طرق العلمانية من الغرب للشرق

طرق العلمانية من الغرب للشرق[1]

 

صاحب ظهور العلمانية في الغرب انحطاط وتخلف وهزائم في الشرق، مما أتاح للغرب أن يستلم زمام قيادة ركب الحضارة البشرية بما أبدعه من علم وحضارة، فكان أمراً طبيعياً أن يسعى الغرب لسيادة نموذجه الحضاري الذي يعيشه، وأن يسوّقه بين أمم الأرض، لأنه بضاعته التي لا يملك غيرها، ولأنه أيضا الضمانة الكبرى لبقاء الأمم الأخرى تدور في فلك التبعية له وتكدح في سبيل مدنيته وازدهار حضارته، وكان تسويق الغرب للعلمانية في الشرق الإسلامي من خلال الوسائل والطرق الآتية:

 

1- الاحتلال العسكري الاستعماري:

فقد وفدت العلمانية إلى الشرق في ظلال الحرب العسكرية.. ولئن كانت العلمانية في الغرب نتائج ظروف ومعطيات محلية متدرجة عبر أزمنة متطاولة، فقد ظهرت في الشرق وافداً أجنبياً متكامل الرؤى والإيديولوجيات والبرامج، يطبق تحت تهديد السلاح وبالقسر والإكراه، كمن يصرّ على استنبات نبتات القطب الجليدي في المناطق الاستوائية.. وفي هذا من المصادمة لسنن الله في الحياة ما يقطع بفشل التجربة قبل تطبيقها.. ولذلك فلا عجب إن كانت النتائج مختلفة تماماً كما سنرى!

وحين نشأت الدول العربية الحديثة، كانت عالة على الغربيين الذين كانوا حاضرين خلال الهيمنة الغربية في المنطقة، ومن خلال المستشارين الغربيين أو من درسوا في الغرب واعتنقوا العلمانية، فكانت العلمانية في أحسن الأحوال أحد المكونات الرئيسية للإدارة في مرحلة تأسيسها.. وهكذا بذرت بذور العلمانية على المستوى الرسمي قبل جلاء جيوش الاستعمار عن البلاد التي ابتليت بها.

 

2- البعثات العلمية:

التي ذهبت من الشرق إلى الغرب لطلب العلم والتقدم:

حيث عاد الكثير منها بالعلمانية لا بالعلم!!.. ذهبوا لدراسة الفيزياء والأحياء والكيمياء والجيولوجيا والفلك والرياضيات، فعادوا بالأدب واللغات والاقتصاد والسياسة والعلوم الاجتماعية والنفسية، بل وبدراسة الأديان وبالذات الدين الإسلامي في الجامعات الغربية!!

ولك أن تتصور حال شاب مراهق ذهب يحمل الشهادة الثانوية ويلقى به بين أساطين الفكر العلماني الغربي على اختلاف مدارسه، بعد أن يكون قد سقط إلى شحمة أذنيه في حمأة الإباحية والتحلل الأخلاقي، وما أوجد كل ذلك لديه من صدمة نفسية واضطراب فكري، ليعود بعد عقد من السنين بأعلى الألقاب الأكاديمية، وفي أهم المراكز العلمية بل والقيادية، في وسط أمة أصبح ينظر إليها بازدراء، وإلى تاريخها بريبة واحتقار، وإلى قيمها ومعتقداتها وأخلاقها بشفقة ورثاء!!

إنه لن يكون بالضرورة إلا وكيلاً تجارياً لمن علّموه وثقّفوه ومدّنوه، وهو لا يملك غير ذلك!

ولئن كان هذا التوصيف للبعثات الدراسية ليس عاماً، فإنه الأغلب وبالذات في أوائل عصر البعثات.. وما (طه حسين) و(رفاعة الطهطاوي) إلا أمثلة خجلى أمام غيرهم من الأمثلة الصارخة فاقعة اللون مثل (زكي نجيب محمود) و(محمود أمين العالم) و(فؤاد زكريا) و(عبد الرحمن بدوي) وغيرهم الكثير.

ولئن كان هذا الدور للبعثات العلمية تم ابتداء من خلال الابتعاث لعواصم الغرب، فإن الحواضر العربية الكبرى مثل (القاهرة) و(بغداد) و(دمشق)، أصبحت بعد ذلك من مراكز التصدير العلماني للبلاد العربية الأخرى، من خلال جامعاتها وتنظيماتها وأحزابها.. وبالذات لدول الجزيرة العربية، وقلّ من يسلم من تلك اللوثات الفكرية العلمانية، حتى أصبح في داخل الأمة طابور خامس، وجهته غير وجهتها وقبلته غير قبلتها، وإنهم لأكبر مشكلة تواجه الأمة لفترة من الزمن ليست بالقليلة.

 

3- البعثات التبشيرية:

فالمنظمات التبشيرية النصرانية التي جابت العالم الإسلامي شرقاً وغرباً من شتى الفرق والمذاهب النصرانية، جعلت هدفها الأول زعزعة ثقة المسلمين في دينهم، وإخراجهم منه، وتشكيكهم فيه، حتى وإن لم يعتنقوا النصرانية!.. وليس أجدى من العلمانية وسيلة لهذا الغرض.. والأمر ليس من باب التخمين والافتراض بل نطقت بهذا أفواههم وخطته أقلامهم، وإن شئت فارجع إلى كتاب "الغارة على العالم الإسلامي" مثلا ليبين لك ذلك.

