تدمير الأذواق والأخلاق والقيم:

تدمير الأذواق والأخلاق والقيم:

رغم أنّ الرقيبَ الإنجليزي كان يمنع أي فيلم أو مسرحيّة تهاجم الاحتلال، إلا إنّه لم يكن يتدخّل فيما عدا ذلك.. معنى هذا أنّ الباب كان مفتوحا أمام السينما والمسرح على مصراعيه للفحش والفجور والفساد والابتذال وتدمير القيم ومحاربة الدين، إلا من دفاع المتديّنين وذوي المبادئ المستميت، والذي لم ينجح بحالٍ في إيقاف طوفان التدمير.. ربما نجح في عرقلته فحسب!!.. وهو أمرٌ يمكن أن نتفهّمه في ظلّ الاحتلال الإنجليزي، وسيطرة مجموعة من العلمانيّين ومسيحيّي (الشام) المارون ويهود (مصر) الصهاينة ـ ومنهم (نجيب الريحاني) ـ على صناعة السينما والمسرح، بل وعلى كبريات الصحف والمجلات، ليشمل الأمر الحركة النقديّة والفكريّة!

ولكنّ المذهل، أنّ الأمر ازداد سوءا بمراحلَ في ظلّ الثورة، حيث هبط مستوى الأعمالِ الفنّيّة إلى الحضيض، وارتفع مستوى الفحش والعري والفجور والابتذال إلى أعلى درجاته، إلى أن وصل إلى ما نحن عليه الآن، فغالبيّة أفلامنا جنسيّة صرفة (حتّى وإن كانت لا تعرض عورة العانة وحلمة الثدي!!)، ومسرحنا تحوّل لكباريهات تجاريّة، مليئة بالتلميحات والتصريحات الجنسيّة المبتذلة، بل وإشارات واضحة إلى الشذوذ!!.. ولا يقتصر الأمر على مسارح القطاع الخاصّ، بل يمتدّ ليشمل مسارح وزارة الثقافة، التي تعرض مسرحيّات عن رجال ونساء من الشواذّ، مع خليط من الأفكار المريضة والقيم الهدّامة، في إطار من دعاوى الحرّيّة والتقدّميّة والتجريبيّة والمهلّبيّة[1]!!

والسؤال الآن هو:

إذا كان الاحتلال الإنجليزي قد ذهب ـ ولا أستطيع أن أقول بلا رجعة!! ـ وإذا كان مارون (الشام) ويهود (مصر) قد غادروها.. فلماذا إذن ازداد الوضع سوءا، وهوينا إلى هذا الحضيض؟

سأضع أمامك هذه النقاط:

-   منذ بداية الثورة، وهي لا تثق بالمتديّنين ولا بالمثقّفين المحترمين.. ربّما لأنّ الثورة تبّنت الأفكار الاشتراكيّة الشيوعيّة.. ربّما لأنّ الغرب أرعبها ممّا يسمّيه الإرهاب الإسلاميّ الطامع في الوصول للسلطة.. ربّما لأنّ الدين يرفض فكرة القوميّة العربيّة القائمة على الأفكار العلمانيّة، وليس على الأخوّة في الدين.. ربّما لأنّ الثورة استبدّت، والدين هو منشّط الشعوب للوقوف ضدّ الطغيان ـ وليس أفيون الشعوب كما قال (ماركس)!

-   مع تقادم عهد كلّ حاكم، تتفاقم أخطاؤه، وتتراكم عليه المشاكل، فلا يجد لديه أهون من تخدير الشعب بالجنس والشهوات والترفيه المبتذل، لإلهائه عن محاسبته أو الانفجار بوجهه، مع أنّه لو وعّى الشعب لكسبه في صفّه لحلّ مشاكل المجتمع.. وخذها كقاعدة: كلّما ازدادت الفاحشة، كان ذلك دليلا على أنّ كارثة في الطريق.. هذا ما حدث قبيل النكسة.. وقبيل اغتيال السادات.. وهو ما يحدث الآن!!

