بسم الله الرحمن الرحيم
مجمع البحرين
|
ما هما البحران؟ كلمة (البحرين) بالقرآن تعني نوعين من البحار: بحر عذب وبحر ملح [وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ {53} الفرقان]. فالبحر أيضاً هو (النهر العظيم)[1] كالنيل والفرات [كل نهر ... مثل دِجْلَةَ والنِّيل ... فهو بَحْرٌ][2].
وكذلك يُرجّح بالآية الكريمة [مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ (60) الكهف] أن كلمة (البحرين) بمعنى (النوع) لا العدد[3] . فالبحران نوعان: بحر عذب (نهر النيل)، وبحر ملح (البحر المتوسط).
و(مجمع) البحرين هو [مُلْتَقَاهُمَا][4] حيث يجتمع (يلتقي) بحر النيل مع البحر المتوسط. فقد يجتمع ماء النيل بماء المتوسط في مصب على سواحل البحر المتوسط، كما قد تجتمع مياه البحر المتوسط المالحة مع مياه النيل العذبة في مناطق داخلية كبحيرة المنزلة[5] أو ما جاورها من مستنقعات وسباخ.
هل هناك أكثر من مجمع لنهر النيل مع البحر المتوسط؟
تغدق علينا الآيات بالعبارة الرائعة :[مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا]، مما يرجّح وجود أكثر من مجمع. فمجمع البحرين قد يكون (أحد) مصبات نهر النيل في البحر المتوسط، وقد يكون بأي منطقة داخلية بالدلتا يجتمع فيها البحر الملح مع النيل (كبحيرة المنزلة أو سباخ شرق الدلتا). ونهر النيل قرب القاهرة يتفرّق ويتوزّع إلى أنهر أو أبحر أصغر، و بعد مسافة ليست بالقصيرة تصب كل تلك الفروع في البحر الأكبر (المتوسط). فتلك الأنهر الصغيرة تشكّل (مجامع) مع البحر المتوسط عند تلاقيها معه، وليس فقط مجمعاً واحداً. فلعل هذا معنى (مجمع بينهما)، أي (أحد) تلك المجامع.
فمجامع بحري النيل والمتوسط، قد تكون تلك (المصبّات) التي يصب عندها النهر في البحر. كما قد تكون أي نقطة اتصال بين الماء الملح والماء العذب حتى لو كانت داخلية متوغلة في الدلتا (خاصة نحو الشرق).
وكانت تلك المجامع (المصبّات والمساكب) عديدة في زمن[6] موسى عليه السلام. [وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي {51} الزخرف]. فقيل كانت ثلاثة[7] أو خمسة[8] أو سبعة[9] أو أكثر[10]. و في رسم بصفحة (140) من كتاب صورة الأرض لابن حوقل (توفي في القرن الرابع الهجري) نرى فروعاً عديدة لنهر النيل[11] تصب في البحر المتوسط:
بعض من سبق لهذا الفهم قال ابن خلِّكَان (توفي سنة 681هـ) في وفيات الأعيان [دمياط ... وتفسيره القدرة الربانية، وكأنه إشارة إلى مجمع البحرين العذب والملح][12].
وقال ابن دقماق (توفي سنة 809 هـ وقيل سنة 790 هـ) في الانتصار [ثغر رشيد ... وبلدته عند مجمع البحرين وبها البرزخ المذكور في القرآن][13].
وأيّد البقاعي (809 هـ - 885 هـ) قول ابن دقماق. كما أيّد قول ابن خلِّكَان [فالظاهر والله أعلم أنه مجمع النيل والملح الذي عند دمياط أو رشيد من بلاد مصر][14].
والأخير يبدو أقرب لمجمع موسى الذي أظنه مصب (الفَرَمَا)[15] أو ما قبله عند إحدى البحيرات شرق الدلتا.
سَفَر موسى عاش موسى بمصر (ونشأ بها). ولعل موسى (ربما قبل هجرته إلى مدين) كان بالوجه البحري بالشرقية (شمال شرق الدلتا)[16] على شط أحد تلك الأفرع الشرقية لبحر النيل. ثم واصل المضيّ نحو الشمال حتى بلغ نقطة اجتماع ذلك الفرع مع البحر.
