الرواية العربية أنثى

زينب فواز رائدة الرواية العربية

إعداد وتقديم : جوزفين كورية شاهين

 

لا اعرف أهي توارد أفكار أم هي حالة التواجد في نفس الخندق وعلى خط الثقافة  الأمامي، فمن خلال تجولنا في الشبكة الإلكترونية وتحديداً  في الملتقى العربي للحوار طرح الصديق طيلسان(وهو الاسم المستعار الذي يشارك به الرواد عادة) موضوع الرواية العربية أنثى، وقد فرحنا بهذا التوارد كون أننا في الجذور وتحديدا في عددنا الجديد هذا حاولنا تقصي أخبار الأديبة اللبنانية زينب فواز لتقديمها للقارئ العربي في استراليا وبلاد المهجر.

 

 

حيث يقول الاستاذ طيلسان : " أنا من محبي الرواية المخلصين لها والملتزمين في حبها، ولم أكتشف أنوثتها العربية إلا عند قراءة عرض لكتاب في العدد الخامس والثمانين من ملحق "بيان الكتاب". اسم الكتاب ((مئة عام من الرواية النسائية العربية)) من تأليف الدكتورة بثينة شعبان وهو منشور من دار الآداب – بيروت 1999 ويقع في 245 صفحة من القطع الكبير.

يناقش الكتاب في مقدمته الإهمال التاريخي لتسجيل ونشر الشعر النسائي العربي، والتركيز على ما يكتبه الرجال كونه أكثر أهمية (حسب اعتقاد الرجال أنفسهم)، إلا أن الوعي النسائي التحرري الذي ظهر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر كان مقدمة لظهور الأدب النسائي العربي إلى السطح.

ينسف الكتاب في فصله الثاني نظرية أن أول رواية عربية هي من تأليف الكاتب المصري محمد حسين هيكل وقد ألفها عام 1914، ويُظهر أن أول رواية عربية هي (حسن العواقب) أو غادة الزهراء التي ألفتها الكاتبة اللبنانية زينب فواز عام 1899، وفي عام 1904 نشرت لبيبة هاشم من لبنان أيضاً رواية بعنوان (قلب الرجل) وفي السنة نفسها نشرت لبيبة ميخائيل صويا من لبنان هي الأخرى رواية حسناء سالوفيك …. وتظهر الكاتبة في دراستها لهذه الرواية أن النساء العربيات هن اللواتي أسسن هذا النوع الأدبي في الأدب العربي وليس الرجال.

الكتاب يقدم كاتبات حديثات ومعاصرات من فترة الخمسينات مثل أمينة سعيد (الجامحة) / ليلى بعلبكي (أنا أحبها) / كوليت نعيم (أيام معه) / سعاد زهير (اعترافات امرأة مسترجلة)، ثم كاتبات الفترة من 1960-1967 وهن أمينة الزيات (الباب المفتوح) مصر/ ليلى اليافي (ثلوج تحت الشمس) سوريا/ منى جبور (فتاة تافهة) لبنان/ كوليت خوري (ليلى واحدة) سوريا/ كاترين معلوف داغر (نهاية وعبرة) لبنان/ ماجدة العطار (مراهقة) سوريا /اميلي نصر الله (طيور أيلول) لبنان.

أطلقت حرب يونيو 1967 وعياً جديداً وذلك لأن ما حدث كان زلزالا هز العالم العربي لكن بفارق ملحوظ بين الكتاب الرجال والكاتبات النساء وهو أن الرجال سموا نتيجة الحرب (نكسة) بينما أسمتها النساء (هزيمة) بكل صراحة.

في الفصول الأخيرة من الكتاب تستعرض المؤلفة إبداع الروائيات العربيات ونظرتهن الثاقبة للحياة الاجتماعية والسياسية، وكان لا بد من ذكر ألفة الأدلبي من سوريا وليلى أبوزيد من المغرب وأحلام مستغانمي من الجزائر وعالية ممدوح من العراق وعروسة النالوتي من تونس وليلى العثمان من الكويت ورضوى العاشور من مصر وختمت المؤلفة كتابها بتقديم ملخص لمستقبل الرواية النسائية العربية."

