الذينَ انبهروا حتّى سالَ مخاطُهم
هل تعرفُ معنى الشعورِ بالنقصِ وكيف ينشأ؟
في البدايةِ ستجدُ لديكَ شخصًا يجهلُ قدراتِه ومواطنَ القوّةِ في نفسِه.. ضعيفَ العقيدة.. ذا ثقافةٍ ضحلةٍ أو مشوّهة.
هذا الشخصُ يكتشفُ فجأةً أنَّ هناكَ دنيا أخرى غيرَ التي يعرفُها، سواءٌ بالانتقالِ إليها أو القراءةِ عنها أو مشاهدةِ أعمالٍ فنّيّةٍ تُصوّرُها.
ماذا سيحدثُ في نظرِكَ حينئذٍ؟
ماذا سيحدثُ لفقيرٍ محرومٍ، حينما يصطدمُ فجأةً ببيئةِ الأغنياءِ ذاتِ البذخِ الفاحش؟
أو لريفيِّ بسيطٍ انتقلَ فجأةً لمدينةٍ هائلةٍ، أدهشته أضواؤها البارقةُ وسياراتُها الفارهة، ونساؤها العارية، وأماكنُ اللهوِ والترفيهِ فيها؟
النتيجةُ الطبيعيّةُ أن يشعرَ مثلُ هذا الشخصِ بأنّه وحيدٌ ومختلفٌ ومتخلّفٌ وسْطَ الجموعِ، وأنَّ كلَّ ما يقولُه ويفعلُه ويعرفُه هو مما يُشينُ ويُخجلُ ويجبُ التنصّلُ منه فورًا، وتبنّي الثقافةِ والنمطِ الجديدِ بديلا عنه!
هل تعرفُ ماذا إذن سيتبنّى؟
الألفاظ، الملابس، العادات، الموضات.. وكلَّ ما هو شكليٌّ وسطحيّ، ولكنّه يراه بعينِه القاصرةِ وثقافتِه الضحلةِ الطريقَ السريعَ الذي يوصلُه لمستواهم!
حتّى حينما يريدُ أن يأخذَ من أفكارِهم، سيردّدُ وراءهم بعضَ الكلماتِ التي يُطلقونَها، دونَ أن يفهمَها حقَّ فهمها!
وبالتالي سينحصرُ الأمرُ في النهايةِ في أنّه سيقلّدُهم تقليدَ القردِ الذي يضحكُ منه من يراه!
هل سيفهم كيفَ وصلَ مجتمعُهم للغنى والرخاءِ والعلمِ والتقدّم؟.. أشكّ!.. ستجدُه فقط يتكلّمُ بانبهارٍ وافتخارٍ عمّا أنجزوه، ويحتقرُ كلَّ ما يمتُّ لثقافتِه ومعرفتِه بالصلة!
هل سيعملُ باجتهادٍ مثلما يعملون؟.. أشكّ!.. ستجدُه فقط يلهو مثلما يلهون!!
هل سيباريهم في الابتكارِ والإبداع؟.. أشك!.. سيستهلكُ فقط ما ينتجون، ويُقلّدُ بطريقةٍ ممسوخةٍ مبتسرةٍ ما يبدعون!
و حينما يعودُ هذا العبقريُّ إلى قومِه، سيشمخُ بأنفِه عاليًا، وينظرُ إليهم شَزْرًا، ويشعرُ حيالَ أفكارِهم ومعتقداتِهم وعاداتِهم وتقاليدِهم بالاشمئزاز!
وحينما يستنكرُ أحدُهم ما يدعوهم إليه يطلقُ عليه وابلا من الاتهاماتِ من قبيل: المتخلّف، الرجعي، المنغلق، الهمجيّ، المعزول عن العالم، ضحل المعرفة!
ومن ثمَّ تصبحُ رسالةُ مثلِ هذا (التقدّميِّ التحرّريِّ المتفتّح) أن يُنقذَهم من الضلالِ والجهلِ والتخلّف، ويُخلّصَهم من كلِّ ما ورثوه من المعتقداتِ الباليةِ والأفكارِ المُظلمةِ والعاداتِ الضارّة ، وأن ينشرَ بينَهم كلَّ ما ألمَّ به من ضروبِ المعرفةِ والفنِّ والعلم!!
