وجهه نظر

يرى البعض أن "الموسيقولوجيا" علم جديد، له أصول قديمة منذ عصر الإغريق وركائز عظيمة في مـؤلفات الفارابي صاحب كتاب (الموسيقى الكبير) والكندي وكل ما ألف في علوم الموسيقى إبان ازدهار الحضارة العربية. وقد تحدد مفهوم هذا العلم في النصف الأول من القرن الماضي بأنه "مجموعة المعارف والنسق الفلسفية والعلمية والتاريخية والفلكلورية المتعلقة بالصوت وفن النغم".

ألفرد اينشتين وعودة إلى "الموسيقى في العصر الرومانتيكي"

ألفرد اينشتين (1880 ـ 1952م) واحد من أساطين فلسفة الموسيقى ومصنف عظيم في شرح وتحليل الموسيقى الكلاسيكية- الرومانتيكية التي استقرت على أيدي كل من شوبرت وفيبر ومارشنر وشومان وشوبار ومندلسون، وبرليوز، وبروكنر وبرامز وليست وفاجنر وبيزيه وفيردي وغيرهم.
يقول ألفرد اينشتين: اننا لن نهتدي إطلاقاً إلى أية فكرة خيالية من الغموض والابهام عن طبيعة "الموسيقى الرومانتيكية" ويكفي أن نلقي نظرة على أسماء عظماء الرومانتيكيين بترتيب ظهورهم في التاريخ لكي ندرك كيف احتوى عصر واحد على أعظم قدر من النقائض برغم أنه ضمهم إطار واحد، والنقائض كبيرة إلى أبعد حد إلا أنها لا تعني استبعاد بعضها بعضا مع أن هذه النقائض قد تبدو غير قابلة للتوافق، فالرومانتيكية في الموسيقى كانت بطبيعتها حركة ثورية موجهة ضد آباء الجيل الثوري وأجداده، ونتيجة لذلك أن شعرت الرومانتيكية ببغض للكلاسيكية أو ما رأته كلاسيكياً، فمثلاً برليوز لم يعترف بغير علمين عظيمين من أعلام الماضي هما جلوك وبيتهوفن وكان يمقت باخ ويزدري هيندل.
يرى اينشتين أن من النقائض الأخرى حب هذا العصر "للاستعراض المسرحي" وميله إلى المؤلفات الشخصية الانطوائية ويمثل لذلك بشوبان وشومان وفنهما الخاص بالبيانو إذ أفصحا عن هذه النظرة.
وتناقض آخر في الموسيقى الرومانتيكية هو التناقض بين الموسيقى "ذات البرنامج" كما يمثله برليوز ومندلسون الذي لم يعتمد ـ كما يقول انيشتين ـ بتاتاً على زي معنى خاص في مؤلفاته الخاصة بموسيقى الآلات حتى عندما سماها "أغاني بغير كلمات".
ويستطرد اينشتين بأنه حتى نهاية القرن الثامن عشر لم يكن من المستطاع تصور وجود غير موسيقى "المنفعة" أو وجود موسيقى لا تؤدي غاية خاصة مباشرة أو بمعنى أصح كانت الموسيقى فن مناسبات أو موسيقى تؤلف بناء على "طلب خاص" فلم يكن هناك "فن للفن" إذ يظهر بعد الاستقصاء أن الفن الذاتي ظاهرياً كأنه نبع من الحوافز الخلاقة للموسيقى وثيقة الصلة بالمجتمع وأنه عبارة عن موسيقى مؤلفة بناء على طلب خاص، ولكنه يشدد على أن أعظم مثل مثير للدهشة للمؤلف الموسيقي الذي ارتبط فنه ارتباطا وثيقاً بالمجتمع الذي عاش فيه هو "العبقري الفذ يوهان سبستيان باخ"، فقد كان أعظم المؤلفين الموسيقيين المبدعين قاطبة حسب ما يراه ألفرد اينشتين، إلا أنه في ذات الوقت لم يكن أكثرهم استقلالاً وتحرراً إذ ندر وجود أية مؤلفات له تصحح القول عنها بأنها "أعمال فنية حرة" على أن المؤلف الموسيقي الوحيد في القرن الثامن عشر الذي عرف كيف يخلق جمهوره هو جورج فردريك هيندل، فقد ظل هيندل مؤلفا للأوبرا قرابه ما يزيد على الثلاثين سنة، وعرفته تجربته في الأوبرا كيف يأسر جمهوره، والواقع أن الأوبرا ـ فيما يراه اينشتين ـ كانت أول منظمة ساعدت على ظهور "فن طليق"، وعاش موزارت ليشهد هذا التطور غير أنه أخفق من حيث نجح بيتهوفن في فيينا نفسها وخلال سنوات قليلة فقط ويعزو اينشتين الفضل في ذلك إلى صلابة شخصيته واستقلالها ذلك أنه لم يضع نفسه في خدمة الارستقراطيين بل على العكس جعل الارستقراطيين في خدمته، وهنا يرى اينشتين أنه ظهر لأول مرة موسيقى غير خاضعة لأية قيود، لقد كان بيتهوفن يقف فرداً في مواجهة العالم وفي كثيرمن الأحيان اتخذ موقفاً معارضاً للعالم وتجلت هذه الصفة الجديدة في أصغر المظاهر من عمله كما تجلت في أكبرها.