فمجمع البحرين الذي وصله موسى قد يكون أحد مصبات نهر النيل العديدة في البحر المتوسط، أو حيث يتلاقى الماء الملح والعذب في عمق الدلتا. ويصعب تحديد مجمع بعينه. والأرجح أن موسى وصل إلى أحد المصبات نحو الشرق (كمصب دمياط) أو (مصب تَنِّيس) أو (مصب الفَرَمَا)، والأخير فرعه أقرب. فلعل موسى وجد العبد الصالح في تلك النواحي الشرقية المتاخمة لساحل البحر المتوسط.
فموسى كان في زمن الفرعون رعمسيس الثاني الذي كانت عاصمة ملكه (بر رعمسيس) بضواحي أفاريس (حات وعرت) عاصمة الهكسوس بشرق الدلتا. وعاصمة الفرعون هذه على شط فرع النيل (مياه رع)[17] المؤدي إلى الفَرَمَا (وقد نضب هذا الفرع). وأما رحلة السفينة فقد تكون نحو سواحل كنعان (فلسطين ولبنان). والآية الكريمة [وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا {79} الكهف]، ربما تشير لطبيعة الوضع القلق[18] في تلك الفترة. ففي عهد موسى عليه السلام أو بُعيده ظهرت بوادر اضطرابات في تحركات الشعوب وهجراتها وكثرت القرصنة البحرية في المتوسط وعدم الأمن خاصة بعد انهيار قوة مصر وهيمنتها بعد كفرهم بموسى عليه السلام. [1] المحكم والمحيط الأعظم – ابن سيده: البَحْرُ: المَاء الْكثير، ملحا كَانَ أَو عذبا./ تفسير الطبري : وَالْبَحْرُ بَحْرَانِ : بَحْرٌ مِلْحٌ ، وَبَحْرٌ عَذْبٌ [2] اللسان: قال الأَزهري: كل نهر لا ينقطع ماؤه مثل دِجْلَةَ والنِّيل وما أَشبههما من الأَنهار العذبة الكبار، فهو بَحْرٌ [3] التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي : { مَرَجَ البحرين } اضطراب الناس في هذه الآية لأنه لا يعلم في الدنيا بحر ملح وبحر عذب وإنما البحار المعروفة ماؤها ملح. [4] تفسير القرطبي : (حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ) 60 أَيْ مُلْتَقَاهُمَا. [5] صورة الارض – ابن حوقل، صفحة 146 : و أمّا البحيرة التى هى بأرض مصر و فى شمال الفرما و تتّصل ببحر الروم تعرف ببحيرة تنّيس فهى بحيرة إذا امتدّ النيل فى الصيف عذب ماؤها وإذا جزر فى الشتاء الى أوان الحرّ غلب ماء البحر عليها فملح ماؤها./ نزهة المشتاق– الادريسي: وبحيرة تنيس إذا امتد النيل في الصيف عذب ماؤها وإذا جزر في الشتاء إلى أوان الحر غلب ماء البحر عليها فملح ماؤها [6] الفرعون بزمن موسى يرجّح أن يكون رمسيس الثاني الذي حكم خلال الفترة : 1279 ـ 1213 ق.م [7] كتاب رمسيس الثاني ، صفحة 10، تأليف كنت ا . كتشن : [في 1300 ق.م كان للنيل ثلاثة أفرع رئيسية]. [8] (the Nile, which has five mouths) .An Account of Egypt By Herodotus (484 BC - 425 BC). [9] [or where the seven-mouthed Nile colors the sea], Catul. 11, Carmina, C. Valerius Catullus (84 BC – 54 BC) [10] [the Nile… there are no less than twelve of them, … I allude to the seven more famous ones, the Canopic Mouth, next to Alexandria, those of Bolbitine, Sebennys, Phatnis, Mendes, Tanis, and, last of all, Pelusium], Pliny the Elder, The Natural History, CHAP. 11.