الجماعات الوظيفية:

الجماعات الوظيفية[1]:

أبدع الدكتور (عبد الوهاب المسيري)، في وصف جماعات المتغرّبين، حيث سماها "الجماعات الوظيفية".. وهو مصطلح قام بوضعه:

"استنادًا إلى مصطلحات قريبة في علم الاجتماع، لوصف مجموعات بشرية تستجلبها المجتمعات الإنسانية من خارجها في معظم الأحيان، أو تجنّدها من بين أعضاء المجتمع أنفسهم، من بين الأقليات الإثنية أو الدينية، أو حتى من بعض القرى أو العائلات، ثم يوكل لهم وظائف شتى، لا يمكن لغالبية أعضاء المجتمع الاضطلاع بها لأسباب مختلفة، من بينها رغبة المجتمع في الحفاظ على تراحمه وقداسته.. ولذا يوكل لأعضاء الجماعات الوظيفية بعض الوظائف المشينة (الربا ـ البغاء)، أو المتميِّزة (القضاء ـ الترجمة ـ الطب)، التي تتطلب الحياد والتعاقدية.

كما أنه قد يوكل لأعضاء الجماعات الوظيفية الوظائف ذات الحساسية الخاصة، وذات الطابع الأمنيّ (حرس الملك ـ طبيبه ـ السفراء ـ الجواسيس).

لا نعني أن هذه عملية واعية يقوم بها أعضاء مجتمع ما، فهي في واقع الأمر عملية غير واعية، كما هو الحال مع معظم الظواهر الاجتماعية.. وكثيرًا ما تكون هذه العملية غير مفهومة لمن يقومون بها، سواء أكان المجتمع المضيف أم الجماعة الوظيفية.. بل إن هذه العملية الاجتماعية قد تتم رغم الرفض الواعي لها من قبَل المجتمع والجماعة!!

وكل ما نرمي إليه هنا، هو أن نشير مجرد إشارة إلى أن هذه عملية اجتماعية مركبة إلى أقصى حد، تتداخـل فيها الأسـباب بالنتائج، ونحـاول فهـم بعض جوانبها وتفسيرها قدر استطاعتنا.. ولكننا، لقصور لغتنا البشرية، نضطر إلى الإشارة إلى المجتمع وأعضائه، كما لو كان ذاتًا واعية ينجز عملياته بشكل واع.

ويتوارث أعضاء الجماعة الوظيفية الخبرات في مجال تخصصهم الوظيفي عبر الأجيال ويحتكرونها، بل يتوحّدون بها.. وفي نهاية الأمر يكتسـبون هُـويتَهم ورؤيتهم لأنفسـهم منها، بحيث يتم تعريف الإنسان من خلال الوظيفة وحسب، لا من خلال إنسانيته الكاملة، فيصبح عضو الجماعة الوظيفية إنسانًا ذا بُعد واحد، يمكن اختزال إنسانيته إلى هذا البُعد أو المبدأ الواحد، وهو وظيفته.

ويمكن القول بأن القطاعات العسكرية في كثير من دول العالم الثالث، يُعاد إنتاجها على هيئة جماعات وظيفية، جُنِّد أعضاؤها من داخل المجتمع.. ويتم عزل هذه الجماعات عن طريق المزايا والرموز المختلفة، بل يتم أحيانًا عزل هذه الجماعات داخل أحياء سكنية متميزة تتمتع بعدد من الخدمات، وقد تُخصَّص مستشفيات ومدارس مقصورة على أعضائها وعلى أولادهم.

وبعد إنجاز عملية العزل، يصبح للقطاع العسكري وقيادته "مصالح" مختلفة عن مصالح المجتمع، ومن ثَم يكون بوسع هذه الجماعات أن تنظر لهذا القطاع بشكل محايد، ويكون بوسع القوى الأجنبية أو النخب الحاكمة أن تُوظِّف هذه الجماعات لصالحها.. كما يمكن لهذه الجماعات أن تسيطر على المجتمع وتديره لصالحها، وتصبح مثل المرتزقة والمتعاقدين الغرباء، رغم أن خطابها السياسي قد يكون قوميًا وثوريًا واشتراكيا".