-   لم يرحل الإنجليز عن (مصر)، إلا بعد أن خلّفوا وراءهم مستعمرة فيروسيّة من العلمانيّين، للأسف كانوا من صفوة البلد، ونجحوا في الوصول لأرفع المناصب القياديّة فيه، حيث راحوا يعملون بدأب بلا كلل ولا ملل على تدمير كلّ قيمةٍ وخلق، فدمّروا التعليم والإعلام والأدب والفنّ، واستخدموها كوسائل أساسيّة لمحاربة الإسلام.

-   ورغم أنّ المسيحيّين المارون كانوا قد غادروا (مصر)، إلا إنّ تأثيرهم على الفنّ عندنا لم ينقطع.. ولـ (ألفريد فرج) مقال خطير، يتحدّث فيه عن الشبح الخفيّ الذي اسمه الموزّع اللبنانيّ، الذي كان أيّ منتج مصريّ يعمل له ألف حساب، فلو رفض هذا الموزّع شراء الفيلم، فإنّ مصيره الفشل والخسارة لا محالة.. ولك أن تتخيّل كيف دفع ذلك المنتجين المصريّين إلى إكراه كتّابنا على كتابة كلّ مبتذل وفاحش ورديء.. حتّى العبقريّ (توفيق الحكيم)، الذي تُرجمت أعماله ومثّلت مسرحيّاته في معظم أوروبّا[2]، دافع دفاعا واهيا عن ركاكة وضعف إخراج أعماله سينمائيّا، متذرّعا بأنّ المخرج هو مبدع العرض، وأنّه ليس مسئولا إلا عمّا كتبه فقط.. وكان خيرا له لو رفض إهانة أعماله بتحويلها إلى تلك الأفلام المشوّهة المريضة.. ولكن.. إنّها النقود يا صديقي، ويبدو أنّها أقوى حتّى من العباقرة!!.. ولا حاجة بي إلى ألفت نظرك لعلاقة المسيحيّين المارون الوطيدة الأكيدة مع الغرب و(إسرائيل).. نعم.. إنّهم لم يخرجوا من (مصر) يوما واحدا!!

-   هذا بخلاف إكراه السلطة المبدعين على إنتاج أعمال دعائيّة ساذجة للترويج لمفاهيمها وخططها واتجاهاتها، مثل مئات الأفلام المملّة التي تحكي قصّة صراع الطبقات، فتدافع عن حبّ ابن الباشا لابنة البوّاب، وحبّ ابنة الباشا لابن الزبّال، وقيام الثورة لتساوي بين الطبقات، وتحقّق كلّ هذه الأحلام المستحيلة!!!!.. وطبعا لا تنس الأفكار المريضة التي لا يخلو منها أيّ عمل: حرّيّة المرأة، مساواة المرأة بالرجل، عمل المرأة، تحرّر المرأة، فجور المرأة، زواج المرأة عن حبّ، طلاق المرأة لأنّ زوجها (خانها) وتزوّج عليها، ..... إلخ.

-   وليت الأمر اقتصر على هذا.. فنشوء السينما والمسرح على هذا الوضع الفاحش، جعل الفحش والعري والرقص والعبارات المبتذلة بمثابةِ أعرافٍ فنّيّة ومهنيّة، يجب أن يتعلّمها ويُتقنها كلُّ من أرادَ أن يلتحقَ بهذه المهنة القذرة.. وبهذا صار كلُّ من يرغب في الوصول من الكتّاب والمخرجين والممثّلين، يتسابقُ على درب العري والفحش والفجور، ومحاربة القيم والأخلاق.

وبمرور الوقت، ترسّخت شخصيّة البطل الفهلويّ الجاهل السكّير الزاني، والبطلة العارية الداعرة المتحرّرة.. لا دين.. لا أخلاق.. لا ضمير.. لا عقل.. لا علم.. لا ثقافة.. لا إبداع.