 

هذا ما طرحه الأخ العزيز  بشكل عام مشكوراً، ولكي تعم الفائدة ونعطي رائدة الرواية العربية حقها لابد من أن نلقي الضوء على هذه المبدعة من سيدات الوطن العربي، تأكيدا من الجذور بإيمانها بقدرة المرأة العربية على الإبداع إن توفرت الظروف الملائمة .

 

زينب فواز (1846-1914)‏

أديبة لبنانية عاشت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.‏

من أعلام النهضة العربية الحديثة، ساهمت في بناء النهضة الفكرية مع الرواد الأوائل الذين نبغوا في منتصف القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.. عاصرت عددا من رواد النهضة المتنورين الذين دافعوا عن حقوق المرأة أمثال: بطرس البستاني، وفارس الشدياق، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وقاسم أمين وغيرهم. وقد اشتهر هؤلاء في التاريخ، على حين توارت أسماء مثل: زينب فواز ومثيلاتها: عائشة تيمور، ولبيبة ماضي هاشم، وعفيفة كرم، وغادة عمشيت وغيرهن كثيرات من رائدات النهضة العربية.‏

والسؤال لماذا تم تجاهل الكتابات النسائية التحررية التي لعبت دوراً في تقدم المرأة العربية أكثر من أي كتابات أخرى؟ كان من الصعب تعقب الآثار الأدبية والفكرية النهضوية للرائدة زينب فواز وحتى في سورية التي عاشت فيها سنوات ومارست بعض نشاطها الأدبي والفكري (المجالس الأدبية الأسبوعية) وتركت في قلوب السوريين كل حب وتقدير وإعجاب تجلى في اسم زينب فواز الذي أطلقوه على مدرسة ابتدائية تقع في سوق الصوف رقم 13، سوق مدحت باشا، بالقرب من شارع حي الأمين حيث كان مسكنها رقم 67.‏

غير أن الكثير من الباحثين والمفكرين السوريين المعاصرين يقولون إنهم سمعوا بالاسم ولكنهم لايعرفون عن نتاج هذه الأديبة شيئاً.. ومن أجل رفع غبار النسيان عن آثار هذه الأديبة العربية الرائدة والدفاع عن حقها في احتلال موقعها الجديرة به في قائمة المشاهير من أدباء عصر النهضة وعلمائه لابد من التعريف بها وبنتاجها الأدبي والفكري الذي أمكن العثور على بعض منه بعد بحث طويل.‏

إن معظم ما كتبته طبع منذ ما يزيد عن مائة عام، وهو غير موجود كاملا في أية مكتبة من المكتبات التي تعنى عادة بالتراث.. ومن أهم مؤلفاتها: « الدر المنثور في طبقات ربات الخدور» و«الرسائل الزينبية» ومسرحية «الهوى والوفاء» و «حسن العواقب، أو «غادة الزهراء» (رواية عام 1899) بالإضافة إلى المقالات والأبحاث العديدة في الصحف والمجلات التي كانت تصدر في مصر وبلاد الشام.‏

وكان الفضل الكبير للمجلس الثقافي للبنان الجنوبي ورئيسه الباحث والأديب الأستاذ حبيب صادق، وللكاتبة الأديبة فوزية فواز التي تنتمي الى عائلة زينب فواز نفسها في جمع التراث «الزينبي» المتناثر المهمل.‏

فقد أعاد المجلس الثقافي للبنان الجنوبي نشر أثرين أدبيين للرائدة زينب فواز، هما «حسن العواقب» و «الهوى والوفاء» بعد أن مضى على تاريخ نشرهما للمرة الأولى والأخيرة قرابة التسعين عاما، وبعد أن فقدا من المكتبات العامة والخاصة على حد سواء منذ زمن بعيد.. وقد جاء في تقديم هذين الأثرين:«إنهما حلقة فكر أصيل أولى في سلسلة تراث زينب فواز الأدبي، وإن ما ورد في هذا التراث جدير بالقراءة والدرس، علاوة على قيمته التاريخية لعصر النهضة العربية» و «التأكيد على وفرة الإنتاج الأدبي في جبل عامل في زمن كان فيه أسيراً لسلطان القهر والحرمان.. ثم إن هذا الإنتاج لم يكن وقفا على جهد الرجل ونبوغه ليس غير بل كان في جانب منه حصيلة لجهد المرأة ونبوغها».‏