ويواصل الدكتور (المسيري) تطبيق نظريته الفذة على قطاع المثقفين، فيقرر أن بعض قطاعات النخب الحاكمة والمثقفين في العالم الثالث، قد تتحوّل إلى جماعات وظيفية (عميلة)، تعمل لصالح الإمبريالية أو النظام العالمي الإمبريالي الجديد.. فهؤلاء يمكن استيعابهم من خلال الشبكة الاقتصادية والثقافية الضخمة (شركات متعددة الجنسيات ـ مؤسسات بحوث ـ مؤتمرات علمية ـ مشاريع بحثية مشتركة... إلخ).. وهذه القطاعات يتم عزلها عن مجتمعاتها بحيث تصبح غريبة، فتكون داخلها ولكنها ليست منها.

ويمكن أن تكون العزلة فعلية، كأن يعيش أعضاء هذه القطاعات في منازل توجد على أطراف المدينة، أو في أحياء خاصة ذات طُرُز معمارية معينة (عادةً غربية)، أو يرتدون أزياء غربية ويتحدثون بالإنجليزية أو العربية المطعمة بالإنجليزية.

كما أن شبكة المصالح العالمية تستوعبهم، فتصبح مصالحهم الاقتصادية مرتبطة بالآلة العالمية وباستمرارها، وباستمرار مؤسساتها الثقافية.

ولكن العزلة يمكن أن تتم بشكل أكثر تبلورًا وتركيبا، فتأخذ طابعًا نفسيا.. فيحس المثقف بالعزلة عن مجتمعه، وبعدم التجذّر فيه وبالغربة عنه، ويحس عضو النخبة السياسية بعدم الانتماء لبلده، كما أنهما ينظران إلى أهليهما نظرة دونية، حيث يشعران بتخلّف المجتمع الذي يعيشان فيه، وبحاجته إليهما (مركب الشعب المختار).. كما أنهما يمارسان هذا الشعور عادةً، بسبب إيمانهما بأيديولوجيا تُجسِّد نماذج معرفية وأخلاقية مستوردة متحيِّزة ضد واقعهما.. ورغم أنهما قد يتحدثان بلغة بلدهما، إلا إن خطابهما السياسي يبدأ في التحول التدريجي، حتى لا يفهمه سواهما، ويصبح أداة للعزلة عن الجماهير لا للتواصل معها.

ولا شك في أن أعضاء هذه الجماعة يتّسمون بحركية شديدة.. كل هذا يجعلهم كيانات مجردة، وأدوات قمع في نظر مجتمـعاتهم.. تمامًا كما أنهـم لا ينظرون إلى مجتمعـاتهم باعتبـارها كيانات حيّة ينتمون إليها!

فهم ينظرون إلى الفلاح الذي يرتدي جلبابه ـ مثلا ـ باعتباره عبئًا لابد من التخلص منه، ومشكلة تحتاج للحل!!

وهؤلاء المثقفون يشبهون في كثير من الأحيان يهود البلاط، الذين كانوا يشكلون جماعة وظيفية تقف بين عالمين (عالم اليهود وعالم الأغيار).. جماعة تتعامل مع كليهما بكفاءة، دون أن تنتمي لأي منهما.

ولذا، فإن أعضاء هذه الجماعة يعيشون في عدم طمأنينة، يحاولون إرضاء أسيادهم قدر استطاعتهم عن طريق الخضوع لقوانينهم، ولكنهم في الوقت نفسه لا يمكنهم الانضمام له تماما، لأن وظيفتهم تتطلب منهم أن يطوّروا مجتمعاتهم، حتى يمكن إدخالها إلى النظام العالمي.. ولكن شرعيتهم وقوتهم تظلان مستندتين إلى القوة الإمبريالية.

وقد وصف أحد علماء الاجتماع يهود البلاط بأنهم: "مخصيون لم يتم خصيهم".. وهو وصف دال أيضا لأعضاء النخب الثقافية والسياسية في العالم الثالث، الذين تم إعادة إنتاجهم على هيئة جماعة وظيفية عميلة، تخدم النظام الإمبريالي العالمي الجديد.

ونحن نرى أن النظام العالمي الجديد، ينطلق من إدراك الدول الغربية صعوبة المواجهة العسكرية والأيديولوجية الواضحة مع شعوب العالم الثالث (وخصوصًا الشعوب الإسلامية)، وإدراكها أيضًا ظهور نخبة ثقافية محلية على استعداد كامل للتعاون معها والقيام على خدمتها، فقررت أن تلجأ إلى التفكيك الداخلي (من خلال النخبة المحلية العميلة)، بدلا من المواجهة المباشرة من خلال الجيوش وآليات الحرب التقليدية الأخرى.