هل يبدو لك هذا الكلامُ مألوفًا؟
إنّكَ تقرأُه وتسمعُه وتراه كلَّ يومٍ، في جرائدِنا وصحفِنا ومجلاتِنا وإذاعاتِنا وتلفزيوناتِنا!
إنّكَ تلمسُ ضحاياه في كلِّ شارعٍ وفي كلِّ مدينة: آلافًا من الشبابِ فاقدي الهويّة، الذينَ ضاعوا في العدم، فلا صاروا شرقيّينَ ولا صاروا غربيّين، لا يعرفونَ شيئًا عن تاريخِهم ولا تاريخِ الغرب.. لا يلتزمونَ بدينِهم، ولا بمنهجِ الغرب.. أجيالا بلا هدفٍ ولا طريق، لا تعرفُ ما تُريدُ ولا ما يُرادُ بها!
ما الذي حدث بالضبط:
عندما أُسرَ (لويس التاسعَ عشر) ملكَ (فرنسا) في دار (ابن لقمان) بالمنصورة، بعد الهزيمة النكراء التي مني بها جيشه، قضى وقتَه في الحبسِ يفكّر في السببِ الذي جعلَ جيشا قويّا منظّما كجيشِه يلاقي مثلَ هذه النهايةِ المخزية.
ولقد توصّل إلى السبب.. إنّه العقيدةُ الإسلاميّة الراسخة، التي تجعل من يقاتل في سبيلها يقبلُ على الموتِ كما يقبلُ العريس على عروسه!.. من هنا تبلورت في رأسه الكيفيّة التي يمكن بها تدمير هذه العقيدة، كخطوة جوهريّة في سبيل القضاء على العرب واحتلال أراضيهم.
ومن يومها، بدأ دراسة الإسلام في الغرب بعمق، وأخذت الدراسات الاستشراقيّة تدبّج الكتب عن تاريخ الإسلام والحضارة الإسلاميّة، متبعةً ـ ظاهرّيا ـ المناهج العلميّة في النقد والتحليل والاستنتاج.. ولكن في الحقيقة، تمّ تزييف صورة الإسلام، وحشو هذه الكتابات بالشبهات الباطلة حول الرسول وأصحابه وخلفاء الإسلام.. وهي شبهات عديدة وخطيرة، تمّ جلب الكثير منها من عقائد الجماعات والفرق الشاذّة عن الإسلام.
وطوال ثلاثة قرون تمّت تربية هذه الجراثيم بصبرٍ ودهاء، في انتظار اللحظة المناسبة.
وللأسف، قام الحكم العثمانيّ ـ بدون وعي ـ بدور أكبر من اللازم في خدمة هذا الغرض الدنيء.. فبالرغم من رفع شعار الخلافة الإسلاميّة، إلا إنّ الأتراك كانوا يعاملون رعايا ولاياتهم بشكّ، فلم يسمح لهم بالالتحاق بالجنديّة خوفا من انقلابهم على الحكم التركيّ، وأهمل العلم والتفكير والتطوّر في البلاد العربيّة، بل حتّى أهملت مشروعات الريّ والجسور وغيرها، ممّا سبب مآسي كثيرةً في الدول العربية، سواء بسبب الفيضانات أو المجاعات أو الأوبئة.. الشيء الوحيد الذي اهتمّ به الأتراك، هو أن يجنّدوا المرتزقة من الألبان والشراكسة والأرناؤوط والمماليك، ليقوموا بجباية الضرائب من الناس، ويدافعوا عن حدود الدولة العثمانيّة إذا لزم الأمر[1].
هذا بينما كانت الطباعة والصحافة في (أوروبا) وثورة البخار والصناعة تغيّر المجتمع الأوروبيّ، وتؤثّر في الأفكار والفلسفات والآداب والفنون، بل وحتّى العقائد.
ثمّ حانت لحظة المواجهة، واحتلّ الفرنسيون (مصر).. وكان هذا بمثابة تصادمٍ هائل، بين مجتمعين يفصلهما ثلاثة قرون من التطوّر.
وحدث ما لا بدّ أنّك تعرفه، وخرجت الحملة الفرنسيّة من (مصر) بعد ثلاث سنوات فحسب، كان لها أكبر الأثر في مستقبلنا حتّى يومنا هذا.