ان اينشتين يرى" أن بيتهوفن هو أول مؤلف موسيقى اتبع في أكثر مؤلفاته مبدأ "الفن للفن"، وبهذه النظرة الجديدة إلى المجتمع والعالم أصبح بيتهوفن قدوة للحركة الرومانتيكية، لقد كان من أثره أن كتبت في هذا العصر السيمفونيات وموسيقى الصحاب الشاعرية والكورالية من كل نوع بل والأوبرات، كذلك دون تكليف من أحد فلقد كتبت هذه المؤلفات لجمهور المستقبل أو للخلود إن أمكن، لقد أحدث بيتهوفن تغييرات جديدة، فلقد اتجه في سميفونية "الوداع" إلى التأثير في مشاعر المستمع، في هذه السيمفونية قصد مخاطبة المشاعر كلياً.
في حوالي سنة 1800م، جاء العهد الذي بدأ فيه الموسيقيون يظهرون تردداً بين مواهبهم المختلفة ـ كنوع جديد من تعدد الجوانب لدى الفنان ـ كان فيبر أول مثل لهذه الحالة الجديدة من تعدد الجوانب فقد كان أول موسيقي تتوفر له جميع أركان حضارة عصره في صورة مختلفة عن الصورة التي عرفها بيتهوفن، على أن أعظم مثل للموسيقي "المثقف" في القرن التاسع عشر هو فرانز ليست حسبما ظهر في المقالات التي كتبها عن الموسيقى والموسيقيين ومثله في ذلك أرنست تيودو، أما ديوس هوفمان الذي كان معاصرا ـ على وجه التقريب ـ لبتهوفن ومن خلفاء هوفمان: فاجينر الذي أفصح في "رسالته إلى أصدقائه" 1851م عما ساوره من قلق في تطوره وعن استسلامه دون حساب لأي انطباع فني ممكن..
وألفرد اينشتين يبحث في الأوساط الاجتماعية التي انحدر منها الموسيقيون الرومانتيكيون فيجدهم من طبقات اجتماعية مختلفة، فمثلا هنيدل ابن جراح، وشوش نا ابن صاحب خان، وجلوك كان ابن أحد العاملين في الغابات، وهايدن كان ابن صانع عجلات غير أن هؤلاء لم يكونوا سوى استثناء لأن القاعدة هي انحدار كبار الموسيقيين من صلبة موسيقيين وباخ مثل لذلك بل كان أبا لثلاثة من الموسيقيين الكبار وهم فريدمان وكارل فيليب ويوهان كرستيان، وكان بيتهوفن حفيداً لأحد الموسيقيين وأما ديوس هو ابن موزارت ويقف كل من شوبرت وفيبر وقفا وسطا.. إلخ.
وفي حديثه عن عزلة الفنان الرومانتيكي يقول اينشتين لقد شعر كل الموسيقيين الرومانتيكيين بعزلتهم وكان برليوز وماجنر أكثرهم انفعالا بهذا الشعور، وازدادت الثقة بين الفنان والجمهور، وحاول نفر كبير من الموسيقيين رأب ذلك بملاقاة الجماهير في منتصف الطريق أي العمل على التوافق مع الشعب بتنمية أكثر أنواع الأغاني بساطة أو بتنمية الأغنية الشعبية ـ بمعنى أصح ـ على أن العلاقة بين العصر الرومانتيكي والأغنية الشعبية كانت علاقة عاطفية وترتب على ذلك استحداث نزعات لم تكن معروفة أدت إلى اضطلاع الموسيقى في العصر الرومانتيكي بدور جديد، لقد أصبح دور السمفونية هو النهوض والسموّ بأرواح المستمعين وهي آثار لم يسبق لها مثيل عند هايدن أو موتسارت، ويقول اينشتين "نحن لا نبغى الإساءة إلى هذا العصر الذي أحدث ثورة ثوليو وانتفاضة سنة 1848م.. وكان عصرا مولعا بإثارة مشاعره بواسطة الفن"، لكنه يثير الانتباه إلى أن شويرت قد أحس في وقت مبكر بالانحراف الذي حدث وتأسف له في قصيدة سماها "شكوى إلى الشعب" 1824م.