رأي الشعراوي في عمل المرأة:

رأي الشعراوي في عمل المرأة:

 

س: هل نصّت شريعة الإسلام على تنظيم عمل المرأة في المجتمع العام؟.. وما هي الوظائف التي سمح الإسلام لها بالعمل فيها؟

 

جـ): ينبغي أن نعلم أنه لو اتحدت مهمة الجنسين ما كان هناك ضرورة في أن ينقسم الجنسان إلى نوعين: ذكر وأنثى.

ولنضرب لذلك مثلاً بآية كونية موجودة في الوجود هي الزمن. فالزمن هو وعاء الأحداث.. تحدث فيه الأحداث وهو قسمان: ليل ونهار.. الزمن كجنس: وعاء للأحداث، وكنوع فالنهار له مهمة، والليل له مهمة.. إن قلت: أساوى مهمة الليل بمهمة النهار أو العكس، أكون قد أفسدت نظام الكون.. لأن الليل يخلق لمهمة، والنهار لمهمة.

حينما ترى جنساً انقسم إلى نوعين، خذ خصائص مشتركة في الجنس ثم خذ خصائص مختصّة بكل نوع.. وحينما أراد الله أن يبرز تلك القضية.. قال انظروا إلى قضية في الكون غير مختلف فيها، وهي الليل والنهار.. وحينما نسأل مثلاً علماء النبات يقولون: ضوء الشمس له عمله بالنسبة للنبات، والليل له مهمة بالنسبة للنبات.. النبات يمتص بالنهار ثاني أكسيد الكربون المطلوب في الوجود، إذن الليل له مهمة وجودية حياتية، والنهار له مهمة وجودية حياتية، لو أنك حاولت أن تقول: إنهما متعاندان. أقول: لا.. هما متكاملان، ولا يتعاندان.

إذن لكل منهما مهمة، ولا يصح أن أكلف نوعاً بمهمة الآخر، وإلا اختلت قضية الوجود. فالله بين أن المقدمة المقطوع بها من كونية حياتنا هي وجود الناس، ثم أتى عليها بقضية الرجل والمرأة.. كيف؟.. قال: إنهما مثل الليل والنهار، وهما جنس واحد وهو الإنسان ولكنهما نوعان: ذكر وأنثى.. إذن لهما كإنسان خصائص مشتركة لا يختلفان فيها ولكنهما نوعان: ذكر وأنثى.. إذن لهما كإنسان خصائص مشتركة لا يختلفان فيها، ولكنهما كنوعين لكل نوع منهما مهمة.. اقرأ قول الله تعالى: {واللَّيْل إذا يغْشى والَّنهارِ إذا تجلَّى وما خلَق الذَّكر والأنثَى إنَّ سَعْيكم لشَتَّى}. أي أنّ كل نوع له مهمة في الوجود.. إذا حاولت أن تأخذ مهمة الرجل للمرأة أو العكس تكون قد أخللت بقضية الوجود، وإلا ما كان هناك ضرورة لأن يكونا نوعين: والخصائص المشتركة للجنس.

ربنا قال: الرجل والمرأة من جنس واحد... من مادة واحدة: {وجعَلَ مِنها زَوْجَها}. وليس كما قالت المذاهب أو الأديان الأخرى: إن الشيطان خلق المرأة أو إله الشر، والرجل خلقه إله الخير.. لا.. الإسلام قال: إنهما من جنس واحد.. هذا هو التكوين في الأصل ثم قال الإسلام بعد ذلك: إنهما واحد في المسؤولية.. كإنسان.. المرأة مسؤولة عن عملها.. والرجل مسؤول عن عمله ثم يوضح ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلّم فيقول: «الرجل راع ومسؤول عن رعيته والمرأة راعية ومسؤولة عن رعيتها» ومسؤولين أمام الله: {مَنْ عَمِلَ صَالحاً من ذَكَرٍ وأُنثَى وهُوَ مُؤمِنٌ}. وقلنا أيضاً: إن المرأة لها حرية في العقيدة تعتقد ما تشاء، لكن إذا اعتقدت لا بد أن تلتزم.... لها حرية في الدخول في الإيمان أو لا تدخل، لا تدخل الإيمان تبعاً لزوجها أو لأبويها، والله ضرب مثلاً بامرأة نوح وامرأة لوط.. فنوح ولوط كانا رسولين وبالرغم من ذلك لم يستطيعا إدخال زوجتيهما في دينهما: {ضَربَ اللَّهُ مثلاً للَّذينَ كَفروا امرأتَ نُوحٍ وامْرأتَ لُوطٍ كانَتا تحتَ عَبْدينِ من عِبادِنا صالحيْنِ فخَانتاهما فلَم يُغْنيا عنهُما من اللَّهِ شيئاً وقِيل ادخُلا النَّار مع الدَّاخِلين} ثم جاء من الناحية المقابلة للإيمان: {وضَرَب اللَّهُ مثلاً للَّذينَ آمنوا امْرأتَ فِرْعون} الذي ادعى الألوهية ما استطاع أن يرغم امرأته أبداً أن تعتقد فيه أنه إله: {إذْ قالتْ ربِّ ابْنِ لي عِندكَ بَيتاً في الجنَّةِ ونَجِّني من فِرْعونَ وعَملِه ونجِّني من القَوْمِ الظَّالمين} إذن للمرأة حرية في العقيدة.

