حركة
"
المقام الجديد
"
إلى مبادئ متعدٌدة هي :
1 - التٌركيز
على قوٌة الفعل : و يقصد بالفعل
"
الفعل الإنشاديٌ
"،
و قوٌته هي درجة تأثيره على الجمهور، و يُشترط الدٌين كنقطة أساسيٌة،
فالإسلام في منهجه المعتدل بكل نواحيه الاعتقادات و المعاملات و العبادات،
فهو الشٌامل لكلٌ شيء.
و الارتباط بالله معناه
الالتحام بالقوٌة المطلقة سواء في نوعها أو درجتها، و منها قوٌة التٌأثير
﴿ هناك رابط
واضح بين هذا المبدأ و الهدف الأوٌل ﴾.
و يصل هذا المبدأ إلى درجة
تتمٌ فيها توجيه الجماهير إلى الأحسن و دفعهم عن الأسوأ، أي جعل الإنشاديٌ
شخصيٌة لها وزنها الاجتماعيٌ و سمعتها العالميٌة، فردا يُسمع له حين يتكلٌم، و
يُنظر إليه حين يفعل، و تؤخذ مساعيه بكل أعين الاعتبار.
تعتقد حركة المقام الجديد
أنه كلٌما كان الأثر عميقا زادت به قوٌة الفعل، و بالتٌالي اكتسب الصٌدق الذي
تهفو إليه كل نفس بشريٌة، فإذا كانت فاعليٌة الفرد في تقدٌم بشروط صحيحة
مدروسة؛ تمكٌن من التٌأثير على كل الأحداث العالميٌة، و هنا يكون قد لعب دوره
ببراعة في إرشاد العامٌة إلى الخير مباشرة بفاعليٌته المشهود له بها،
فالفنٌ
موجٌه للدٌعوة أساساً، و الدٌاعية لا يمكن أن يؤثٌر في النٌاس إلاٌ إذا كان
فعٌالا.
لا معنى لفرد يهمل فعالية
فعله، فالفعل سيصدر لا محالة، دعه إذن ذا قيمة عالية، و لا تكن محدود الفكرة
قصير النٌظر، فأنت؛ أنت بفعلك، و كلٌما كانت درجته في قيمة مرتفعة، كنت أنت.
2 - تفعيل
التٌوحيد الإنشاديٌ بين الطٌوائف و المذاهب الإسلاميٌة المتقاربة :
يندى الجبين
لما
لوحظ في السٌاحة الإنشاديٌة من تفرٌق طائفيٌ و مذهبيٌ يحمل منهج التٌناقض، و
بالتٌالي العداء بين الأطراف التي من المفروض أن تستظلٌ تحت شجرة الأخوٌة، و
إذابة الجليد بينها هو حجر الزٌاوية في اعتقاد حركة
"
المقام الجديد
"، فالجوهر
لديها موجود في عنصر الاتٌفاق على الأساسيٌات، أمٌا
ثانويٌ القضايا؛ فلا
تعير له طرفا، لأنٌها تعتبره غير ذي أهميٌة، و
الإختلاف و إن كان و لا بدٌ
منه؛ فالأحسن و الأسلم أن يكون بعيدا عن الأمور التي تخرج من الملٌة، و تلصق
بصاحبها صفة الكفر.
لا يمكن مطلقا أن يكون هناك
توحيد في الرٌأي، شامل للجميع بنسبة كاملة، فهذا غير منطقيٌ، لأنٌ عقول الناس
تختلف من واحد لآخر، حسب قدراتهم و علمهم و سنٌهم....الخ، ناهيك على أنٌ
التٌباين في ذاته رحمة، تخفيفا عن الخلق، و دفعا للمشقٌة الحاصلة في اتٌباع
رأي واحد لا يناسب الكلٌ، لذلك نجد في العالم عدٌة طوائف و مذاهب، لها قواسم
مشتركة، و أرضيٌة واحدة تحملها، و منبعا انبثقت منه.
تحاول حركة
"
المقام الجديد
"
تنمية فكرة نبذ الشٌقاق بين أبناء الدٌين
الواحد، مقرٌبة بين كلٌ وجهات النٌظر غير المتعصٌبة لرأيها، رافضة تلك
النٌظرة
الأحاديٌة المتطرٌفة، التي تهدٌد أمٌتنا بالشٌتات
فالزٌوال.
على هذه القاعدة ترفض هذه
الحركة التٌفرقة بين فن الإنشاد لدى الطٌوائف و المذاهب المتٌفقة على أساس
واحد، يضمن لها بقائها في حظيرة الإسلام، ما دامت تحترم كلٌها الخطوط الحمراء
في النٌشيد و الأنشودة، ساعية للارتقاء بهما إلى مستويات الجودة و الإحسان، و
بهذه المساهمة تكون قد شقٌت طريقا مشتركا، يتعدٌد سالكوه، تفعيلا منها للوحدة
الحقيقيٌة بين كلٌ الطٌوائف و المذاهب، وحدة يحقٌَق بها وحدة الأمٌة
الإسلاميٌة العالميٌة.