وجاء (محمدّ علي) باشا واليا على (مصر) وقرّر تحديث (مصر) لتصبح دولةً عصريّة حديثةً يسخّرها لخدمة أغراضه.
وقام (محمّد عليّ) بما لا بدّ أنّك تعرفه من تطويرات في المجتمع، كانت كلّها للأسف تخدم مصالحه وحده، تبعا للمقولة الموجزة التي تصف (مصر) في عصره: "أغنى دولة لأفقر شعب!".. فالبرغم من كلّ شيء، ظلّ الفلاح المصريّ في نفس شقائه.. فحتّى عندما كان محصوله يزيد، لم يكن يتلقّى نقودا.. كان (محمد علي) يكتب له إعفاء من الضرائب عن بعض السنوات القادمة!!.. ورغم أنّ (محمد عليّ) سمح للمصريّين بالانخراط في التجنيد لأوّل مرّة منذ قرون، إلا إنّ ذلك أدّى إلى أن يدفع مئات الآلاف من الفلاحيين المصريّين حيواتهم في حروبه المريضة التي لا طائلَ منها في شبه الجزيرة العربيّة والشام والبلقان!
وما يهمّنا هنا في كلّ هذا، هو البعثات العلميّة التي أرسلها (محمد عليّ) لـ (فرنسا) و(انجلترا) لنقل علوم الغرب إلى (مصر).
إنّ ما حدث لأفراد هذه البعثات كان حتما محتوما.. كانوا كأنّما ركبوا آلة زمن ثلاثة قرون إلى المستقبل، ليجدوا أنفسهم في عالم مبهر، من المستحيل ألا يسيل لعابهم ـ بل مخاطهم ـ أمامه!
كانت المقارنة ظالمة، بين مجتمع رأوه كمجرّد حظيرة مواشي كبيرة، ومجتمعات رأوها مدن النور والآدابِ والفنونِ والحضارةِ والصناعةِ والرفاهيةِ والتحرّرِ واللهوِ، بالإضافة للقوّةِ العسكرّية القاهرة.
هنا انهارت مقاومة هؤلاء الشباب وانهزموا نفسيّا.
وهنا كانت فيروسات الاستشراق في انتظارهم.
إنّهم الآن يقرأون عن دينهم على الطريقة الغربيّة، فيبهرهم المنطق العلميّ والأسلوب التحليليّ والفكر المنظّم.
وهم كذلك يجدون فيما يقرأون التفسير للسؤال الذي يحيّر عقولهم: ما هو سبب تخلّفنا؟
وكانت الإجابة بالطبع هي جمود حياتنا، وانغلاق عقولنا.
وأفضى هذا إلى رفض كلّ ما يمتّ للتراث والدين بِصَلة، باعتباره باعثا من بواعث الرجعيّة والتخلّف والجمود، وتبنّي كلّ منهج غربيّ كبديل.
وعاد هؤلاء المساكين ليعلّمونا كيف نفهم ديننا كما فهمه الغرب، لأنّ فهمنا الخاطئ له هو سبب ما نحن فيه من ركود وتخلّف!
يجب أن نغيّر كلّ شيء:
يجب أن نحلق اللحى، ونخلع الطربوش، ونستبدل بالبذلة الجلباب، وتخلع نساؤنا النقاب ويختلطن بالرجال، ونحرّر اللغة من الألفاظ المتقعّرة والمعجميّة وقيود السجع والزخرف اللفظيّ، ونقلّد الأساليب الغربيّة الرشيقة الخالية من التصنّع، ونحرّر الشعر من الوزن والقافية.. بل وصل الأمر إلى المناداة بنبذ الفصحى، واعتماد العامية كلغة رسميّة للدولة والأدب والفنّ، وكتابة الكلمات العربيّة بالحروف اللاتينيّة!!!
ولكي تدرك حجم المأساة، يجب أن أذكر لك ماذا حدث للشيخ (رفاعة الطهطاويّ)، الذي ذهب مع إحدى البعثات كمرشد دينيّ، يعظ البعثة ويؤمّها في الصلاة، فعاد بعد خمس سنوات ليكتب في كتابه "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"، أنّ الرقص الأوروبيّ الذي يتعانق فيه الفتى والفتاة ينمّ عن رشاقة الفتاة وليس فيه ما يعيب، وأنّ فتياتنا يجب أن يخرجنَ للتعليم ويخالطن المجتمعات، وأنّ زواج الرجل على زوجته ظلم لها، وأنّه يجب تقييد حرّيّة الرجل في تطليق زوجته متى شاء!!.
