الفصل الحادي عشر

ستالين

 

لم يقدر لزوج ستالين الثاني التوفيق، لأنه التقي بامرأة يهودية حسناء اسمها روزا كاغنوفيتش.. ويقال إنه كان يعاشرها عندما أقدمت زوجتة الثانية ناديا علي الانتحار.. ومن المعتقد أن انتحار ناديا لا يعود إلي قصص ستالين الغرامية فقط، بل إلي الأسى الشديد الذي أصابها، بسبب قسوة زوجها في القضاء وعلي عدد كبير من خصومه، الذين كانت تري فيهم إخوة لها في الدين بينما يراهم هو منحرفين.

وكان شقيق روزا ـ ويدعي لازار كاغونوفيتش ـ صديقا مقربا لستالين، الذي جعله عضوا في المكتب السياسي "البوليتبيرو"، وبقي كذلك حتى وفاة ستالين.. وقد برهن لازار عن مقدرته في الإشراف علي الصناعات الثقيلة، عندما قام بتطوير حقول دونيتز بازين البترولية وإنشاء اوتوستراد موسكو.. وقد تزوج ابنه ميخائيل ابنة ستالين (سفيتلانا) في 15 تموز 1951.. وكانت سفيتلانا متزوجة من شخص آخر عندما تقرر هذا الزواج.. ولم يعلم أي شيء عن مصير الزوج الأول، سوي أنه قد انزاح عن الطريق فجأة، تماما كما فعل ستالين عندما تزوج روزا بعد أن أزاح زوجته الثانية، أو بعد أن أزاحت هي نفسها!!

وبالإضافة إلي زواج ستالين من يهودية، فإن نائبه مولوتوف هو أيضا قد تزوج من يهودية، وهي شقيقة سام كارب ـ الرأسمالي الأمريكي الكبير، صاحب شركة الاستيراد الضخمة "كارب اكسبورتنغ" ـ ثم خطبت ابنه مولوتوف إلي ابن ستالين فاسيلي في عام 1951.. وهكذا نري أن المكتب السياسي "البوليتبورو" كان إلي حد ما بيد أسرة ستالين والمقربين إليها.

وقد توصل ستالين إلي أن يصبح في الطبقة العليا للحزب الثوري الروسي، لأن معظم القادة المرموقين في المراحل الأولي من الثورة الشيوعية كانوا داخل السجون.. ولم يترقّ ستالين إلي أي مركز خلال ديكتاتورية لينين، إلا إنه في الفترة الأخيرة من حكم لينين، بدأ يتقدم الصفوف الأولي.. وعندها بدأ الصراع بينه وبين تروتسكي وغيره من بعض اليهود الخصوم.. وانتهي هذا الصراع باستلامه الحكم، الذي لم يتخل عنه حتى وفاته.

في عام 1927 حاول تروتسكي القيام بانتفاضة ضد ستالين، متهما إياه بالانحراف عن الإيديولوجية الماركسية والنزوع إلي إقامة دكتاتورية استعمارية توتاليتارية كبديل للإتحاد الأصيل للجمهوريات السوفياتية الاشتراكية.. وهنا قام ستالين بحملة تطهير، قضى فيها علي عدة ملايين، كما أرسل عددا مماثلا إلي المنفي والأشغال الإجبارية.. وهكذا كانت نهاية العديد من قادة الحركة الثورية منذ الأممية الأولى، أن يلاحقوا حتى الموت أو السجن.. ومن بين القادة الذين تخلص منهم ستالين: تروتسكي، زينوفييف، كامينيف، ومارتينوف وزاسوليش، ودوش وبارفوس، واكسلرود، وراديك وبورتزكي وسفيردلوف، ودان، وليبر، ومارتوف.. ولم يبق من المقربين اليه عند وفاته، إلا لازار كاغانوفيتش صهره، وروزا زوجته الثالثة.

***

سار ستالين علي سياسة لينين في إنشاء عالم الشيوعية بين خطي عرض 35 و 45 من النصف الشمالي للكرة الأرضية.

كانت خطة ستالين تقضي بألا يورّط قواته المسلحة في حرب مع الدول الأخرى، وأن يسير علي سياسة إشعال الثورات جنوبي الاتحاد السوفياتي بين خطي عرض 35 و 45.. وقد أعطت هذه السياسة ثمارها بسرعة، لأنه عند وفاة ستالين كانت الشيوعية قد سيطرت علي نصف المنطقة المذكورة، كما أن نصف سكان الأرض كانوا قد وقعوا تحت التأثير الشيوعي.