ولقد أعطى الإسلام للمرأة حقوقاً مدنية كاملة ليست في أي دين آخر.. المرأة اليهودية كانت قبل الزواج تابعة الولاية لأبيها لا تتصرف في أي شيء وبعد الزواج تتبع زوجها، وجاءت القوانين الوضعية حتى القانون الفرنسي في المداة 207 في القرن الثامن عشر، تنص على أن المرأة، وإن اشترطت على الرجل أن تكون لها ذمة مالية مستقلة عنه يلغي هذا الشرط. ولو نظرنا لوجدنا أن الحضارة الغربية تفقد المرأة خواصها.. ما هي الخواص الأولى للإنسان؟ شكله وسمته، ثم اسمه، فحينما تتزوج المرأة في أوروبا تنسب إلى زوجها، مدام فلان ليس من حقها أن تحتفظ حتى باسمها.. في أوروبا وأمريكا تترك اسمها واسم أسرتها وتتسمى باسم زوجها فأي حق وأي مساواة للمرأة بعد أن تسلب اسمها؟؟

ولكن في الإسلام زوجات الرسول وهو أشرف الخلق وتتشرف به كل واحدة منهن، لم يقولوا: مدام محمد بن عبدالله.. لم يقولوا: زوجة محمد.. ولكنهم قالوا: حفصة بنت عمر، زينب بنت جحش احتفظن بأسمائهن وأسماء آبائهن وأسرهن.. وبعد ذلك يأتي المفتونون يقولون: نريد أن نكون مثل الغرب والغرب لم يعط حرية للمرأة في اسمها ولا في مالها، ولكن الحرية التي أخذتها المرأة كانت بسبب الحرب عندما جندوا الذكور للحرب فاحتاجوا للمرأة لتحل محلهم في العمل المدني، فأعطوها بعض الحقوق، ليحصلوا على إنتاج في عملها: سقراط مثلاً يقول: إن المرأة ليست معدة إعداداً طبيعياً لكي تفهم شيئاً في العلم، ولكنها معدة للمطبخ وتربية الأولاد.. أفلاطون جاء ليعطيها قسطاً من التعليم، فقامت عليه الدنيا وقام الفيلسوف الساخر اريستوفان بتأليف رواية اسمها: «النساء المتحذلقات».. وتندر فيها على المرأة التي نالت قسطاً من التعليم.. جاء بعده موليير الفرنسي، وألف رواية اسمها: برلمان النساء أيضاً، ولكن الإسلام لم يقف منها ذلك الموقف بل قال الرسول صلى الله عليه وسلّم: «طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة» إذن نحن فرضنا التعليم للمرأة.. حينما تزوج الرسول صلى الله عليه وسلّم من حفصة بنت عمر ـ رضي الله عنه ـ وكان عمر قد جاء لها بامرأة من بني عدي تعلمها القراءة والكتابة وبعد ما تعلمت، وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلّم، طلب الرسول صلى الله عليه وسلّم من عمر ـ رضي الله عنه ـ أن يستمر مجيء العدوية إلى بيته؛ لتعلم حفصة بقية العلم.. قال عمر ـ رضي الله عنه ـ لقد تعلمت.. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «لتجوده ولتحسنه..» ولتتعلم المرأة، ولكن تتعلم التعليم النوعيّ.. إذا كنا نحن نقسم الرجال منذ بدء التعليم الإعدادي إلى تعلم نوعي مثل: صناعي ـ زراعي ـ تجاري ـ فني... إلخ إذن وجب تعلم المرأة تعليماً نوعياً يناسب المهمة التي ستؤهل لها..