(يبدو أنّ ذلك لم يؤتِ ثماره بالسرعة الكافية والدرجة المطلوية، فتدخلت أمريكا لاحتلال أفغانستان والعراق.. والبقيّة تترى، وإن كان الرعب الذي سبّبه هذا الاحتلال، كافيا لتسريع عمليّات الهدم الداخليّ في البلدان العربيّة والإسلاميّة، خشيةً من كلّ حاكم على كرسيّه!).

 

والآن هكذا صارت الصورة:

أدعياء الثقافة والتزوير ـ لا التنوير ـ يتعاملون مع المراجع الدينية تعامل صهيوني أو صليبي أو مشرك جزم بأن الإسلام ليس دينا وإنما أكذوبة كبرى يجب أن يطهر الوطن منه!!

وينبثق السؤال:

هل هم مؤمنون حقا؟!

إن الأمر ليس تفتيشا في الضمائر ولا شقا عن القلوب.

نعم.. من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.

لكن كيف يعقل أن يحدد الكافر للمؤمن حدود الإيمان وأن يفسر له القرآن؟!.. فليجهروا بالكفر، سنقبل ذلك منهم.. ليدعوا إلى كفرهم كما يشاءون في ساحة فكر حرة..

أما أن يقودوا أمة مسلمة فألف كلا.. ذلك أن قيادتهم لأمة مسلمة ليس خطيئة دينية فقط، بل جريمة أمن قومي ووطني..

تماما كما لو جئنا بليبرالي ليقود حزبا شيوعيا، أو بماركسي ليتزعم حزبا ليبراليا!!.. بل إن الأمر أشد وأخطر، فهو يشبه أن نأتي بصهيوني كي يقود جيشنا!!!!!!!!!!!!!!!!!!

إن تلك النخبة المثقفة المنحرفة ـ التي دستها السلطة بين صفوف الأمة، متظاهرة أحيانا بالمعارضة ـ تزلزل ديننا وعقيدتنا.. وهى تتظاهر بالمطالبة بحرية الفكر، وما كانت تقصد سوى حرية الكفر.. وبحرية الاعتقاد وما كانت تقصد إلا حرية الإلحاد.. وراحوا يكفرون بالله ويؤمنون بالغرب كما شاء لهم الشيطان..

إلا إنهم أدركوا، أنهم رغم كلّ محاولاتهم، لم يغيروا في الأمة سوى قشرة لن تصمد لأي محاولة للكشف.. لذلك سنّوا قانونا صارما ما أنزل الله به من سلطان.. إذ أنهم وهم يطالبون بحرية الاعتقاد ـ الذي لا يقصدون به في أمة مسلمة إلا حرية الخروج على الإسلام ـ سنّوا ذلك القانون الذي يحرّم على المسلمين اتهام الخارجين على الإسلام بالكفر!!.. وفى نفس الوقت تكفّلوا بالعطاء لأولئك الخارجين!!

تماما كما تحرم (أمريكا) علينا اتهام عملائها بأنهم عملاء.. وتماما كما تجزل لهم العطاء!!

أصبح الخروج على الإسلام مباحا..

وأصبح التكفير ممنوعا بإطلاق..

رغم أن كتاب الله ـ القرآن الكريم ـ هو أكثر كتاب في الدنيا يتحدث عن التكفير!!

***

أريد أن أنبه القراء إلى حقيقة حزينة شد ما ذهلت عندما عرفتها من كاتب عميق مرموق لكنه ليس شهيرا.. استدعته المباحث.. أخذوا يستعرضون معه بؤس حال الكتّاب وقلة دخلهم وصعوبة مجالات النشر وتجاهل وسائل الإعلام وعزوف القراء عن القراءة.. ثم فاجئوه بأنهم يملكون الحل السحري لكلّ هذا.. إنهم يطلبون منه أن يعرض أعماله عليهم وأن ينفّذ بعض ملاحظاتهم.. فإذا أثبت جدارته بالعلاقة الجديدة، فسوف يطلبون منه تأليف أعمال كاملة لحسابهم.. سوف يجعلون أكبر دور النشر تتسابق لنشر كتبه.. سوف يطبعون عشرين أو ثلاثين ألف نسخة بدلا من ثلاثة آلاف.. وسوف يحصل على عشرات الألوف بدلا من لا شيء.. وسوف تشيد كل وسائل الإعلام بكتاباته التي لن يكفّ كبار الكتاب عن مديحها.

