لا لتدريس العلاقة الزوجيّة في المدارس:

لا لتدريسِ الجنس في المدارس

 

حتّى نفهم اللعبة أولا:

حينما ثارت زوبعة (وليمة لأعشاب البحر)، تلك الرواية اللعينة التي نشرتها وزارة الثقافة باسم حرّيّة الإبداع، طلع علينا وزير الجنس ـ أو كما يسمّونه وزير الثقافة ـ في برنامج حديثِ المدينة يدافعُ عن هذه الرواية المليئةِ بالألفاظِ القبيحةِ والتهجّمِ على الدين، وأثبتَ لنا مدى ثقافتِه وبعدِ رؤيتِه، حينما أوضحَ لنا أنّ استخدامَ المؤلّف لكلمة "الخراء" ـ لا مؤاخذة ـ هو استخدام فنّيٌّ بعيدٌ عنِ الابتذال!!

وللأسفِ حذف المونتاجُ كلماتٍ أخرى سردها الوزيرُ ممّا وردَ في الرواية، حيثُ يبدو أنَّ معدّي البرنامجِ كانوا أبعدَ نظرًا من الوزير، فقد فهموا أنّ أيَّ دفاعٍ عن هذه الروايةِ المنحطّةِ سيضيعُ هباءً لو سمعَ المتفرّجونَ بعضَ ما وردَ بها، لهذا اكتفوا بدفاعِ الوزيرِ عن "الخراء" ـ لا مؤاخذة!!

ولم يكد يمضي عامٌ واحدٌ حتّى ثارت الضجّةُ حولَ ثلاثِ رواياتٍ أخرى من نفسِ النوعيّة، أصدرتها وزارة الجنسِ وصادرها بوليس الآداب!!.. وكانتِ المفاجأةُ هي أنّ وزيرَ الجنس ـ أو الثقافة.. لا فارق!! ـ أصابته الحميّةُ بدونِ سابقِ إنذار، وأعلنَ على الملإ أنَّ الرواياتِ تمتلئ بكلامٍ بذئٍ وفاضحٍ لا يستطيعُ أحدٌ أن يقرأهَ على ابنتِه أو أختِه، وقامَ بمعاقبةِ المسئولينَ عن نشرِها وغيّرَ كثيرًا منهم.. وللمرّةِ الثانيةِ ظهرَ علينا في برنامج "حديثِ المدينة" ليعلنَ أنّه قد حذّر هؤلاءِ المذنبين من قبلُ عندما ثارت أزمة "وليمة لأعشابِ البحر"، ولكن يبدو أنّهم لم يرتدعوا!!.. ولا أدري متّى ولا كيف حذرّهم، وهو بنفسِه الذي كان يدافعُ عن الروايةِ وعنِ "الخراء" ـ لا مؤاخذة ـ في نفسِ البرنامج!!

ثمّ لم يكد يمضي أسبوعٌ، حتّى فاجأ وزيرُ الجنسِ المحروسةَ كلّها برغبتِه في تدريسِ ما أسماه بالثقافةِ الجنسيّةِ في مدارسِنا، متذرّعا بكلِّ بساطةٍ بأنّنا كلّنا أولادَ جنس ـ ابن الجنس!!

ويجبُ هنا أن تنتبَه إلى النقاطِ التالية:

-   الرواياتُ الأربعُ التي ثارت حولها الضجّتانِ هي غيضٌ من فيضٍ متدفّقٍ من الرواياتِ والقصصِ الفاضحةِ والمبتذلةِ والركيكةِ التي تنشرها قصور الثقافة عبر كلّ أنحاء الجمهوريّة منذ سنواتٍ طويلة، والتي وصلَ بها حدُّ السفالةِ والفجرِ للخوضِ في الشذوذِ وزنا المحارمِ وتسفيهِ المقدّسات.. فأينَ كانَ وزيرُ الجنسِ طوالَ كلِّ هذا؟.. لو كانَ يعلمُ فتلكَ مصيبةٌ، ولو كانَ طرطورًا لا يعلمُ فالمصيبةُ أعظمُ!!

-   كانَتِ الأقلّيّةُ الإسلاميّةُ في مجلسِ الشعبِ هي أوّلَ من اندهشَ من تمريرِ استجوابِها حولَ الرواياتِ إلى مجلسِ الشعب، فهناكَ عشراتُ الاستجواباتِ الأخرى تتناولُ مواضيعَ أهمّ تمَّ تجاهلها كما هي العادة.. فلماذا هذا الموضوعُ بالذات؟!.. والأدهى أن يتراجعَ الوزيرُ أمامَهم ويعاقبَ المخطئين، في سابقةٍ هي الأولى نوعِها في مصر، لدرجةِ أنَّ الصحفَ رسمتِ الوزيرَ بعمامةٍ ولحية، واتهمته الاتجاهاتُ العلمانيّةُ بالتواطؤ مع الاتجاهاتِ الإسلاميّةِ كرشوةٍ سياسيّة!!