يتساءل الأستاذ يوسف مقلد (أديب وشاعر لبناني من تبنين بلد زينب فواز) من أين جاءت هذه الفتاة بميلها المبكر النادر الى الكتب ؟فلا هو طريق الوراثة ،ولاهو طريق البيئة التي كانت الأمية فيها طابع الحياة العامة؟.. ولكن من الثابت أن الخلفية الثقافية والاجتماعية والفكرية والإنسانية التي وجدت فيها زينب موجودة أصلا في البيئة العاملية.. والنهضة الأدبية في جبل عامل التي قامت على هذا الأساس»..‏

تقول فوزية فواز: «فزينب التي تحدثت عن أربعمئة وست وخمسين امرأة من الشرق والغرب في كتابها «الدر المنثور في طبقات ربات الخدور» لم تذكر أي شيء عن نفسها وعن أسرتها وأنكرت ذاتها .. ولعل السبب في ذلك تمشيا مع آداب عصرها فيما يعدونه فضيلة خلقية.. وهي امرأة متمسكة بالأخلاق الكريمة التي تترفع عن الظهور.. وقد تكون تعمدت السكوت عن نفسها لتترك لغيرها أن يتحدث عنها كما تحدثت عن بنات جنسها. ولكن أيا كان السبب فقد قصرت في حق نفسها وحرمت الباحثين من المصدر الأصيل للتعرف اليها».‏

ومما يحز في النفس أن أحدا من كبار المؤرخين والكتاب الذين صرفوا جل اهتماماتهم للتأريخ لحياة الأدباء والمفكرين في عهدها لم يولها من الاهتمام ما أولوه لمن هن دونها في المكانة الأدبية والفكرية.‏

يقول الشيخ أحمد عارف الزين صاحب «مجلة العرفان» (م8.ج6 آذار 1923):‏

«من لم يسمع بذكر هذه النابغة العاملية في هذا القرن سواء في سورية أو مصر، أو في سائر الاقطار العربية؟.. فزينب لم تكن أبدا مجهولة منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى أوائل القرن العشرين.. فمن يطلع على مقدمات كتبها وما كان يأتيها من تقريظ لهذه الكتب يجد فيها دليلا على شهرتها في الأوساط الأدبية والفكرية في ذلك الحين»‏

قد يكون هذا التجاهل عائدا لأسباب طبقية واجتماعية فهي ليست من الأسر المرموقة في ذلك الحين كباحثة البادية وعائشة التيمورية ووردة اليازجي وغيرهن.. فقد نشأت في أسرة فقيرة الحال لايعرف عنها شيء ،وفي بيت ريفي متواضع كمعظم بيوت الفلاحين في ذلك الزمن.. ونظرا لفقر والديها فإنهما رأيا أن تحل عاملة في دار أحد البكوات من الأسرة الأسعدية الحاكمة، كان مركزها الرسمي مديرا في قلعة تبنين.. قضت زينب سنوات من عمرها في القلعة ملازمة لنساء آل الأسعد بينهن السيدة فاطمة الخليل زوجة علي الأسعد (التي كان لها اهتمام بالعلم والأدب شعرا ونثرا)..وما لبثت الصبية أن استدعت انتباه السيدة فاطمة لما تحمله من فطنة وذكاء وحب معرفة فاهتمت بها وعلمتها القراءة والكتابة وشجعتها على طلب العلم.. وكان في بيت الأسعد مكتبة كبيرة مودعة لعالم إيراني يدعى (الكاشاني) تحوي مخطوطات نادرة وكتبا قيمة .. وقد جعلت زينب هذه المكتبة شغلها الشاغل نقلت منها الكثير معها الى تبنين بعد أن ذهب صاحبها الكاشاني، وكان هاربا من ظلم الاتراك ولم يعد.. ثم دخلت زينب ميدان الحياة الزوجية بعد أن زوجتها السيدة فاطمة من رجل من تبنين كان يعمل مستخدما في بيت الأسعد ولم تبق زينب معه طويلا لتعذر التفاهم معه».‏

وأضاف الشيخ أحمد عارف الزين عن هذا الزواج: «بالطبع لم يكن الفشل فشلها وإنما فشل مجتمعها الذي عاشت فيه.. فكيف لمثل هذه الشابة وقد التمعت في أفق تفكيرها معالم الوعي والإدراك أن تعيش مع رجل أمي، بينه وبينها تفاوت كبير ،لا يتسع أفقه لطموحاتها الأدبية والفكرية وتطلعاتها الإنسانية البعيدة في عصر كعصرها»؟.. وكان من الطبيعي لفتاة طموح كزينب فواز أن تتجه أنظارها وآمالها الى مصر لوجود أخ لها هناك.‏