إنٌ فكرة التٌوحيد الإنشاديٌ
تعتبر ركيزة أساسيٌة لدى أفراد هذه الحركة، فهي تلخٌص كلٌ المبادئ الأخرى
عندهم، فالتٌوحيد يشير إلى عدٌة أطراف في العالم، و هذه هي العالميٌة، و نعت
"
الإنشاديٌ
"
يوحي بمبدأ الدٌعوة الفنيٌة، و بما أنٌ الإنشاد
ينبع من الدٌين؛ فهو جذره العميق.
3 - العالميٌة
الإنشاديٌة :
و هو المبدأ الثٌالث لهذه
الحركة الفنيٌة العالميٌة، إذ أنٌها لا تقيٌد نفسها بالعمل و النٌشاط
المحلٌيين في دائرة صغيرة؛ لا تبحث خارجها،
من فكرة تعتنقها تتمثٌل في أنٌ
الحقيقة ليست محصورة في نطاق ضيٌق، بل متجلٌية في رقعة كبيرة مأهولة
بالبشر اسمها العالم، و حتٌى يتقوٌى فنٌ الإنشاد يجب أن يأخذ كل هذه الرٌقعة
الكبيرة ميدانا خصبا له، تمدٌه بالموارد البشريٌة اللاٌزمة لقيامه و بقائه
على قيد الحياة، و هؤلاء الأفراد هم الذين ينتجون الأفكار المحرٌكة
بشموليٌتها لكلٌ ضروريٌ و كماليٌ.
إنٌ الإنشاديٌ المنتمي فكريٌا
لهذه الحركة؛ يعلم أنٌ العالم مجاله الفسيح الأرجاء، يأخذ منه ما يفيد
الإنشاد، و بالتٌالي يكون منطقة إشعاع فنيٌ واحدة، غير
مترفٌع عن تلك
الأقاليم الجغرافيٌة المعزولة، ذات الكثافة السكٌانيٌة القليلة، التي يهملها
البعض كونها بعيدة عن تفاعل الأحداث، فالعالم يؤخذ ككل، من دون ترك و لو جزء
تحت أيٌ ظرف، لأنٌ الذي يقصي منطقة؛ إنٌما يقصي
جزءاً من الحضارة العالميٌة الإنسانيٌة، بما في ذلك إنتاجها
الفنٌيٌ الطربيٌ، الذي يساهم في ترقية
الإنشاد بطريقة أو بأخرى.
إنٌ عامل اللٌغة عامل مهمٌ
لدى أفراد الحركة، فهم يعتبرونها وسيلة اتٌصال بقيمة
الحجر الكريم، فالمرء أيٌا كان ينجذب إلى من
يتحدٌثون لغته، و هنا الجوهر، فالأناشيد لا تقوم على اللٌغة العربيٌة وحدها
كما يتصوٌر البعض، بل تساهم فيها كلٌ لغة باعتبارها مظهرا من مظاهر الحضارة، و
ما كانت لتنحصر في لغة وحيدة،
فتلك عولمة و إن كان الأمر يأخذ اتٌجاها آخر، إلاٌ أن الفكرة الضيٌقة تولٌد
الأضيق.
4 - اعتناق
فكرة الدٌعوة الفنيٌة :
تعتنق حركة
"
المقام الجديد
"
فكرة الدٌعوة في حلٌتها الفنيٌة البحتة، بعيدا
عن التٌأثيرات المختلفة الأخرى، التي إن شابت الإنشاد غيٌرت نكهته المميٌزة،
و لن يرقى أبدا بهذا، لأنها ستعمل على عرقلته، و طمس شخصيٌته.
و الدٌعوة في فلسفة هذه
الحركة هي إرشاد النٌاس إلى القيمة الحقيقيٌة للفن الغنائي الديني
﴿ الإنشاد
﴾، المجهول لدى العامٌة بسبب
انعدام الاتٌصال و التٌواصل بين الإنشاديٌين، و بذلك فإنٌ القيم الرٌشيدة تعتبر ضئيلة
من المنظور الإجماليٌ للفنٌ.
إنٌ القيم الرٌشيدة لا يمكن
إيصالها بسهولة إلى الجماهير غير المدركة لها، إلاٌ إذا غُلٌفت بقيم الجمال،
و عُمل على غرسها في النٌفوس غرساً، يصعب بعدها اقتلاعها منها، و تُفهم من
السٌياق العام عند البعض أنٌ العمليٌة تامٌة سابقا، لكن ليس لها جذور متماسكة
تحافظ على هذه القيم في النٌفس البشريٌة، فتكون العمليٌة الثٌانية تثبيتها
متٌخذة من الشٌخصيٌة حقلا آمنا لها.
و لمٌا كانت الدٌعوة عامٌة
تتطلٌب عنصر الحكمة؛ وجب إدخال هذه الأخيرة في الفن، متٌخذة من العقل آلة
إنتاجها، فالأهمٌ دوما يُدرك بالمهمٌ، و لا فوضى تقود إلى النٌجاح، بقدر لا
نظام منظٌم يقود إلى الفشل.
إذن فتوظيف العقل في دعوة
الجماهير إلى الحقٌ ليس أمرا واجبا فحسب، بل لا مفرٌ منه و لا ملاذ عنه، و
لمٌا كان العقل آلة فكريٌة غير آمنة؛ اقترن نجاحه بالهدى المنزٌل، الذي يحفظه
من كلٌ زيغ و ضلال.