((تذكر القمع والاضهاد والتهجير الذي أصاب المسلمين في الجمهوريات الإسلامية التي احتلتها روسيا، للقضاء على دينهم ولغاتهم وتراثهم.. هذا بخلاف الثورات الاشتراكية التي دمرت مجتمعاتنا في نصف القرن الماضي، وما زلنا ندفع ثمن كوارثها حتّى اليوم!!))

هذا وقد حافظ ستالين علي خطة لينين بالبدء بأسبانيا في عملية التحويل إلي الشيوعية، لأنه هذا سيجعل من السهل تعريض فرنسا وبريطانيا للسيطرة الشيوعية، وتصبح بعد ذلك ألمانيا بين فكي الكماشة.. وإذا حدث ما يمنع وقوع أسبانيا تحت السيطرة الشيوعية، فإن حادثا كهذا سيكون من الأسباب المساعدة علي نشوب حرب عالمية ثانية.

وعندما كان ستالين يعد للثورة الأسبانية، شارك مشاركة فعالة في الحرب الاقتصادية، التي كانت تدور رحاها بعد توقيع الهدنة عام 1918. فقد ظهرت طبقات ذات غني فاحش بعد الحرب العالمية لعدم مشاركتها في الحرب، كما أن شعوب الدول الحليفة عاشت برخاء زائد في السنتين اللتين تلنا الحرب.. ولكن قبل أن يتمكن المستثمرون من استثمار أموالهم بعد أوصلوا إلي القمة، سحبت أموال طائلة من الأسواق، وحددت الاعتمادات في البنوك، وبدأت عملية المطالبة بالديون تشتد.. وكانت هذه المأساة الصغرى التي كان يعيشها العالم بين 1923 و 1925، والتي كانت مقدمة للمأساة الكبرى التي خططت لها القوى لتكون عام 1930.

هذا وقد حدثت المأساة الكبرى هذه، بعد أن تغيرت السياسة المالية عام 1925، وعاد الرخاء يتقدم بخطي واسعة حتى الغني الفاحش في كل من أميركا وبريطانيا وكندا واستراليا.. وعاد الاستثمار عن طريق الأسهم والشركات أقوي مما كان عليه قبل 1925.. عندئذ وقبل انتهاء عام 1929، وقعت الضربة المفاجئة.. ونزلت أعظم مأساة اقتصادية عرفها العالم الحرّ في تاريخه كله.. وكان من نتيجتها أن الملايين من الناس أصبحوا بحاجة إلي لقمة العيش.. وانتحر الآلاف.. وقد وقع اللوم يومذاك علي سوء الإدارة والحكم، الذي جعل من عشرات الملايين من البشر مدقعين في الفقر، ورفع 300 فقط من أصحاب الملايين ليصبحوا من أصحاب "التريليونات".

أما ستالين فقد بدأ خطته الصناعية الخماسية عام 1925، وذلك للعمل علي ما أسماه تحسين الأوضاع الداخلية للدول الشيوعية.. وشملت الخطة استغلال لموارد الطبيعية وتصنيعها وتحسين الوسائل الزراعية وتحديث الصناعة.. وقد موّل هذه الخطة الخماسية المرابون الدوليون، وذلك عن طريق قروض ساهمت مساهمة قوية في تحسين الاقتصاد الروسي وبناء القوة العسكرية الروسية والألمانية معا.

ثم جاءت خطوة ستالين التالية، وهي إنشاء المزارع الجماعية.. وكان الشعب الروسي قد عاش لقرون عديدة أقل من العبيد في الأرض التي كان يستغلها الإقطاعيون، ثم وعدهم لينين بأن يعيشوا عيشة أفضل، حيث انفصل أكثر من مليونين من عائلات الفلاحين عن إقطاعهم، ووزعت الأراضي، وأصبحوا جميعا ملاكا مستقلين.. وفي أول كانون الثاني 1916 ارتفع عدد هذه العائلات إلي 6.200.000 عائلة.

ولكن الحظ السيء كان يلاحق هؤلاء، لأن الممولين الدوليين كانوا يريدون الحصول علي القروض التي دفعوها للخطة الزراعية ولتموين الجيش الألماني، فأصروا علي التحكم بصادرات وواردات الدول الشيوعية، كما طلبوا بتنفيذ المزارع الجماعية علي أنها الوسيلة الوحيدة لزيادة الإنتاج الزراعي.

