بين الإبداع والحرية:

بين الإبداع والحرية

بقلم: الأستاذ بدر الشبيب

الإبداع أمر لا يختلف على أهميته اثنان، والاحتفاء بالمبدعين دأب المجتمعات الحضارية، التي تنشد الرقي والتقدم دائما وأبدا.

ولكن كيف يكتسب عمل ما صفة الإبداع؟.. هذا سؤال جوهري، ينبغي على المهتمين بالشأن الثقافي والفلسفي الإجابة عليه، لأنه أصبح أكثر إلحاحا من ذي قبل بخاصة مع ظهور موجة في العالم العربي، ترى الإبداع في الخروج على المألوف والحديثِ في المسكوت عنه، وذلك في مجالين اثنين لا ثالث لهما: الدين والجنس.

فباسم الإبداع وحرية النشر والتعبير، تقذف لنا دور النشر كتابا هنا ورواية هناك، يكون هذان المجالان محورهما، مع كثير من التطاول على حرمة المقدسات والرموز الدينية، وكثير من الإسفاف والابتذال والخروج على الآداب العامة.

وقائمة الأسماء طويلة، تبدأ من المشرق ولا تنتهي في المغرب، ويأتي على رأس القائمة جمع من الروائيين أمثال (حيدر حيدر) في ملعونته "وليمة لأعشاب البحر"، و(محمد شكري) في "الخبز الحافي"، و(منى فياض) في "فخ الجسد"، و(إلهام منصور) في "أنا هي أنتِ"،... الخ.

وأما الكُتّاب فهم كثر أيضا: (نوال السعداوي)، (ليلى العثمان)، (نصر حامد أبو زيد)، (خليل عبد الكريم)... الخ.

ولعل (خليل عبد الكريم) هو آخر المتطاولين في كتابه "فترة التكوين في حياة الصادق الأمين"، حيث يتناول مرحلة ما قبل النبوة في حياة النبي (ص) محاولا النيل من قدسية الرسول (ص)، والتشكيك في كونه مرسلا من عند الله.

والملاحظ أن هؤلاء الكتاب والروائيين يؤسسون لكتاباتهم بمصطلحات تبدو للوهلة الأولى حضاريةً وتقدمية، من مثل الإبداع وحرية النشر والتعبير، وإعادة قراءة النصوص التراثية بما فيها القرآن، بالاستفادة من المناهج التاريخية والمدارس الألسنية الحديثة.

ولكننا حين نتأمل في مجمل إنتاجاتهم، نجدها تهدف أولا وآخرا إلى المسّ من المقدّس الإسلامي وجعله غير مقدّس، وإلى هدم قلاع الحياء والعفة في المجتمع المسلم، وإلا فأي معنى لحصر الإبداع في كلّ ما من شأنه الحطّ من الذوق الجمالي الرفيع، بدلا من أن يكون الإبداع أساسا لتدريب الذائقة وتنميتها؟!

وسؤال آخر يطرح نفسه: هل يحق لكل أحد أن يكتب في الدين ويناقش مسائله، ولماذا يصبح النص الديني مباحا لكل أحد.. ألسنا نعيش عصر التخصص؟!

وأخيرا، لماذا يغضب هؤلاء الكتاب عند رفع دعوى حسبية ضدهم أمام القضاء، إذا كانوا متحضرين فعلا؟!.. أليس التقاضي أسلوبا حضاريا؟!

نحن لسنا ضد الإبداع، ولسنا ضد الاستفادة من المنتجات الثقافية للآخرين، ولا نريد هنا أن نؤسس لفقه المصادرة، ولكننا نريد أن نؤسس منهجا منطلقا من ثقافتنا الإسلامية الأصيلة، في تعريف مصطلحيّ الإبداع والحرية وحدودهما، في نفس الوقت الذي ندعو فيه لإعادة صياغة فقه الحسبة، بلغة عصرية وبثه في أوساط المجتمع.

وهذا التأصيل ضروريّ، لكي نتعرف على قيمة المنفعة والمتعة وغيرهما في تحديد إبداعية العمل، وكذلك للتعرف على الأطر التي تعمل الحرية في حدودها، إذ لا يمكننا الاعتماد على المنهج الغربي الذي يكيل بألف مكيال، فيحتفي بـ (سلمان رشدي) باعتباره مبدعا، ويضيق صدرا بـ (روجيه جارودي) فيسن قانون (جيسو - فابيو) ليقدمه للمحاكمة، لأنه كتب "الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية"، كما لم يتسع صدره لـ (دافيد ايرفنج) المؤرخ البريطاني الذي شكّك في أرقام الهولوكوست!!