الثورةُ المباركة!!
الجيش يحكم:
عندما قامت حركةُ 23 يوليو، واستتبَّ الأمرُ في يدِ القائمينَ عليها، كانَ من رأيِ اللواء (محمد نجيب) أنَّ الجيشَ لا يحكمُ ولا ينبغي له، وأنَّ عليه أن يتركَ حكمَ البلادِ لأهلِها بالطريقةِ الدستوريّة، وأن يعودَ الجيشُ إلى ثكناتِه ويراقبَ سيرَ الأمورِ عن كثب.. وقيلَ إنّه اتّصلَ بزعيمِ حزبِ الأغلبيّةِ (مصطفى النحاس) في هذا الشأن، وإنَّ محادثاتٍ هاتفيّةً بينَهما قد سُمعت.. وأدّى هذا إلى وقوعِ جفوةٍ بينَ اللواءِ الرئيسِ وزملائه الضباطِ الشبان، فقد كانوا يعتبرونَه التمثالَ الذي قدّموه للناسِ على أنّه رأسُ الحركة، فهم الذينَ فكّروا في القيامِ بحركتِهم، وخطّطوا لها وكتبوا المنشوراتِ باسمِ (الضباطِ الأحرار)، وحدّدوا موعدَ التنفيذ.. ولكنّهم استصغروا أنفسَهم على مواجهةِ الناسِ وهم صغارُ السنِّ والرتبةِ العسكريّةِ مغمورون، فاختاروا اللواء (محمد نجيبِ) ليكونَ الواجهة.
ولكنَّ (محمد نجيب) استقرَّ في أعينِ الناسِ ونسيَ أنّه مجرّدُ تمثالٍ وأخذَ يتصرّفُ برأيِه في مستقبلِ البلدِ السياسيّ، لهذا كانَ لا بدَّ منَ التخلّصِ منه.
وقيلَ أيضًا إنَّ تأييدَ (السودان) لزعامةِ (محمد نجيب) كانَ عظيمًا، فأمّه سودانيّة، والسودانيّونَ كانوا على استعدادٍ للوَحدةِ مع (مصرَ) بزعامةِ (محمد نجيب)، ممّا يعني الاستقرارَ النهائيَّ لحكمِه، ولذلك قيلَ أيضًا إنَّ الضبّاطَ الأحرارَ أسرعوا وأوفدوا من ذهبَ إلى السودانِ للعملِ على عرقلةِ هذه الوَحدة!
ثورةٌ ضدَّ الدستور:
بعدَ أن نجحتْ حركةُ الضبّاطِ الأحرارِ في طردِ الملكِ (فاروق)، وحصلتْ منه على وثيقةِ النزولِ عن العرش، كانَ على الضبّاطِ الأحرارِ أن يسيروا في إجراءاتِ الوصايةِ على العرشِ كما هو منصوص عليها في الدستور، بما فيها دعوةُ مجلسِ الأمّةِ المنحلِّ لتعرضَ عليه أسماءَ الأوصياء.. ولكنَّ الثورةَ خافتْ من أن تأتيَ الانتخاباتُ الحرّةُ ببرلمانٍ وفديّ ـ نظرًا لشعبيّةِ حزبِ الوفدِ آنذاك، وفي هذه الحالةِ لا يضمنونَ أن يؤيّدَهم هذا البرلمان.
وهنا أفتى عليهم من أفتى بإهمالِ الدستور، وإصدارِ القوانينِ دونَ برلمان، لأنّهم قاموا بثورة، والثورةُ معناها إلغاءُ ما قبلَها من أوضاع.
وهكذا أُطلقَ على "حركة 23 يوليو" اسم "الثورة" بعد أن كانت مجرّدَ حركة، وتمَّ إبعادُ من أسموها "انقلابًا عسكرّيًّا" ـ وهو الاسم الصحيح لها.. وهكذا صار لها مجلسُ ثورةٍ يُصدرُ القوانينَ في حجراتٍ مغلقةٍ دونَ معارضةٍ وبدونِ مناقشةٍ عمليّة!
حلُّ الأحزابِ ومحاكمةُ زعمائها:
واجهَ الثورةَ هذا السؤال:
ماذا لو أفاقتِ الأحزابُ من غفلتِها، وطالبتْ بعودةِ الدستورِ؟.. وما هو حينئذٍ مكانُ رجالِ الجيشِ ممّن قاموا بالثورة؟
وهنا بادرتِ الثورةُ بحلِّ الأحزابِ جميعِها، ولم تكتفِ، فما زالَ هناكَ رجالُ سياسةٍ ومفكّرونَ وأسماءٌ كبيرةٌ في كلِّ مجال، لها اعتبارُها في النفوسِ والأذهان، حتّى قد تتضاءلُ أمامَها أسماءُ الضبّاطِ الشبّانِ المغمورةُ، التي لا يُوحي ذكرُها بعدُ برصيدٍ من تجربةٍ أو علمٍ أو ثقافة.