3 - حركة البراعم
( أصحاب الصٌفحة البيضاء
) :
تقوم الحركة
الإنشاديٌة العالميٌة
"
البراعم
" على ركيزة فكريٌة،
تتمثٌل في الاهتمام بالأطفال بالدٌرجة الأولى، لتوفٌر
قدرة
التٌعلٌم لديهم أكثر من الكبار، و سواء هزٌة كبيرة أو صغيرة لا تهم، فالصٌفحة
البيضاء في عقل الطٌفل يمكن كتابة أيٌ شيء عليها، و لهذا يُطلق اسم "
أصحاب الصٌفحة البيضاء " على المنتمين لهذه
الحركة.
للحركة
المذكورة اعتقاد راسخ في أنٌ ترقية فن الإنشاد لا يمكن أن يكون دون ترقية
عقول أجياله التي تحمله، و ترقية الجيل لا تعطي ثمارا ناضجة النٌضج المطلوب؛
إلاٌ إذا اهتُـمٌ بالفرد منذ طفولته، و متابعته على مدى سنين حياته،
حتى يصبح في مصافٌ الكبار، عندها يكون قد اكتسب أفكارا تمكٌنه من بلوغ أعلى
الدٌرجات و المستويات.
ظهرت حركة
"
الصٌفحة البيضاء
"
نهاية القرن 20،
أي قبل
"
فان
"
و
"
المقام الجديد
"،
و لكنٌها لم تستطع إثبات وجودها إلاٌ بعد توفٌر عناصر ساعدت على إقامة هذه
الحركات، و خاصٌة تغيٌر ملامح النٌظام العالميٌ بعد سقوط الاتٌحاد السٌوفياتيٌ،
و أفول الشٌعارات الزٌائفة المروٌجة للجماعة المحليٌة على حساب
النٌظرة
الشٌاملة.
أ . أسباب نشوء
حركة البراعم : وُلدت
حركة
"
الصٌفحة البيضاء
"
لأسباب هي :
1 - تأخٌر فنٌ
الإنشاد :
لاحظت حركة البراعم أنٌ
الإنشاد كظاهرة نفسيٌة اجتماعيٌة فنيٌة يتخبٌطه الضٌعف، فهو لم يلق الاهتمام
المطلوب الكافي على مرٌ العصور بصفة عامٌة، بسبب ظروف أحاطت به، تنوٌعت من
تاريخيٌة إلى اقتصاديٌة إلى سياسيٌة، إلى غير ذلك من العوامل التي عرقلت هذا
الفن، فلم يلعب دوره كاملا في المجتمعات، رغم أنٌه يحمل قدرة كبيرة، و
استطاعة عظمى، و خاصٌة الطٌاقة البشريٌة الهائلة، و القوى المرتقية في تحقيق
شيء له قيمة فعليٌة.
2 - استحسان
المحليٌة على العالميٌة :
إنٌ النظام العالميٌ السٌائد
إبٌان نهايات القرن 20؛
أثٌر سلباً على الإنشاد، فالكثير من الفِرق أبت تبنٌي العالميٌة، و اقتصر
نشاطها داخل حدود بلادها فقط، رافضة كلٌ أشكال الخروج من القوقعة، بدعوى أنٌ
الإصلاح الذي تقوم به؛ يجب أن ينجح في محيطها أوٌلا، ثمٌ بعد ذلك
يأتي التٌفكير في
إصلاح المحيط العالميٌ، و أخرى لا يهمٌها إلاٌ محيطها فقط، و حتٌى و إن تمٌ
لها ما تاقت إليه من إرساء إصلاح شامل؛ فالفكرة تبقى محصورة في هذا النٌطاق
الضيٌق، و المحيطات الأخرى تتكفٌل بها فِرق أخرى، و إن لم تنجح لا يهم.
و استحسان هذه النٌظرة ليس
إيجابيٌا أبدا، فالفرق الإنشاديٌة تكتفي بما لديها في محيطها من إيقاعات و
أساليب، و سيأتي يوم لا محالة ينظر فيه أفرادها إلى خارج دائرتهم، طال الزٌمن
أم قصر، بحكم حتميٌة الرٌؤية الموسٌعة، أو يتعرٌضون لغزو ثقافيٌ من أطراف تؤمن
بفكرة نشر أفكارها على مساحة جغرافيٌة شاسعة، من نطاقات قوى لا محليٌة.
3 - انتشار
الذٌاتيٌة الفنيٌة :
انتشر مبدأ الذٌاتيٌة
الفنيٌة واسعا بين عدٌة فرق و منشدين، إلى حدٌ التٌعصٌب الأعمى، ممٌا ساهم في
عرقلة نموٌ الإنشاد، فالتٌزمٌت يجعل المتعصٌب يتقبٌل كل شيء
من المتعصٌب له،
سواء كان إيجابيٌا أم سلبيٌا، و يلزمه الدٌفاع المستميت عن جهته التي يميل
نحوها مهما كانت الأفعال الصٌادرة عنها، و كفى بهذه نقطة سلبيٌة لها وبالها
العظيم على الفن.
