تأثيراتٌ مضاعفةٌ للإباحيّة: طفولةٌ ملوّثة:

تأثيراتٌ مضاعفةٌ للإباحيّة: طفولةٌ ملوّثة:

إنَّ ممّا يزيدُ الأمرَ خطورةً أنَّ تأثيراتِ الإباحيّةِ لا تقتصرُ فقط على مرحلةِ المراهقة، بل يتسرّبُ خطرُها ليلوّثَ مرحلةَ الطفولةِ أيضًا، ليُنتجَ ما أسمّيه "المراهقةَ المبكّرة".

إنَّ لدى الأطفالِ شراهةً عجيبةً لمشاهدةِ التلفاز.. وبخلافِ أنَّ هذا يقتلُ لديهم الإحساسَ بقيمةِ الوقتِ وأهمّيّةِ تنظيمِه، ويقتلُ لديهم البحثَ عن وسائلَ أخرى للمعرفةِ كالقراءة، ويُقلّلُ من وقتِ اللعبِ بما له من أهمّيةٍ جسديّةٍ ونفسيّةٍ واجتماعيّةٍ للطفل، فإنَّ هذا يضعُهم تحتَ تأثيرِ أناسٍ منحلينَ أخلاقيًّا، يلجئونَ من أجلِ رفعِ أجورِهم للمطِّ في المسلسلاتِ والأفلامِ، عن طريقِ اللتِّ والعجنِ في مشاهدِ الحبِّ، المبنيِّ أساسًا على مفاهيمَ مراهقةٍ عبيطة، لا مكانَ للعقلِ فيها ولا للضمير، ولا تخرجُ عن الإعجابِ الشكليِّ، المقترنِ بحالةٍ متردّيةٍ من البلاهة، مع تكرارِ نفسِ المشاهدِ والحوارات، بطريقةٍ تجعلُ الطفلَ يُبرمجُ عليها، ويسعى لتقليدِها![1]

ليس هذا فحسب، بل إنَّ الأمرَ يتجاوزُ هذا إلى الجنس: فمن مشاهدِ الشهوةِ والشبقِ، إلى مشاهدِ الإثارةِ والعري والرقص، إلى الأحضانِ والقبلاتِ ومشاهدِ الفراش!!

هل تدركُ النتيجةَ الطبيعيّةَ التي تنجمُ عن تعرّضِ الطفلِ المستمرِّ لمثلِ هذا الإفساد، مع ميلِه الفطريِّ للتقليدِ وفضولِه الرهيب؟؟

لكي تتّضحَ هذه النتيجةُ يجبُ أن أحكي لكم ـ إن كنتم تجهلونَ ـ عمّا يجرى وسْطَ الأطفالِ في المرحلةِ الابتدائيّةِ من التعليم، وسأبدأُ هنا بما رأيتُه بنفسي:

1-   كنّا نتحدّثُ في الجنسِ من الصفِّ الأوّلِ الابتدائي!!

2-   منذ الصفِّ الثاني الابتدائيّ كانَ لكلٍّ منا فتاةٌ يُحبّها!!

3-   في الصفِّ الثالثِ الابتدائيّ، قامَ أحدُ الأطفالِ بتقبيلِ زميلةٍ لنا على حينِ غرّةٍ منها.. وفي الفصل!!

4-   منذ الصفِّ الثالثِ الابتدائيِّ وعددٌ لا يُستهانُ به من الطلبةِ يدّعونَ أنّهم يزنون!

5-   أحيانًا كان يتمُّ ضبطُ طفلينِ يحاولانِ ممارسةَ الشذوذِ الجنسيّ!!

6-   عددٌ لا يستهانُ به من الطفلاتِ، كنَّ سيئاتِ السمعة، وتُحاكُ حولَهنَّ الأساطير!!

7-   المتمرسونَ في الصياعةِ كانوا يحاولونَ التدخين.

8- غالبيةُ أحاديثِنا كانت تدورُ حولَ الحبِّ والجنسِ والنكاتِ الجنسيّة، وكنا نتناقلُ آخرَ أخبارِ القبلاتِ والأحضانِ والراقصاتِ وما انكشفَ وما استتر، مما نراه في التلفاز!!

و غيرُ ذلكَ الكثير.

قد تقولُ إنّها حالةٌ فردية، أو أنّني كنتُ في وسطٍ منحلّ، ولكنّي أؤكدُ لك أنّها ليست كذلك، فبخلافِ أنّي نشأتُ في قريةٍ ـ والقرى أكثرُ هدوءًا وتماسكًا أسريًّا من المدينة ـ وكنتُ من الطلابِ المتفوّقينَ دراسيًّا، وكنتُ أحفظُ أجزاءً من القرآنِ الكريم في طفولتي، فقد رأيتُ مثلَ هذا الانحلالِ ينطبقُ على غالبيةِ من أعرفُهم ممن تربّوا جيّدًا، فمجرّدُ وجودِ تلميذٍ فاسدٍ في بيئةِ المدرسةِ كفيلٌ بإفسادِ كلِّ من يحتكُّ به، وبهذا يتحوّلُ جوُّ المدرسةِ إلى بيئةٍ لـ "تصييعِ" من لم يتكفّلِ التلفازُ والشارعُ معه بذلك!!

والمشكلةُ أنّه ليس تلميذًا واحدًا.. إنّهم كلُّ أولئك الذينَ انشغلَ عنهم آباؤهم وأمهاتُهم بجمعِ المال، وتركوهم للتلفازِ والشارعِ والمدرسةِ لتحدّدَ لهم قيمَهم.