هذا هو الذي حدث لرجل الدين، فما بالك إذن بباقي الأفراد؟!!
الفيروس:
أكبر غلطة ارتكبها محمد عليّ ـ عن عمد أو عن غير عمد ـ هي أنّه أرسل مجموعة من الفتية تتراوح أعمارهم حول العشرين إلى أوروبا لنقل علومها!
وبهذا كان اصطيادهم في منتهى السهولة.. فلم تكن لديهم أيّ مناعة!
فتية تعيش في مجتمعات منغلقة، محتشمة ـ للأسف متأخّرة ـ يفصلها عن أوروبا 300 عام من التطوّر!!!
فتية مراهقون، سذج، خبرتهم بالحياة ضعيفة..
ذهبوا لينبهروا بعالم غريب مختلف كلّيّة عما عاشوه واعتادوه..
وتلقاهم أساتذة الاستتشراق المخضرمون المحملون بخبرة قرون من دراسة الإسلام، وتحوي جعبتهم الكثير من الشبهات عنه!
هذا بخلاف جوّ الفساد والانفتاح والإغواء الغريزيّ الذي وجد هؤلاء المراهقون أنفسهم فيه!
والنتيجة:
1- فقدوا الثقة بمجتمعاتهم وتراثهم... وأحيانا دينهم.
2- انحرف منهم الكثيرون.. واعترف بعضهم بالزنا جهرا في كتاباته.
3- اعتقدوا أنّ ما حولهم من ((مظاهر)) هي مقياس الحضارة والمدنيّة، فعادوا لنا بالتغريب، ولم يعودا لنا بالحضارة.
4- ذهبوا ليحضروا لنا العلم والتكنولوجيا، فعادوا لنا بالأدب والفنّ والفلسفة.. وكلّها انحرافات وفساد!!
لقد ظُلم هؤلاء الفتية ظلما فادحا!
في تلك النقلة الحضاريّة الشاسعة، كان لزاما أن يتم إرسال علماء أجلاء كبار، لينقلوا عن أوروبا قدر استطاعتهم..
نعم كانت ستواجههم مشكلة كبر السنّ وصعوبة استيعاب العلوم الجديدة الغريبة، ولكن في مدى قصير، كانوا سيدرسون المجتمعات الأوروبيّة ويعرفون إيجابياتها وسلبياتها، ممّا يعمل على توعية بعثات الشباب التالية..
أو على الأقلّ كان يجب أن يرافق هؤلاء الشباب بعض علماء الأزهر الكبار..
ولكنّي أعتقد أنّ أوروبا كانت سترفض هذا رفضا قاطعا..
فالهدف هو تربية جيل الصفوة على النمط الغربيّ، ممّا يضمن للغرب السيطرة على مجتمعاتنا وتغريبها..
وللأسف: هو ما قد حدث..
أنا لا ألوم هؤلاء الشباب..
أيّ فرد كان سيوضع في هذه التجربة كان سيتصرف بنفس الطريقة..
وفي النهاية: يظنّ كلّ منهم أنّه مسلم أصيل، يهدف لخدمة الإسلام..
ولا يدري أنّه يحمل جرثومة مدمرة ينشر عدواها مع كلّ كلمة يتفوّه بها، لتغيير شكل المجتمعات وتغريبها، وبالتالي يتراجع الإسلام عنها..
وللأسف الشديد، ازداد حاملو هذا الفيروس في المجتمع، وازداد عددهم في كلّ المجالات، وبدأوا ينشرون العدوى لمزيد من الناس.
ولقد وجدت هذه الفيروسات المناخ الملائم لها في ظلّ الاحتلال الإنجليزيّ، الذي هيأ لهم المنابر الإعلاميّة والمناصب الحسّاسة في البلد، حتّى مكّن لهم.. ليس هذا فحسب، بل تمّ تغيير البنية الاجتماعيّة في (مصر) لتتعارض مع شرع الله، وتدمّر الأخلاقَ والقيم.