إضافـــة إلى أنٌ التعصٌب
لاسم ما؛ ينشئ أجيالا متصارعة، لا تنتج الجديد بالمقدار الذي تعيد به إعادة
إنتاج القديم، لا يوجد في قاموسها مصطلح
"
الزٌمن
"،
فلا تعيره أدنى اهتمام ....... لأنٌها لا تعرفه.
تشجٌع الذٌاتيٌة الفنيٌة
الإنغلاق و الإنعزال و لو ظهر التٌفتٌح سطحيٌا، إلاٌ أنٌ جوهر
الشٌيء باقٍ على
حاله لم يتغيٌر، و الإصلاح صعب، فكلٌ جيل بدأ في أخذ مواقف متشدٌدة تجاه
نواحي كثيرة، ممٌا قد يؤخٌر عمليٌة توحيد الصٌفوف.
4 - وجود
صراع خفيٌ بين الأجيال الإنشاديٌة المتعاقبة :
إكتشفت
حركة
"
البراعم
"
ملامح صراع خفيٌ بين الأجيال الإنشاديٌة
المتعاقبة، حتٌى داخل المدرسة التٌاريخيٌة الواحدة، و أرجعت السٌبب الرٌئيس
إلى العقليٌة الضيٌقة المجالات، خاصٌة الزٌمنيٌ منها عند الأفراد، الذين
يفتقرون لفكرة التطوٌر الصٌحيح المبنيٌ على الشٌموليٌة، و المقصود هنا
أنٌ هؤلاء الأفراد لديهم عيب السٌكون العقليٌ
﴿
السٌتاتيكا
﴾، و هذا ما دفعهم
إلى الإنغلاق على أفكارهم انغلاقا لا يسمح بقبول أفكار
الآخرين، مهما قدٌموا من
براهين على صحٌة اعتقاداتهم.
عقليٌة
السٌتاتيكا تمنع
التٌواصل مع الأطراف الأخرى إن لم نقل الإتٌصال، و تتدرٌج شيئا فشيئا نحو
التٌعصٌب و التٌطرٌف، لتتوفٌر لنا في النٌهاية كتل متحاربة، كان من المفروض أن
يؤلٌف بينها الإنشاد.
ب . أهداف
حركة البراعم : يلخٌص أصحاب هذه الحركة أهدافهم كلٌها في نقطة واحدة
هي إنشاء أجيال إنشاديٌة عالميٌة موحٌدة، ذاتية القدرة.
ج . مبادئ
حركة البراعم : لحركة
"
البراعم
"
مبادئ تعتمدها في نشاطها
الفنٌيٌ مثل :
1 - التٌركيز
على الأطفال دون إهمالهم عند الكبر :
تؤسٌس حركة
"
البراعم
" لفكرتها انطلاقا من عبارة أنٌ الطفل
يملك عقلا ذا صفحة بيضاء، نستطيع كتابة أيٌ شيء عليها، فهو على الفطرة التي
تمكٌن مربٌيه من توجيهه إلى أيٌ وجهة مختارة، و
الإهتمام بالأطفال و تربيتهم تربية إنشاديٌة
سليمة؛ معناه في كلٌ الأحوال إنشاء جيل عالميٌ مولع بالأناشيد، موحٌدون
أفراده، يملكون قدرة ذاتيٌة على ابتكار جيٌد الأشياء، و صنع أحسن الظٌروف.
إنٌ الطٌفل في حالته الخام
يكون عقله مفرغا من الأحكام المسبقة، فطرته نقيٌة من الشٌوائب الأخلاقيٌة، و
التٌراكمات الحياتيٌة، مثله كمثل الذي يرى النٌور لأوٌل مرٌة، و
الإعتناء
بهؤلاء طريقة مثلى ليرتقي فنٌ الإنشاد على أيديهم، بشرط أن تكون استمراريٌة
متابعة بعد مرحلة الطٌفولة، لأنٌهم يكونون قد وصلوا لمرحلة إنتاج الجديد،
بعدما تمٌ تدريبهم على أفضل السٌبل و الوسائل.
تسعى حركة
"
البراعم
"
من خلال
تركيزها على الأطفال إلى بناء شخصيٌة إنشاديٌة سويٌة، ذات أبعاد متٌصلة
بالنٌشيد و الأنشودة، من خلال وضع الطٌفل في مناخ مشبع بثقافة الإنشاد، مع
الحرص على وضع آلية متابعة حتٌى داخل المنزل، بصنع روابط مع الأولياء، و لا
سيٌما الأشخاص المحبٌبين إليه كالأمٌ أو الأب أو الأخ أو الأخت، و
هذا الحبٌ
العائليٌ هو الأساس، باعتبار الأسرة أوٌل مكان يترعرع فيه، و تأتي بعد ذلك
المدرسة لتطوٌر المعرفة و توسٌعها، فيتشكٌل في ذهن الطفل فضاء علميٌ، يُملأ
بأصول النشيد و الأنشودة، و مع الوقت يزداد هذا الفضاء اتٌساعاً، و بالتٌالي
يتقوٌى عقله، و ينتج أفكارا تساهم في دفع عجلة الإزدهار.
2 - اعتماد
الوسط كموقع استراتيجي :
يعتقد أصحاب حركة البراعم أنٌ
مجال الإعتدال و الوسطيٌة أفضل مجال على الإطلاق، فهو دون التطرٌف و التعصٌب،
و فوق الإبتذال و التسيٌب، و بالتٌالي يكتسب موقعا استراتيجيٌا تتجلٌى فيه
القوٌة، و في غيره الضٌعف و الهوان.