إن المرأة يجب أن تشكر نعمة الله عليها، لأن الرجل يتعامل مع الأجناس الدنيا من الوجود، فإنه إما زارع يتعامل مع التربة والمواشي والحيوانات، وإما صانع يتعامل مع المادة الصماء.. ولكن المرأة تتعامل مع أشرف شيء في الوجود وهو الإنسان.. المرأة التي لا تريد الاقتناع بهذه المهمة تكون امرأة فاشلة.. فالمرأة التي تريد أن تؤدي مهمتهما كربة بيت وزوجة وأم ومربية.. إلخ لا تجد من الوقت ما يسمح لها أن تعمل.. فلتتعلم وتغنينا عن مدرس خصوصي، أو تتعلم حياكة الملابس لأولادها، وتطريزها.. فلو نظرت إليها في نشاطاتها في الحياة، لوفرت على البيت أضعاف ما تأخذ من راتب، وتوفر علينا تكاليف زينتها ومتطلباتها في الحياة، ثم ننظر بعد ذلك إلى الواقع.. هل المرأة في سلم العمل كلما ارتقت تمنت مزيداً من عمل أو كلما ارتقت وتقدم بها السن تمنت لو أنها ربة بيت؟؟.. حتى النساء الغربيات (مارلين مونرو).. قالت: إياكن أن تخدعن بالأضواء التي تسلط عليكن، وأنا لو استأنفت حياتي كنت أفضّل أن أكون ربة بيت فقط!

وعندما عملوا الاحصائية بين السيدات والبنات: ما هي نسبة السيدات اللاتي طلبن أن يعدن إلى بيوتهن كربات بيوت؟ إذن المسألة أن هناك في الغرب شيئا غير عندنا.. لا نحكم بشيء من هناك لنسيره على حياتنا.. لأن الرجل في الغرب بمجرد أن يكبر ابنه يتركه يضرب في الحياة، وبمجرد أن تكبر البنت يقول لها: شوفي لك شغلة بقى.. ليس عندنا مثل ذلك من الضرورات التي تجعل المرأة تتشارك في حياتها مع المجتمع لكي تعيش، وعندما اخترع الغرب عيد الأم قلدناهم في ذلك تقليداً أعمى، ولم نفكر في الأسباب التي جعلت الغرب يبتكر عيد الأم، فالمفكرون الأوروبيون وجدوا الأبناء ينسون أمهاتهم، ولا يؤدون الرعاية الكاملة لهن، فأرادوا أن يجعلوا يوماً في السنة؛ ليذكروا الأبناء بأمهاتهم، ولكن عندنا عيد للأم في كل لحظة من لحظاتها في بيتها.. فالإنسان منا ساعة خروجه من البيت يقبل يد أمه، ويطلب دعواتها يزورها بالهدايا دائماً.. إذن ليس هناك ضرورة لهذا العيد عندنا.. ولكننا أخذنا ذلك على أنه منقبة من مناقب الغرب، في حين أنه مثلبة.. في أوروبا يترك الولد أمه تعيش في ملجأ وأبوه يعيش في مكان لا يدري عنه شيئاً، وليس في حياتنا مثل ذلك، فالإسلام أعطانا تكاتفاً وعلى قدر حاجة الأبوين رتب الإسلام الحقوق (.. أمك.. ثم أمك.. ثم أمك.. ثم أبوك..) لأن أباك رجل حتى لو تعرض للسؤال فلا حرج، وإنما الأم لا: وعندما نستعرض القضية القرآنية في هذا الخصوص: {ووَصَّيْنا الإنسانَ بِوالِديهِ حُسناً}. طيب هو يوصي بالوالدين ولكن إذا نظرت للآية القرآنية تجد أن الحيثيات في الآية للأم كلها، وفي البداية أتى بحيثية مشتركة، ثم قال: {حَملتْه أمُّه كُرهاً ووضعَتْه كُرهاً وحَمْلُه وفِصالُه ثلاثون شَهراً} يعني لم يذكر سيرة للأب!! انتهى كلامه رحمه الله.