وكان التخطيط أن تكون (مصر) بؤرة الإشعاع، التي يتمّ منها نشر هذه الفيروسات للوطن العربيّ كلّه.. لهذا ليس غريبا أن تظهر السينما في (مصر) بعد ظهورها في الغرب بثمانية سنوات فحسب، وأن تبدأ على الفور تلك البداية الماجنة، لنشر الخلاعة والتهتّك والعري في المجتمع.. فمن الحبّ والعري والرقص والأحضان والقبلات والإثارة، إلى تسفيه القيم والسخرية من الملتزمين والتنفير من كلّ ما هو سويّ وقويم، إلى نشر دعوات حرّيّة المرأة ومساواتها بالرجل وأهمّيّة أن تتعلّم ـ تعليما إلزاميّا ـ وتعمل.... إلخ.
هذا بخلاف الهجوم المستمرّ على الإسلام، وإنكار السنّة والتشكيك في القرآن.. وهو ما زال مستمرّا بلا هوادة إلى يومنا هذا..
ويكفي أن أذكر لك مثالا واحدا، وهو إنكار (طه حسين) في كتابه "في الشعر الجاهليّ" لقصّة بناء (إبراهيم) و(إسماعيل) للكعبة، التي وردت في القرآن الكريم، زاعما أنّ القرآن أورد هذه القصّة مراعاةً لحبّ العربِ للفخرِ والمجد!!.. ولقد اضطرّ (طه حسين) للتراجع أمام الثورة العارمة التي ووجه بها، ولكنّه لم يتوقّف عن دعم الطلبة الذين يقدّمون رسائل الماجستير والدكتوراة حول هذه المواضيع المشبوهة[2].
ورغم أنّ الكثيرين من رجالِ الدين والفكرِ والأدبِ حاولوا التصدّي لمثل هذه الفيروسات اللعينة، إلا إنّ الإنجليز ـ وثورة يوليو من بعدهم ـ وقفوا لهم بالمرصاد، وكانوا محرومين من المنابر التي يستطيعون بها توصيل فكرهم إلى الناس، حيث يتمّ اعتقالهم ومصادرة كتبهم ومنع مقالاتهم من النشر، وأحيانا يتمّ طردهم خارج (مصر)[3].
التحريف:
يقول (كليفورد) ـ مدير معهد مكافحة الإجرام في أستراليا:
"إنّ خطر الانبعاث الإسلامي يتمثّل في عاملين اثنين:
أولهما: التفكير الجاد على مستوى الدول العربية في الرجوع إلى الانضباط وينابيع الشريعة الإسلامية، ولاسيما في نظام الروادع والعقوبات.
وثانيهما: القوة المادية الأولى التي يتمتع بها الشرق العربيّ، متمثلة في النفط.
إن هذا الانبعاث الإسلاميّ بالإضافة للقوة المادية، كفيلان بقلب موازين الحضارة كلها، والقضاء على ما تبّقى للغرب من هيبة ونفوذ!"
ويضع (كليفورد) بعدها اقتراحات متعددة، من أهمها العمل على امتلاك ينابيع البترول بطريقة ما، واتخاذ السبل المتنوعة بتشجيع مبدأ الاجتهاد في الإسلام باعتباره أداة هامة، بوسعها أن تضفي الصفة الإسلامية على ما تتطلب الحضارة الغربية ومصالح الغرب تنفيذه، من النظم والاتجاهات والقوانين الحديثة، في العالم عامة والشرق الأوسط خاصة!!
ولا يمكن ألا نبصر اليد التي تنفذ اليوم هاتين التوصيتين بمهارة بالغة، سواء بالنسبة للبترول أو الشريعة الإسلامية!!!
هلا دققنا في التعبير:
(واتخاذ السبل المتنوعة بتشجيع مبدأ الاجتهاد في الإسلام باعتباره أداة هامة بوسعها أن تضفي الصفة الإسلامية على ما تتطلب الحضارة الغربية ومصالح الغرب تنفيذه من النظم والاتجاهات والقوانين الحديثة في العالم عامة والشرق الأوسط خاصة)؟!!