-   وإذا كانَ وزيرُ الجنسِ يغارُ على بناتِنا وأخواتِنا من بعضِ الألفاظِ الفاضحةِ في رواياتِ وزارته، فكيفَ يسمحُ لمهرجانِ القاهرةِ السينمائيِّ الدوليِّ بعرضِ أفلامٍ بها عريٌ وجنسٌ وشذوذ في سينماتنا؟!!!!!.. لقد كانت إجابتُه حقًّا بليغة: إنّه مهرجانٌ دوليٌّ ولا يحقُّ لنا التدخّل فيه!!.. وعجبي!!

-   هل مصادفةٌ أن تعلنَ الأخبارُ في التلفازِ والجرائدِ، أنّ البنكَ الدوليَّ سيمنحُ مصرَ معونةً تقدّرُ بأربعينَ مليارا من الدولارات، لتطوير التعليم والتنمية الاقتصاديّة، في نفسِ التوقيتِ الذي أعلنَ فيه وزيرُ الجنسِ أنّه سيدرّس الجنسَ بالمدارس؟؟!!!!

هل تأمّلتَ هذه المعطياتِ جيّدًا؟.. هل تراودكُ نفسُ الأفكارِ التي تراودني؟.. تخيّل معي هذا السيناريو:

-       تعاني مصر من أزمةٍ ماليّةٍ وركودٍ منذ عامِ 2000، ولا بدّ لها من طلبِ المعونات.

-       يشترط البنك الدوليّ أن يتمّ تدريس الجنس بالمدارس، على أن يمنح (مصر) أربعينَ مليارا من الدولارات.

-   لا تجدُ القيادة السياسيّة مفرّا.. ولكنّ تمرير داهية كهذه يحتاجُ لتخطيط معقّد.. لهذا يجبُ توزيعُ الأدوارِ كالتالي: وزير الجنس يقترح، ووزير الإعلام يروّج، ووزير التعليم يطبّق.. وفي النهاية يبدو أنّ هؤلاء الطراطير الثلاثة أمامنا كأنّهم المسئولون الأساسيّون!

-   وحتّى يبدو وزير الثقافة كالغيور على الدينِ في نظر البسطاء، تمّ تمرير استجواب الروايات الثلاثة، الذي استقبله الوزير بحميّة عجيبة، وأعلنَ في وجه كلّ معارضيه بقوّة إنّ لهذا المجتمع أخلاقا وأعرافا، من أن أرادَ أن يتمرّد عليها فليبحث له عن بلد آخر!!

-   وفي غمرةِ سعادةِ الناسِ بهذه الكلمات، يقترح الوزير فجأةً تدريس الجنس بالمدارس، معلنًا أنّه لا حياء في الدين، مع أنّ الرسول (ص) يكذّبه في ذلك، حيث قال "والحياء شعبة من الإيمان"!!

-   وحتّى أؤكّد لك أنّ الأمر مدبّر له ولم يكن وليدَ لحظته، سأذكّركَ بأنَّ الوزير أعلنَ على شاشاتِ التلفازِ أنّه قد قرأ المناهجَ وشاهدَ أفلامَ الكارتونِ التي أعدّت في هذا الصدد!!.. وطبعا تحضير مناهجَ وأفلام كارتون يحتاجُ لوقت.. وإن كنّا نعرف أنّها قادمةٌ مع خبرائها من الغرب!!

-   وعلى الفور، بدأت كلّ برامج التلفزيون تلتّ وتعجن في الموضوع، وتمّ زجّ حثالة المجتمعِ من المأجورينَ والمنحرفينَ والكتّابِ الإباحيّينَ ـ الذين كان وزير الجنس ضدّهم منذ برهة ـ ليملئوا التلفاز والصحف بادّعاءاتٍ عجيبة، مفادها أنّ الأزواج في مصر لديهم جهل جنسيّ وممارسات خاطئة، وأنّ المرأة تنفر من العلاقة الزوجيّة لتقزّزها منها، وأنّها لا تحصل على الإشباع في هذه العلاقة.. وهو كلام لا يوجد دليل عليه، ولا يترك لنا سوى ثلاثة احتمالات:

1.  أنّه محضُ افتراءٍ وتلفيق، فلا توجدُ أيُّ إحصائيّاتٍ في هذا الصدد، فهذه أسرارٌ زوجيّةٌ بينَ الرجلِ وامرأتِه، لا مجالَ لإعلانِها على الملإ.