وهنا أقدمتِ الثورةُ على ضربةٍ بارعة، تكادُ تشبهُ ضربةَ (محمد عليّ) للمماليكِ في القلعة: تلك هي إنشاءُ "محكمة الثورة"، حيثُ جاءتْ بأغلبِ رجالِ السياسةِ من أصحابِ الأقدارِ الكبيرةِ والأسماءِ اللامعة، فجرّدتهم من هيبتِهم تجريدًا، وجعلتْهم يقفونَ أمامَها وأمامَ الناسِ مستضعفينَ خائفينَ وطامعين، كلٌّ منهم يطعنُ في زميلِه لينجوَ بنفسِه، أو لينالَ الحظوةَ عندَ الحاكمينَ الجدد، وضبّاطُ الثورةِ يُشيرونَ إليهم ويقولونَ للناس: "هؤلاءِ الذينَ كانوا يحكمونكم وكنتم تحترمونهم!".
ولكنّ عددًا من هؤلاءِ وقفَ أمامَ المحكمةِ وقالَ كلمةَ صدقٍ وشجاعة، دونَ أن يُسفَّ في القولِ أو يطعنَ في زميل، مثلما حدثَ مع السياسيِّ الأديبِ الدكتور (محمد حسين هيكل) حينما سألتْه المحكمة: "لماذا لم تقفْ في وجهِ طغيانِ (فاروق) وأنتَ زعيمُ حزب؟".. فردَّ على ضبّاطِ المحكمةِ بهدوءٍ قائلا: "لأنَّ (فاروق) كان يُخيفُنا بكم أنتم يا رجالَ جيشِه!.. ألم يكنْ (فاروق) هو القائدَ الأعلى للجيشِ وأنتم رجالُه؟".
كانَ في الواقعِ سؤالا لا محلَّ له، ولكنَّ المحكمةَ لم تتوقّعْ ممّن هو في مثلِ هذا الموقفِ، أن يجيبَ بإجاباتٍ محرجة!
أمّا من كانوا خارجَ هذه المحكمةِ من رجالاتِ (مصر) المرموقين، فقد طلبهم رجالُ الثورةِ واحدًا فواحدًا على انفرادٍ ليستمعوا إليهم، فكان شأنُهم شأنَ غيرِهم، إذ تسارعوا في طلبِ الحظوةِ والإعلاءِ من شأنِهم والحطِّ من شأنِ غيرِهم.. وهكذا كانت هذه لعبةَ الحكّامِ الجددِ المفضّلةَ: أن يضربوا هذا بذاك، ويتلذّذوا بمنظرِ هؤلاءِ الكبراءِ الأفاضلِ وهم يترامَوْنَ على الأقدامِ خوفًا وطمعًا، في حلبةِ التزّلفِ والملّق.
حركة التطهير:
ثم أردفوا ذلك بالخبطةِ الكبرى، التي عمّت آثارُها البلدَ كلَّه، وقلبتِ الموازينَ وقوّضتِ النظامَ القديمَ في أدقِّ تفصيلاتِه: "حركة التطهير".
لقد أغرت مثل هذه الحركة كلّ موظّفٍ أن يشكوَ رئيسَه، وكلَّ صغيرٍ أن يتهجّمَ على كبير، وكلَّ زميلٍ أن يشيَ بزميل، فانقلبتِ المصالحُ والإداراتُ والوزاراتُ والجامعاتُ والمستشفياتُ وكلُّ جانبٍ من جوانبِ النشاطِ في مصرَ، إلى ميدانِ مطاعنَ بالحقِّ وبالباطل، وفي أغلبِ الأحيانِ بالباطل، طمعًا من الطاعنِ في مركزِ المطعون، أو لأنَّ الشاكيَ هو مجرّدُ مشاغبٍ بالفطرة، واتته فرصةُ الشغب!
وبهذا لم يسلمْ رئيسٌ في إدارةٍ أو مديرٌ في مصلحةٍ، من شكوى مرءوسٍ له، ولا أستاذٌ في جامعةٍ من مطاعنِ زميل.
الحاكمُ المُطلق:
وسارتِ الأمورُ سيرَها المعروف، وأصبح (جمال عبد الناصر) هو الرجلَ الأوّلَ في البلاد، وكان كلَّ يومٍ يكتسبُ حبَّ الناسِ وثقتَهم.
وبدأتِ البلادُ تعتادَ حكمٍ فردٍ تثقُ به وتحبُّه، وخفتتْ شيئًا فشيئا أصواتُ مَن اعتادوا المناقشة.. وأخذَ الحاكمُ المحبوبُ نفسُه يعتادُ الحكمَ الذي لا مناقشةَ فيه.. وأخذ الستارُ الحديديُّ يُسدلُ رويدًا رويدًا بينَ الشعبِ وتصرّفاتِ الحاكمِ المُطلق!!