-   ومع دوران هذه العجلة، صار كلّ جيل جديد أضعف من سابقه: أقلّ معرفةً وثقافة ووعيا.. أقلّ ضميرا وأخلاقا ودينا.. أقلّ ذكاءً ومهارةً وتدريبا وخبرةً وإبداعا (خاصّةً مع فساد نظام التعليم، الذي أوضحناه من قبل).. وهكذا راح الصفوة يضمحّلون في كلّ جيل، في منحنى تنازليّ مرعب.. إنّ الجيل العلمانيّ الأوّل الذي لا ننكر عبقريّته، لم يُسلّم الراية لجيل أكثر منه إبداعا وعبقريّة، بل عمل على إنتاج أجيال هشّة مريضة، راحت هشوشتها وراح مرضها يزدادان باستمرار.

-   حتّى عندما كان مبدعٌ يخرجُ فلتةً من هذا النظام اللعين، فإنّ الأخطبوطات التي تسيطر على كلّ المنابر الإعلاميّة والثقافيّة والأدبيّة والفنّيّة في البلد، كانت تتجاهله وتهمّشه حتّى يصاب باليأس وينزوي، أو يغيّر اتجاهه ويبيع القضيّة وينتمي إليهم.. فإذا أصر أن يناضل وظلّ "يعافر" رغم كلّ هذا، ينهالون عليه بالنقد اللاذع، ويتّهمونه بالتقليديّة والتقريريّة والمباشرة والخطابيّة والضعف.. فإن لم يفلح ذلك، وأقبل عليه القرّاء، يسارعوا باتّهامه لدى السلطات بالرجعيّة والأصوليّة والإرهاب، وبتحريك الفتن وإشعال الثورات، حتّى يتمّ طرده من (مصر) أو إلقائه في المعتقل!

-   وأخيرا.. نتجت الأجيال المنشودة.. تلك التي لا تعرف المبتذل من الراقي.. تلك التي لا تعرف الرديء من الجيّد.. تلك التي لا تعرف الحرام من الحلال.. أجيال كلّ همّها عورة العارية، وقصص الحبّ الساذجة، والنهايات المكرّرة السعيدة، وبعض العنف والحركات القتاليّة البلهاء، والكوميديا المبتذلة التافهة!!.. والآن لو افترضنا أنّ الوضع قد تغيّر، فإنّ هذه الأجيال نفسها ستكون بمثابة حجر عثرة أمام أيّ مبدع، فالمثقّفون والمحترمون قد انزوَوا منذ أمد، وقرّروا توفير نقودهم ووقتهم، وقاطعوا السينمات والمسارح، ليأسهم من أن يجدوا بها ما يريدونه!!.. إنّ هذا معناه أنّ إنتاج أعمال عبقريّة يعدّ مخاطرةً جسيمة، في ظلّ الجمهور الحاليّ المشوّه، الذي سيُعرض عن هذه الأعمال لا محالة!!.. هذا مع الأخذ في الاعتبار شكّ ونفور المثقّفين والمحترمين، والذي تصعب إزالته بسهولة!.. ويكفي أن أضرب لك مثلا واحدا: لقد أدّى فيلم "الناصر صلاح الدين" إلى إفلاس شركة آسيا!!.. تخيّل!

آه.. إنّها تركة لعينة من التدميرِ والتخريب، هي نتاج قرن من الزمان، وإن كان تأثيرها الأكبر قد ظهر منذ إنشاء التلفزيون في الستّينيات.. إنّها فيروسات مدمّرةٌ، ما زالت تُلقى في عقول أجيالنا.. تحتضُنهم منذ مولدهم عبر التلفزيون، وتتلقّفهم في صباهم عبرَ التعليم، وتُطلّ عليهم في شبابِهم من كلّ جريدة، وتحاصرُهم في كلّ قصّة ورواية وكتاب وفكرة!!