هذا ما اجتهد رفاعة الطهطاوي والأفغاني ومحمد عبده وقاسم أمين ومن شاكلهم في فعله منذ أمد.. لمحاولة تزييف الإسلام ودفعنا لفهمه فهما مخالفا لأصوله.. وما قضية تعدد الزوجات إلا شظية من شظايا أفكارهم المتأثرة بالغرب.. (لمحمد عبده على سبيل المثال تفسيرات مذهلة حاول فيها إسقاط المعجزات على العلم.. كأن تكون الطير الأبابيل في عام الفيل جرادا أو حشرات قتلت أبرهة وجنوده بالملاريا!!.. أهم شيء ألا نبدو متخلفين فكريا أمام أسيادنا الغربيين!!)
ماذا نسمى هذا إذا لم يكن تزييفا وتحريفا للكلم عن مواضعه وتبديلا لشرع الله، ومخالفة لفهم خير القرون له؟
إلام وصلنا:
والآن.. بعد أن تمّ تطبيق معظم الأفكار المريضة التي بثّتها هذه الفيروسات: إلام وصلنا؟
هل أصبحنا دولة عظمى؟
هل لدينا ديمقراطيّة؟
هل لدينا تعليم.. علم.. بحث علمي!؟
هل لدينا اقتصاد.. صناعة.. تصدير؟
هل لدينا جيش.. عزّة.. استقلال سياسي؟
هل المجتمع مستقرّ.. آمن.. سعيد؟
عامّة إنّ الفيروسات التي تسيطر على ثقافتنا وإعلامنا وتعليمنا، تواجه الآن مطبّا شديدا، وذلك للأسباب التالية:
1- وصول الحقّ لجمهور أوسع عبر الفضائيّات ووسائط الكمبيوتر المتعدّدة والإنترنت.
2- إنتاج رجال الدين والمستنيرين من المفكّرين والمخلصين لهذا الوطن، الأمصال المضادة لكلّ الأفكار الجرثوميّة التي نشرتها هذه الفيروسات.. ومع وجود الوسائل الملائمة سيزيد من يتمّ إنقاذهم من أفراد المجتمع باستمرار.
3- أنّ التجربة قد أثبتت فشلها، وتفشّت في المجتمع أسباب التعاسة والتخبّط والانهيار، ممّا جعل الكثيرين يفقدون ثقتهم بكلّ هذه المنظومة باطّراد[4].. إنّ هناك شعورا عامّا بأنّنا نحتاج لمنظومة حضاريّة جديدة.
4- أن عصر الاستعمار العسكريّ الفعليّ (استعمار الأرض) قد عاد من جديد، هذه المرّة على يد (أمريكا) بلد الحرّيّة والمساواة وحقوق الإنسان وحقوق المرأة وحقوق الحيوان!!.. أعتقد أنّ هذه الصفعة ستجعل الملايين يفيقون من غفوتهم قبل فوات الأوان[5].. إنّ الأطفال الذين يرون بأعينهم اليوم ذبح أطفال (فلسطين) و(العراق) لن يستطيع أحد سرقة وعيهم منهم.. مهما حاول!.. وإذا كان العلمانيون قد حكمونا وسكتنا في فترة ظهروا كأنّما يحرّروننا من الاستعمار، فإنّهم الآن يظهرون خانعين لأعدائنا عاجزين عن حمايتنا أو حتّى حماية أنفسهم (لا داعي للتذكير بصورة اعتقال صدام المهينة)!!
النقيضانِ المتطابقان:
غالبيّةُ مفكّرينا ومثقّفينا وسياسيّينا يدعونَ إلي (ويطبقونَ) فصلَ الدينِ عنِ الأدبِ والفنِّ والعلمِ والمجتمعِ والسياسة (ولم يعدْ متبقيا إلا فصلُ الدينِ عن الدين)!!
وكثير من رجالِ الدينِ والدعاةِ والوعّاظِ لدينا، يقصرونَ قراءاتِهم على الكتبِ الدينيّةِ والتفاسيرِ القديمة، ويدّعونَ أنَّها كافيةٌ وحدَها لفهمِ وتفسيرِ الدين!
العجيبُ أنَّ الطرفينِ متّفقانِ تمامًا!
