(نص المرافعة التي ألقاها رمزي أوزار عضو «حزب التحرير» أمام محكمة أمن الدولة
الثانية في أنقرة بتاريخ 16/01/2002م)
بسم الله
الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله
وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين. وبعد ،
حضرة رئيس محكمة أمن الدولة ،
سأبين لكم أسباب اعتقالي وإحالتي إلى المحاكمة، والتهم التي وجهها
المدعي العام إلي وإلى حزب التحرير الذي أنتمي إليه.
إنني مسلم أجد في رسالة الإسلام التي أوحاها الله إلى نبينا الكريم
r
منهجاً لي في حياتي، ولا أجد لحياتي معنىً بعيداً عن هذا المنهج. ولقد تعمقت
بدراسة كتاب الله وسنة رسوله
r
، ونتيجةً لذلك وجدت في الإسلام نظاماً يعالج جميع شؤون الحياة ومشاكلها من
سياسية واقتصادية واجتماعية وحقوق وعلاقاتٍ دولية...الخ. ولقد جعل رسول الله
r
من هذه الأمة أمةً متميزة قائمةً على دين الإسلام. وإن الكافر المستعمر دمر
خلافة الإسلام ومزق بلاد المسلمين ونصب عليها زمرةً من الحكام الذين جعلوا من
المسلمين عبيداً وخدماً يمتثلون لأمر الغرب الكافر، وجعل هؤلاء الحكام حياتهم
وقفاً على ترويع المسلمين وإذلالهم
وحبسهم في حياةٍ من الرعب والانقياد للكافرين المستعمرين. وحكام الجمهورية
التركية هم على هذا الشكل، والأنظمة المطبقة على المسلمين فيها هي أنظمة كفر لا
تنبع من عقيدة المسلمين، بل تفرض عليهم فرضاً. ومنذ أسست هذه الجمهورية وحكامها
يناصبون الشعب التركي المسلم العداء ويكرهونه على الخضوع للعلمانية وفصل الدين
عن الحياة، مع أن هذا الشعب يكره العلمانية ويكره فصل الدين عن الحياة. ويستنزف
هؤلاء الحكام طاقات البلد في صراعٍ مريرٍ يحاولون من خلاله إقناع الشعب التركي
المسلم بأن مصلحته في انقياده للعلمانية وفي مجاراة الدول الكبرى. لكن هذا
الصراع إنما قاد البلد إلى نهاية مؤسفة، فقد أصبحت الأمة، التي كانت تقهر
أعداءها، تابعةً ذليلةً عند أعدائها تؤمن بفكرهم وتخدم مصالحهم.
لقد جعلت الجمهورية التركية من العمانية الكافرة المخالفة لعقيدة المسلمين
أساساً لحياتها، فكان هذا سبباً في إشعال الصراع الداخلي في هذا البلد. وكما هو
معروف فإن فصل الدين عن السياسة وإبعاده عن معالجة مشاكل الحياة إنما هو إفراز
من إفرازات أفكار الكافر المستعمر. فقد صوروا الدين الإسلامي بأنه السبب المانع
من الحرية والتقدم. وهذا هو التمرد على الإسلام بعينه، فبدل التسليم لله
والانقياد لأمره حل العصيان له والخروج على شرعه.
لقد استعملت الجمهورية آلاف الأساليب في توطيد الفكر الغربي على أرض
تركيا المسلمة، ومع أن الشعب التركي المسلم لم يرضَ
بهذا الفكر مهما فعلت الجمهورية فإن هذه الممارسات القمعية ما زالت تمارَس ضد
الشعب كل يوم. لقد أرادت الجمهورية أن يدخل
الشعب التركي في حرب ضد الله وشرعه،
ولقد استمرت المواجهة بين الإسلام والكفر وظهرت آثار هذه المواجهة على الشارع
التركي.