لا أمل، لا أمل، لا أمل في أيّ إصلاحٍ أو تغييرٍ أو تطوير.. لا أمل في أن نخرج من تبعيّة الغرب ومن الضعف الهوان.. لا أمل في أيّ شيءٍ، ما دامت هذه الزبالة هي غذاء عقول ونفوس ووجدان وضمائر أجيالنا!!!

هووووه.. فليرحمنا الله.

 



[1] لمزيد من التفاصيل، اقرإ المتابعات التي تنشرها سلسلة "آفاق المسرح" عن المسرحيّات الشاذّة التي تعرضها مسارح وزارة الثقافة، واقرإ كتاب (تخريبُ المسرحِ المصريّ: في السبعينياتِ والثمانينيات) لكاتبِه (فؤاد دواره)، ضمنَ سلسلةِ "كتاب الهلال"، العدد 460.

[2] لعلّك تتساءل عن السبب الذي من أجله لم ينل (توفيق الحكيم) جائزة (نوبل).. طبعا لأنّه لم يكتب مثل رائعة (نجيب محفوظ) "أولاد حارتنا" التي أهان فيها كلّ المقدّسات، ولم يراعِ حتّى جلال اللهِ وعظمته، ولا حرمة أنبيائه.. وأرجو منك أن تلاحظ أنّه بمجرّد وفاة (توفيق الحكيم) وفي ظرف عامين تقريبا، تمّ منح اللعين (نجيب محفوظ) جائزة نوبل، مع أنّه قد كتب روايته هذه منذ الستّينات، وحرّمها الأزهر من حينها.. إنّ منحه جائزة (نوبل) في حياة (توفيق الحكيم)، كان سيثير ضجّة وتساؤلات في كلّ مكان بالعالم، ليس فقط في (مصر) والوطن العربيّ.. لهذا كان لا بدّ من الانتظار حتّى وفاته، لأنّ جائزة (نوبل) لا تمنح إلا للأحياء!!.. إنّ هذا هو تقديري للأمر، وهو ما يتّفق مع إعلان (نجيب محفوظ) نفسه بعد فوزه بالجائزة، أنّ أستاذيه (العقّاد) و(الحكيم) كانا أحق منه بالجائزة.. آخر ما أحبّ أن ألفت نظرك إليه، هو أنّ إعجابي بـ (توفيق الحكيم) ينطلق من عبقريّته الفنّيّة الفذّة، دون أن أعنى أنّه لم يكن علمانيّا معظم حياته.. لقد عاش (الحكيم) حوالي 90 عاما، وقد منحه هذا العمر الفرصة لتصحيح بعض أخطائه.. لقد اعترف أنّه عاش 70 عاما لا يصلّي، ورواياته التي تحكي سيرته الذاتيّة يعترف فيها بالزنا والفواحش، وقال في مقال له إنّه في فترات كثيرة في حياته ألحد ثمّ آمن، ثمّ ألحد ثمّ آمن.. عامّة إنّ مردّ أمره إلى الله سبحانه.. أمّا ما يحقّ لنا أن نحكم عليه من خلاله فهو إنتاجه الفنّي الباقي لنا، ومعظمه لحسن الحظّ مسرحيّات رائعة، غالبيّتها بعيدة عن الإثارة الغريزيّة.. ولكن للأسف، ما تمّ تحويله من أعماله إلى أفلام خرج أسوأ من السوء نفسه، إذ يعتوره نفس العيوب العامّة في أفلامنا: العري والفساد والركاكة الفنّيّة، وهو نفسه لم يرضَ عنها، إلا بعدما عاش وشاف المستوى الذي تردّى إليه الأدب والفنّ في (مصر)، لدرجة جعلت من أفلام بدايات السينما المصريّة عبقريّة!!