الأولونَ يعزلونَ الدينَ عن الحياة، والآخرونَ يعزلونَ الحياةَ عن الدين، وفي كلتا الحالتينِ لا يتبقّى من الدينِ شيء، فالدينُ جاءَ لتنظيمِ حياةِ المسلمِ في كلِّ كبيرةٍ وصغيرة.. وكما قالَ الرسول (صلى الله عليه وسلم): "الدينُ المعاملة".. وهذه المعاملةُ هي كلُّ جوانبِ الحياة.
لهذا لا أستطيعُ أن أتخيّلَ مفكرًا أو أديبًا أو فنانًا أو سياسيًّا يهدفُ إلى إصلاحِ المجتمعِ دونَ أن يكونَ على ثقافةٍ دينيّةٍ واسعة، ودونَ أن يكونَ اللهُ سبحانَه هو هدفَه الأسمى.
كما لا أستطيعُ أن أتخيّلَ واعظًا يتكلّمُ في الدينِ دونَ أن تكونَ لديه معرفةٌ بالحياة: بالسياسةِ والاقتصادِ وعلمِ النفسِ والاجتماعِ ومشاكلِ المجتمع، يستخدمُ الحاسبَ الآليّ والإنترنت، ويقرأُ في علومِ الفضاءِ والذرّةِ، ويُتابعُ تطوّرَ الطبِّ والهندسةِ، ويقرأُ الآدابَ الرفيعةَ، والفلسفة (والتي ـ بالمناسبةِ ـ تعني في اللغةِ حبَّ الحكمة، والذينَ يكفّرونَها على إطلاقِها يكفّرونَ حبَّ الحكمة، مع أنَّ اللهَ سبحانه هو الحكيم!!).
وإلى أن يحدثَ هذا وذاك، فلن نتحركَ قِيدَ أُنملةٍ.. إلا إلى الوراء!
[1] أرجز ألا يفهم أحد من انتقادي للخلافة التركيّة، أنّني أعترض على الخلافة الإسلاميّة.. ويجب أن يفهم العلمانيّون والإسلاميّون على السواء، أنّ قدرة الحضارة الإسلاميّة على انتقاد الذات، وتقييم كلّ شيء على الشرع دون الخوف من حاكم أو سلطان إلا الله، هو أهمّ عوامل ازدهارها لأكثر من ألف عام.. أليس أفضل الجهاد كلمة حقّ عند ملكٍ جائر؟
[2] قاعدة هامّة: أيّ شخص يتمّ تلميعه في الإعلام والتعليم يجب أن تثق أنّ وراءه داهية.. والقائمة طويلة: خذ عندك: (رفاعة الطهطاوي) ـ (جمال الدين الأفغانيّ) ـ (محمد عبده) ـ (قاسم أمين) ـ (أحمد لطفي السيّد) ـ (سلامة موسى) ـ (طه حسين) ـ (نجيب محفوظ).......... إلخ!
[3] إنّنا لا نحكي تاريخا.. ما زالت هذه الحقبة اللعينة في تاريخنا لم تنته بعد.. وآخر من تمّ منعهم من الخطابة في (مصر) الأستاذ (عمرو خالد)، رغم أنّه لا يتطرّق إلى السياسة.. ولكنّ الخطورة جاءت من اتساع شعبيّته خاصّة بينَ الشباب، خاصّة بينَ الفتيات، خاصّة بينَ أبناءِ الطبقات العليا، ممّا ينذر بتغيير الصفوة الحاكمة في البلد، وهدم كلّ ما تمّ بناؤه في 200 عام!!
[4] أنا شخصيّا واحد من هؤلاء، فقد نشأت وسط غسيل المخّ الإعلاميّ والتعليميّ، وظللت لفترة طويلة مقتنعا بمنظومة: لا للختان.. لا لتعدد الزوجات.. لا للزواج المبكّر.. حتميّة التعليم الإلزاميّ... ولكنّ كلّ ما حولي أثبت فشل هذه المنظومة اللعينة، ووجدت نفسي كافرا بكلّ ما يدعونني إليه.. وها أنا الآن من أشد أعداء هذه المنظومة، بكلّ ما أملك من وسائل!!.. حقّا: إنّك لا تستطيع أن تخدع كلّ الناس كلّ الوقت!
[5] وإن كنت لا أتوقع أن تكفي هذه الصفعة للقضاء على الفيروسات التي تملأ المجتمع!!