إن الديمقراطية التي هي أساس العلمانية هي من إفرازات فصل الدين عن الحياة، وهي
كذبة كبيرة وبخاصة في تركيا، وهي مستحيلة التطبيق. إنها تجعل إرادة الناس فوق
كل إرادة، وهي بذلك تحاول أن تلغي إرادة الله عز وجل، فبينما جعل الإسلام
السيادة لشرع الله تجعل الديمقراطية السيادة لآراء الناس وأهوائهم.
والديمقراطية تقول بقدرة الإنسان على معالجة مشاكله بشكل أفضل من معالجة الشرع
الإلهي. والحقيقة أن الله سبحانه قد أرسل الرسل وخاتمهم محمد وأنزل القرآن
ليخرج الناس من هذا الشرك العظيم، قال تعالى:
]أفحكم
الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون[
(المائدة/50) وقال:
]إن
الحكم إلا لله[
(يوسف/40).
أما موضوع حكم الشعب بالشعب فهو لم يكن حقيقة في تاريخ أي شعب من الشعوب، ولن
يكون كذلك أبداً، إنما هو خرافة يريد بها الكافر المستعمر تضليل الشعوب الأخرى
ليبسط سيطرته عليها.
إنه بتأثير من القوى الكبرى في العالم جعلت الجمهوريةُ فكرةَ العلمانية وفصل
الدين عن الحياة أساساً لنظامها السياسي، وأبعدت الإسلام عن الواقع. وبهذا
أُجبر الناس بالقوة على الخروج عن مفاهيمهم واتباع حياة ذليلة مخيفة، وأخذ منهم
كل شرف واحترام لدينهم ووجودهم.
بعد كل ما قدمت لكم أخاطبكم بقول الله تعالى:
]يا
أيها الذين ءامنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم[
(الأنفال/24) وأنا إنما استجبت لأمر ربي وعملت لتحكيم شرع الله كما أوجب، وآمنت
به. وفي سبيل تحقيق أمر الله سلكت طريق هذه الدعوة وبدأت بالبحث والتمحيص
والدراسة الجادّة التي من خلالها أعمل لتخليص الشعب التركي المسلم من حياة الذل
والخوف والتبعية والقهر، فوجدت أمامي حزباً ظهر بين الناس وخاض غمار هذه
المواجهة الفكرية، ملتزماً بالإسلام عاملاً لإعادته إلى مكانته بين الناس،
آمنتُ بفكره والتحقتُ به وسرتُ معه للتغيير.
إن «حزب التحرير» هو حزب سياسي مبدؤه الإسلام يعمل مع الأمة ومن خلالها لتصحيح
أفكارها ومشاعرها ولتطبيق الإسلام في الداخل ولحمل دعوته إلى العالم استجابةً
لقوله تعالى:
]ولتكن
منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهوْن عن المنكر وأولئك هم
المفلحون[
(آل عمران/104). هذه الآية تأمر بحمل الخير إلى الناس وبالأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر للحاكم والمحكوم وهذا فرض على كل مسلم، ويقول سبحانه وتعالى:
]وما
كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخِيَرَةُ من
أمرهم ومن يَعْصِ اللّهَ ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً[
(الأحزاب/36) ويقـول:
]فاحكمْ
بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق[
(المائدة/48) ويقـول:
]ومن
لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون[
(المائدة/44).
هذه الآيات كلها تدعو إلى تطبيق شرع الله، ولا يكون هذا التطبيق إلا بإقامة
الدولة الإسلامية الراشدة التي تعمل لإيجادها جماعة سياسية، العملُ فيها فرض
علينا جميعاً. وبالنسبة لي فإنني لا أجد لدعواكم بحق «حزب التحرير» المشروع في
كتاب الله أهمية في نفسي، وأقول لكم: إن «حزب التحرير» بريء من الاتهام
بالإرهاب الذي وُجِّهَ إليه. لقد اتخذ «حزب التحرير» من طريقة رسول الله
r
أثناء دعوته في مكة وإقامته للدولة الإسلامية في المدينة منهجاً في سيره. فلقد
دعا الرسول
r
الناس في مكة إلى الإسلام بالعمل الفكري السياسي متحملاً كل الصعوبات
والمضايقات، ولم يجعل من الإرهاب جزءاً من دعوته فلم يقتل أو يفتك بالناس.