كان عندها رغبة قوية في الاستزادة من العلم والمعرفة.. وفي بيئة أكثر انفتاحا وتحررا من بيئتها .. كانت مصر في تلك الفترة موئلاً لطلبة العلم والمعرفة، ومعقدا للعاملين في الحقول الصحفية والفكرية من لبنانيين وسوريين نظرا لما كانت تتمتع به من حرية فكرية خلافا لما كانت عليه بلاد الشام التي ما انفك العثمانيون يضيقون على مفكريها وأدبائها.. وفي مصر اكتملت شخصيتها الأدبية وحققت تطلعاتها الفكرية التي تجلت في معالجتها لشتى الموضوعات السياسية والاجتماعية، ومقالاتها في صحف ذلك العهد مسجلة أعظم إنجاز نسائي.. فقد اتخذت من الصحافة منبرا لإسماع صوتها للناس مطالبة بحرية المرأة وحقوقها».‏

وتظهر نزعة زينب فواز التحررية بدعوة أبناء وطنها للاشتراك في الجمعيات والمعارض والمؤتمرات العالمية وخاصة مؤتمر الاتحاد النسائي العالمي في سانتياغو عام 1893، لدرس شؤون المرأة وحقها في العلم. وقد صوتت المشاركات في المؤتمر يومئذ على قرار يرمي الى تحديد تعليم المرأة باعتبار أن مجال نشاطها محدود في بيتها وأسرتها .وكانت السيدة هناء كوراني ممثلة لنساء سورية في ذلك المؤتمر فانبرت زينب تناهض هذا القرار وتنتقد بعنف اللواتي أشرفن على المؤتمر مشددة على وجوب إطلاق المرأة في جميع مجالات النشاط الإنساني، ولاسيما في ميدان العلم (أديبات لبنانيات- إميلي فارس إبراهيم)، وتحت عنوان «المرأة والسياسة - الرسائل الزينبية» ص19 ترد أيضا على السيدة هناء كوراني التي كتبت مقالا في جريدة «لبنان» تدعو فيه «الى حصر المرأة همها في منزلها وإقلاعها عن مزاولة الأعمال الخارجية المختصة بالرجال كالسياسة مثلا» وكان ذلك على أثر ظهور حركة نسائية في لندن أيام غلادستون تطالب أن تعمل المرأة في السياسة، فهبت زينب تؤيد هذه الفكرة وتحمل على كل من يقف ضدها وقد ورد في مقالها:«ما دام الرجل والمرأة متساويين في المنزلة العقلية وعضوين في الهيئة الاجتماعية، ولاغنى لأحدهما عن الآخر فما المانع اذا اشتركت المرأة في أعمال الرجل، وتعاطت العمل في الدوائر السياسية وغيرها، متى كانت كفؤا في تأدية ما تطمح اليه؟ إن المرأة في التاريخ عملت في السياسة وشاركت في الحروب. فملكة تدمر وكليوباترا واليزابيت وغيرهن كثيرات، كن نساء قادرات على كل تلك الأعمال فالجنسان متساويان وإنما الإهمال هو الذي جعل المرأة متأخرة متخلفة عن الرجل» «الرسائل الزينبية»ص24‏

وهكذا رأينا .. زينب.. تنادي بمسلمات جديدة وتدعو الى سن قوانين تنظم حياة المرأة، وتضمن لها حقها بالعلم والعمل ومن هنا فإن القيمة الأدبية والفكرية لزينب هي أسبقيتها في رفع صوتها بالدفاع عن حقوق المرأة.‏

وأما قاسم أمين فقد كان متأخرا عنها بمناداته بتحرير المرأة في كتابيه «تحرير المرأة» و«المرأة الجديدة» .. فمن الثابت أن رسائلها الزينبية في موضوعات المرأة التي كانت تنشر في الصحف المصرية بدأت قبل سنة 1892 بينما لم ينشر قاسم أمين كتاب «تحرير المرأة» إلا سنة 1898‏

وهي أول من كتب الرواية العربية « حسن العواقب، أو غادة الزهراء» عام 1899 أي قبل 15 عاما من نشر رواية «زينب» لحسين هيكل.‏