و الوسط المقصود هو المكان
العام المعتدلة أفكاره بين الفكرة المتطرٌفة؛ و الفكرة الشٌائنة، ألا ترى أنٌ
الإنسان يزداد صدره انشراحا حين يتواجد في طقس معتدل و جميل ؟، بشمس دافئة و
هواء منعش، و تراه في غير ذلك حين يكون في طقس متطرٌف بارد أو حار
؟.
ألا ترى أنٌ الإنسان يبلغ
أقصى قوٌته حين يكون شابٌا ؟، و هو ضعيف عندما يكون طفلا صغيرا، أو شيخا
هرما ؟.
إنٌ السٌير التصاقا بالحائط
الأيمن عمليٌة هيٌنة، و المشي التصاقا بالحائط الأيسر عمليٌة يسيرة
أيضا، أمٌا محاولة المحافظة على مسار وسطيٌ بين الحائطين أمر شاقٌ على
النٌفس؛ كلٌما استقرٌت المسافة بينهما و بين المسار، و لهذا فالوسطيٌة مشكلة
يمكن للعقل أن يحلٌها، طبعا إستناداً إلى الوحي،
فهو الأداة التي يمكن بها وضع حدود نحصر فيها الإجتهادات
التي يتوقٌع أصحاب حركة
"
البراعم
"
نجاحها.
و الوسط يوحي بفكرة الحقٌ، و
غيره الباطل الآخذ صورتي التعصٌب و التٌسيٌب، و الحقٌ كما
تسعى إليه هذه
الحركة شموليٌ، تتمسٌك برؤيته رؤية موسٌعة قدر المستطاع، حتٌى لا تغيب أجزاء
منه، فيتعذٌر الإستمساك به، و يكون بعدئذ الوقوع فيما ورائه.
3 - اتٌخاذ
مفهوم
"
طهارة الدٌرب
"
قاعدة حيويٌة :
تتحرٌك حركة
"
البراعم
" في إطار أنشطتها على قاعدة توفٌر لها
استمراريٌة البقاء، فالدٌرب محصور في الفنٌ فقط، في صورته الإنشاديٌة، دون
التدخٌل في مناحيَ أخرى، و لا حتٌى في فنون مشابهة له، كالإنشاد المسرحيٌ، و
المسرح الإنشاديٌ، و بذلك تحمي نفسها من أيٌ خطر محتمل، خاصٌة القوى الخارجيٌة
المناوئة، و تشتيت قوى الدٌاخل.
لقد بات من ضروريٌات
المحافظة على الدٌعوة الفنيٌة لدى أتباع هذه الحركة؛
إلتزام السٌير في خطٌ
محدٌد و دقيق، لما قد ينجرٌ عن عكسه من ضياع الشٌخصيٌة المستقلٌة، و ظهور
أفكار متناقضة لا تخدم الهدف الأسمى.
إنٌ عبارة
"
طهارة الدٌرب
"
شعار استقلاليٌ، تسعى حركة
"
البراعم
"
من اعتماده كمبدأ؛ إلى صرف جميع القوى المتوفٌرة
في مجال واحد، توظٌف فيه كلٌ الجهود، فتكون حياة للإنشاد، و فضاء في اتٌساع
حثيث، تسهل فيه الحركة و المناورة.
4 - إلغاء كلٌ
الحواجز التي تفرٌق وحدة الأمٌة الإسلاميٌة :
تهتمٌ هذه الحركة الفكريٌة
الفنيٌة بتنشئة الطٌفل على فكرة جوهريٌة، تتجاوز الحواجز التي تمزٌق شمل
العالم الإسلاميٌ، فهي لا تقيم أدنى وزن لقيم العرق و اللٌون و الجنسيٌة......الخ،
لأنٌها تعتبر أنٌ الوحدة الشٌاملة بين كلٌ أبناء الدٌين الواحد أولويٌة قصوى،
تتوفٌر فيها قوٌة عظمى، هي في الواقع مشتٌتة بتشتٌت الأفكار المتعصٌبة للمذهب
أو الطٌائفة أو الوطن أو القوميٌة، و إنٌه من غير الممكن جمع أفراد الأمٌة إلاٌ بالتٌخلٌص
من كلٌ ما يقسٌمهم إلى مجموعات تحت مسمٌيات كثيرة، و التٌخلٌص في الأصل ما
يكون أيضا إلاٌ بلفظ الفكرة المحرٌكة للفعل و القول، اعتمادا على قانون عالم الأفكار يسبق عالم اللاٌ أفكار.
تريد حركة
"
البراعم
" تربية جيل حديث الأفكار، ينبذ التٌفرٌق
و الإنقسام، قوٌته في اتٌحاد أفراده ذكورا و
إناثا، و أجيالاً، مستعدٌون لتحمٌل مسؤوليٌات ثقيلة، و ما في هذا غبن لهم، ما داموا
مدرٌبين و مؤهٌلين تأهيلا يكفل لهم حسن القيادة.
المطلب
الثالث : الجذور الفلسفيٌة للحركات الإنشاديٌة العالميٌة.