و«حزب التحرير» لم يخرج في عمله يوماً عما فعله رسول الله
r
. وكما يظهر في نشرات الحزب وكتيباته الموجودة في محكمتكم فإن «حزب التحرير» لا
يمارس الإرهاب ولا يدعو إليه.
بعد أحداث 11 أيلول التي عصفت بأميركا نزل منشور الحزب الذي ورد فيه ما يلي:
«أيها المسلمون،... أنتم أصحاب الرسالة الإلهية، وأنتم الذين تَحْمِلون
الهدايةَ والنور للبشرية، وقد وصفكم الله تعالى بقوله:
]كنتم
خيرَ أمّة أُخرِجتْ للناس تأمرون بالمعروف وتنهوْن عن المنكر وتؤمنون بالله[
، وأحكامُ هذه الرسالة تحرّم العدوانَ على المدنيين غير المحاربين، وتحرّم قتل
الأطفال والشيوخ والنساء غير المقاتلات حتى في أرض المعركة، وتحرّم خطف طائرات
مدنية تحمل ركاباً أبرياء، وتحرّم تهديم البيوت ومكاتب العمل التي تضم مدنيين
أبرياء. كل هذه الأنواع من العدوان حرّمها الإسلام، ولا يقوم بها المسلمون. أما
الجهاد لقتال العدو الذي يعتدي على المسلمين ويغتصب أرضهم أو ينهب ثرواتهم أو
يحاول أن يسيطر عليهم فإنه عمل مشروع، بل هو فرض، وهو ذروة سنام الإسلام» .
يظهر لنا من هذه الفقرة رفض «حزب التحرير» الواضح للإرهاب ورفضه أن يكون منظمة
إرهابية أيضاً. إن تاريخ «حزب التحرير» الطويل في دعوته لتغيير الأنظمة وإقامة
دولة الإسلام في جميع بلاد المسلمين ومنها تركيا ينفي عنه أية صفة إرهابية.
ومنذ بدأت اعتقالات شباب «حزب التحرير» في تركيا حتى يومنا هذا لم تشهد على أحد
تحقيقات الاستخبارات ولا التقارير
الأمنية ولا حتى هيئتكم هذه انخراط «حزب التحرير» بالإرهاب، وأعلم أنكم تدركون
ذلك أيضاً.
لقد عانى «حزب التحرير» من قهر الأنظمة وإرهابها في جميع البلاد الإسلامية،
وتعرض كثير من أعضائه للتعذيب الذي وصل حد القتل أحياناً واستشهد منهم كثير.
ومع ذلك لم يتحرك «حزب التحرير» يوماً برغبة الانتقام ولم يمارس أياً من أعمال
الإرهاب، مع أنه قادر على القيام بها، ويملك القدرة الكافية لذلك. لقد اقتدى
«حزب التحرير» في سيره بطريقة رسول الله
r
في إقامة الدولة، فحمل الإسلام دعوةً فكريةً سياسيةً بعيدةً عن كل إرهاب. ولو
كان رسول الله
r
إرهابياً مارس الإرهاب لكنا نحن أيضاً إرهابيين اقتداءً به، ولكنه لم يكن في
مرحلة إقامة الدولة.
هذه البيانات التي سردتها أمامكم دليل على البراءة من كل إرهاب. ولكن ادعاءكم
استند في نسبة الإرهاب إلي إلى ظنون شخصية وتحليلات خرج بها عن إطار القانون
بكل وضوح.
وبعدما فشلوا في مواجهتهم لـ «حزب التحرير» صاحب الفكر السياسي الهادف لتغيير
واقع المسلمين والوصول إلى الحكم لتطبيق الإسلام، وبعدما يئسوا من هذه المواجهة
لجأوا إلى تشويه صورته وتضييق الخناق عليه، وملاحقة شبابه واعتقالهم وترويعهم.