2.  أنّ هذا الكلامَ ينطبقُ على روّادِ العياداتِ النفسيّة، ولا يجوزُ بأيِّ حالٍ من الأحوالِ تعميمه على ملايينِ الأسوياءِ في مصر.

3.    أنَّ هذا هو حالُ من يدّعونَه، وأنّهم لذلك مصابونَ بعقدٍ جنسيّة، يحاولونَ نقلها إلينا!!

-   ولم يقفِ الأمرُ عند هذا الحدّ، بل تمّ جلبَ بعضَ الجهلاءِ ليتحدّثوا باسم الدين، ويعلنوا أنّ تدريس الجنسِ في المدارسِ مباحٌ إن لم يكن فرضًا!!

-   وقامَ وزير التعليم بدوره، فتمّ توزيع النشرات التي توضّح خطّة الوزارة لتطوير التعليم، لاستطلاعِ آراء الطلبة فيها، ومن ضمنها بالطبع موضوع تدريس الجنس بالمدارس!

كانَ هذا هو السيناريو  الذي استنتجته.. ربّما أكونُ مصيبا، وربّما أكونُ مخطئا، ولكنّ الحماسَ المريبَ والحملةَ الإعلاميّةَ وغسيلَ المخّ الذي صاحبَ هذا الموضوعَ يجبركُ على أن تشكّ.. على كلّ حال، صحّ ما استنتجته أم لا، فإنّ الأمر جدّ خطير، ويجب أن نقف أمامه بكلّ حزم.. وفيما يلي بيان أسباب ذلك.. ابقَ معنا فما زال الحفل زاخرا بالفقرات!!

 

الجنس ليس ثقافة.. بل مصيدة!!

أصبح كلّ شيء في حياتنا غربيّا!!

حتّى الغريزة، أصبحنا نعبّر عنها بكلمة (الجنس) التي لم تستخدم في اللغة العربيّة بهذا المعنى قطّ، إلا تقليدا للغرب!

واستمرارا لمسلسل الغربة والتغريب، يطالب البعض بتدريس ما يسمونه الثقافة الجنسيّة لأبنائنا، بحجّة أنّ هذا يحميه من الفواحش المنتشرة عبر الفضائيات والإنترنت!!

وهذا لعمري كلام عجيب:

فبدلا من أن نحارب الإعلام الفاحش، نقول إنّ الطفل صار منفتحا، ويجب أن تواكب التربية هذا الانفتاح!!!

بمثل هذا المفهوم، صار الأب في الغرب يقبل أن تخرج ابنته وتدخل مع من شاءت من أصدقائها، وانعدمت البكارة فوق سن 14 سنة في المدن الكبرى!!!!!

ثمّ هل أفادت هذه الثقافة الجنسيّة المزعومة أطفال الغرب شيئا؟

أمّ أنها أحد أسباب ازدياد الزنا والسفاح والاغتصاب لديهم؟

وماذا تنتظر من وراء تدمير حياء أطفال وطفلات يجلسون في فصل مشترك ويدرسون تفاصيل واحدة من أخطر وأشرس الغرائز البشرية؟

بأيّ عقل تطلبون هذا؟.. بل بأيّ جنون؟

إنّني أطالب بعكس ما تطالبون به..

بأن يعرف الطفل أقلّ ممّا يعرف الآن عن الغريزة!!!

وهنا يجب أن أحكي لكم واقعا مريرا:

فبمجرد دخولي المرحلة الابتدائيّة من التعليم المصريّ، عرفت أكثر ممّا ينبغي من وسط الطلبة.

لم أكن وحدي.. كلّنا كان يتناقل هذه الأمور!!

والنتيجة الطبيعيّة:

أنّني ظللت أحلم بالاتصال الجسدي طيلة حياتي.. منذ أن كان عمري ست سنوات، ولمدّة تجاوزن العشرين عاما!!

وأنا لم أتزوّج..

ولم أزنِ ولله الحمد!

وإن كان ذلك يشكّل عبئا نفسيّا مذهلا بالنسبة لي!!

كيف أعيش ثلث حياتي أتكلّم في أمر، وأسمع حوله النكات، وأقرأ عنه في القصص والروايات، وأشاهد بوادره في الأفلام والمسلسلات، وفي الشارع في أزياء العاريات، دون أن أحصل عليه!!!

فقط: أحلم به وأتمنّاه وأتعذّب به!!!