ليست حركات الإنشاد حركات سطحيٌة، فمن خلال ارتدائها
لثوبي الفكرة و الفن؛ نلمس مدى عمق جذورها في أرضيٌات فلسفية شتٌى، كان لها
دورها إبٌان ظهور هذه الحركات، و ميٌزت الطابع العام لنهاية القرن 20،
و بداية القرن الذي يليه.
1 - فلسفة الإرتقاء الحيويٌ :
إن
فلسفة
"
الإرتقاء الحيويٌ
" لم تكن في أصلها سوى نسق فكريٌ تمثٌله فكرة واحدة
كبيرة، ترى أنٌ كلٌ ما يحيط بنا من حيٌ و جماد، أدوات مستغلٌة لتحقيق أشياء
ضخمة، فالحياة تقوم على تسخير
"
أ
"
لـ
" ب
"، من أجل استمراريٌتها، تسخيرا أخلاقيٌا
سليما، يقولبه الدٌور، و تتعهٌده الجماعة، في إطار الصٌراع الداٌئم مع قوى
الطٌبيعة، و تطوٌر هذا النسق ليشمل النظرة الشٌموليٌة لقوى الفرد، و مجموعة
القوى المتوفٌرة عند اتٌحاده مع فرد آخر، بوجود طريقة مثلى لنسجها
نسجاً يسمح
باستغلالها لأقصى حدٌ.
عندما
نكون على قيد الحياة، فإنٌنا سنبحث لا محالة عن كل ما يساعدنا من أجل بقائنا
أحياء، و بالنٌظر إلى ما يحيط بنا؛ لا نتوقٌع وجود إمكانيٌات ضخمة دائما
تنتظرنا، بل يكفي الاعتماد على أشياء بسيطة إلى حدٌ بعيد، لدرجة أنٌ الكثيرين
منٌا يعتبرونها تافهة، تعجز عن تحقيق متطلٌباتنا، و الحقيقة أنٌ هذه
التٌوافه؛ نستطيع صنع العظائم منها، بشرط اتٌباع تفكير سليم يحسن استغلالها و
توظيفها جيٌدا، فلو أنٌ الجميع انتظر حصوله على إمكانيٌات كبيرة ليتحرٌك؛ ما
كان للإنشاد أن يتطوٌر أبدا، لأنٌ هذه الإمكانيٌات يمكن
ألاٌ تأتيَ أبدا، و إن
أتت كانت متفرٌقة، ننتظر أيضا توفير ما نقص، و نبقى في كرٌ و فرٌ.
إنٌ العواقل من البشر من يعرف كيف يستغلٌ عود ثقاب ليشعل نارا في حجم الجبال، و من
يعرف كيف يجعل من قطع الخشب المختلفة أثاثا فخما، و من يعرف كيف يجمع بقايا
الشٌمع من أجل إعادة تشكيله في شموع و إن انطفأت، و عكسه من يطلب خزٌانات
وقود لإشعال نار صغيرة، و أمتار من الألواح لتشكيل مكتب صغير، و قس على ذلك......
من غير
المعقول أن يظنٌ أيٌ واحد منٌا أنٌ حياته حياة ملوك و أمراء، فوجودنا في
الدٌنيا يتبعه مصطلح الكفاح من أجل الحياة، و على هذه القاعدة يجب أن نعيش.
إنٌ
السٌؤال الذي يطرحه كل من أراد تطوير فنٌ الإنشاد هو : ماذا يتوجٌب عليٌ
تقديمه لأساهم و لو مساهمة بسيطة في رفع مستوى الإنشاد ؟، و بهذا يكون قد
مهٌد لنفسه لاستغلال كل ما توفٌر له و ما سيتوفٌر لإنجاح العمليٌة.
و حجم
المتوفٌرات متنوٌع، من مال إلى نفوذ إلى معارف .......الخ، كلٌها يجب أن يسيٌرها
العقل للاستفادة منها جميعا دون إهمال أيٌ جزء مهما كان، فما على الأرض و من
عليها يجب أن يخدم الدٌعوة في صورتها الإجماليٌة، من هذه الدٌعوة توجد
الدٌعوة الفنيٌة.
من
الملاحظ أنٌ كلمة التطوٌر تعني الارتقاء، و بهذا يمكن اعتبار الكلمتين
مترادفتين، فالصٌعود لا يتمٌ بسهولة، و استنجادنا بما تستطيع أيدينا لمسه؛
يخفٌف قليلا من صعوبة هذا الصٌعود.
2 - فلسفة التٌغيير المستقبليٌ :
التٌغيير
نحو الأفضل غايتنا المنشودة، و غاية كلٌ
المفكٌرين و الفلاسفة عبر العصور و
الأزمنة، قصد توفير حياة أسعد و أرغد للجميع، و التٌغيير عند هذه الحركات هو
تغيير فكريٌ فنٌيٌ ميدانه الإنشاد، بهدف إحداث أجيال ذات قيم رفيعة، تؤسٌس
لجماعة عالميٌة واحدة موحٌدة الثٌابت.