وهذا يظهر إفلاسهم. لقد تعرض «حزب التحرير» كثيراً للإرهاب الذي تمارسه الدولة
ضد الإسلام، ومع أنه ليس منظمة إرهابية إلا أن الفكر والمنهج الذي يسير عليه
أعجز من حاربوه فعمدوا إلى قمعه وتلويث صورته أمام الناس فاتهموه بالإرهاب.
ولكنني أقول لهم إنهم لن يفلحوا أبداً في مواجهة هذا الحزب، وسيأتي اليوم الذي
يضع فيه «حزب التحرير» نهاية لحكمهم.
لماذا تتصرف الجمهورية التركية تجاه المسلمين بكل وحشية وتسلُّط بينما تراها
خانعةً عند تعاملها مع الدول الأخرى؟!
إن تركيا لا تظهر من شجاعتها أمام أعدائها الفعليين المستعمرين أي شيء، بل إنها
حتى تتحالف معهم في حربهم ضد المسلمين. إن ثلاثين مليون إنسان يعيشون مجاعةً في
تركيا اليوم. إن 5٪ فقط من حجم السكان يسيطرون على 80٪ من موارد الدولة
وثرواتها. لقد أصبح الفرق بين الغني والفقير 1500 ضعف في الجمهورية ففاق كل
تصور. ولا قيمة للإنسان بعلمه ولا بعمله في تركيا، وإنما يوظف الناس بالرشوة
والمناورة والمصالح الشخصية. لقد عانت المرافق الأساسية كالتعليم والصحة والعمل
كل معاناة. لقد أرهقت الضرائب الكثيرةُ كاهلَ الناس فأضحى الشعب فقيراً بين
عشية وضحاها. ووقعت الدولة في فخ أميركا والبنك الدولي، فأصبحت أسيرة الديون
والتبعية لغيرها.
أما القضاء فقد أصبح أداةً بيد السياسيين وفَقَدَ كل معنىً للاستقلالية، وهذا
ما أكده أعلى قضاة الجمهورية أنفسهم.
وأما الجنود الذين قلدناهم الأوسمة لسقوطهم شهداء في حرب الجمهورية ضد الأعداء
فقد منعنا أخواتهم من دخول المدارس والمعاهد والجامعات ومن دخول دوائر الدولة
على اختلافها، ورأوْا من دولتهم كل تحقير وازدراء لا لذنب إلا لأنهن وضعن على
رؤوسهن الحجاب استجابةً لأمر الله تعالى، وهُمِّشن ولم يعطين حتى الحق للدفاع
عن أنفسهن.
الناس الآن يُستجوَبون بسبب صَلاتهم، لقد منعت جماعات الدولة الخفية الأطفال من
قراءة قرآنهم ومن تعلم دينهم. لقد وضعت الدولة رجال الأمن حراساً على بيوت
الدعارة وتاجرت بأعراض النساء، ولم تكتفِ بذلك بل قلدت الأوسمة لمن شجعوا على
التجارة بالأعراض وروجوا لها. لقد
تجاهلت الجمهورية التركية كل جرائمها ضد أبنائها وعَفَتْ عنها، أما مواقف
أبنائها ضدها فلا تعفو عنها
أبداً، وسيبقى أمن الدولة التركية، لا أمن أبنائها، أساساً للعدالة في
الجمهورية التركية ما دام أمثال هؤلاء الحكام في كراسي الحكم.