—THE CITIES OF EGYPT [11] معجم البلدان – ياقوت: [كانت خلجان مصر سبعة / وكان للنيل سبعة خلجان] [12] [وفيات الأعيان - ابن خلِّكَان : ولفظة دمياط سريانية، ... وتفسيره القدرة الربانية، وكأنه إشارة إلى مجمع البحرين العذب والملح، والله تعالى أعلم]. واشتقاق دمياط يبدو من الأصل المصري القديم (تَ-محيت)، حيث (تا) أرض، و(محيت) شمال. [13] كتاب الانتصار لواسطة عقد الأمصار: ثغر رشيد المحروس ... وبلدته عند مجمع البحرين وبها البرزخ المذكور في القرآن [14] نظم الدرر للبقاعي/ تيسير التفسير للقطان : قال البقاعي في « نظم الدرر » : الظاهر واللهُ اعلم ان مجمع البحرين عند دمياط او رشيد من بلاد مصر ، حيث مجمع النيل والبحر الابيض . [15] مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة ـ الأعداد (81 - 102) - (24 / 15): أواريس ... أنشأها الهكسوس جنوبى مدينة بيلوز على الشاطئ الشرقى للفرع البيلوزى باسم حات أورات ... ولما تولى الملك رمسيس الثانى حكم مصر اتخذها سكنا ومعسكرًا له وسماه مدينة رمسيس ... ولما انقطع وصول ماء النيل إلى تلك الجهة بعد أن كانت تروى أراضيها وبساتينها، ومدينة الفرما وما جاورهما من مياه فرع النيل المعروف بالبيلوزى نسبة إلى بيلوز وهى الفرما. [16] يحتمل أن يكون موسى قد انطلق من نواحي عاصمة مصر برعمسيس ، والتي لا تبعد عن البحر سوى قدر مرحلة. وموسى كان من أهلها [فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ (8) القصص/ قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) الشعراء]. ونعلم أن موسى توجه إلى مدين مما يُرجّح أن موطنه شرق الدلتا (المقاطعة العربية). ومنطقة شرق الدلتا منذ أقدم عصورها استوطنها أو كان يرحل إليها تجارة أو غزواً جيرانها من أهل شمال الحجاز ومدين وسيناء والشام وبوادي شرق مصر. واتخذها الهكسوس قاعدة لملكهم. [17] يُرجّح فرع النيل الشرقي والذي كان يعرف ياسم (ماء رع) أو (مياه رع). واسم الفرع بالمصرية القديمة (ف-مو-ن-ف-رع) أو (ب-مو-ن-ب-رع). حيث حرف (ب/ف) أداة تعريف، وحرف النون أداة إضافة، وكلمة (مو) بمعنى (الماء)، وكلمة (رع) هي اسم إله الشمس المصري. وربما أطلق على هذا الفرع في بعض مناطقه التي يمر بها اسم (شيحور) بمعنى (بحر الإله حور)، كما ورد بالتوراة [18] كتاب (رمسيس الثاني ، فرعون المجد والانتصار، ترجمة د.أحمد زهير أمين): ص 66 [ .. من خلال نقش سجله (رمسيس 2) على نصب تذكاري: هاهو من أمكنه تشتيت المقاتلين البحريين، وأصبحت الدلتا آمنة، وجاوزت شهرته البحر، والشرادنة الخبثاء الذين لم يعرف أحد من قبل كيف يتصدى لهم، أتوا من البحر بكل جرأة على متن سفنهم البحرية من قلب البحر، لم يكن يقف في وجههم شيء من قبل، لكنه قهرهم بذراعه القوية (يقصد الجيش) وساقهم إلى مصر! .. رمسيس الثاني]. وقد اجتاحت سواحل شرق المتوسط آنذاك شعوب همجية من نحو اليونان وآسيه الصغرى وإيطالية عُرفت تاريخياً باسم شعوب البحر، ظهرت غزواتها بوضوح بعد موت الفرعون رمسيس الثاني بفترة بسيطة (قيل أول ذكر لها بعهد ابنه مرنبتاح) واستمرت حوالي القرن حتى عهد رمسيس الثالث الذي صدها عن مصر بصعوبة بالغة. |
حامد العولقي