وعندما ذهل الصديق واستنكر، إذا بهم في سبيل إقناعه يقولون له، إن كل المشاهير رجالهم.. وأنهم يتعاونون معهم بنفس الطريقة.. وقدّموا له من الأدلة والبراهين ما قضى على كل تكذيب عنده.. بل أطلعوه على مقالات تكتب في مكاتب الشرطة بأسماء كتاب مشهورين.. ترسل في مظاريف مغلقة إلى هذه الصحيفة أو تلك المجلة.. لتنشر باسم الكاتب الكبير.. ليقرأها مع القراء!!

قال لي الصديق في يأس وأسى: حتى الفنانون وكتاب المسلسلات والمخرجون يتعاونون معهم بنفس الطريقة!!

 

وثن الموضوعية:

صك المستغربون لنا مصطلحات وأعطوها قيمة مطلقة.. فمن حقك مثلا تناول الدين والمقدسات بموضوعية، والموضوعية هنا تعنى نزع أي رؤى سابقة.. ولكنك إذا حاولت أن تتناول مصطلح "الموضوعية" نفسه بموضوعية، تُجابه على الفور بأقسى وأقصى هجوم، فالمصطلح في منظورهم كتلة صواب مطلق لا تقبل التجزئة!!

لقد رفضوا أن يحتل الدين هذه المرتبة التي منحوها لمصطلحهم، حتى إنني أحيانا أعرّف الموضوعية بسخرية قائلا: الموضوعية هي تناول أي موضوع دون استشهاد بآية من القرآن الكريم أو حديث نبوي شريف!!

المصطلح يحتاج إلى مواجهة.. فهو إن كان يصلح في العلوم الطبيعية والفيزياء، لا يصلح على الإطلاق في النظرة الشاملة الكلية.. وحتى في الفيزياء، فإن القوانين الفيزيائية التي تنطبق على الأجرام الصغرى ـ كالذرات ـ لا تنطبق على الأجرام الكبرى ـ كالمجرات.. لكنّ المستغربين يريدون أن تكون الموضوعية صنما مقدسا لا يُمس، وهو يعنى بالضرورة استبعاد كلّ ما لا يمكن تجربته، وبهذا يكون الغيب كلّه مُقصىً ومستبعدا من أي حساب.. الجزء الأكبر والأهم من الوجود يُستبعد.. فهل في ذلك أي موضوعية؟!

تستلزم الموضوعية أيضا الحياد، والحياد أسطورة لا يمكن تحقيقها، إلا بقد ما يمكن أن تتشابه بصمات إصبعين!!

الإنسان موقف.. والموقف انحياز!!

والحياد ـ مثلا ـ بين الخير والشر، وبين الخطأ والصواب، وبين الإيمان والكفر، ليس موقفا موضوعيا ولا صحيحا.. ليس سوى نفاق!!

ترى.. هل أستطيع إكمال هذا المقال.. بموضوعية؟؟!!

 

سِفَاح ثقافي!!

في الغرب، يوجد للمسيحية مؤسسات مستقلة قادرة وفاعلة.. ثم إن توافر ديموقراطية حقيقية يجعل رأى الشعب فاعلا.. ثم إن الإنسان الغربي ـ المسيحي ـ يستطيع أن يفصل بين الحياتين دون تمزق، بأن يعطى ما لله لله وما لقيصر لقيصر.

في الإسلام لا يوجد هذا.. ليس هناك شيء لقيصر، فقيصر نفسه عبد لله لا طاعة له فيما عصى فيه الخالق.

ثم إن الإسلام لا يملك مؤسسة دينية مستقلة، لأنه نظرة شاملة للكون، تشمل الدولة والأمّة والدنيا والآخرة، ومحاولة معاملته كما يعامل الدين في الغرب يعنى إلغاءه عمليا.

وفى غياب الديموقراطية، يصبح الحاكم إلها!!

ومن الناحية الأخرى، فإن حضورا فاعلا وحقيقيا للإسلام، يعنى ردع مظالم الحكام، واستحالة التزوير وعدم الشرعية.

ولهذا اتفقت مصالح القطبين على ضرورة استبعاد الإسلام: الغرب.. وحكام بلاد المسلمين!!