إن الدافع لما تقدمتُ به هو إحساسي بإهمال الجمهورية التركية لأبنائها
وازدرائهم واهتمامها بفئة قليلة من السكان على حساب العامة. فبينما يحظى قسم
قليل من هؤلاء الناس بالخير نجد القسم الأعظم محروماً ومضطهداً ومظلوماً، ما
دفعني ودفع غيري إلى البحث عن نظام بديل يعالج الواقع الفاسد. لقد امتلأت خزائن
المحاكم بالقضايا والدعوات، وقد رأينا
خروج المساجين بالألوف بعد صدور قرار العفو العام على شاشات التلفاز أياماً
طويلة، ولكثرتهم أصبح المرء يدرك براعة الجمهورية في إنتاج المجرمين وتطوير
الجريمة. فمثلاً المنشور السياسي الذي وزعه «حزب التحرير» لتوعية الأمة، فبعد
أن عجزت المحكمة عن اعتباره جريمة بحد ذاتها عمد الادعاء إلى اعتباره وسيلة
للتحريض على الجريمة، وبالالتفاف على النصوص القانونية تجرأت المحكمة على إدراج
فعاليات الحزب تحت لائحة مكافحة الإرهاب مع أنها لا تملك الدليل وتعلم أنها لن
تملكه.
لقد أدرك «حزب التحرير» تبعية كل الأنظمة في البلاد الإسلامية للدول الكبرى مثل
أميركا وفرنسا وبريطانيا. وأدرك تسلط هذه الدول على الشعوب الإسلامية لنهب
ثرواتها بالتآمر مع حكامها. ولقد تعدى حكام المسلمين ذلك فتآمروا على المسلمين
بتمهيدهم لقيام دولة اليهود وزرعها كالخنجر في قلب العالم الإسلامي. لقد أدى
الاحتلال اليهودي لفلسطين إلى قتل مئات
الألوف من المسلمين بكل وحشية. والله تعالى يأمرنا بالتحرك فوراً لحرب اليهود
وتخليص فلسطين من اغتصابهم. أما الجمهورية التركية فكانت من اوائل الذين
اعترفوا بالكيان اليهودي سنة 1948م، وفتحت المجال أمام القوات الأميركية لبناء
قواعد في أرضها مع علمها بأن هذه القواعد إنما تستعمل لضرب المسلمين، ووافقت
على إرسال الكتائب من أبناء شعبها للحرب مع أميركا في كوريا الشمالية، وقُتل
الكثير من أبناء المسلمين الأتراك في حرب لا دخل لهم بها، وكانت سنداً لأميركا
في عدوانها على المسلمين في أفغانستان تحت شعار محاربة الإرهاب، فكانت تركيا
شريكاً لأميركا في قتل الأبرياء بما حملت الوحشية الأميركية من أشكال في هذه
الحرب. وهذا غيض من فيض مما فعلته وتفعله الجمهورية.
ولا يزال «حزب التحرير» يلاحَق من الشرطة والاستخبارات والقضاة والحكام من
عملاء النظام لا لشيء إلا لسعيه لإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.
فملِئت السجون بشبابه وهذا حاصل حقيقةً. إنه بالاستقراء والبحث المستفيض أدرك
«حزب التحرير» أن العمل لإقامة الخلافة الراشدة، والحكم بما أنزل الله فريضة
على كل مسلم. وهذه الخلافة هي وحدها التي تجمع شمل المسلمين وتوحد صفهم تحت
راية خليفة واحد. وستنقذهم من تخلفهم وضعفهم وتعيدهم إلى مكانتهم الأصلية كخير
أمة أخرجت للناس. وستأخذ هذه الخلافة مكانتها بين الدول لتصبح الدولة الأولى في
العالم، وستحرر المسلمين من ظلم الكفار وستنقذ الإنسانية من المستعمرين
والمستبدين الضالين. ومع هذا فقد عَدَّ الادعاء في لائحة الاتهام العملَ لإقامة
الخلافة الراشدة جريمةً يحاسبني عليها.
في الوقت الذي اعترف كل أفراد الشعب بإفلاس الجمهورية بمن في ذلك الرئيس وأعضاء
الحكومة وأعضاء البرلمان البيروقراطيون وأعضاء الهيئة القضائية العليا والعمال
والموظفون وعمال النظافة...، كلهم أدركوا إفلاس هذا النظام واعترفوا بحتمية
تغييره، في هذا الوقت يرحب الحكام بتغيير النظام الحاكم لجعله موافقاً للنمط
الأميركي، ويرحب آخرون بجعله على النمط الفرنسي، ولكنهم يحاربون من يريد جعله
على المنهاج الرباني الإسلامي الذي أتى به محمد
r
وسار عليه الخلفاء الراشدون.