و يقول (توفيق الحكيم):
"لم نكن نعرفُ من أمورِنا أو الأمورِ الخارجيّةِ إلا ما يُلقي به هو إلينا من فوقِ منصّةٍ عالية، وكان يتحدّثُ بمفردِه الساعاتِ الطوالَ بغيرِ كلفة، حديثًا يُظهرُنا أبطالا بقيادتِه، ويُظهرُ الدولَ الكبرى حولَنا في صورةِ أقزام، فكنّا نصفّقُ إعجابا وخيلاء.. وعندما كان يخطبُ بقوّةٍ قائلا عن دولةٍ قويّةٍ تكلِكُ القنابلَ الذّرّيّة: "إذا لم تُعجبْها تصرّفاتُنا فلتشْربْ منَ البحر"، كانَ يملؤنا الفخر!!".
إسرائيل توزّع كتاب "فلسفة الثورة":
تولّت توزيعَ كتابِ (عبد الناصر) "فلسفة الثورة" في الخارجِ جهتان: السفارةُ المصريّة، والسفارةُ الإسرائيليّة!
وطبعًا كان غرضُ السفرةِ الإسرائيليّةِ من ذالك[1]، إفهامَ العالمِ أنَّ زعيمًا من طرازِ (هتلر) قد ظهرَ في العالمِ العربيّ، فالكتابُ يحتوي على أحلامٍ وآمالٍ وتصوّراتٍ، تكادُ توحي بالرغبةِ في إنشاءِ ما يشبهُ الإمبراطوريّةَ العربيّةَ والإفريقيّة، التي تبحثُ عن زعيمٍ!!
الانفعال وردّ الفعل:
والحقيقةُ أنَّ (عبدَ الناصر) رجلُ عواطفَ وانفعالٍ وخيال.. ومن المواقفِ التي تدلُّ على ذلك، أنّه في أوائلِ عهدِه، كانَ قد أعدَّ خُطبةً يُلقيها، يعلنُ فيها خطّةً أو رؤيةً للسلامِ في المنطقة، غيرَ أنّه سمعَ من السفيرِ الأمريكيِّ كلمةً لم تُعجبْه، فانفعلَ وغيّرَ خطبتَه واتّجاهَه في الحال!!
وكانَ لهذا المسلكِ الانفعاليِّ تأثيرَه على مصيرِ الوطنِ كلِّه، حيثُ سارتِ الأمورُ كلُّها بعدَ ذلك في شئونِ الدولةِ خارجيّةً وداخليّةً، على ذا المسلكِ وبذا المحرّك: انفعالٌ وردُّ فعل، بعيدًا عن التفكيرِ الهادئِ الرصينِ الرزينِ المبنيِّ على بعدِ النظر!!
لقد ظهر جليًّا من الأخطاءِ التي نجني مشاكلَها حتّى اليوم، أنّ (عبد الناصر) لم يكن رجلا سياسيا، ولم تكن له قطُّ طبيعةُ رجلِ السياسة، حتّى إنّ (نهرو) قالَ له في عبارةٍ رقيقةٍ موحية، إنّه يحتاجُ إلى قليلٍ من الشَّعرِ الأبيضِ، وكان يعني ـ بلا شكٍّ ـ قليلا من الرزانةِ والحكمةِ والتجربة.
في سبيله للاكتمال بإذن الله.
[1] سمعت أن دكتورا متخلّفا في إحدى كلّيّات اللغةِ العربيّة عمل على رسوب طالبٍ، لاعتقاده أنّه لا يصلحُ أن يكون مدرّسا للغةِ العربية في المستقبل، وذلك لأنّ الطالبَ أخطأ في ورقة الإجابةِ وكتبَ كلمة لكن هكذا "لاكن"!!.. الجدير بالذكرِ أنَّ هاذه مجرّد صورة إملائيّة للكتابة، وهي ليست الصورة المثلى، لأنَّ كلمة "لكن" يمكن أن تقرأَ "لَكُنَّ" أو "لاكن"، وكلمة "ذلك" يمكنُ أن تقرأ "ذُلُّكَ" أو "ذالِك".. إذن فالأفضل إعادةُ الألفِ الغائبة لموضعها، خاصّةً وأنّنا نكتبُ بلا تشكيل، فالألفُ هنا يزيلُ اللالتباس.
ملحوظة: لن أكتب الألف بعدَ ذلك في مثل هذه الكلمات، نظرًا لأنّني أستخدم التشكيلَ لفكِّ الالتباس، بل وألتزم بضبط الكلمات إعرابيًّا، وهو ما أدعو كل من يكتبُ لفعلِه، حتّى لو اضطرّ إلى الرجوع لمراجعٍ لغويّ، لأنَّ ذلك وسيلةٌ هامّةٌ لتدريبِ السليقةِ العربيّة السليمة.. أمّا لماذا وضعت الألفَ في "ذالك" وكتبت هذا التعليق، فهو مجرّد اختبارٌ لمرونتك الذهنيّة، حتّى تعرفَ إن كنتَ من المتحجّرينَ الذينَ يعبدونَ القواعدَ حتّى ولو لم تعُد ملائمة، أمّ أنّك من المتفتّحينَ الذينَ يبحثونَ عنِ الأصلحِ والأنفعِ، بمناقشةِ كلِّ شيءٍ قبلَ التسليمِ به.