المؤلم أن العالم الإسلامي يضيق بالفكر الإسلامي الذي تتسع له بلاد أخرى، لكن الإعجاز الإلهي يتجلى، في أن ينبري للدفاع عن الحضارة الإسلامية غير مسلمين يقيمون في بلاد الحضارة المنافسة، حيث لا تطولهم هناك أجهزة قمعنا.

يقول المفكر الأمريكى الكبير ـ الفلسطينى سابقا ـ (إدوارد سعيد):

"بالنسبة للغرب، انطوى فهمهم للإسلام على محاولة تحويل تنوّعه إلى جوهر وجدانى غير قابل للتطوّر، وقلب أصالته إلى نسخة منحطّة من الثقافة المسيحية، ومسخ شعوبه إلى كاريكاتيرات مثيرة للرعب.. ومثل أي سلعة ناجحة رائجة، كان الشرق المصنَّع ممنوعا من التبدّل.. وإذا حدث ودخل جزء من تاريخه في تناقض مع خصائص السلعة كما رسمها المستشرقون، فإن هذا الجزء سيُقمعُ ويُبطل ويُلغى".

ويصرخ (إدوارد سعيد):

"إن نظرة الغرب إلى الإسلام هي نتاج سفاح ثقافي مع الخطاب الغربي بمختلف ضروبه وصنوفه".

يقول (إدوارد سعيد) ذلك، بينما نخبنا المثقفة الطافية على سطح المجتمع ـ كما يطفو السمك الميت والبيض الفاسد ـ لها رأى آخر.. رأى تكشفه حتى دوريات الغرب الذي يدافعون عنه.. ففي صحيفة أخبار الأدب المصرية – وهى مجلة التنويريين رواد التغريب في مصر، ولا يتجاوز توزيعها 700 عدد أسبوعيا ـ نشرت (مها عبد الرؤوف) مقالا بعنوان: "المخابرات الأمريكية وزارة ثقافة العالم"، تستشهد فيه بكتاب الكاتبة البريطانية: (فرانسيس ستونز): "المخابرات الأمريكية والحرب الثقافية الباردة".. وفيه تكشف أن المخابرات الأمريكية قد خطّطت لكي تكون هي بنفسها وزارة ثقافة العالم، وقد اعتبروا هذا المخطط هو المشروع التالي بل والأهم من مشروع (مارشال) الشهير، وبهذا المشروع تمكّنت المخابرات الأمريكية من أن تجعل من نفسها وزارة ثقافة العالم، فأصبحت تفرض سطوتها على الأدب والفن والموسيقى والسينما.. ولقد مارست ذلك دون أن يشعر الرأي العام بشيء.. في نفس الوقت ـ بل وربما قبله ـ كانت المخابرات السوفيتية تقوم بنفس الدور.. وتقول الكاتبة الإنجليزية إن هناك الكثيرين من الشعراء والكتاب والفنانين والمؤرخين في أوروبا ما بعد الحرب العالمية قد استُعملوا كأسلحة سرّيّة للمخابرات الأمريكية.

فعلت الولايات المتحدة ذلك عن طريق مجلس الحرية الثقافية، وكان مقره الرئيسي في باريس، وكان يمول باعتمادات لا حدود لها.. وكانت مهمته الرئيسية هي التغريب والغزو الفكري.

وفي كتاب (آل شاتيلييه): "الغارة على العالم الإسلامى"، يصف كيف وضع العالم الغربي العالم الإسلامي داخل أسلاكه، حيث أحكم حصاره كي يحول دون تحرّك فعالياته الثقافية.

 

هيكل والإشعاع!!

تذكرت (محمد حسنين هيكل) أثناء الأحداث الفاجعة التي شهدتها إحدى قرى الدلتا في مصر.. حين عثر أحد الفلاحين البسطاء على ما ظنه كنزا فأخذه إلى بيته ليخفيه.. لم يفطن المسكين إلى أن ما ظنه كنزا، كان جسما مشعا قضى عليه وعلى بعض أفراد أسرته، وأصاب جيرانه وأهل قريته بأضرار فادحة، أسوأ ما فيها أنه لا يمكن في الوقت الحاضر تحديد مدى الخطر ولا متى سيحدث.

وتقاطرت القوافل الطبية من أعرق الجامعات بقيادة أساطين الطب في مصر، ليكشفوا عن سر ذلك الوباء الغريب الذي ألم بأهل القرية المنكوبة.. وقد عجزوا جميعا عن اكتشاف حقيقة المرض أو سببه، رغم مئات الأجهزة المعقّدة التي حملوها معهم.. عجزوا.. لأنه لم يكن بين هذه الأجهزة المعقّدة جهاز بسيط لقياس الإشعاع!!