وقد سجل التاريخ ما حدث عندما نفذ ستالين بالقوة مشروع المزارع الجماعية، فأكثر من خمسة ملايين من الفلاحين واجهوا الإعدام أو ماتوا من الجوع، لأنهم رفضوا تنفيذ المشروع أو حاولوا الوقوف في وجهة.. كما أن أكثر من خمسة ملايين غيرهم تم نقلهم إلي سيبيرا لكي يقوموا بالأعمال الإجبارية.. بل أكثر من هذا، هو أن القمح الذي صادره ستالين من الفلاحين تم بيعه للمرابين الدوليين، ليضاف إلي كميات القمح الأخرى التي اشتراها هؤلاء من بلدان أخري.. وكان الغرض من هذه العملية هو تعويم السواق العالمية بهذه المادة الأساسية وبشكل رخيص، وذلك للمضاربة علي القمح الأمريكي والكندي، كي يكسد ولا يجد الأسواق التي تشتريه.. كما أن المرابين قاموا بضربة أخري للّحوم والمواشي الكندية والأميركية، وذلك عن طريق شراء كميات ضخمة من اللحوم المبردة والمعلبة من الأرجنتين وغيرها من البلدان المنتجة للحوم.

وبين عامي 1920 و 1929 خفض الممولون الدوليون أسعار الشحن في سفن جميع الدول تقريبا، ما عدا بريطانيا وأميركا وكندا.. فكان من نتيجة هذه القرصنة التجارية، أن استحال علي السفن من هذه البلدان الثلاثة أن تنافس أسعار الشحن في السفن الأخرى، فرابطت آلاف السفن التجارية في موانئها، وتوقفت عملية التصدير بشكل لم يعرف من قبل.

في نفس الوقت الذي كان ميزان الصادرات في الدول الحليفة يهبط بشكل عجيب، كان هناك ارتفاع مقابل في عملية الاستيراد من كل من ألمانيا واليابان ودول أوروبا الوسطي.. وهكذا ساءت الحالة في البلدان الحليفة.. ففي كندا مثلا يعتمد خمسة من كل ثمانية من أصحاب الدخل بطريقة مباشرة أو غير مباشرة علي عملية التصدير.. وإذا انخفض ميزان التصدير، تبعه مباشرة انخفاض وانتكاس تجاري.. ذلك أن القدرة الشرائية لخمسة من كلّ ثمانية من أصحاب الدخل تنخفض.. يؤثر هذا أيضا علي كل من يعتمد علي الخدمات بأنواعها كوسيلة لكسب عيشه.. وإذا بقي هذا الانخفاض في ميزان المدفوعات علي حاله أو توقفت الصادرات، فإن الانتكاس التجاري يتحول إلي أزمة ويتدهور إلي مأساة.

وحتى يتأكد أصحاب المؤامرة العالمية من انزلاق الهيكل الاقتصادي للدول الحليفة إلي الهاوية، راحوا يعوّمون الأسواق العالمية بالقمح واللحم بأسعار منخفضة جدا وأقل من كلفة الإنتاج في كل من كندا وأميركا واستراليا.. فكان من نتيجة هذا التعويم أن فاضت مستودعات القمح في الدول الحليفة ولم تتمكن من بيعه، بينما كانت شعوب بعض الدول تموت جوعا لحاجتها الماسة للخبز واللحم.. وكانت بريطانيا تعوض الفرق السنوي الشاسع بين ميزان الصادرات والواردات بخدماتها فيما وراء البحار، حيث تكسب ما يعادل 85 مليون جنيه إسترليني.. ولكنها أصيبت بضربة قاسية جدا عندما منعتها المنافسة غير العادلة من الحصول علي هذا المبلغ.. هذا وقد استغل المرابون العالميون هذه الأزمة الاقتصادية المصطنعة لخلق جو من التنافر والخلاف بين مختلف دول الكومنولث، وذلك بهدف إضعاف الإمبراطورية البريطانية وتفكيكها.

ماذا كانت هذه الحرب الاقتصادية؟.. ركود شديد في تجارة وصناعة وزراعة الدول الحليفة والدول الرأسمالية، وفي نفس الوقت ازدياد شديد وتوسع هائل في نشاط الدول الشيوعية ودول حلف المحور..

وهكذا أخذوا يهيئون الوضع الدولي لقيام حرب عالمية ثانية في الوقت الذي يريدونه.