حتّى قبل أن تكون لديّ شهوات جسديّة.. كانت شهوات نفسيّة..

فضولا وحبّ تجريب!!

فإذا كنت أنا قد صمدت، فقد انهار الكثيرون..

كانوا أطفالا ويزنون.. بل ويشذّون!!!!

وازداد الأمر سوءا بوصولهم إلى مرحلة المراهقة:

تطوّر الأمر إلى الاغتصاب!!!

ولم ينج إلا القليلون..

فحتّى الذين لم ينحرفوا انحرافات غريزيّة إجراميّة، فشلوا في التعليم، وضاعت أعمارهم في اللهاث خلف السراب!!!

لم يذاكروا..

لم يقرأوا..

لم يعرفوا أيّ شيء عن دينهم!!

مأساة بكلّ المقاييس!

هذا بخلاف إسقاط الغريزة على حبّ المراهقة، لإقناع العقل والضمير بمشروعيّة التفكير في الأنثى!!

والآن تريدون رأيي:

لم أكن أتمنّى أن أعرف أيّ شيء..

كنت أريد أن أعيش طفولة بريئة.. لا تحاصرني فيها شهوات لم يعرفها جسدي بعد!!

وأستثمر وقتي فيها في القراءة وتعلّم أساسيّات ديني..

(وإن كنت أثق تماما أنّ ما أنقذني من الانحراف الغريزي، هو أنّي كنت أحفظ القرآن في طفولتي، وإن لم أتمّه)

أنتم تقولون إن الطفل اليوم منفتح..

وأنا أذكّركم أنّ سنّ الزواج يرتفع باستمرار..

فإذا كان طفل الماضي يتعرّف على هذه الأمور في سنّ العاشرة وأعلى، فقد كان يتزوّج في سنّ 16، 18 (في المتوسّط)..

أمّا الآن، فأطفالنا يعرفون هذه الأمور في السادسة (وأقلّ)، ويتزوّجون في الثلاثين!!!!!!

في رأيكم:

من هو ذلك الذي سيصمد كلّ هذا الوقت؟؟؟؟؟

خاصة مع القصف الغريزي المستمرّ عبر الفضائيّات والقنوات الأرضيّة والإنترنت.. وحتّى العاريات في الشارع!!

أنتم قلبتم الأمور..

المنظومة الحاليّة بها خطأ لا يمكن علاجه إلا بتغييرها..

ولنبدأ بالسيطرة على ما يراه الطفل في الإعلام..

وفي هذا الصدد، يجب الابتعاد تماما عن مفهوم البثّ الذي يرسله الآخرون.. مهما كانت توجهاتهم!

يجب على أولياء الأمور أن يختاروا مواد مسجلة، يرونها أولا، ويحذفون منها ما لا يروقهم، ثمّ يعرضونها على أطفالهم، وهم في صحبتهم لمناقشتها معهم.

وطبعا لا يمكن عمل هذا إلا إذا كانت الأم غير عاملة.. موجودة في المنزل!!

أمّا أن أسمح للآخرين، بتشكيل عقل ونفس ووجدان أبنائي، وأنا طرطور..... فلا وألف لا!!!

(على فكرة: عندي الآن مكتبة ضخمة من الأفلام التي قمت بإجراء رقابة لها بنفسي، باستخدام برنامج Windows Movie Maker، وهو موجود على نسخ Windows ME و Windows XP.. ولكن للأسف: لا أستطيع نشر هذه الأعمال على الإنترنت، لكبر حجمها، وحقوق ملكيتها!!.. على كلّ منكم أن يفعل ذلك بنفسه!)

الامر الثاني، هو حتميّة التخلّص منن التعليم الإلزامي، وما يواكبه من متلازمة: زملاء صيع ـ مدرسون فاسدون ـ مناهج عقيمة ـ مراهقة منحرفة ـ بطالة ـ عنوسة!!، وإيجاد شكل تعليم جديد يسمح للمتعلّم بالعمل في نفس الوقت، ويمنحه حقّ ترتيب أولوياته واختيار متى وماذا كيف يتعلّم.

هذه هي الثقافة التي أريد نشرها بين الأجيال الجديدة..

ثقافة العمل، والرجولة والعلاقة الأسرية..

وهي أولى أن نناقشها ممّا تسمّونه بالثقافة الجنسيّة!!!!

هذا هو ما أراه..

وهو ما سيبدو لكم مستحيلا..

ولكن بتفكير بسيط، لن تجدوا أيّ حلول غيره..

إذ كيف أصل إلى شيء، وأنا أسير على محيط دائرة؟؟

يجب أن أكسر هذه الدائرة أولا!!