وظل الأمر غامضا، حتى شكّ أحد شباب الأطباء في المرض، فطلب عداد (جيجر) الذي كشف حقيقة الكارثة على الفور.

تذكرت (محمد حسنين هيكل) آنذاك..

قلت لنفسي إنه ليس كالآخرين.. ففي فكره الموسوعيّ ومنطقه الصلب مجال للاتفاق والخلاف والحوار..

ليس كالآخرين الذين يشبهون أفاقا ينتحل صفة طبيب.. إنه يشبه أساطين الطب الذين ذهبوا بكل الأجهزة المعقدة بدون عداد (جيجر)، فكتبوا آلاف الصفحات وعشرات التقارير المشحونة بأحدث النظريات والقواعد العلمية، لكنهم لم يصلوا أبدا إلى الحقيقة..

فهمت ضمن ما فهمت.. كيف يضل عقل تحليلي كعقل (محمد حسنين هيكل) حين يتناول قضايا يكون الإسلام طرفا فيها.

ولقد كان افتقاد وسيلة القياس هذه سببا في أخطاء فادحة تعرض لها في تحليلاته التي تغطى مساحة كبيرة من الجرح العربي..

فلم يفطن أبدا ـ على سبيل المثال ـ أن أسباب فشل الحركة القومية الكبرى لـ (محمد على)، هي ذات أسباب فشل الحركة القومية الكبرى لـ (جمال عبد الناصر).. وهى أنهما في صدامهما مع الغرب، تعاملا معه بمنهج غربي.. فاستغلهما الغرب ـ بالرغم منهما ـ شر استغلال لتنفيذ مآربه!!!

ولقد قام (محمد على) بالدور الذي رسمه الغرب له..

فقد استخدم الجيش الذي صنعته له (فرنسا)، وقام بتدريبه (سليمان باشا الفرنساوي)، لا في محاولة الاستقلال عن الخلافة فحسب، بل في محاربة الخليفة نفسه!.. وقد كاد يتغلب على جيش الخليفة بالفعل، لولا تدخل (بريطانيا).. تظاهرا بالوقوف في صف الخليفة، وغيرة في الحقيقة من أن تستأثر (فرنسا) بالنفوذ في مصر!.. وفى الوقت نفسه لتخدم الهدف العام للصليبية بطريقة أخرى.. فقد أوقفت بريطانيا (محمد علي) عند حده في ظاهر الأمر، ومنعته من مهاجمة الخليفة، وفى الوقت ذاته ضمنت له الاستقلال الفعلي عن الخليفة، وكرّست أوّل شقّ عميق لفكرة الدولة الإسلامية المحوريّة.

سلّحته (أوروبا) كي يستنزف قوة الإسلام، وكي يكون كلّ الضحايا مسلمين.. هذا بينما تجمّعت أوربا الصليبية كلها لتحطيمه في معركة (نافارين)، لأنه نسى نفسه وتجرأ على مهاجمة دولة صليبية هي اليونان!

فقد كبّرته الصليبية وسلحته لمحاربة الإسلام فقط، فإذا فعل ذلك فله كل العون.. أما إذا هاجت أطماعه لحسابه الخاص، فمسّ أحد الصليبيين بسوء، فإنهم يتّحدون عليه لتحطيمه تحطيما كاملا إذا لزم الأمر.

نفس الشيء حدث مع (جمال عبد الناصر).. نفس الهزيمة وذات الانهيار.. ولا اعتبار[2]!!

كانت الهزيمة في التجربتين حتما.. كما كانت حتما أيضا في كل الحركات الشبيهة في العالم العربي.. وهى ظواهر حلّل (هيكل) أسبابها كثيرا، لكنه لم يصل إلى تشخيص المرض أبدا.. لم يكن عنده عداد جيجر!!



[1] مجتزأ من الملفّ الكامل لوليمة لأعشاب البحر للدكتور (محمد عباس).. تجد الملفّ كاملا في مجلد مراجع هذا الكتاب، أو على الرابط التالي:

http://www.mohamadabbas.net

[2] راجع عنوان "امبراطوريّات الظلال" في مقال "التسلّط الأمريكيّ".