مجلس الأمن:
بغض النظر عما يُمثّله من أنظمة وقوانين وقرارات تأخذ طابع العدالة والإنصاف، فالتطبيق في الواقع يختلف كليا ويأخذ طابع الجور والظلم، كما هو الحال مع فلسطين والعراق من جانب وإسرائيل من جانب آخر.. فالقرارات ملزمة للجانب الأول وغير ملزمة للجانب الثاني.
وخذ إسرائيل وجنوب إفريقيا كنظاميين عنصريين: فالنظام الأول زالت عنه صفة العنصرية بقرار من مجلس الأمن مع بقاء النظام العنصري فيه إلى الآن، والثاني زالت عنه هذه الصفة بزوال النظام.. إنّ هذا لا يُسمّى كما يحلو لبعض الغافلين ازدواجية في التعامل أو الكيل بمكيالين، فالحقيقة هي أن مجلس الأمن الخاص بالأمم المتحدة هو مجلس أمن يهودي عالمي، وبالتالي ليس هناك ما يُسمّى بمعيارين أو مكيالين، بل هو معيار واحد ومكيال واحد يقيس كل الأشياء وفق الرؤى اليهودية الإسرائيلية، فهو الذي أوجد دولة إسرائيل وهو الذي حافظ على بقائها وإدامتها.
لنطرح هذه التساؤلات: كم كان عدد الدول التي كانت قلقة بمصير اليهود؟ وما الداعي لوجود دولة لليهود بما أن اليهودية ديانة وليست قومية؟ ومن قال بأن القومية تعطي الشرعية لإقامة دولة؟ فهناك الأكراد والأرمن وألبان كوسوفو وغيرهم الكثير، ممن هم متواجدين على أراضيهم.. فلماذا لم يُوجد لهم مجلس الأمن دولا؟! وبدلا من ذلك يتغاضى عن إبادتهم وقمعهم، خاصة إذا كانوا مسلمين كالبوسنة وكوسفو والشيشان، أو أعداءً لدولة حليفة لليهود كأكراد تركيا.. وعندما يتعلّق الأمر بالعراق يُصبح الأكراد في الشمال مسألة إنسانية تُقلق مجلس الأمن!!
فما مصلحة أمم العالم قاطبة ومجلس أمنها في إنشاء دولة لليهود، خاصّة مع وجود الأنظمة العلمانية في معظم دول العالم حتى في معظم الدول الإسلامية والعربية، إلا أن يكون هذا المجلس هو مجلس أمن يهودي بحت؟؟!!
ولكن كيف تحصّل اليهود على ذلك؟
الجواب بسيط جدا، فهم قادرون على ضمان الأغلبية لإصدار أي قرار يرغبون بتمريره، من خلال العمل من خلف الستار بالترغيب والترهيب الاقتصادي والسياسي لأعضاء مجلس الأمن، بالإضافة إلى إيجاد حق النقض (الفيتو) للدول دائمة العضوية، منها ثلاث دول مؤيدة لإسرائيل بالسيطرة الاقتصادية، مع أن واحدة تكفي لتعطيل أي قرار لا يخدم المصالح اليهودية، ودولتان لا يُرتجَى منهما خيرا وهما روسيا والصين، اللتان غالبا ما كانتا تتماشيان مع الرغبة الأمريكية نتيجة الاسترضاء السياسي، كغض الطرف عن ممارسات هاتين الدولتين، فيما يخصّ مثلا حقوق الإنسان في الصين، أو اضطهاد الشعوب المُجاورة والأقليّات العرقية أو الدينية في روسيا، بالإضافة إلى الإغراء الاقتصادي متعدد الأوجه.
وفي حال فكّرت إحداهما في استعمال حق النقض على قرار يخدم إسرائيل، فإنّها تصبح دولة نازية ولا سامية، وتبدأ الآلة الإعلامية اليهودية العالمية بالطبل والزمر، فالأمور تصبح محسومة مسبقا!!
ومؤخرا كُشف النقاب عن هذه السياسة علنا، عندما هدّدت أمريكا دولة كولومبيا المستضعفة بفرض مقاطعة اقتصادية، عندما صوّتت لصالح إرسال قوة حماية دولية للفلسطينيين.
ولنأخذ على سبيل المثال القرارات الخاصة بالعراق، فمعظم هذه القرارات اتُخذت بالإجماع بحجة مخالفة العراق للقانون الدولي آنذاك، وطريقة تأمين الإجماع تمت كما هي العادة بطريقة آلية من خلال النشاط الملحوظ للديبلوماسية اليهودية الأمريكية من وراء الستار، ومن أمام الستار أحيانا بجولات مكوكية.. فمعظم دول مجلس الأمن إمّا حليفة أو صديقة أو مديونة أو منهارة اقتصاديا.