منذ ثلاثين عاماً ونحن نرتمي على أعتاب الاتحاد الأوروبي ولم يقبلوا بنا، ولم
يكتفوا بذلك بل أبدعوا في إذلالنا والاستهزاء بنا، نقبل الذل لنكون عضواً في
نادٍ نصراني أسموه الاتحاد الأوروبي، ومع هذا فإنكم تحاربون كل من يعمل
لاسترجاع شرفكم واسترداد كرامتكم وتجعلون منه مجرماً!
بينما تصورون العولمة التي لا تعدو كونَها إذعاناً للاستعمار الأميركي بأنها
رقي وتقدمية. لماذا تجعلون من وحدة المسلمين في ظل الخلافة الراشدة ذنباً
تحاكموننا عليه؟! لماذا يكون
التكتل مع الكفار أعداء الأمة أمراً طبيعياً أما العمل لإنهاض الأمة فتعدونه
جريمةً تعتقلوننا عليه. لقد أصبح الحفاظ على العضوية في حلف الناتو، المجرم بحق
الشعب وكرامته، شرفاً يدافع عنه مع أن كل قراراته كانت ضد المسلمين في تركيا،
وأصبح الخروج عنه إرهاباً وخروجاً عن المجتمع الدولي.
إن الخلافة الراشدة هي أمل الشعوب الإسلامية في الخروج من عبوديتها للكافر
المستعمر، لماذا لا تعلن تركيا هذه الخلافة وتضم إليها كل الشعوب الإسلامية؟
لماذا لا تخرج تركيا عن تبعيتها لأوروبا بعد كل ما عانته من ويلات، وتعلن
الخلافة التي ترفع من شأنها تجعل منها قوةً تحمل النور إلى الدنيا؟
لماذا لا نرفع الظلم عن الشعوب المستضعفة، ونرفع راية الخلافة لترفرف فوق
العالم.
أأُحاكَم في البلد الذي حمل لواء الإسلام للعالم مئات السنين فكان مشعل الهدى
والنور، أأحاكم لأنني قلت «الله ربي» وليس أميركا ولا غيرها من المتجبرين؟
لو كنت أحاكَم في بلد يحقد على الإسلام كأميركا أو إنجلترا أو فرنسا أو دولة
اليهود لما كان الأمر غريباً. لماذا لا تحاكَم الأحزابُ التي جعلت من عقائد
الكفر منهجاً لسيرها وأحاكَم أنا الذي جعلت نور الله مشعلاً في طريقي.
إن «حزب التحرير» يجعل الإسلام كاملاً أساساً لفكرته ومنهجاً في سيره. لو كانت
محاكمتي هذه محاكمةً شرعيةً ما شاهدتموني ههنا. لكن وجودي في هذا المقام إنما
هو نتيجة للصراع الشرس والحرب الشعواء التي أعلنتها هذه الجمهورية على الإسلام،
ونتيجة العراقيل التي يضعها القائمون على هذه الجمهورية للحيلولة دون قيام
الخلافة القادمة سريعاً بإذن الله.
وفي النهاية إن عملي هذا هو استجابة لأمر الله سبحانه وتعالى. إنني أدعوكم لرد
هذه الدعوى الظالمة ضدي التي تتناقض مع شرع الله وتجعلكم أعداءً لله ولشرعه.
فاتقوا الله وكونوا في عباده، وخلّوا سبيل المؤمنين يغفر الله لكم. اللهم وفق
«حزب التحرير» الذي تشرفت بالانتساب إليه وانصره ومكنه من إقامة الخلافة
الراشدة وإقامة الدين وتقبل عملنا واجعله خالصاً لوجهك الكريم.