ليس هذا فحسب، فالأمرُ يمتدُّ ليشملَ المدرسين، الذينَ يُمثّلونَ كلَّ شرائحِ المجتمع، والقليلُ منهم فاضلٌ، والكثيرون جهلةٌ ينقلونَ ما يجدونَه في الكتبِ كما هو ـ إن استطاعوا أن ينقلوه ـ أو غيرُ أسوياء مضطربونَ نفسيًّا يضربونَ التلاميذَ ضربًا غيرَ آدميّ، أو منحطّونَ أخلاقيًا يردّدونَ الألفاظَ النابيةَ أو النكاتِ البذيئةَ في الفصل، أو منعدمو الضميرِ يستخدمونَ كلَّ الوسائلِ لاجتذابِ التلاميذِ للدروسِ الخصوصيّة!!

هذا بخلافِ ما ذكرناه سابقًا، أنَّ منهم ـ وإن كانوا قلّة، ولكنّها موجودة ـ من يتحرّشُ بتلميذاتِه جنسيًّا، على الأقلِ عن طريقِ الملامساتِ غيرِ البريئة!!

حتّى شبهُ الأسوياءِ منهم، يلقّنُ التلاميذَ الإجابةَ في الامتحان، من أجلِ أن تخرجَ نتيجةَ فصلِه مرتفعة، فيُنسبُ له الاجتهاد!![2]

وبالطبعِ فإنَّ الصالحَ والطالحَ من هؤلاءِ المدرسينَ، ينظرُ إليهمُ الأطفالُ على أنّهم قدوة!

هذا هو مجتمعُ المدرسة، الذي هو بيئةٌ خصبةٌ لتخريجِ المنحطّينَ والفاسدينَ والمجرمين.. غنّيٌّ عن الذكرِ أنَّ كثيرًا ممن كانوا معي بالمرحلةِ الابتدائيّةِ مجرمونَ الآنَ بالفعل.. رسميًّا![3]

 



[1] يتضح من هذا بالطبع ماذا سيحدث لو تمّ تدريس ما يسمّى بالثقافة الجنسيّة لأطفالنا.. باختصار: سنضمن أنّ نسبة 100% من أطفالنا سيواجهون أعراض المراهقة المبكّرة، نظرا لاستعار فضولهم، ممّا سيجعل هذا الأمر محور حياتهم، في محاولة لمعرفة كلّ خباياه ثمّ تجربته!!.. إنّ هذا سيكون تدميرا تامّا لما بقي في هذا البلد من أخلاق وقيم وشخصيّات سويّة.. وانظروا لمجتمعات الغربيّة التي تمّ تدريس الجنس بها، وما يشيع فيها من إباحيّة وزنا واغتصاب وشذوذ إدمان وجريمة وأمراض نفسيّة وانتحار!!!!!

[2] أذكرُ مرّةً أنَّ مدرّسًا جعلني أقفُ في لجنةِ الامتحانِ في إحدى سنواتِ المرحلةِ الابتدائيّة، لأقرأَ لزملائي إجابتي عن أحدِ أسئلةِ الحساب!!

[3] ملاحظتان:

1-   يجبُ أن ألفتَ نظركَ أنّني كنتُ في المرحلةِ الابتدائيّةِ من 1983 إلى 1989، ولم يكنْ الدش قد ظهرَ على الساحةِ بعد، ولا انتشرَ الحاسبُ الآلي ولا الإنترنت، ولم يكن منسوبُ الإباحيّةِ في التلفازِ والسينما قد وصلَ إلى ما وصلَ إليه الآن.. على سبيلِ المثالِ لم تكنِ الراقصاتُ من أبطالِ المسلسلات، ولم يكن مهرجانُ القاهرةِ السينمائيُّ الدوليُّ يعرضُ أفلامًا عارية وشاذّة!!

لهذا فأنا عاجزٌ تمامًا عن تخيّلِ مدى التردّي الذي وصل إليه وضعُ الأطفالِ في هذه الأيّام!!

وعلى هذا فأنا أقترحُ على الأكادميّينَ من الباحثينَ أنت يُجروا دراساتٍ ميدانيّةً وإحصائيّةً ليخبرونا بالضبطِ كيف تنشأًُ أجيالنا الجديدة.. الضائعة!

2-   هذه هي ضريبةُ المجانيّةِ المزعومةِ في التعليم، والمساواةِ اللعينةِ التي فرضتها علينا الاشتراكية، حيثُ "يتساوى" في مدارسِ الحكومةِ من تربّوا في بيوتِهم جيّدًا، مع من لم يلقوا الرعايةَ والرقابةَ الكافيةَ في بيوتِهم، وبهذا يختلطُ الصالحُ بالطالحِ ويفسدُ الجميع!!.. إنّني من أشدِّ أنصارِ خصخصةِ التعليم، ليسَ فقط لأنَّ مدارسَ الحكومةِ مزدحمةٌ وضعيفةٌ الإمكانيّات، ولا لأنَّ مدرسيها ضعيفوا المستوى، ومن يُعاقبُ منهم يتمُّ نقلُه لمدارسَ منكوبةٍ أخرى.. ولكن لأنَّ المستوي المادّيَّ يحدّدُ الشريحةَ الاجتماعيّةَ التي ينتمي إليها التلميذ، وبالتالي يحدّدُ درجةَ الرعايةِ التي يلقاها بالبيت.. فإذا ما ابتعدنا عن الطبقتينِ الفقيرةِ والمرفّهة، فإنَّ هناكَ أملا أن يكونَ أبناءُ الطبقةِ المتوسّطةِ على درجةٍ معقولةٍ من التربية!