وهؤلاء المبشرون: إما من الغربيين مثل (زويمر) و(دنلوب), وإما من نصارى العرب مثل (أديب إسحاق) و(شلبي شميل) و(سلامة موسى) و(جرجي زيدان) وأضرابهم.. ومنهم من كان يعلن هويته التبشيرية، ويمارس علمنة أبناء المسلمين "كزويمر".. ومنهم من كان يعلن علمانيته فقط، ويبذل جهده في ذلك "كسلامة موسى" و"شبلي شميل".

 

4- المدارس والجامعات الأجنبية:

وقد أوضحنا دورها بالتفصيل، في مقال: "المدارس الأجنبيّة العالميّة".

 

5- الجمعيات والمنظمات والأحزاب العلمانية:

التي انتشرت في الأقطار العربية والإسلامية، مابين يسارية وليبرالية وقومية وأممية وسياسية واجتماعية وثقافية وأدبية، بجميع الألوان والأطياف وفي جميع البلدان, حيث أن النخب الثقافية في غالب الأحيان كانوا إما من خريجي الجامعات الغربية أو الجامعات السائرة على النهج ذاته في الشرق.. وبعد أن تكاثروا في المجتمع عمدوا إلى إنشاء الأحزاب القومية أو الشيوعية أو الليبرالية، وجميعها تتفق في الطرح العلماني، وكذلك أقاموا الجمعيات الأدبية والمنظمات الإقليمية أو المهنية.. وقد تختلف هذه التجمعات في أي شيء إلا في تبني العلمانية، والسعي لعلمنة الأمة كل من زاوية اهتمامه، والجانب الذي يعمل من خلاله.

ومن الأمور اللافتة للنظر أن أشهر الأحزاب العلمانية القومية العربية إنما أسسها نصارى بعضهم ليسوا من أصول عربية، أمثال (ميشيل عفلق) و(جورج حبش)، والكثرة الساحقة من الأحزاب الشيوعية العلمانية إنما أسسها يهود مليونيرات أمثال (كوريل).

 

6- البعثات الدبلوماسية:

سواء كانت بعثات الدول الغربية إلى الشرق، أو الدول الشرقية إلى الغرب، فقد أصبحت في الأعم الأغلب جسوراً تمر خلالها علمانية الغرب الأقوى إلى الشرق الأضعف من خلال الإيفاد، و من خلال المنح الدراسية وحلقات البحث العلمي، والتواصل الاجتماعي، والمناسبات والحفلات، ومن خلال الضغوط الدبلوماسية والابتزاز الاقتصادي.. وليس بِسِرٍّ أن بعض الدول الكبرى أكثر أهمية وسلطة من القصر الرئاسي أو مجلس الوزراء في تلك الدول الضعيفة التابعة.

 

7- وسائل الإعلام المختلفة:

من مسموعة أو مرئية أو مقروءة، لأن هذه الوسائل كانت من الناحية الشكلية من منتجات الحضارة الغربية ـ صحافة أو إذاعة أو تلفزة ـ فاستقبلها الشرق واستقبل معها فلسفتها ومضمون رسالتها، وكان الرواد في تسويق هذه الرسائل وتشغيلها والاستفادة منها إما من النصارى أو من العلمانيين من أبناء المسلمين، فكان لها الدور الأكبر في الوصول لجميع طبقات الأمة، ونشر مبادئ وأفكار وقيم العلمانية، وبالذات من خلال الفن، وفي الجانب الاجتماعي بصورة أكبر.

هكذا سرت العلمانية في كيان الأمة، ووصلت إلى جميع طبقاتها قبل أن يصلها الدواء والغذاء والتعليم في كثير من الأحيان!!.. ولو كانت الأمة حين تلقت هذا المنهج العصري تعيش في مرحلة قوة وشموخ وأصالة، لوظفت هذه الوسائل الإعلامية توظيفاً آخر يتفق مع رسالتها وقيمها وحضارتها وتاريخها وأصالتها.

 

8- التأليف والنشر:

في فنون شتى من العلوم وبالأخص في الفكر والأدب.. فقد جاءت العلمانية وافدة في كثير من الأحيان تحت شعارات المدارس الأدبية المختلفة، متدثرة بدعوى رداء التجديد والحداثة، معلنة الإقصاء والإلغاء والنبذ والإبعاد لكل قديم في الشكل والمضمون وفي الأسلوب والمحتوى, ومثل ذلك في الدراسات الفكرية المختلفة في علوم الاجتماع والنفس والعلوم الإنسانية، حيث قدمت لنا نتائج كبار ملاحدة الغرب وعلمانييه على أنه الحق المطلق، بل العلم الأوحد ولا علم سواه في هذه الفنون!!

وتجاوز الأمر التأليف والنشر إلى الكثير من الكليات والجامعات والأقسام العلمية التي تنتسب لأمتنا اسماً ولغيرها حقيقة!

 

9- الشركات الغربية الكبرى:

التي وفدت لبلاد المسلمين مستثمرة في الجانب الاقتصادي.. لكنها لم تستطع أن تتخلى عن توجهاتها الفكرية، وقيمها وأنماط حياتها الاجتماعية، وهذا أمر طبيعي، فكانت من خلال ما جلبته من قيادات إدارية وعمالة فنية احتكت بالشعوب الإسلامية، سبباً مهما في نشر الفكر العلماني وقيمه الاجتماعية و انعكاساته الأخلاقية والسلوكية.

 



[1] بقلم د. عوض بن محمد القرني.