و
التٌركيز على الجيل القادم في حركة تواتريٌة؛ معناه إلقاء الثٌقل كلٌه على
المستقبل، باعتباره أضمن زمن لإحداث أيٌ تغيير، فالزٌمن الماضي مجال يستحيل
تغييره، لأنٌه انقضى، و الحاضر كذلك يستحيل فعل أيٌ شيء فيه، لأنٌ استغراقه
سريع جدٌاً، لا تدركه حواسٌنا، فالثٌانية التي نزعم أنٌنا نعيشها تنقضي
بمجرٌد ذكر حرف الهاء من عبارة "
إنٌنا
نعيشها "،
فأيٌ تغيير يمكن إحداثه في مجال زمنيٌ لا نملك التحكٌم فيه ؟.
إنٌه و
إن بقي زمن وحيد يتحتٌم علينا استغلاله؛ فهو القادم الذي لم يأتِ، فإن أصبح
حاضرا؛ دخل في دائرة الإستنزاف، و لذلك فإنٌه كلٌما كان بعيدا عنٌا؛ كان أخصب
مجال لنا، لأنٌنا هنا سنضع ألف حساب لقولبته حسب حاجتنا، فإذا ما أصبح حاضرا؛
إستهلكنا فقط ما عملناه.
و يذهب
الأمر بعيدا في جوهره إلى حدٌ الاعتراف بوجود مجالين
واقعيٌين؛ المستقبل و
الماضي، و هذا الأخير نوعان : ماضٍ مستغرق منتهٍ، و ماضٍ مستغرق غير منتهٍ.
إنٌ
فلسفة
"
التٌغيير المستقبليٌ
"
لا تعترف بالصٌدمة، بل تتبع أسلوب
التٌغيير فوق
البطيء، أي التٌغيير عكس المفاجئ، الذي لا تُستشفٌ منه العجلة و التهوٌر،
بتركيبة أخرى؛ يوجد تغييران، أحدهما بطيء تلقائيٌ، و هو ما نراه عند
الحيوانات، و آخر سريع مدروس، و هو الملاحظ عند المجتمعات البشريٌة، و هنا يجدر أن نتناول مفهومي
"
النٌهضة
" و
"
الثٌورة
".
إنٌ
النٌهضة هي التغيٌر العام في الأفكار و العواطف و الأوضاع، نحو هدف محدٌد
سابقا، أي ترتبط دائما بدراسة و لو كانت فطريٌة،
باعتبارها حركة من حركات المجتمع، تشمل عدٌة جوانب اجتماعيٌة، أو تختصٌ
بميدان واحد، و هنا النٌهضة اختصٌت بالميدان الإنشاديٌ، أما الثٌورة فهي
التغيٌر السٌريع في الأفكار و العواطف و الأوضاع، نحو هدف معيٌن، بطريقة
مدروسة، ترتبط أيضا بميادين أو تكون في ميدان واحد، و إن حدث كل شيء بسرعة
شديدة و أتى بجديد شامل يخالف الوضع الحاليٌ؛ سُمي ذلك
"
انقلاباً
"، أضف إلى كل ما
قيل أنٌ التغيٌر الذي يجمعهم جميعا في الصٌفة؛ هو ارتقاء يكون في الأفكار
أوٌلا، باعتبار أنٌ عالم الأفكار يسبق عالم اللاٌ أفكار.
إنٌ
النٌهضة تكون أوٌلا، ثم يختلف الأمر، ثورة تستعمل الزٌمن، أو انقلاب يرفض الوضع الحاليٌ بصفة كليٌة و يستعمل الزٌمن كذلك، و على هذا
فالنٌهضة شيء
أساسيٌ في إحداث أيٌ نوع من
التٌغييرات.
إنٌ
تغيير فكرة الفرد المطبوعة في شخصيٌته أمر بالغ الصٌعوبة، لأنٌها هُضمت
بتنشئته عليها، فأصبحت كقطرة من دمه، يمكن أن يتخلٌى عنها تحت ضغوط معيٌنة،
لكن ليس بيسر، في حين أنٌ تربية الجيل القادم على فكرة محدٌدة شيء وارد و
طبيعيٌ، بحكم أن لا معرفة مسبٌقة
تتوفٌر لديه، فهو فطريٌ في عالم الوجود، على
هذا الأساس تركٌز حركات الإنشاد على مصطلح
"
الجيل
"،
كطريقة تقدٌميٌة تمليها الحتميٌة الزٌمنيٌة، و ليس كما يفهمه البعض هروبا
للأمام.
3 - فلسفة العدوٌ المحتمل :
تُعتبر
فلسفة
"
العدوٌ المحتمل
"
كبناء عقليٌ
أهم الجذور الفلسفيٌة لحركات الإنشاد العالميٌة، إذ تقوم على كون لكلٌ إنسان عدوٌ مهما
كان هذا الإنسان، و مهما كانت طبيعته، خيٌر أم شرٌير،
إعتماداً على الفكرة العريقة
"
صراع الخير و الشرٌ
"، كحتميٌة تاريخيٌة
مفروضة على كل بني البشر من آدم عليه السٌلام، إلى آخر فرد تقوم عليه القيامة.
و وجود
عدوٌ يتطلٌب حذرا دائماً، و يقتضي توفير الأمن للإنشاديٌين بشتٌى أنواعه، حرصاً
على سلامتهم الرٌوحيٌة و الجسديٌة و الفكريٌة...الخ، من باب إدراك إحدى آليٌات
العمل الإنشاديٌ المتمثٌلة في الإستقراريٌة، أضف إلى هذا
وجوب لمٌ الشٌمل، و إصلاح ذات البين.
