الواحة الإيمانية

بين جناح الطائرة وجناح البعوضة

بديع خلق الله لا تنقضي عجائبه، وستظل البشرية تستلهم منه الدرس تلو الدرس. في هذا الصدد ما زلت أذكر اليوم القصة التي رواها لنا أحد أساتذة مادة التصميم الهندسي إبان كنت طالبا بالجامعة. تتلخص القصة في أن إحدى الجهات البريطانية المسئولة أعلنت عن مسابقة تصميم هندسي لكوبري عبر نهر التايمز بلندن بواصفات ومتطلبات صعبة المنال بل تكاد تكون شبه تعجيزية، فقد كان مطلوبا أن يجمع الكوبري بين خفة الوزن من ناحية والقدرة على تحمل الأوزان الثقيلة من ناحية أخرى. وقد باءت جميع المحاولات المضنية للمصممين المتنافسين للتوصل إلى التصميم المطلوب بالفشل، وكادت أن تنتهي المسابقة بإعلان العجز، لولا أن أحدهم تذكر أنه قد علم في صفوف دراسته الباكرة بأن القنفذ ذلك المخلوق الصغير يتمتع بتركيبة هيكل عظمي متميزة تمكنه من تحمل وزن رجل يبلغ 70 كغم بينما لا يزيد وزنه في المتوسط عن كغم واحد أي أنه يستطيع حمل 70 ضعف وزنه. فقام المهندس بدراسة تركيبة الهيكل العظمي لذلك المخلوق الضعيف في نظر الإنسان، ومن ثم قام بتصميم للكوبري المطلوب مقلدا الهيكل العظمي للقنفذ فنجح في تصميمه وفاز بالجائزة وتم بالفعل إنشاء الكوبري بنجاح لاحقا.
تداعت تلك الأفكار ببالي وأنا أطالع الجديد في مجال الطيران المقارن بين الطائرات الحديثة من جهة والأحياء من جهة أخرى والتي تشمل ثلاث طبقات من المخلوقات هي الطيور على اختلاف أنواعها وأحجامها، والخفاش وهو حيوان ثديي طائر، والحشرات الطائرة. ولكل طبقة من هذه المخلوقات خصوصيات يضيق المجال عن تعدادهافي طريقة أسلوب طيرانها، فهي وإن كانت جميعا تستطيع أن تطير، إلا أن طريقة كل منها في الطيران تتمتع بخصوصيات خارجة عن نطاق قدرات الطبقات الأخرى.
فالحشرات مثلا تعاني بادي الرأي من كبر وزنها مقارنة بحجم ورقة تلك الأجنحة لدرجة أن العديد من مهندسي وعلماء الطيران ظلوا في حيرة لعقود طويلة في تفسير قدرة هذه المخلوقات على الطيران لأن تركيبتها المشار إليها لا تتوافق مع النظريات المعروفة للإنسان في مجال الطيران. فطبقا للنظريات التي تدرس في كل المعاهد والجامعات العالمية المتخصصة فإن من المفترض أن كثيرا من الحشرات الطائرة والطيور الصغيرة والخفافيش لا تستطيع الطيران أصلا.

دكتور سامي سعيد حبيب
رئيس قسم هندسة الطيران جامعة الملك عبد العزيز