العدوٌ
هو الطٌرف الذي يريد القضاء عليك، و من هنا يستدعينا السٌؤال عن طبيعة هذا
الطٌرف، فنجد الشٌيطان في
المقدٌمة، باعتباره قد أخذ العهد على نفسه أن يغوي بني
آدم، بنيٌة صدٌهم عن طريق الهدى، فما بالك بالإنشاديٌ صاحب الرٌسالة الفنيٌة
المقدٌسة ؟.
إلى
جانبه، من والوه من البشر، و هؤلاء مختلفون اختلاف ألوان قوس قزح، منهم أعداء
حقيقيٌون، تنبثق روح العداء منهم، و آخرون يضعون أنفسهم في مقام العدوٌ، و ما
هم كذلك، كما أنٌ هناك النٌفس الأماٌرة بالسٌوء، تطلب الملذٌات و الشٌهوات على
حساب الآخرين.
و
التٌعامل مع هؤلاء الأعداء و ما شابههم يختلف باختلافهم، فالشٌيطان يسلك مسلك
النٌاصح و ما كان في يوم من الأيام كذلك، و النٌفس علاجها
التٌربية، أمٌا حلفاء
إبليس فينبغي كفاحهم، لكنٌ المغرٌر بهم يُعتبرون إخوة لنا ضلٌوا
الطٌريق، و هدايتهم فرض على كل إنشادي.
بناء
على هذه الفلسفة؛ اتٌبعت جميع حركات الإنشاد؛ فان، البراعم، المقام الجديد،
أسلوب النشاط السرٌيٌ، البعيد عن الأضواء و العيون، و أصبحت لا تُرى من هؤلاء
إلاٌ تنظيمات فرعيٌة من الجذع الأصليٌ، و ظلال هنا و هناك، و لا أحد يرى
الأجسام، رغم كثرة و تباين التصوٌرات.
وجود
عدوٌ معناه توقٌع أكيد بحدوث حرب، ميادين معاركها قليل من تخطر له على بال،
لأنٌها تأخذ العالميٌة بجميع أبعادها مسرحاً لها، تحاول حصد الفوز الكاسح فيه، و
سحق الخصم، إذن فالمواجهة لا مناص منها على أكثر من صعيد، و لا انتصار يمكن
تحقيقه جزافا إلاٌ بحصول معرفة دفاعيٌة هجوميٌة، كلٌها تدور في الفنٌ،
....... و لا
شيء خارج الفنٌ.
خاتمــة :
غيض من فيض ما ذُكر في هذا الكتاب، الذي كشفنا
النٌقاب
بين طيٌاته عن أهمٌ ثلاث حركات عالميٌة اتٌخذت من فنٌ الإنشاد مسارا
للدٌعوة، و
لا شكٌ أنٌ من يضعها تحت المجهر؛ سيدرك تنوٌع أفكارها العاكس لما يحدث في ساحتي
النٌشيد و الأنشودة.
إنٌه لمن
الواجب علينا؛ ذلك الذي ارتأيناه ممثٌلا في إعلام الأجيال
النٌاهضة، التي ترغب
في معرفة القواعد الأيديولوجيٌة التي ينتمي إليها أغلب
النٌاشطين في الميدان.
و
بحكــم ما تنبٌأنا به؛ من كـــون هذا العمل سيثير ضجٌة في أوساط العائلة
الإنشاديٌة، بقدر ما أبينا إلاٌ أن نستسمح إخوتنا و أخواتنا، و أبنائنا و
بناتنا - أفاض الله عليهم و علينا من نعمه -
عذراً على كشف ما قد يتعثٌر
التٌاريخ إن غُيٌب، واضعين في الوقت نفسه هذا الجزء
من التٌراكم المعرفيٌ أمامهم، جازمين أنهم سيطوٌرونه تبعا للسٌيرورة الزٌمنيٌة
من أجل إنشاد قويٌ.
ختاما
كلمة حقٌ نرى من واجبنا أن نقولها شكراً و عرفاناً لكل من ساهم معنا في إخراج
هذا العمل الفكريٌ للوجود، و لا سيٌما الذين لم يبخلوا بمادٌتهم، سواء من استجابوا
لنا في أهميٌة ذكر الأسماء، أو من مشوا معنا إلى غاية نهاية المشوار، و من
تحفٌظوا و لهم ما أرادوا، لا نعاتب أحدا على فكرته، المهمٌ للجميع أنٌ
الحقيقة باقية، و من حقٌ أيٌ واحد الاطٌلاع عليها، الحقيقة
الإنشاديٌة الخالدة
المستمرٌة عبر العصور و الأزمنة لسببين :
1
- أنٌها الأصل و المركز الذي ننظر إليه مبتهلين إلى الله أن يمنحنا القدرة على
إبصاره، و تبصير النٌاس به.
2
- أنٌنا ذاهبون لا محالة،
لكنٌكم ستبقون ...... و أنتم الذين ستكملون درب مسيرتنا
الإنشاديٌة.
جهاز أنسام الصباح للتربية
الفنية
هيئة الإقليد - أوت 2006. |